فلنشكر الله (2 من 2)

فلنشكر الله

(2 من 2)

مجاهد ديرانية

 

رأينا في الحلقة الماضية كيف أخذ إبليس على نفسه العهد بأن يصرف آدم وذريته عن شكر الله فقال: {لأقعدنّ لهم صراطك المستقيم. ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم، ولا تجد أكثرهم شاكرين}. ثم رأينا كيف تواترت في القرآن الآيات التي تحثّنا على الشكر، وتوقفنا -أخيراً- عند هذا السؤال: كيف نشكر الله؟ والجواب فيما يأتي:

 

-1-

 

أدنى درجات الشكر الحمدُ باللسان. أخرج مسلم عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إن الله ليرضى عن العبد أن يأكل الأكلة فيحمده عليها أو يشرب الشربة فيحمده عليها”. وأخرج أبو داود عن عبد الله بن غنام أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “من قال حين يصبح: “اللهم ما أصبح بي من نعمة فمنك وحدك لا شريك لك فلك الحمد ولك الشكر” فقد أدى شكر يومه، ومن قال مثل ذلك حين يمسي فقد أدى شكر ليلته”.

 

وعن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “ما أنعم الله على عبد نعمة فقال “الحمد لله” إلا كان الذي أعطاه أفضل مما أخذ”، وكذلك رُوي عن الحسن أنه قال: “ما من نعمة إلا و”الحمد لله” أفضل منها”. وفي حديث مسلم: “والحمد لله تملأ الميزان”. وفي حديث طويل يرويه أبو هريرة: “إذا قال العبد “لا إله إلا الله له المُلك وله الحمد” قال الله عز وجل: صدق عبدي، لا إله إلا أنا لي الملك ولي الحمد”.

 

ورُوي عن ابن عباس أنه قال: “الحمد لله كلمة كل شاكر، وإن الله قال لنوح عليه السلام: {فقل الحمد لله الذي نجّانا من القوم الظالمين}، وقال إبراهيم عليه السلام: {الحمد لله الذي وهب لي على الكِبَر إسماعيل وإسحاق}، وقال لنبيه صلى الله عليه وسلم: {وقل الحمد لله الذي لم يتخذ ولداً}، وقال أهل الجنة: {الحمد لله الذي أذهب عنّا الحَزَن}، {وآخر دعواهم أن الحمد لله ربّ العالمين}، فهي كلمة كل شاكر”.

 

على أنّ شكرَ الله الحق هو ما كان شكراً بالقلب بكل الرضا والاطمئنان، فلا قيمةَ لشكر باللسان لا يصدّقه الجَنان. عن ثوبان قال: لما نزلت {والذين يكنزون الذهب والفضة} قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم، فقال بعض أصحابه: أُنزِل في الذهب والفضة ما أُنزل، لو علمنا أي المال خيرٌ فنتخذَه. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: “أفضله لسان ذاكر، وقلب شاكر“. فهل رأيتم كيف جعل محلَّ الشكر القلبَ كما جعل محلَّ الذكر اللسانَ؟

 

-2-

 

 

من مقتضيات شكر النعمة إظهارُها والتحدث بها وإعلان الامتنان لمَن مَنّ بها. روى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: “إن الله جميل يحب الجمال، يحب إذا أنعم على عبدٍ نعمةً أن يرى أثر النعمة عليه، ويبغض البؤس والتباؤس”. وعن مالك بن نضلة قال: كنت جالساً عند النبي صلى الله عليه وسلم، فرآني رَثّ الثياب فقال: ألكَ مال؟ قلت: نعم يا رسول الله، من كل المال قد أعطاني الله، من الإبل والغنم والخيل والرقيق. قال: “إذا آتاك الله مالاً فلْيُرَ عليك أثرُ نعمة الله وكرامته، فإن الله عز وجل يحب أن يرى أثره على عبده حسناً ولا يحب البؤس والتباؤس”.

 

وفي “مختصر منهاج القاصدين” لابن قدامة: “رُوي أن رجلين من الأنصار التقيا فقال أحدهما لصاحبه: كيف أصبحت؟ فقال: الحمد لله. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: “قولوا هكذا”. وأن رجلاً سلّم على عمر بن الخطاب، فردّ عليه، ثم قال له عمر: كيف أصبحت؟ قال: أحمد الله. قال: ذاك الذي أردت”. قال ابن قدامة: “وقد كان السلف يتساءلون ومرادهم استخراج الشكر لله“.

 

ولعل خلاصة المسألة في قوله تبارك وتعالى: {وأمّا بنعمة ربّك فحدث}. وقد اختلف أهل العلم في المخاطَب والخطاب، فقال بعضهم إن الآية خاصة بالنبي صلى الله عليه وسلم وإن النعمة هي الرسالة والتحدث بها تبليغُها، وذهب آخرون إلى أن الآية عامّةٌ في كل مسلم، وأن الإطلاق يقتضي شمول كل نعمة أنعم الله بها على الناس، وأن التحدث بالنعمة هو إظهارها وشكرها. وهذا هو الأظهر، واختاره الطبري والقرطبي، وقال القاضي عياض في الشفاء: “هذا الخطاب خاص للنبيّ عام لأمّته”. وهو ما تدل عليه النصوص، كما في حديث النعمان بن بشير الذي مرّ بنا في الحلقة الماضية: “التحدث بنعمة الله شكر وتركها كفر”، ومنه قول بعض السلف: من كتم النعمة فقد كفرها، ومن أظهرها ونشرها فقد شكرها.

 

-3-

 

من موجبات الشكر لله أن يكون العبد قانعاً بما آتاه الله وما قسمه له من رزق، فلا يتطلع إلى مَن فُضّل عليه بل يرضى بقَسْمه وحظّه من الدنيا، فإذا فعل وحمد المعطي الوهّاب فهو من الشاكرين.

 

أخرج الترمذي عن عبد الله بن عمرو قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: “خصلتان من كانتا فيه كتبه الله شاكراً صابراً، ومن لم تكونا فيه لم يكتبه الله شاكراً ولا صابراً: من نظر في دينه إلى من هو فوقه فاقتدى به، ومن نظر في دنياه إلى من هو دونه فحمد الله على ما فضله به عليه، كتبه الله شاكراً صابراً. ومن نظر في دينه إلى من هو دونه ونظر في دنياه إلى من هو فوقه فأسف على ما فاته، لم يكتبه الله شاكراً ولا صابراً”. وقريب من هذا المعنى ما رواه أبو هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: “يا أبا هريرة، كن ورعاً تكن أعبد الناس، وكن قنِعاً تكن أشكرَ الناس“.

 

وهذا المعنى في الشكر ليس بغريب؛ أرأيت لو كنت صاحب عمل وعندك العدد من الموظفين، فصرفت لهم المكافآت -زيادةً على رواتبهم ومستحقاتهم- تفضّلاً منك عليهم ومحبة بهم، وكان في المكافآت تفاوتٌ قرّرتَه لأمرٍ في نفسك أو لسبب تعرفه، كتفاوتهم في الكفاءة أو الانضباط أو لغير ذلك من الأسباب، فذهب الذين نالوا أقلّ من سواهم فسخطوا وغضبوا واستنكفوا أن يشكروك. ألن تشعر بالمرارة والألم إذا تفضلت وأنفقت ما ليس بواجب عليك ثم لم تلقَ جزاء ولا شكوراً؟ ولله المثل الأعلى.

 

وإنا لنرى هذا المعنى جليّاً في حديث أُبيّ بن كعب (الذي مَرّ بنا في الحلقة الماضية) في قوله تعالى: {وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم} قال: “ورفع عليهم آدم ينظر إليهم، فرأى الغني والفقير وحَسَن الصورة ودون ذلك، فقال: ربِّ، لولا سوّيتَ بين عبادك؟ قال: إني أحببت أن أُشكَر“. فرأينا أن التفاوت بين الخلق ينبغي أن يكون سبباً في شكر الخالق، ولا يخلو مجتمع بشري من تفاوت، ففوق كل غنيٍّ غنيٌّ وتحت كل فقيرٍ فقيرٌ.

 

-4-

 

ومن أجلّ معاني الشكر لله أن لا يصرف المرء ما رزقه الله من صحة أو قوة أو مال أو نفوذ وسلطان في معصيته، وأن يستفيد من تلك النعَم العظيمة على الوجه الذي يرضى عنه الله الذي أنعم بها عليه لا على الوجه الذي يستجلب غضبه وسخطه.

 

سئل بعض الصالحين عن الشكر لله فقال: “ألاّ تتقوى بنعمه على معاصيه“. قال القرطبي: “فحقيقة الشكر الاعترافُ بالنعمة للمنعم وألاّ يصرفها في غير طاعته”، وقال في تفسير قوله تعالى {الحمد لله ربّ العالمين}: “هو على ثلاثة أوجه، أولها: إذا أعطاك الله شيئاً تعرف من أعطاك، والثاني: أن ترضى بما أعطاك، والثالث: ما دامت قوته في جسدك ألا تعصيه.”

 

وإن من أعظم ما يُشكر به الله جلّ وتبارك الإقبال على العمل الذي يرضيه والاجتهاد في طاعته وعبادته.

 

انظروا إلى دعوة سليمان عليه السلام حيث قرن شكر النعمة بالعمل الصالح: {فتبسّم ضاحكاً من قولها وقال: ربِّ أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت عليّ وعلى والديّ وأن أعمل صالحاً ترضاه}. وقال تعالى مخاطباً داود وسليمان عليهم الاسلام: {اعملوا آل داود شكراً}. قال القاسمي في التفسير: “أي قيل لهم: اعملوا لله واعبدوه على وجه الشكر لنعمائه. وفيه إشارة إلى أن العمل حقه أن يكون للشكر لا للرجاء والخوف، كما أن فيه معنى وجوب الشكر، وأنه يكون بالعمل ولا يختص باللسان، لأن حقيقته صرف العبد جميع ما أنعم الله به عليه إلى ما خُلق لأجله”.

 

وهذا أمر أدركه النبي صلى الله عليه وسلم فكان أكثر الناس عبادة؛ عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقوم من الليل حتى تتفطر قدماه، فقالت له عائشة: لِمَ تصنع هذا يا رسول الله وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: “أفلا أحب أن أكون عبداً شكوراً؟” (أخرجه البخاري ومسلم وأحمد، وفي لفظ للبخاري عن المغيرة بن شعبة: لَيقوم يصلي حتى تَرِمَ قدماه أو ساقاه، وفي رواية لمسلم عنه: حتى انتفخت قدماه).

 

فالنبي صلى الله عليه وسلم -وهو أفقه أمته وأعلمهم بما يرضي الله- فَهِمَ الشكر عبادةً وعملاً واجتهاداً ولم يفهمه لفظاً باللسان فحسب كما قد يتوهم بعض الناس.

 

-5-

 

ثم إن للشكر فوائد يحصيها الشاكرون:

 

فالشاكر ينفع -أولَ ما ينفع- نفسه: {ومن شكر فإنما يشكر لنفسه}. فبِهِ يدوم إنعام المنعم، لذلك قيل: “بالشكر تدوم النعم”، وفي الآية: {وإذ تأذّن ربكم لئن شكرتم لأزيدنّكم}. قال القرطبي: “قيل: هو من قول موسى لقومه، وقيل: هو من قول الله، أي: واذكر -يا محمد- إذ قال ربك كذا. وقوله: لئن شكرتم لأزيدنكم، أي: لئن شكرتم إنعامي لأزيدنكم من فضلي“.

 

والشكر لا يتسبب في دوام النعم فحسب، بل هو -أيضاً- يصرف سخط الله وغضبه عن العبد الشاكر وينجّيه من عقاب الله وعذابه في الدنيا: {كذبت قوم لوط بالنذر. إنا أرسلنا عليهم حاصباً إلا آل لوطٍ نجيناهم بسَحَر. نعمة من عندنا، كذلك نجزي من شكر}.

 

وبالشكر تكثر الحسنات ويرتقي العبد في ميزان الله، لأن الشكر الحق بمنزلة العبادة الرفيعة، وهو أمر يعطي عليه الله تبارك وتعالى من الأجر ما يعطي على الاجتهاد في الطاعات؛ قال تعالى: {وسيجزي الله الشاكرين}، وقال: {وسنجزي الشاكرين}، وقال مخاطباً عباده: {وإن تشكروا يرضَهُ لكم}. وعن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “الطاعم الشاكر بمنزلة الصائم الصابر”. وعن صهيب عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: “عجباً لأمر المؤمن؛ إن أمره كله له خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن. إن أصابته سرّاء شكر فكان خيراً له، وإن أصابته ضرّاء صبر فكان خيراً له”.

 

*   *   *

 

وبعد، فهذا هو الشكر الذي أراده الله من عباده ورضيه لهم، والذي آلى إبليسُ على نفسه أن يصرفهم عنه ويصدّهم عن سبيله. فهل أنتم شاكرون؟

Posted in في الدعوة والإصلاح | أضف تعليقاً

فلنشكر الله (1 من 2)

فلنشكر الله

(1 من 2)

مجاهد ديرانية

 

فيما أنت تقود سيارتك في الشارع العام المزدحم رأيت سيارة تتأهب للخروج من شارع فرعي، لكن سَيْلَ السيارات الذي لا ينقطع يمنعها من التحرك، فما كان منك إلا أن وقفتَ سيارتَك وأشرت لسائق السيارة بالمرور، فانطلق بسيارته غيرَ مبدٍ أيّ إحساس بصنيعك ولم تظهر عليه أي إشارة تدل على الشكر والتقدير.

 

حين أردت إخراج زكاة مالك بحثت وتحريت حتى اهتديت إلى أهل بيت فقراء محتاجين، فانطلقت إلى حيث يسكنون فدفعت إلى رب البيت مالاً ومتاعاً، فأخذه منك وهو يقول: أنت قمت بما هو واجب عليك، فما لك علينا من شيء تمنّ به، وإنْ هو إلا حق لنا وضعه الله في المال الذي آتاك.

 

اعتدت -بين حين وحين- أن تحمل إلى أولادك شيئاً من أطايب الطعام والحلوى التي يحبون، ولكن أياً منهم لم يشكرك في يوم قط أو يُشعرك بالامتنان.

 

حينما نتأمل المشاهد السابقة نحسّ أن فيها شيئاً غريباً أو ناقصاً. ما هو؟ إن الناس مفطورون على حبّ الشكر وينتظرون التقدير لما يقدمون، حتى لو كان ما يقدمونه شيئاً زهيداً، كأن يأذن سائق سيارة لآخر بحرية المرور، فترى السائق الآخر -عندئذ- يرفع يده ملوّحاً بها دلالة على الشكر والتقدير. وحتى لو كان ما يقدمون واجباً عليهم شرعاً (كالزكاة) أو قانوناً (كالوظيفة)، أو كان التقديم لبعض المقرَّبين، كالزوجة والأولاد.

 

وليس هذا أمراً يحبه الناس فحسب، بل إنه مما يأمر به الشرع ويحضّ عليه أيضاً. انظروا إلى هذه الأحاديث:

 

عن النعمان بن بشير أن النبي صلى الله عليه وسلم قال على المنبر: “من لم يشكر القليل لم يشكر الكثير، ومن لم يشكر الناس لم يشكر الله”، وروى أبو هريرة عنه صلى الله عليه وسلم: “لا يشكر الله من لا يشكر الناس”، وعن الأشعث بن قيس: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إن أشكر الناس لله أشكرُهم للناس”، وفي حديث جابر: “من أُعطي عطاء فوجد فليجزِ به (أي إن استطاع أن يرد العطاء بعطاء مثله فليفعل) ومن لم يجد فليُثنِ (أي على المعطي)، فإن مَن أثنى فقد شكر ومن كتم فقد كفر”. ومعنى قوله صلى الله عليه وسلم “من كتم فقد كفر” أنه كفر تلك النعمة. وفي حديث أسامة بن زيد: “من صُنع إليه معروف فقال لفاعله: جزاك الله خيراً، فقد أبلغ في الثناء”.

 

*   *   *

 

فإذا كان المرء مطالَباً بشكر نعمةٍ مُفرَدة محدودة أنعمها عليه عبدٌ مثلُه فكيف بوليّ كل النِّعَم، وكيف بالذي يغمرنا فضلُه وكرمه ونعجز عن إحصاء نِعَمه: {وإن تَعُدّوا نعمة الله لا تُحصوها}، {وما بكم من نعمة فمن الله}؟ ألا ينبغي علينا أن نشكر المُنعم على نِعَمه؟

 

قد يقول قائل أن هذا السلوك غالبٌ وأن الناس يشكرون الله على نِعَمه، ولكنّ الحقيقةَ غيرُ ذلك. اسمعوا شهادة الخالق على الناس في كتابه الكريم:

 

{إن الله لذو فضل على الناس، ولكن أكثر الناس لا يشكرون} (البقرة 243)، {إن الله لذو فضل على الناس، ولكن أكثرهم لا يشكرون} (يونس: 60)، {ذلك من فضل الله علينا وعلى الناس، ولكن أكثر الناس لا يشكرون} (يوسف: 38)، {وإن ربك لذو فضل على الناس، ولكن أكثرهم لا يشكرون} (النمل 73)، {إن الله لذو فضل على الناس، ولكن أكثر الناس لا يشكرون} (غافر: 61)، {اعملوا آل داود شكراً، وقليلٌ من عبادي الشكور} (سبأ: 13)، {وجعلنا لكم فيها معايش، قليلاً ما تشكرون} (الأعراف: 10)، {وهو الذي أنشأ لكم السمع والأبصار والأفئدة، قليلاً ما تشكرون} (المؤمنون: 78)، {وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة، قليلاً ما تشكرون} (السجدة: 9)، {وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة، قليلاً ما تشكرون} (الملك: 23).

 

هذه شهادة الله -جَلّ وتبارك- على بني آدم، فهل بعد هذه الشهادة من شك؟ ولكن من أين جاء هذا النُّكران وكيف تسلل خُلُق الجحود إلى الإنسان؟

 

إنه صنع إبليس الذي أعلن الحرب على آدم وذريته يوم فضله الله في الخلق عليه. اسمعوا القصة: {ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم، فسجدوا إلا إبليس لم يكن من الساجدين. قال: ما منعك ألاّ تسجد إذ أمرتك؟ قال: أنا خير منه؛ خلقتني من نار وخلقته من طين. قال: فاهبط منها، فما يكون لك أن تتكبر فيها، فاخرج؛ إنك من الصاغرين. قال: أَنظرني إلى يوم يبعثون. قال: إنك من المنظَرين. قال: فبما أغويتني لأقعدنّ لهم صراطك المستقيم، ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم، ولا تجد أكثرهم شاكرين}.

 

*   *   *

 

ذلك كان العهد الذي قطعه أبليس على نفسه: أن يصرف الناس عن شكر الله. وقد أجابه ربنا تبارك وتعالى إلى ما طلب لحكمة يعلمها: {قال: إنك من المنظَرين}، {قال: فإنك من المنظَرين، إلى يوم الوقت المعلوم} ولكنه عقّب قائلاً: {قال: هذا صراطٌ عليّ مستقيم. إنّ عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتّبعَك من الغاوين. وإن جهنم لموعدهم أجمعين}، {قال فالحقُّ، والحقَّ أقول: لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين}.

 

ثم توجه الله عز وجلّ إلى بني آدم يذكّرهم بفضله عليهم ويعدد نعمه التي آتاهم ويحضّهم على ذكره وشكره:

 

{فاذكروني أذكركم، واشكروا لي، ولا تكفرون} (البقرة 152)، {يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم، واشكروا لله إن كنتم إياه تعبدون} (البقرة: 172)، {فكلوا مما رزقكم الله حلالاً طيباً، واشكروا نعمة الله إن كنتم إياه تعبدون} (النحل: 114)، {فابتغوا عند الله الرزق واعبدوه واشكروا له} (العنكبوت: 17)، {كلوا من رزق ربكم واشكروا له} (سبأ: 15)، {ولتكبّروا الله على ما هداكم، ولعلكم تشكرون} (البقرة: 185)، {ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم لعلكم تشكرون} (المائدة: 6)، {كذلك يبيّن الله لكم آياته لعلكم تشكرون} (المائدة: 89)، {فآواكم وأيدكم بنصره ورزقكم من الطيبات لعلكم تشكرون} (الأنفال 26)، {وترى الفلك مواخر فيه، ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون} (النحل: 14)، {وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون} (النحل: 78)، {كذلك سخرناها لكم لعلكم تشكرون} (الحج: 36)، {ومن رحمته جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون} (القصص: 73)، {ومن آياته أن يرسل الرياح مبشرات وليذيقكم من رحمته ولتجري الفلك بأمره ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون} (الروم: 46)، {وترى الفلك فيه مواخر لتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون} (فاطر: 12)، {لتجري الفلك فيه بأمره ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون} (الجاثية: 12)، {ليأكلوا من ثمره وما عملته أيديهم، أفلا يشكرون؟} (يس: 35)، {ولهم فيها منافع ومشارب، أفلا يشكرون؟} (يس: 73)، {لو نشاء جعلناه أجاجاً، فلولا تشكرون؟} (الواقعة: 70)، {فهل أنتم شاكرون؟} (الأنبياء: 80).

 

من أجل ذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يسأل الله -في دعائه- أن يعينه على شكره، وكان يعلّم أصحابه أن يطلبوا من الله العونَ على الشكر:

 

عن شداد بن أوس قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم  يعلمنا أن نقول: “اللهم إني أسألك الثبات في الأمر، وأسألك عزيمة الرشد، وأسألك شكر نعمتك وحسن عبادتك” (رواه الترمذي -واللفظ له- والنسائي وأحمد). وعن أبي هريرة قال: دعاء حفظته من رسول الله صلى الله عليه وسلم  لا أدعه: “اللهم اجعلني أعظّم شكرك، وأكثر ذكرك، وأتّبع نصيحتك، وأحفظ وصيّتك” (رواه الترمذي وأحمد). وعنه عن النبي صلى الله عليه وسلم  قال: “أتحبون أن تجتهدوا في الدعاء؟ قولوا: اللهم أعنّا على شكرك وذكرك وحسن عبادتك” (رواه أحمد). وعن معاذ بن جبل قال: “أخذ بيدي رسول الله صلى الله عليه وسلم  فقال: إني لأحبك يا معاذ. فقلت: وأنا أحبك يا رسول الله. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : فلا تدَعْ أن تقول في كل صلاة (وفي رواية: في دبر كل صلاة): ربِّ أعنّي على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك”.

 

*   *   *

 

إن الله يحب أن يُشكَر في الدنيا ويحب أن يُشكَر في الآخرة. في حديث طويل عن أُبي ابن كعب في قوله تعالى: {وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم} قال: “ورفع عليهم آدم ينظر إليهم فرأى الغني والفقير وحسن الصورة ودون ذلك، فقال: ربِّ، لولا سويت بين عبادك؟ قال: إني أحببت أن أُشكَر“. ذلك في الدنيا، وأما في الآخرة فانظروا إلى ما يرويه أبو هريرة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم  يقول: “لا يدخل أحدٌ الجنة إلا أُريَ مقعده من النار -لو أساء- ليزداد شكراً، ولا يدخل النار أحد إلا أُريَ مقعده من الجنة -لو أحسن- ليكون عليه حسرة”.

 

وقد جعل الله عزّ وجل شكرَ الخَلق له بمقام عبادتهم إياه وعلّق فعل العبادة منهم بفعل الشكر. هذا هو المعنى الذي يدركه من تأمل قوله تعالى: {واشكروا نعمة الله إن كنتم إياه تعبدون}؛ فإنّ “إنْ” أداة شرط وُضعت -كما يقول النحاة- “لتعليق الجواب على الشرط تعليقاً مجرداً يُراد منه الدلالة على وقوع الجواب وتحققه، بوقوع الشرط وتحققه، من غير دلالة على زمان أو مكان”. فعلمنا أن العبادة الحقّة مرهونة بشكر نعمة الله ومتعلقة به تعلق الجواب بشرطه.

 

ولكن: كيف يكون الشكر؟ هذا هو موضوع الحلقة القادمة إن شاء الله.

Posted in في الدعوة والإصلاح | أضف تعليقاً

الامتحان التركي (مقتطفات من مقالة قديمة)

المحاولات الحثيثة لجرّ تركيا إلى الحرب لم تنقطع منذ ثلاث سنوات. لماذا؟ الجواب في مقالة “الامتحان التركي” التي نشرتها قبل سنتين. فيما يلي مقاطع منها، وهي منشورةٌ كاملةً في هذه المدونة على الرابط التالي:

 http://shamquake.wordpress.com/2012/10/07/1234/

_______________________

 

إن تركيا “تُدفَع” إلى الحرب دفعاً حثيثاً منذ شهور، وقد مرّت مناسبات عدة كان ينبغي أن تنفجر فيها الحرب فعلاً: تجاوزات على الحدود، واختطاف صحفيين أتراك، وضرب شاحنات تركية، وقصف مخيمات اللاجئين، وعمليات حزب العمال الكردستاني، وإسقاط الطيارة التركية في البحر، ثم هذا العدوان الأخير. كل واحدة من تلك الحوادث كانت شرارة كافية لإشعال الفتيل، ولكن الأتراك أصرّوا على عدم الرد. لماذا؟ هل لأنهم ضعفاء أو جبناء؟ لا يصحّ هذا الاحتمال، فالجيش التركي من أقوى الجيوش في العالم، وأي انتصار يحققه سيرفع شعبية أردوغان وحزبه إلى مستويات خيالية.

 

إذا لم يكونوا ضعفاء ولا جبناء، فهل يمكن أن يكونوا حكماء؟ لِمَ لا؟ ربما كان هذا هو الجواب الصحيح.

 

*   *   *

 

ربما شغلتنا ثورتنا عن ملاحظة ما يجري حولنا في المنطقة. إنني أحس أننا نعيش أياماً لها ما بعدها؛ أرى علامات تقول إن حلفاً سنّياً كبيراً يولد تحت أعيننا في هذه الساعات الحاسمة من عمر الزمن، حلفاً ستكون تركيا هي عموده الفقري بقوتها البشرية والاقتصادية والعسكرية العظيمة، وسوف يضم أكثر من مئة وستين مليون إنسان ويملك موارد اقتصادية تجعله القوةَ الاقتصادية الثانية عشرة في العالم. أرجو أنّ الأمة مقبلة على خير كبير، في العراق وفي بلاد الشام بشكل خاص وفي المنطقة كلها على العموم.

 

هل يمكن قطع الطريق على ذلك المشروع العظيم؟ نعم. كيف؟ بالحرب.

 

*   *   *

 

إن الحروب تدمر الدول المتحاربة وتستهلك قُواها ومواردها، وهي تسلية القوى العظمى التي تسيطر على العالم والوسيلةُ التي تتوسل بها إلى إضعاف الأمم الصغيرة واستنزافها. أميركا بارعة في هذه اللعبة، ويبدو أنها فُتنت بها بعدما شاهدت نتيجتها السحرية في الحربين العالميتين. غداةَ الحرب الأولى كانت دول أوربا تملك أكثر الدنيا، كل دولة منها تستعبد من البشر عشرة أضعاف سكانها أو عشرين، وتحتل من الأرض عشرين ضعف مساحتها أو ثلاثين أو خمسين، فلما اقتتلت دمّر بعضُها بعضاً وذهبت قوتها وفقدت كل ما تملك، ثم خرجت من تحت الأرض قوةٌ جديدة سيطرت على الأرض: الولايات المتحدة الأميركية.

 

في آخر السبعينيات كانت الجارتان اللدودتان، إيران والعراق، قوتين إقليميتين كبيرتين. بعد ثماني سنوات من الحرب عادت جيوش البلدين إلى الخطوط التي كانت عليها يوم بدأت الحرب. لقد أكلت الحرب قوة البلدين ومواردهما وأهلكت مليون نَفْس دون أية مكاسب حقيقية على الأرض.

 

هل يفكر أحدٌ في تفجير حرب إقليمية جديدة في المنطقة نفسها، تكون تركيا طرفاً فيها هذه المرة؟ يبدو أن هذه الفرضية قريبة جداً من الصواب.

 

*   *   *

 

ماذا لو تفجرت في المنطقة حرب إقليمية كانت تركيا أحدَ طرفيها وإيران وحلفاؤها الطرف الآخر؟ لا أحد يستطيع الجزم بالنتائج، ولكنّ مقارنة القُوى ترجّح ترجيحاً كبيراً أن تنتصر تركيا في الحرب، على أنه سيكون نصراً مكلفاً جداً. سوف تضعُف تركيا اقتصادياً وعسكرياً، وسوف تخسر الأمة قوة كبيرة، وسوف تفقد سوريا الدعمَ التركي الحالي (وهو دعم مستمر وكبير) لأن الحرب ستأكل موارد تركيا وطاقتها فتشغلها عن رعاية الثورة ودعمها.

 

لقد بلغ الاستهتار والإسفاف بإيران وحلفها الشرير أنهم ما عادوا يبالون بالكشف عن نياتهم وأعمالهم الدنيئة، ولعل السبب هو أنهم وصلوا إلى المرحلة التي يرمي فيها الخصم بآخر أوراقه حينما يعرف أنه على شفا الخسارة المحققة، فلن تسوء الأمور أكثر مما هي سيئة.

 

الطرف الآخر ما يزال متماسكاً ويرى أن أوراقه كلها ما تزال في يده، وهو لا يرى ما يدعوه إلى كشفها وحرق الخيارات والبدائل. لو كان هذا التصور (السيناريو) صحيحاً فإن التحالف السنّي الجديد لن يسمح بأن يُستدرَج إلى مواجهة قد تزيد خسائرُها على أرباحها. باختصار: ستحذر تركيا من الوقوع في فخ الاستنزاف الذي يبدو أن الطرف الآخر قد وقع فيه بالفعل، بل يبدو أنه بات غارقاً فيه إلى العنق.

_______________

 

تعقيب: تغير المشهد كثيراً خلال السنتين اللتين انقضتا منذ كتابة ونشر هذه المقالة، فتفكك التحالف السنّي الذي أشرت إليه بسبب الانقلاب العسكري في مصر والضغط السياسي على قطر، ولكن تركيا بقيت في موقعها نفسه، وهي ما تزال الركنَ الركين الذي تستند الثورة السورية عليه، وما تزال الرقمَ الصعب الذي يربك خطط أعداء الأمة الذين يحاولون “إعادة إنتاج المنطقة” ضمن مشروع الشرق الأوسط الجديد. اللهمّ احفظ تركيا واحمِ أردوغان وحكومته من كيد الكائدين.

Posted in رسائل الثورة | 4 تعليقات

هل للمرأة أن تخطب خطبة العيد؟

هل للمرأة أن تخطب خطبة العيد؟

مجاهد ديرانية

 

أثار منشوري المقتضَب الذي نشرته أول أمس ردوداً كثيرة تفاوتت بين الاستنكار والاستفسار. استنكر أنصارُ داعش وصفي لها بالغلوّ وطالبوني بالدليل، والدليلُ -لمن أراد الدليل- مبسوطٌ في عشرات المقالات التي كتبتها عن داعش في عام مضى، وفي مئات ومئات مما كتبه غيري من الأفاضل ممّن هم أوسع مني علماً وأسطع بياناً، فمَن أراد الحق فليبحث عنه صادقاً يَهْدِه الله إليه إن شاء. الفريق الآخر تساءل باحثاً عن الحق لا مُمارياً فيه، لذلك فإن من حقه أن يسمع الجواب المفصَّل عن هذا السؤال: هل يمنع الشرعُ المرأةَ فعلاً من خطبة الجمعة وخطبة العيد؟

 

الأصل أن صوت المرأة -في غير تطريب وتلحين- ليس بعورة، فلا تُمنَع من مخاطبة الرجال ولا يُمنَعون من الاستماع إليها إلا إذا تعمّدت الترخيم والتنغيم، ومنه نَهيُه تبارك وتعالى لأمهات المؤمنين ولعامة نساء المسلمين: {فلا تخضعنَ بالقول فيطمعَ الذي في قلبه مرض}. فإذا خلا كلامُ المرأة من التطريب واللين المتعمَّد جاز أن يسمعها الرجال، ولا فرقَ بين أن يكون كلامُها في موضوع علمي أو في غيره.

 

وقد عرف تاريخنا العلمي مئات (وربما آلافاً) من العالمات اللائي تتلمذ عليهنّ علماء كبار، ومن قرأ “سير أعلام النبلاء” -على سبيل المثال- وجد ما يثير الدهشة والعجب في هذا الباب، وفيه دليل على أن الإسلام لا يمنع المرأة من تدريس الرجال إذا كانت مستترة بحجابها الشرعي، وأحسب أنه في حكم المكروه إذا كانت في سنّ الشباب وخُشِيَت الفتنة بها أو عليها، فلا تستوي الشابة بنت العشرين والثلاثين مع الكهلة التي جاوزت الخمسين أو بلغت الستين. وهذا حكم يستوي فيه الدرس والخطبة لأنهما من جنس واحد.

 

ذلك إن كانت الخطبة من أمور الدنيا، أما خطبة الجمعة وخطبة العيد فإنهما من أمور الدين، فلا تدخلان في باب العادات بل في باب العبادات، والعبادات تدخل في قوله صلى الله عليه وسلم “أمْرنا” في الحديث الصحيح الذي أخرجه البخاري ومسلم عن عائشة رضي الله عنها: “مَن أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رَدّ”، وفي لفظ لمسلم: “من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رَد”. ففهمنا أنّ ما يُستحدَث في الدين من زيادة أو تغيير فإنه يُرَدّ على مُحْدِثه ولا يصحّ في شريعة الإسلام.

 

فصار محل البحث هنا هو: هل خطبة العيد من أمور الدين أم من أمور الدنيا؟ وهل هي جزء من صلاة العيد أم أنها عمل مستقل؟ الذي ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يخطب بالناس ويصلي بهم، وهذا هو ما صنعه الخلفاء الراشدون الأربعة من بعده، فاستنتج العلماء أن الصلاة والخطبة “كيان واحد”، فلا صلاةَ عيد بلا خطبة ولا خطبةَ عيد بلا صلاة؛ جاء في الموسوعة الفقهية الكويتية: “يُستحَبّ أن لا يؤمّ القومَ إلا مَن خطب فيهم لأن الصلاة والخطبة كشيء واحد“.

 

واستحباب أن يتولى الصلاةَ والخطبةَ إمام واحد هو مذهب الجمهور، وهو واجب عند المالكية، فلا يجوز عندهم أن يتولى الصلاة غيرُ الخطيب إلا لعذر. وجوّز الأحنافُ أن يتقدم للصلاة غيرُ الخطيب إذا شهد الخطبةَ أو جزءاً منها، ولا يجوز أن يَؤمّ مَن لم يشهد شيئاً من الخطبة. كل ذلك يؤكد أن الصلاة والخطبة عبادة واحدة لا عبادتان منفصلتان، فإذا كانت الخطبة والصلاة أمراً واحداً صار حكمهما واحداً، وقد اتفق أهل العلم -بلا خلاف- على أن إمامة المرأة للرجال في الفرائض والجُمَع والأعياد لا تجوز، قال ابن حزم في “مراتب الإجماع”: “واتفقوا أن المرأة لا تؤم الرجال وهم يعلمون أنها امرأة، فإن فعلوا فصلاتهم فاسدة بإجماع”.

 

ولو أن امرأة ساغ لها أن تخطب في جمعة أو عيد لخطبت عائشة رضي الله عنها في الصحابة، فقد كان عندها من العلم ما لم يكن عند كثير منهم؛ أخرج الترمذي عن أبي موسى الأشعري: “ما أشكل علينا -أصحابَ رسول الله- حديثٌ قطّ فسألنا عائشة إلا وجدنا عندها منه علماً”. وبلغت -رضي الله عنها- القمّةَ في الفصاحة والبيان؛ أخرج الطبراني عن معاوية أنه قال: “والله ما رأيت خطيباً قطّ أبلغَ ولا أفصحَ ولا أفطن من عائشة”. وفي “سير أعلام النبلاء” أن الأحنف بن قيس قال: “سمعت خطب أبي بكر وعثمان وعلي والخلفاء إلى يومي هذا، فما سمعت الكلامَ من فم مخلوق أفخمَ ولا أحسنَ منه من فم عائشة”، وفي السّيَر أيضاً عن ابن شهاب الزهري: “لو جُمع علم عائشة إلى علم جميع النساء لكان علم عائشة أفضل”.

 

فهل جاد علينا الزمان الأخير بخطيبة أعلم وأفصح من عائشة، أم أن حكم الجواز خَفِيَ على الصحابة وبقي مستتراً طوال العصور حتى اكتشفه بعض العباقرة أخيراً؟

 

ثم لو أنّا سلَّمْنا -جدَلاً لا إقراراً- بأن خطبة العيد جائزة للمرأة، فهل يجوز أن تتولاها مَن تنكر معلوماً من الدين بالضرورة؟ لو أن رجلاً أنكر شيئاً من الدين لم يَجُزْ له أن يخطب ويؤمّ المسلمين في جمعة وعيد، فكيف يجوز ذلك لامرأة لا تعترف بالحجاب الذي فرضه الإسلام ولا تبالي بأن تظهر في المجتمعات والمؤتمرات حاسرةَ الرأس مكشوفةَ الشعر؟

 

لو أنها كشفت وجهها فحسب لقلنا إنه محل خلاف قديم بين أهل العلم ولم ننكر، أما الرأس فما علمنا إلا أن الإجماع منعقد بين علماء الأمة في كل العصور على أنه من العورة الأصلية؛ قال ابن حزم في “مراتب الإجماع”: “واتفقوا على أن شعر الحرّة وجسمها -حاشا وجهَها ويدها- عورة، واختلفوا في الوجه واليدين”. ولو أنها أقرّت ثم خالفت لكانت عاصية مخطئة فحسب، ومَن منا يخلو من خطأ أو معصية؟ أمّا الإنكار؟! نسأل الله الفقه بالدين والثبات على الحق والوفاة على الإيمان.

 

*   *   *

 

الخلاصة: إن خطبة العيد عبادة، والعبادات لا تتغير أحكامُها بتغير الأحوال والأزمان. وهي جزء من شعيرة صلاة العيد، فلا يخرج حكمُ الخطبة عن حكم الإمامة. والإمامة في الصلاة لا تجوز إلا للرجال بإجماع، وحتى لو جاز (نقول “لو”، وهي حرف امتناع لامتناع كما يقول النحاة) لو جاز أن تخطب بالرجال امرأةٌ فلا يجوز أن تصنع ذلك مَن تنكر شيئاً من شرائع الدين المعلومة بالضرورة والمجمَع عليها بين فقهاء الأمة في كل العصور.

Posted in في الدعوة والإصلاح | أضف تعليقاً

تعليق على حادثة

باسم الإسلام قطعت داعش رؤوسَ المسلمين وباسم الإسلام خطبت في المسلمين امرأةٌ سافرة في يوم عيد المسلمين. إمّا أن الإسلام دين منفصمُ الشخصية أو أن الطرفين لا يمثلان الإسلام.

 

الغلوّ يغذّي التمييع والتمييع يغذّي الغلو، وبينهما ضاع الإسلام. لا يهمنا مَن البادئ منهما، إنما يهمنا أن يتوقف هذا العبث بدين الله. يهمنا أن يعرف الناس أن الإسلام بريء من عمل الفريقين. يهمنا أن نحمي الإسلامَ من تأويل الغالين وتحريف الجاهلين وانتحال المُبطلين.

 

افعلوا ما شئتم يا أيها الجَهَلة والغُلاة، ولكن لا تقولوا إنّ لغلوّكم وتحريفكم وانتحالكم علاقةً أو صلةَ قُربى بالإسلام؛ الإسلامُ بريءٌ ممّا تفترون.

 

Posted in خواطر فسبوكية | أضف تعليقاً

خواطر أب

مذكرات أب في آخر العمر

مجاهد ديرانية

 

-1-

 

كانوا سبعة يقيمون في بيت واحد، أباً وأماً وخمسة أولاد. لم يدرك الأبُ كيف تمضي السنوات، ولكنها مضت، مضت سريعةً لم يكد يحسّ بها ولم يلاحظ سرعةَ إقبالها وسرعة إدبارها، فكأنه ما رُزق بطفله الأول إلا قبل أيام قليلة فقط. ثم جاء الثاني، ومضى زمان طويل جميل، سنوات عشر، ثم جاء ثلاثة آخرون. شكر الأبُ الواهبَ الكريمَ على ما وهب، وظنّ أن الصغار يبقَون صغاراً ويلزمون البيت إلى الأبد، نسي أنهم يكبرون ثم تَنبت لهم أجنحة فيطيرون (كما كانت أمه تخبره على الدوام).

 

-2-

 

فجأة كبر الأولاد. نعم، كبروا فجأة. تزوج أحدُهم وغادر البيت، فبقي فيه ستة، أب وأم وأربعة أولاد. ثم تزوج الآخر وترك البيت، وبقي خمسة، أب وأم وثلاثة أولاد. وذاتَ يوم غادر الأولاد الثلاثة البيت، ذهبوا يسعَون فيما يسعى فيه كل شاب، دراسة جامعية تساعدهم على المضيّ في درب الحياة الشاق. اختار كل واحد منهم جامعة في بلد بعيد ومضى، فعاد البيتُ بساكنَين اثنَين كما كان أولَ مرة قبل ثلاث وثلاثين سنة.

 

-3-

 

يمر الأب -في طريقه إلى غرفة نومه ليلاً- بغرفة نوم الأولاد. كان من دأبه أن يفتح باب الغرفة كلما مر بها ليلاً ويلقي على الأولاد النائمين نظرة اطمئنان. يخطر له الليلةَ خاطرٌ فيفتح الباب، ولكنه لا يجد إلا أسرّة فارغة ليس فيها نائمون. يمر نهاراً بغرفة معيشتهم وينظر فيرى مكاتبَ وكراسيّ ليس عليها قاعدون. يأتي وقتُ الصلاة فيَهُمّ بأن يناديهم إلى الصلاة، ثم يتذكر أنه لم يبقَ في البيت أولادٌ ليلبّوا نداء الصلاة. يأتي وقتُ الغداء وتناديه الأم إلى الطعام فينادي الأولادَ للطعام، ثم يتذكر أنه لم يبقَ في البيت أولادٌ ليجتمعوا على طعام.

 

-4-

 

يلاحظ الأب أن أموراً كثيرة تغيرت في البيت مؤخراً. كلما فتح الثلاجة خُيِّل إليه أن الأطعمة والأشربة فيها تزيد ولا تنقص؛ طبق البيض يبقى شهراً أو أكثر من شهر، وقد كان يتلاشى في أيام معدودة، وقوارير العصير تصمد على رف الثلاجة أسبوعاً وقد كانت تدخلها أولَ النهار فتُجْهز عليها الغاراتُ المتتالية قبل الليل. غسالة الملابس لا تكاد تدور مرة كل أسبوعين، وغسالة الصحون التي كانت تئنّ من حملها الثقيل كل يوم صارت تدور مرة في الأسبوع. والضجيج، أين ذهب الضجيج؟ صحيحٌ أن الهدوء جميل ولكن بعض الصخب يصنع أحياناً الفارق بين عالم الموت وعالم الحياة.

 

-5-

 

لم يعد الأب يذهب إلى المتاجر الكبيرة (السوبرماركت) كثيراً. ماذا يحتاج أب وأم يعيشان وحدَهما في بيت صغير؟ بضع حاجيات يحصلان عليها من البقالة القريبة. في المرات القليلة التي يذهب فيها الأب إلى المتجر الكبير يمدّ يده إلى العبوة الكبيرة التي كان يشتريها سابقاً، ثم يفكر: مَن سيستهلك هذا كله؟ فيعيدها إلى الرف ويأخذ أصغر العبوات. وتقوده رجلاه إلى الأرفف التي كان يشتري منها الأصناف التي يحبها الأولاد، ثم يتذكر أن البيت لم يعد فيه أولاد، فيسحب عربته ويمضي إلى موضع آخر. كثير مما كان يشتريه للأولاد لا حاجةَ له بشرائه اليوم. ربما كان سيشتريه لنفسه لو كان أصغر، لكنه لا يشتهي شيئاً منه وهو في هذه السن. إن المرء في أول العمر يطلب ولا يجد، وفي آخره يجد ولا يريد.

 

-6-

 

ينظر الأب إلى البيت الخالي في هذا العيد وقد تبعثر الأولاد، كل ولد في بلد، ويتذكر عيداً مضى قبل عام كان الكل فيه مجتمعين. أحبّ يومَها أن يحافظ على طقوس العيد فمدّ حبلاً علّقَ عليه أوراقَ نقد، ثم قال: “ليقطف كل واحد عيديّته”. لم يكن الولدان الكبيران بحاجة إلى تلك الورقة وكلٌّ منهما يحصل على مثلها في يومين من أيام العمل، ولا أيٌّ من الثلاثة الآخرين تعني له هذه الورقةُ شيئاً كثيراً وهو يأخذ من أبيه ما يحتاج إليه كل يوم. أدرك الأب ذلك، ولكنها كانت طريقتَه الخاصة في إقناع نفسه بأنه ما يزال أباً يافعاً لأولاد صغار.

 

-7-

 

يسرح الأب في أفكاره: ماذا يصنع الأولاد في هذا العيد؟ كيف أمضى يومَ العيد الأول الولدُ الوحيد في البلد البعيد؟ وماذا صنع الآخران في البلد القريب؟ يتساءل: كيف طاروا كلهم معاً في وقت واحد؟ ثم يقول لنفسه: إنها سنة الحياة. لقد خرج هو نفسه من بيت أبويه ذات يوم، وسيأتي يوم يخرج فيه أولادُ أولادِه من بيوت أولاده كما خرجوا هم من بيته اليوم. لعل الامتحان الصعب الذي يواجهه الأب بعد عمر طويل أمضاه في رعاية أولاده هو أن يعيش من أجل نفسه فحسب، فما أصعبَ أن يعتاد العيشَ من أجل نفسه مَن أمضى دهراً وهو يعيش من أجل آخرين. يفكر الأب بهذا كله مليّاً ثم يقول: نعم، إنها سنّة الحياة.

 

Posted in مشكلات اجتماعية وتربوية وأسرية | أضف تعليقاً

هجرة الموت

قوارب الموت

هجرة الموت

 مجاهد ديرانيّة

 

-1-

 

لا أستطيع أن أنسى تلك المشاهد: جثث الغرقى منثورة على رمال الشاطئ، طفلة صغيرة ميتة رفعوها عن الأرض فتهدّلَت ككيس من قطن، صورة طفل رضيع لم يعرف أحدٌ مصيرَه، فبحث أبواه عنه يومين ثم أيِسَا من العثور عليه، فانطلقا إلى دول الشمال وما يعرفان: أيخلّفان وراءهما مَيْتاً فيُرثَى أم حياً فيُرجَى؟!

 

ما حملكم على ذلك يا أحرار سوريا؟ لماذا أتعبتم قلوبنا فحمّلتمونا هَمّاً فوق هَمّ، وزدتم الألم ونثرتم الملح على الجراح؟ أفرارٌ من قدَر إلى قدَر؟ وما أدراكم أنكم في بلدكم بين أهليكم أكثرُ أماناً منكم في لُجّ البحر؟

 

أيُّ يوميَّ من الموت أفِرّ؟   ***   يومَ لا يُقدَرُ، أو يومَ قُدِرْ؟
يومَ لا يُقدَرُ لا أحذرُهُ   ***   ومن المَقدور لا ينجو الحَذِرْ

 

-2-

 

ما الذي يدفع السوريين إلى الهجرة بقوارب الموت وهم يعلمون ما يكتنف تلك الرحلةَ من أهوال وأخطار؟ إنما هما سببان: خوف من واقع حاضر، أو رغبة في حياة أفضل.

 

لو طوّفنا في سوريا كلها من أدناها إلى أقصاها فلن نجد مساحة آمنة، ولا شبراً في شبر، فقد أحال النظام المجرم حياةَ السورين جميعاً إلى خوف، خوف من الموت بالقصف في المناطق المحررة، ومن الجوع والمرض في المناطق المحاصرة، ومن الاعتقال والتعذيب في المناطق المحتلة، فثَمّ لم يجد كثيرٌ من السوريين إلا الفرارَ بأنفسهم وأولادهم إلى بلاد الحرية والأمان. هل يُلامون؟

 

لا نستطيع أن نلوم من يعيش في عين الخطر فيصبح ويُمسي على رائحة الموت إذا فكر في الهجرة والفرار. ليس لومُ أولئك المعذَّبين حقاً لي ولا لأمثالي من الآمنين، ولكن النصيحة حق للأخ على أخيه، فما يمكن أن نقدمه هو رأي ونصح لا عتاب وتثريب.

 

-3-

 

من كان يعيش في المناطق المحتلة في خطر حقيقي، كأن يكون ناشطاً مكشوفاً مطلوباً بالاسم، فإن هجرته مبرَّرة، بل إنها واجبة، وهو يطالَب بالخروج من منطقة الخطر حفاظاً على نفسه لأنه سيُعتقَل عاجلاً أو آجلاً. ولكنا لن ننصحه أبداً بركوب البحر والهجرة إلى البلد البعيد، بل سنقول إن هجرته واجبةٌ ابتداءً إلى المناطق المحررة، ففيها يبتعد عن الخطر ويصبح في أمان نسبي ويستطيع مواصلة نشاطه الثوري وهو وسط أهله وذويه.

 

لكن ماذا لو أنه تعب أو يئس وأراد التقاعدَ والانسحابَ من الثورة والهجرةَ من سوريا كلها، أنستطيع منعه؟ لا، ولا نستطيع كذلك منع سواه من الذين يريدون الهجرة بحثاً عن حياة مادية أفضل، ولكننا ننصح الاثنين قائلين: إذا كنت عازماً على الهجرة ولا بدّ فلماذا لا تهاجر إلى بلد قريب، إلى تركيا؟ إنك -لو فعلت- لن تركب البحر وتخاطر بنفسك وزوجك وبنيك، وسوف تعيش مكرّماً في بلد آمن تجد فيه فرصة للعمل والاستقرار وتعليم الأولاد، وستظل قريباً من سوريا فتعود إليها ولو في زيارات متقطعة بين حين وحين، وإن كنت راغباً بالمساهمة في النشاط الثوري فما أكثرَ المؤسسات الثورية التي تعمل على الأراضي التركية.

 

-4-

 

تخبرنا الإحصاءات التي نشرتها منظمة الهجرة الدولية أن الضحايا الموثقين للهجرات غير الشرعية بقوارب الموت في البحر المتوسط بلغوا ثلاثة آلاف في النصف الأول من هذا العام، أي أنهم سيبلغون ستة آلاف إذا بقي معدل الهجرة كما هو الآن. فإذا عرفنا أن هذا المعدل في ازدياد أسبوعاً بعد أسبوع، وليس شهراً بعد شهر، وأن رحلات كثيرة لا يمكن تَعَقُّبها ومعرفةُ مصير ركابها بسبب الطبيعة السرية للهجرة غير الشرعية، فإننا نستطيع أن نقدّر عدد الضحايا خلال هذه السنة بعشرة آلاف غريق على الأقل.

 

عندما نقيس هذا العدد إلى عدد الذين نجحوا في الوصول إلى البر الأوربي في عام كامل، وهم مئة وثلاثون ألفاً، فسوف نكتشف أن نسبة الخطر تبلغ ثمانية في المئة تقريباً. أي أن ثمانين سوف يموتون غرقاً من كل ألف مهاجر. هل فكر أحدٌ من المهاجرين في مقارنة هذه النسبة بنسبة الخطر في المناطق المحررة التي تتعرض للقصف اليومي؟ إننا نفقد نحو عشرين ألف شهيد بسبب كل أنواع القصف العشوائي على المناطق المدنية في عام كامل تقريباً، ويبلغ عدد الذين يعيشون في تلك المناطق قرابة عشرة ملايين. أي أن اثنين من كل ألف مدني سيموتون بالقصف في المناطق المحررة في سوريا في سنة كاملة.

 

النتيجة الصادمة: إن الحياة عاماً كاملاً في المناطق الخطيرة في سوريا أكثرُ أماناً بأربعين ضعفاً من رحلة واحدة في قوارب الموت.

 

-5-

 

لو اقتصر الخطر على النفس لقلنا للمهاجر: خاطر بنفسك إن شئت. ولكن أولئك المهاجرين لا يخاطرون بأنفسهم فحسب؛ إنهم يخاطرون بأطفالهم الصغار الذين ابتلع البحر منهم إلى اليوم مئات ومئات ومئات. كيف يطيب لأبوَين أن يركبا مع طفلهما مركباً من تلك المراكب وهما يعلمان أن الاحتمال كبير بأن يصلا إلى الطرف الثاني من البحر بلا طفل أو يصل الطفلُ بلا أبوين؟

 

ولا تظنوا أن المخاطرة تقتصر على الغرق وحده يا من عزمتم على الهجرة، بل إن الخطر أكبر من ذلك بكثير. في بعض الرحلات فصل المهرّبون بين الرجال والنساء وساقوا كلاً منهم إلى جهة، ثم اعتدوا على بعض النساء أو اختطفوا فتيات لم يُعرَف مصيرهنّ إلى اليوم. وفي رحلات كثيرة جرّدوا المهاجرين من كل ما يملكون، من الأموال والحليّ وأجهزة الاتصالات والوثائق الشخصية. وفي رحلات أخرى سلّموا المهاجرين لعصابات إيطالية أو يونانية، وانتهت بعض الرحلات بإغراق المراكب عمداً فمات مَن مات وأنقذت سفنُ الإنقاذ آخرين، وفي مرة من المرات قذف المهربون المهاجرين على جزيرة صغيرة مقابل البر التركي وتركوهم بلا طعام.

 

-6-

 

ليست الرحلة في قوارب الموت مغامرة كأي مغامرة، إنها مخاطرة بالنفس والنفيس، إنها مقامرة بالأرواح والأولاد. أيقامر عاقلٌ بنفسه أو بزوجته أو بأطفاله على طاولة قِمار؟

 

إن المهاجرين يُسْلمون أنفسهم، الرجال والنساء والأطفال، للقراصنة والمهرّبين. ومَن هؤلاء المهرّبون؟ أهم خيرة خلق الله في الأرض؟ إنما هم عصابات من شِرار الخلق، يُسْلم المهاجرون لهم أنفسَهم وهم ضُعُف عُزْلٌ من أي سلاح، والمهرّبون والقراصنة أقوياء مسلحون، فكيف تطيب نفسك يا -أيها السوري الحر- بأن تضع نفسك وزوجتك وأبناءك وبناتك تحت رحمة من لا يؤتمَن على نفسٍ ولا عِرضٍ ولا مال؟

 

فإذا صاروا في البحر بدأت رحلة الأهوال والأخطار. يحشر أولئك القراصنة والمهربون المئات من المهاجرين المساكين في قوارب بالية متهالكة لا يكاد الواحد منها يحتمل -وهو جديدٌ- مئةً من الناس، فكيف يقطع وهو صدئ قديم ممتلئ بأضعاف ما يحتمله من عدد، كيف يقطع وهو كذلك الرحلةَ وسط الموج الهادر الذي يبلغ ارتفاعُه في بعض الأحيان أربعةَ أمتار أو خمسة أمتار؟ تخيلوا قارباً من تلك القوارب التي نراها في الصور وقد تكدس فيه الرجال والنساء والأطفال كما يتكدس سمك السردين في العلب، تخيّلوه وهو يرتقي موجةً ارتفاعُها كارتفاع بناء من طابق أو طابقين! كم تبلغ فرصة مثل هذا القارب بالنجاة؟

 

لذلك لم يكن غريباً أن يغرق قارب من كل خمسة، وأن يهلك واحد من كل تسعة من المهاجرين التعساء!

 

-7-

 

فإذا وصل المهاجرون إلى البرّ الأوربي استقبلتهم مصاعبُ ومتاعب لا تُحصَى، فيتعرض كثيرون منهم إلى الإهانة والاعتقال، وربما أُعيدوا إلى حيث كانوا. وما يزال المئات من السوريين عالقين في السجون في مالطا منذ عام.

 

ويبقى بعد ذلك كله الخطرُ الأكبر على المدى الطويل: إن الذاهبين إلى تلك البلاد قلّما يعودون. إنه ليس قراراً ليومك وغدك يا أيها المهاجر، إنما هو قرار لبَنيك وحَفَدتك وذريتك من بعد. يقولون إن في الأمريكتين عشرة ملايين سوري. من أين جاؤوا؟ إنما هم ثمرة هجرات أهل الشام خلال النصف الأول من القرن المنصرم، من أيام “سفر برلك” وما تلاها من أيام شِداد، ولكن ماذا بقي اليومَ من شاميّة أولئك الشاميين وعربية أولئك العرب وإسلام مَن كان منهم من المسلمين؟ لقد فقدت بلادُ الشام أولئك الملايين من أبنائها إلى الأبد، وفقدوا هم وأولادُهم إلى الأبد اللغةَ والدين.

 

لا تستهينوا بتحدّي الحفاظ على الهُويّة في بلاد المهجر، فإن قليلاً من الناس من يستطيع تجاوز هذا الاختبار العسير بنجاح. لا أقول إن كل مهاجر يضيّع اللغة والدين، بل إنّ من المهاجرين مَن ينشأ أولادُه أحسنَ عربيةً وأكثرَ التزاماً بالدين من الملايين الذين يعيشون في بلدان العرب والمسلمين، ولكني أتحدث عن الحالة العامة والقاعدة الغالبة، وهي أن الأكثرين يَضيعون؛ إن لم يضع الجيل الثاني ضاع الثالث، وإنْ سَلِمَ الثالثُ ضاع الذي بعده، وما يزال الخطر قائماً على الدوام في الآتي من الأيام.

 

-8-

 

كلمة أخيرة إلى من عزم على الهجرة فبحث عن المهربين أو وصل إليهم واتفق معهم ودفع إليهم المال، ثم قرأ هذه المقالة فلم تنجح في إقناعه بالعدول عن فكرته، أقول له: إن كنت لا بدّ فاعلاً فإني أذكّرك بأن أولادك أمانة في عنقك، وإني أستحلفك بالله أن لا تغمض عينيك وتمشي مع المهرّبين كالمسحور بلا عقل ولا إدراك.

 

انسحبْ في أي لحظة تشعر فيها بالخطر. إذا طلب المهربون فصل الصغار عن الكبار أو النساء عن الرجال فلا ترضخ ولا تسمح لبقية الجماعة بالرضوخ. إذا غيّر المهربون الاتفاق فطلبوا المزيد من المال فلا تدفع، فإنه استنزاف ليست له نهاية. إذا وصلتَ إلى الشاطئ فرأيت قارباً عتيقاً مهترئاً فارجع ولا تركب، وحُثّ غيرك على الرجوع. لا تشارك في رحلة لا توزع سترات نجاة على جميع الركاب. إذا أراد المهربون رصّ العدد الكبير في القارب الصغير فثُرْ عليهم أنت وأصحابك وارفض أن تركب أو تُركب أطفالك، فإن هذا سيكون خطّ دفاعك الأخير وتلك آخر طلقة في جعبتك، وهي قد تكون الفيصلَ بين الموت والحياة.

 

أخيراً فإني أرجوك أن تجعل لآخرتك نصيباً من نيّتك. مهما يكن الدافع الذي دفعك إلى الهجرة أضف إليه نيّة صالحة، رغبة وعزيمة على المحافظة على دينك ودين أولادك، وعهداً على أن لا تنسى بلدك وثورتك، فتعمل من أجلهما وتقدّم ما يسعك تقديمه لهما حيثما كنت، غداً وبعد غد وفي كل حين.

Posted in رسائل الثورة | أضف تعليقاً