أعيرونا أبا العبد، أعيرونا أبا الوليد

أعيرونا أبا العبد، أعيرونا أبا الوليد

 

مجاهد ديرانية

 

نعم، انتصرت غزة رغم أنف الكائدين، ونحن في إثرها ماضون بإذن الله رب العالمين. ولكنّا نرثي لأنفسنا حينما ننظر إلى مجاهدي فلسطين فنراهم على قلب رجل واحد وتحت قيادة واحدة راشدة ثم ننظر إلى ثورتنا فنرى مجاهدينا مفرَّقين شَذَر مَذَر، ونُشفق على ثورتنا حينما نقارن قياداتها السياسية الفاشلة بعمالقة حماس من أمثال أبي العبد وأبي الوليد.

 

فيما كان قادة حماس يقودون معركة الكرامة والشرف بتفانٍ وإخلاص ويقدّمون مصلحة الثورة والأمة والوطن على المصالح الفردية والمكاسب الشخصية كان قادة المعارضة السياسية السورية مشغولين بترتيب التحالفات وحَبْك المؤامرات لإسقاط حكومة وتشكيل حكومة. في الوقت الذي يخجل فيه السوريون بمَن يُسمَّون -زوراً- قادةَ المعارضة السياسية ولا يجدون في كلماتهم إلا الضعف ولا يرون في أعينهم إلا الهزيمة والاستسلام، في هذا الوقت يرفع الفلسطينيون رؤوسهم بقادة كخالد مشعل وإسماعيل هنية، قادة تسمع في كلماتهم نبرة العزيمة والثقة والإيمان وترى في أعينهم بريق الانتصار.

 

سمعت خطابات مشعل وهنية وأبي عبيدة منذ بداية العدوان الآثم على غزة إلى اليوم، فما وجدت فيها إلا العزيمة الصادقة والشجاعة الفذّة والثقة بالله وبنصر الله والإيمان بقوة الشعب الفلسطيني وثباته في الميدان، وسمعت ألف خطاب لساسَة سوريا الخائبين فارتجف قلبي من الضعف والتهافت والاستسلام. إنما الصبر بالتصبّر، ومَن قال هلك الناس فهو أهلكهم، ومن قال نجا الناس وانتصروا فهو نجّاهم ونصرهم بأمر الله رب العالمين.

 

كم يتمنى السوريون لو أنّ فيهم أمثالَ هؤلاء القادة الذين يصنعون النصر بدلاً من سياسيّيهم الذين يصنعون الهزيمة والانكسار، حتى ليكاد قائلهم يقول: أعيرونا أبا العبد وأبا الوليد يوماً وخذوا معارضتَنا السياسية كلها سائرَ الأيام!

 

لقد فشل الائتلاف في تحقيق أي نصر للثورة في أروقة السياسة، وهي مهمته الرئيسية، وفشل في تقديم أي معونة عسكرية للثورة من خلال هيئة الأركان التي بقيت أداة في لعبة المزايدات والصراع على النفوذ، ثم أصرّ على تحويل الحكومة إلى كرة تتقاذفها الأرجل في مباراة السيطرة على الميدان السياسي للثورة، فماذا بقي؟

 

من حقي أن أقول ولو أغضبت بعض الناس: إن الإئتلاف خائن حتى يثبت العكس. لا أقول إن أعضاء الائتلاف كلهم خونة، فإن فيهم ثلّة من الشرفاء الضعفاء الذين لم يعد لهم أثر في سياسته وقراراته، فإما أن يصلحوه -لو استطاعوا- أو يتركوه، لأن الشعب السوري الحر الأبيّ الذي صنع الثورة أولَ مرة يوشك أن يُغرق هذه السفينة الصَّدِئة بمَن بقي فيها من ركّاب.

 

متى سنتخلص من هذا العبء الثقيل الذي ابتُليت به الثورة السورية؟ متى سيظهر فينا أمثال قادة حماس الشرفاء الأقوياء الذين يحسنون قيادة السفينة في لُجّ الثورة المضطرب، ويمنحون الناسَ القوّةَ والثبات ويمدّونهم بالعزيمة والأمل؟ كم نفتقد البُدورَ في ليلتنا الطويلة الظلماء.

Posted in خواطر ومشاعر | أضف تعليقاً

طنطاويات فلسطينيّة (3)

طنطاويات فلسطينية

 -3-

 

إنّ مَن يسمع صوت قطة في الشارع تموء من الألم لا يستطيع أن ينام، ومَن يدقّ جارُه بالمطرقة على جداره لا يستطيع أن ينام، فكيف تنامون على أصوات الاستغاثة تخرج من حلوق إخوانكم وأخواتكم، على أصوات المدافع والصواريخ يصبّها عليهم أعداؤهم وأعداؤكم؟ هل تستطيعون أن تأكلوا وتشربوا وتضحكوا وتمزحوا، وإخوانكم هناك في فلسطين يذبح أبناءَهم اليهودُ ويؤذون نساءهم وينسفون منازلهم ويسرقون أرضهم؟ كاللص يدخل عليك في الظلام دارك فيحتلّ جانباً منها ثم يدعوك إلى التفاوض. أفيفاوض ربّ الدار الحرامي؟ إذن فعلى العقل وعلى العدل السلام.

 

وإنْ قام مِن أولادك مَن يطالب بالحقّ أمسكوا به وأحالوه إلى محاكمهم، إلى محاكم الحرامية، بتهمة مقاومة الاحتلال! ويلكم ما أصفق وجوهكم وأشدّ وقاحتكم! أفي الدنيا شعب احتُلّت بلاده ظلماً لا يقاوم الاحتلال؟ إن مقاومة الاحتلال فضيلة، بل هي فريضة، ولا تُعَدّ جريمة إلاّ في شريعة خنازير البشر إخوان “الشين”: شارون وشامير والشيطان الرجيم، الذين هم إخوانه وأعوانه لعنة الله عليه وعليهم.

 

كم من أمهات هناك ثاكلات وبنات مهتّكات، وبيوت مخرَّبات ودموع مسفوحات، وأعزّة كرام ذلّوا وأغنياء احتاجوا، شُرّدوا وسكنوا بعد القصور الخيام، وصاروا بعد البذل والعطاء محتاجين إلى القوت وإلى الغطاء. فإن لم تدافعوا عنهم بالسلاح ولم تبذلوا من أجلهم الأرواح فجودوا بالأموال، فإن الجود بالأموال نوع من الجهاد.

 

الذكريات: الحلقة 226 (1988)

Posted in علي الطنطاوي: كلمات في الثورة | أضف تعليقاً

ما معنى “كفى” وما هو البديل؟

ما معنى “كفى” وما هو البديل؟

 

مجاهد ديرانية

 

متى كانت “كفى” بحاجة إلى تفسير؟ ما فينا مَن يجهل معناها ولا فينا أحدٌ إلاّ قالها في يوم من الأيام. تقول لطفل مشاغب: “كفى”، بمعنى: كُفَّ عن المشاغبة، وتقول لطالب كسول: “كفى”، بمعنى: توقف عن الكسل. فإذا قلتها لطرفين مختلفين فإنك تريد: “توقفا عمّا أنتما فيه”. ولكنها لا تصحّ إلا في المتعادلَين المتكافئَين اللذين يملك الآمِرُ سلطةً ونفوذاً عليهما، سواء كان نفوذاً معنوياً أو مادياً، كسلطة الأب على أولاده أو الصديق على أصدقائه. فإذا اقتتل اثنان من أولادك أو اختصم اثنان من أصحابك وقلتَ “كفى” فإنك تقصد أن يتوقف كلاهما عن الاقتتال والاختصام.

 

ولكن ماذا لو لم يكن الطرفان متكافئين أو لم يكن لك نفوذ على أحدهما؟ ما فائدة “كفى” في مثل ذلك المقام؟ لو أنك شاهدت رجلاً يعدو هارباً وفي إثره دب هائج فهل تصرخ فيهما “كفى”؟ ولو فعلت فما معنى “كفى” هنا؟ إن معناها الظاهر هو أن يتوقف الدب عن الهجوم والرجل عن الهرب! ولكن الدب الهائج لا يعقل، فلم يبقَ إلا أن المقصود هو الرجل المسكين. إنك تقول له: كفى، توقف عن الهرب واستسلم لمخالب الدب وأنيابه، استسلم لحتفك المحتوم.

 

هذا هو حال مَن يوجّه نداءً بالكفّ والتوقف فيُشرك فيه نظامَ الاحتلال الأسدي الطائفي الملعون والشعبَ السوري الضعيف المستباح المَهيض الجناح. ويا ليت النظام كان دُباً هائجاً وحسب! إنه يجمع بوحشيته وغدره ومكره بين طبائع السباع والضباع والذئاب والثعالب والأفاعي والعقارب، فمَن أَمِنَ أن ينام في قفص مع تلك الوحوش جميعاً فلا بأس عليه أن يفكر بالتفاوض والتفاهم مع نظام الاحتلال الأسدي الذي يحتل سوريا منذ نصف قرن ويذيق السوريين ألوان العذاب.

 

*   *   *

 

ما البديل؟ علينا أن نبحث عن البديل، ولكن اسمعوا أولاً هذه الحكاية. انتشرت قبل خمسة قرون تجارةُ الرقيق عبر المحيط الأطلسي، فكان القراصنة يخطفون السكان الأفارقة من قراهم في غرب القارة الإفريقية ويكبّلونهم بأغلال الحديد ثم يشحنونهم في سفن العبيد إلى العالم الجديد، إلى حيث لا يعود الذاهبون، وحيث ينتظرهم العذابُ الأليم في رحلة الموت وينتظرهم العذابُ الدائم في أرض الرق الجديدة. هذا الجزء من الحكاية حقيقي ويعرفه أكثر الناس، فاسمحوا لي أن أضيف إليه تتمة من وحي الخيال:

 

ذات يوم استطاعت جماعة من أولئك الأسارى -فيها رجال ونساء وأطفال- أن تفكّ قيودها وتقفز إلى الماء بمركب صغير. لقد بدأت الجماعةُ رحلتَها الصعبة إلى الحرية وهي مُفعمَة بالتفاؤل، ترجو أن يكون البرّ قريباً وتأمُل أن تمرّ بها سفن عابرة فتوفر لها الحماية وتحملها إلى الأمان. ولكنّ أسابيعَ طويلةً انقضت ولم يظهر البَرّ في الأفق، ومرّت بالقارب البائس مئةُ سفينة فلم تُبالِ واحدةٌ منها به ولا بمعاناة راكبيه وما يقاسونه من جوع وعطش وما يلحق بهم من عذابات وآلام.

 

لقد أدرك أهل المركب أخيراً أن رحلتهم طويلة وأن البر بعيد، وأدركوا أن السفن لن تنقذهم لأن أصحابها شركاء في تجارة العبيد ولا يسرّهم أن تنجح جماعة من الأسارى بالفرار من العبودية إلى الحرية. فماذا يفعلون؟

 

هنا قال بعضهم: ليس لنا إلا العودة إلى السفينة التي هربنا منها أول مرة، فإنّ فيها الأمانَ من خطر البحر وفيها من الماء والغذاء ما يُبقينا ويبقي أطفالنا أحياء، ولعلنا نفاوض الربان فيتنازل لنا عن السفينة ونعود بها إلى الوطن الآمن. قال آخرون: هذا وَهْمٌ وخيال، فإن القرصان لا يتخلّى عن كنز سطا عليه أبداً. سوف يستعبدكم من جديد، فما قيمة الماء والطعام إذا كانا لا يُقدَّمان إلا لمن غُلَّت يداه وقدماه بالأغلال؟ وما فائدة أمان أسابيع إذا كانت عاقبتَه عبوديّةُ العمر؟

 

قال الأوّلون: إنكم قساة لا تبالون بعذابات الأطفال ومعاناة الأمهات. انظروا إلى الصغار كيف تشقّقت شفاههم من العطش وتقبّضت بطونهم من الجوع. قال الآخرون: بل نحن أرحم بهم منكم، فإنّا نعرّضهم لهذا العذاب العارض فراراً من عبودية الأبد. وهَبوا أننا عدنا إلى السفينة مستسلمين، فهل تأمنون أن لا ينتقم منا ربّانها شَرّ انتقام؟ أما علمتم ما يصنع القراصنة والربابنة القُساة بالمتمردين؟ سوف ينتقم منا ومن النساء والأطفال انتقاماً يُنسينا أهوال البحر وشقاء الرحلة. ثم فكروا: لو أننا أنهينا مغامرتنا الحالية بالاستسلام ثم بدا لنا أن الاستمرار كان هو الصواب، فمِن أين لنا أن نعود إلى حيث كنا في قارب النجاة؟

 

*   *   *

 

نحن بحاجة إلى مبادرة بالتأكيد، لا يشك في هذا عاقل، ولكنّ في المبادرات نوعين لا حاجةَ لنا بهما على الإطلاق: نوعاً يكون النظام طرفاً وشريكاً فيه، ونوعاً يوهن العزائم ويدعو إلى الاستسلام. يجب أن يتفق أهل الثورة جميعاً على قاعدة القواعد في هذه الثورة قبل تقديم أي مبادرة: لا استسلامَ ولا توقّفَ مهما بلغت التضحيات، لأن ثمن التوقف والاستسلام سيكون أشنع وأبشع من كل ما مَرّ بالثورة إلى اليوم من أهوال.

 

ربما كان قرار البدء بالثورة صحيحاً وربما كان خاطئاً، لا يهم، هذا أمر تجاوزناه منذ زمن، ولو أننا عرفنا مَن الذي بدأ الثورة فربما استطعنا أن نسائله ونحاسبه، ولكننا لن نجده أبداً لأن أحداً منّا لم يبدأ هذه الثورة؛ إنها الثورة التي صنعها الله. ومهما اختلفنا في حكمنا على مبتدَئها فإن الحكم على منتهاها غيرُ قابل للاختلاف: لا سبيل سوى الاستمرار حتى إسقاط النظام، ولن يسقط النظام ولن يستسلم المجرمون إلا بالقوة، ومَن ظنّ غيرَ ذلك فإنه يعيش في عالم الخيال.

 

نحن بحاجة إلى مبادرة “كفى”، ولكن ليس كما قُدِّمت أخيراً؛ ليس لطرفَي الصراع في سوريا بل لأهل الثورة فحسب، فنقول للعسكريين: “كفى تفرقاً؛ نريد عملاً عسكرياً احترافياً موحداً”، ونقول للسياسيين: “كفى عبثاً؛ نريد عملاً سياسياً مخلصاً ناضجاً”، ونقول للمدنيين: “كفى يأساً؛ نريد تفاؤلاً واستبشاراً وعزيمة قوية تساعدنا على الاستمرار حتى الانتصار”.

 

وأخيراً نقول لأصحاب المبادرات: كفى مبادرات مُوهنة مُؤيِسة. كفى مبادرات تساوي بين الثورة والنظام وتخاطب الثوار كما تخاطب النظام وتطالب الثوار بما تطالب به النظام. كفى مبادرات تطالب الناس بالثورة على الثوار كما تطالبهم بالثورة على النظام. كفى مبادرات تساوي بين دم الظالم ودم المظلوم وتساوي بين حق المجرم بالعدوان وحق الضحية بالدفاع وتطالب الطرفين بوضع السلاح والتوقف عن القتال. كفى مبادرات تناشد النظام أو تروّج للتصالح مع النظام أو تقبل ببقاء النظام أو بجزء من النظام أو توافق على محاورة النظام محاورة الند للند والإنسان للإنسان. كفى مبادرات تدعو إلى التصالح والتفاوض مع المجرمين، فإن الغنم لا تتفاوض مع الذئاب على حقها في المرعَى والحياة.

 

*   *   *

 

الحل هو بطرح مبادرات تسعى إلى إصلاح الثورة وترشيدها، لا إلى وأدها وإنهائها. الحل هو بالاعتماد على قدراتنا ومواردنا بعد الاعتماد على الله، لا على القُوى الخارجية التي تلعب بالثورة كما يلعب الأطفال بالدُّمى. الحل هو بالاستمرار حتى الانتصار وليس بالضعف والاستسلام والانكسار.

 

هذا هو الطريق ولا طريقَ سواه، أمّا كيف يكون هذا كله فأمرٌ يقرّره عقلاء الثورة وأعلامها وقادتها المخلصون، وهم كُثُرٌ بحمد الله. فكونوا -يا أيها الأحرار- قوة دافعة رافعة ولا تكبّلوا الثورة بأغلال اليأس والإحباط، وانشروا التفاؤل وانثروا الأمل في قلوب المتعَبين والقانطين، وتوكلوا على الله حق التوكل، يُؤتِكم من لدنه نصراً كبيراً وفتحاً مُبيناً ولو بعد حين.

Posted in رسائل الثورة | تعليق واحد

تعليق على مبادرة الشيخ معاذ وندائه الأخير “كفى”

أخي الحبيب الشيخ معاذ

السلام عليكم ورحمة الله

 

اسمح لي بأن أخالفك مخالفةَ الأخ لأخيه، مع كل ما أحمله لك في قلبي من المودة والاحترام. وما دفعني إلى الردّ العلني إلاّ ما دفعك إلى إعلان مشروعك باديَ الأمر، وهو إحساسُنا بثقل المسؤولية وإدراكُنا أنها قضية شعب وبلد وليست من قضايا ومصالح أفراد الناس التي تعالَج في خصوصية وكتمان.

 

إن الإنسان حريص -بفطرته- على بناء دنياه ولا يحبّ لها الخراب، وهو يتشبث بالحياة ويكره الموت لنفسه ولمن يحب، ولكنه يَقبل بخراب دنياه إذا كان الثمن بناء آخرته، وهو يُقبل على الموت غيرَ هيّاب عندما يكون البديل هو الاستعباد.

 

هذه التضحية فطرة أيضاً، كفطرة حب الدنيا وكراهية الموت، وهي فطرة إنسانية وليست إسلامية بالضرورة، وقد قدّم غيرُنا من الشعوب والأقوام ما يصعب تخيّله من التضحيات العِظام للتخلص من ذلّ الاستبداد والاستعباد، فمنها شعوب قدّمت من أنفسها واحداً من كل عشرة، ومنها شعوب رضيت بأن يُهدم ثلاثة أرباع عمرانها، ولم تستكثر تلك التضحيات لبلوغ الغاية.

 

فلماذا يَقوى غيرُنا على سلوك هذا الطريق ونعجز نحن عنه؟ أغيرُنا أكثرُ منّا رجولة وبطولة؟ لا والله، وما تجرّعْنا كؤوسَ المذلة حتى الثمالة في خمسين سنة عوابس إلا عندما أصابنا الوَهْن، حُبّ الدنيا وكراهية الموت، ولن ترتفع عنا الذلّة حتى نكره الدنيا ونحب الموت، وصدق الصادق المصدوق عليه صلاة الله.

 

وها هم أبطال سوريا يقدّمون الموت الكريم على الحياة الذليلة، ولقد قطعوا في الطريق إلى حريتهم الشوطَ الطويل وبذلوا كرائم الأنفس والتضحيات، فهل يجوز أن نقول لهم اليوم: “كفى، اتركوا السعي إلى الغاية التي خرجتم لتحقيقها قبل ثلاث سنين وعودوا إلى ما كنتم فيه”؟ هل يحتاج كرام أهل الشام إلى تشجيع للمضيّ إلى آخر الطريق أم إلى تخذيلٍ يدفعهم إلى الانهيار والاستسلام في وسط الطريق؟

 

وهَبْ أن طريق الاستقلال طال، فهل يعني طولُه أن نستسلم ونعجز عن المشي فيه إلى آخره؟ وما الطولُ وما القِصَر؟ هل ثلاثُ سنين وأربعٌ وخمسٌ طويلةٌ علينا وثلاثَ عشرةَ سنةً قصيرةٌ على محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه؟ وها هم إخواننا في فلسطين يجاهدون منذ بضعة وستين عاماً، فهل نقول لهم: كفى؛ شاطروا اليهود في أرضكم فامنحوهم نصفَ فلسطين ولكم النصف وشطرَ الأقصى ولكم الشطر؟

 

صدق شوقي حين قال: “وللحرية الحمراء باب”… ما قال: بكل يد ناعمة ليّنة رَخْصة يُدَقّ، بل قال: يُدَقّ باليد التي تضرّجت بدماء التضحيات. تلك الأيادي لا تزال تضرب بابَ الحرية وتلحّ في الضرب حتى ينفتح الباب، وما علمنا باباً إلى الحرية فُتِح من قبلُ بغير هذا الطريق.

 

هذا هو الجواب لو كانت “كفى” لأهل الثورة، أما لو كانت “كفى” للنظام فأحسب أنها ستصنع شيئاً لو أن “كفى” صرفت عن الغنم ذات يوم ذئباً أوشك أن يفترس الغنم.

Posted in رسائل الثورة | أضف تعليقاً

طنطاويات فلسطينيّة (2)

طنطاويات فلسطينية

 -2-

 

لا يقل واحد منكم: أنا لا يعنيني. كل واحد منكم مسؤول، كل واحد بحسب طاقته، حتى الشحّاد يستطيع أن يساعد فلسطين بقرش في الشهر. قرش في الشهر وليرة في الشهر وخمس ليرات في الشهر تحيي فلسطين.

 

سيبكي بعض القرّاء وينتحب، ثم ينام ولا يدفع شيئاً. سيفرك الشيخ كفّه ويقول: “إنّا لله وإنّا إليه راجعون”، ثم يذهب يَعُدّ قروشه على سبحته. سيلوّح التاجر بيديه ويقول: “التجارة واقفة، ماذا نصنع؟” ثم يذهب إلى السوق ليشتري بنصف ليرة طعامَ يوم واحد!

 

أتذهب هذه الكلمة صيحةً في واد؟ ألم يبقَ في البلد مسلم؟ ألم يبقَ عربي؟ ألم يبقَ شريف؟ ألم يبق إنسان؟ أتعاد مأساة أندلس جديدة وأنتم تنظرون؟ ألم يكفِ هذا الموقف المخجل الذي وقفه زعماء العرب؟ أتكون الشعوب العربيّة أيضاً مقصّرة؟

 

مئة وعشرة أيام مرّت على فلسطين، لا البائع باع فيها ولا الصانع اشتغل ولا الأجير أخذ أجرته، فمن أين يعيش فقراء فلسطين؟ من أين يجدون ثمن الخبز؟ ألم تفكّروا في هذا؟ ألم يخطر لكم على بال؟ أتأكلون وتشربون وتلعبون وتطربون وأهل فلسطين يموتون؟ يا للعار!

 

أما إنها والله ليست مسألة كلام يُقال ولا مقالة تُكتَب ولا خطبة تُخطَب، ولكنها مسألة حياة أو موت، فتبّاً لمَن يرى أخاه يموت من المرض ولا يمدّ إليه يداً، وسُحقاً لمن يرى أخته تموت من الجوع ولا يقدم لها رغيفاً. إن من يفعل هذا ليس مسلماً ولا عربياً ولا إنساناً.

 

جزء من مقالة نشرها الشيخ رحمه الله أيام الإضراب الكبير سنة 1957

وهي منشورة في كتاب “هُتاف المجد” بعنوان “يا للعار”

Posted in علي الطنطاوي: كلمات في الثورة | أضف تعليقاً

دور داعش في مؤامرة التقسيم

المؤامرة على ثورتَي سوريا والعراق

(تعليق على تعليق في 30 تغريدة):

نعم، داعش جزء من المؤامرة ولو كره الدواعش وأصرّوا على دفن الرؤوس في رمال الوهم والخيال

 

1- تسعة أعشار الذين استنكروا تعليقي على سقوط الفرقة 17 لم يكلفوا أنفسهم عناء قراءة التغريدات المفصلة التي شرحت فيها الحكاية الكاملة للمؤامرة

 

2- فأرجو التكرم بقراءتها للاطلاع على التفاصيل، على الأقل أرجو قراءة أول 10 تغريدات ومن لم يهتم بالموضوع فلا عليه أن لا يكمل قراءتها، عنوانها =

 

3- ماذا يحدث في سوريا والعراق؟ (القصة الكاملة في 125 تغريدة) مجموعة على الرابط التالي

http://shamquake.wordpress.com/2014/07/16/2632/

 

4- سأكرر نقطة ذكرتها هناك ثم أعود للموضوع: تعود بداية اتفاق توزيع الأرض والنفوذ بين أميركا والأسد إلى شهر 8/2013 بعد ضربة الكيماوي في الغوطة

 

5- يومها تحركت أميركا فعلاً باتجاه ضرب النظام ولم يكن الأمر تمثيلاً، ولم يكن ما أوقف الأساطيل هو قرار الكونغرس الأميركي أو العموم البريطاني=

 

6- بل كان هو التدخل الروسي العاجل الذي أقنع الأسد بأن أميركا لا تمزح وأنها جادة في ضربه وإسقاطه وإحلال بديل عنه يسهّل تنفيذ مخططها بلا عوائق

 

7- ولأن الأسد يدرك الفرق بين التحرك الحقيقي والتحرك الخلّبي (الوهمي) فقد أيقن أن وجوده صار مهدَّداً فرضخ لصفقة قد تغيّر مصيره ومصير سوريا

 

8- وافقت أميركا على بقاء الأسد حاكماً على القسم الغربي من سوريا مقابل التخلي طوعاً عن الباقي الذي سيُضَم لاحقاً لغرب العراق لإنشاء دولة جديدة

 

9- وفوراً توقف حديث الأميركيين عن “مصير الأسد” وتحول عنوان المعركة إلى “الأسلحة الكيماوية”، وترافق ذلك التحول مع الاتفاق على تسليم الكيماوي =

 

10- وفي الأسبوع نفسه بدأ تمدد داعش الفعلي من الرقة إلى دير الزور والحسكة وريف حلب واستمر أربعة أشهر بلا أي مقاومة حقيقية من طرف قوات النظام

 

11- لكن مقاومة جيش المجاهدين الضارية أعاقت تنفيذ المشروع، ثم تدخلت فصائل أخرى -التوحيد والأحرار وغيرها- فاضطرت داعش للعودة إلى محافظة الرقة

 

12- كان السلاح في أيدي المجاهدين وفيراً فاضطر أصحاب المخطط الخبيث (الأميركيون) إلى إغلاق كل المنافذ ومنع السلاح لكي تصل الفصائل إلى حالة عجز

 

13- بين أول كانون (يناير) 2014 وآخر آذار (مارس) استُهلكت ذخيرة المجاهدين في معارك حلب والساحل مع النظام وداعش ولم يصل للمجاهدين أي تعويض يذكر

 

14- عندها صار الميدان مناسباً لإطلاق خطة التقسيم من جديد، فبدأ الاجتياح الداعشي الثاني في آخر آذار 2014 من مركدة ثم وقع الهجوم على البوكمال

 

15- خلال الشهرين التاليين أتمت داعش السيطرة على وادي الفرات كله من جرابلس للبوكمال، ثم بدأت معركة العراق فاحتلت بسرعة محافظات الوسط الغربي

 

16- ما رأيناه في العراق وسوريا هو عملية استلام وتسليم بين داعش من جهة والنظامين السوري والعراقي من جهة أخرى، ويقتصر على مناطق الاتفاق المسبق

 

17- لا علاقة لهذا الاتفاق بالقتال الحقيقي الذي يخوضه المجاهدون الصادقون: العشائر والفصائل الإسلامية في العراق والجيش الحر والإسلاميون في سوريا

 

18- لكي يكتمل المخطط الأميركي يجب إتمام عملية الاستلام والتسليم بين داعش والنظام السوري وانسحابه من كل الجيوب التي بقيت له في مخطط التقسيم

 

19- بعد ذلك ستبدأ أميركا بآخر خطوة وهي خنق الثورتين السورية والعراقية وضرب المجاهدين بالتعاون مع نظامَي الأسد والمالكي وربما بالدرونات أيضاً

 

20-وأخيراً سيجبرون القوى الباقية في الساحتين السورية والعراقية على الانخراط والذوبان في حكومات مصالحة وطنية تكون مهمتها تصفية الثورة نهائياً

 

21- أرجو أن تراقبوا انسحابات النظام السوري في الأيام والأسابيع القادمة، فإنها سترسم حدود الدولتين وفق المخطط الأميركي: دولة داعش ودولة الأسد

 

22- هذه الانسحابات ستشمل -على الأغلب- كل الجيوب المتبقية للنظام في محافظات دير الزور والرقة والحسكة وفي ريفَي حلب الشمالي والشرقي

 

23- أما المعارك التي ستقع بين داعش والآسايش (قوات حزب الاتحاد الديمقراطي) فهي التي سترسم الحدود بين دولة داعش ودويلة الأكراد الجديدة بالحسكة

 

24- تنبيه مهم: ما سبق هو ما يخطط له أعداء سوريا والعراق وأعداء الأمة الإسلامية -أميركا وإيران وحلفاؤهما وداعش- ولكنه ليس مصيراً محتوماً

 

25- الماركسيون الماديون هم أصحاب نظرية الحتمية التاريخية، أما المسلمون فيعلمون أن الأقدار تجري وفق السنن الربانية ونتيجة لاختيار الإنسان وعمله

 

26- فما ينبغي علينا هو معرفة المكر الذي يمكرونه ثم إبطاله بحسن التخطيط والتنفيذ وبالاتكال على الله واستنصاره بعد استنفاد الوسع وإعداد العدة

 

27- وأنا على يقين أن الله لن يتخلى -بإذنه تعالى- عن هذه الثورة المباركة التي حفظها إلى اليوم، فتوكلوا عليه واعملوا واعلموا أنه غالب على أمره

 

28- ومن توفيق الله لهذه الثورة أن يسخّر لنصرتها الصادقين الأوفياء في أمة محمد (ص) وأن يستعمل فيها المخلصين العاملين وأن يلهمهم العمل الصائب

 

29- فاجتماع الإخلاص والصواب يفتح طريق النصر بأمر الله، وعسى أن تسمعوا قريباً جداً بإذن الله أخباراً مفرحة في مسيرة الجهاد واجتماع المجاهدين

 

30- أخيراً أكرر دعوتي لقراءة تفاصيل المؤامرة في مجموعة التغريدات (125) وفي المقالات المفصلة التي وضعت روابطها في آخرها

http://shamquake.wordpress.com/2014/07/16/2632/

 

Posted in رسائل الثورة | 2 تعليقات

تعليق على سقوط الفرقة 17 بيد داعش

تعليق على سقوط الفرقة 17 بيد داعش

ودليل جديد على عمالتها ومشاركتها في المؤامرة الأميركية الكبرى لإعادة تقسيم المنطقة

 

مجاهد ديرانية

@mujahed_dira

 

1- يحاججني الدواعش -الذين ينتشرون في تويتر كالوباء- بأن سقوط الفرقة 17 بيد داعش دليل على كذبي أنا وأمثالي وعلى أن داعش صادقة في قتال النصيرية

 

2- وهذا دليل جديد على خفّة عقولهم وعلى صحة النظرية التي طرحتُها قبل أسابيع، فقد جاء في التغريدات رقم 84/85/86 ما يلي:

 

3- (84) داعش كيان واحد في سوريا والعراق، فإذا كانت أميركا ترعى مشروع داعش في العراق فإنها قطعاً ترعى المشروع الذي تنفذه داعش في سوريا

 

4- (85) كما رضخ المالكي لأميركا ضمن خطة ستعيد توزيع المساحة والنفوذ في العراق فكذلك رضخ الأسد لها ضمن خطة ستعيد توزيع المساحة والنفوذ في سوريا

 

5- (86) هذه النظرية تفسر سكوت النظام السوري عن تمدد داعش في مساحات واسعة من سوريا كما تفسر قيام المالكي بعملية “التسليم النظيف” لداعش بلا قتال

 

6- أرجو مراجعة كل التغريدات التي تحكي الحكاية كاملة من أولها إلى آخرها، وهذا رابطها لمن لم يقرأها سابقاً ويحب قراءتها

http://shamquake.wordpress.com/2014/07/16/2632/

 

7- ما سبق يعني أن الأسد مضطر لإخلاء مناطق كاملة وتسليمها لداعش بحسب الأوامر الأميركية، وهذا هو ثمن بقائه في السلطة حاكماً لما تبقى من سوريا

 

8- إن سقوط “الجيوب” التي بقيت مع النظام حتى الآن ضروري لإتمام عملية التقسيم وإعادة رسم الحدود لكي تولد دولة البعث-داعش التي ترعاها أميركا

 

9- وإن سقوط هذه المواقع لا يدل على أن داعش تقاتل النظام بل يدل على أن أن الخطة ماضية في طريقها المرسوم وأن مشروع دولة داعش-البعث مشروع حقيقي

 

10- وكما حصل في الفرقة 17 فإن مطار الطبقة ومطار دير الزور وبقية المواقع ستسقط بسرعة ضمن اتفاقية الاستلام والتسليم، ولن يدافع عنها النظام =

 

11- لأنه غير مسموح له بالدفاع عنها، وسوف يسلمها لداعش كما سلمها الرقة من قبل وكما سلمها المالكي محافظات صلاح الدين ونينوى والأنبار في العراق

 

12- والدليل أن الفرقة 17 سُلمت تسليماً -يداً بيد- بعد تمثيلية قصيرة غير متقَنة، وإليكم ما قالته جريدة النظام في وصف عملية الاستلام والتسليم:

 

13- ورد في جريدة الوطن السورية بالحرف: “تقرر إخلاء الفرقة 17 في الرقة حفاظا على أرواح الأبطال المرابطين منذ عامين والذين استبسلوا في المقاومة”

 

14- ولا أستبعد أن يسحب النظام الضباط والعناصر النصيرييين من المواقع التي سيسلمها لداعش ويُبقي بعض العناصر من طوائف أخرى ليقنعنا بالتمثيلية الرديئة

 

15- في كل يوم نرى أدلة جديدة على عمالة داعش وما يزال المخدوعون بها مخدوعين، لا أمل في شفائهم من السحر ولا حل مع داعش إلا بالقتال والاستئصال

 

16- بارك الله في جيش المجاهدين الذي كان له السبق في قتال عصابة داعش، وأدعو كل الفصائل المجاهدة للمشي في هذا الطريق وإبادة الدواعش حيث وُجدوا

 

17- فلا حل مع هذه العصابة إلا الحل “الزهراني”: “قاتلوهم واقتلوهم حيث ثقفتموهم”. بارك الله في جيش الإسلام ومجاهدي الغوطة الذين نظفوها من الوباء

 

Posted in رسائل الثورة | 5 تعليقات