هل طال الطريق؟

هل طال الطريق؟

سألني أخ كريم فقال: ها قد أتممنا ثلاثَ سنين ودخلنا في الرابعة. هل تعتبر السنوات الثلاث وقتاً طويلاً؟ وما معيار الوقت الطويل والقصير؟

قلت: هذا سؤال ليس له جواب. لو سألتك: هل تعتبر مليون ليرة ثمناً مناسباً لبيت؟ فإنك سوف تجيب عن سؤالي بسؤال: ما هو هذا البيت؟ أخبرني أولاً عن حجمه وموقعه وصفاته حتى أستطيع تقديم الجواب الصحيح. إن بيتاً من غرفتين ليس كبيت من ستّ غرف، والبيت الكبير ليس بسعر القصر الفاخر، وهو في المدن الكبيرة أغلى منه في القرى والبلدات الصغيرة بكثير.

حسناً، ما الذي “نشتريه” بثورتنا؟ في أول أيام الثورة أراد المتظاهرون في درعا محاسبة المجرم عاطف نجيب وطالَبَ متظاهرو حمص بإقالة المحافظ وتلا متظاهرو بانياس قائمةً بمطالبَ متواضعةٍ منها الفصلُ بين الطلاب والطالبات في المدارس! هل تستحق هذه المنجزات وأمثالُها ربعَ مليون شهيد ونصف مليون مصاب وعشرة ملايين مشرد وملايين المعذَّبين والمعذَّبات، في ثلاث سنين مضت وفيما لا يعلم عددَه من السنين الآتيات إلا الله؟

لو كنا دفعنا ذلك كله من أجل المطالب التي أعلنها المتظاهرون في الأسبوع الأول فإنها لَصفقة خاسرة ظالمة! ولكنْ ماذا عن التخلص من عبودية نصف قرن؟ ماذا عن استرجاع الكرامة والخروج من حياة الذل والهوان (إن كان يصحّ أن تُسمَّى حياة)؟ ماذا عن إعادة ولادة الشعب السوري من جديد؟ ماذا عن تحطيم المؤامرة الرافضية الكبرى لابتلاع بلاد المسلمين؟ ماذا عن إيقاظ الأمة المسلمة واسترجاع عزّها المفقود؟ ألا تستحق هذه المغانم الجليلة العظيمة ما دُفع من ثمن باهظ؟ بل ألا تستحق أن ندفع أكثرَ وأكثرَ لننالها؟

*   *   *

نحن الآن في أول السنة الرابعة. في مثل هذه المرحلة من عمر الدعوة النبوية كان بلال يئنّ تحت الصخرة وهو مطروحٌ على رمل الصحراء اللاهب ويردد بلا انقطاع: “أحَد، أحَد”. في مثل هذه المرحلة من تلك الدعوة العظيمة مرّ النبي صلى الله عليه وسلم بآل ياسر وهم يعذَّبون، وقد طعن المجرمُ الكافر أبو جهل سميةَ بالرمح في قلبها (أو في فخذها -في رواية أخرى- فنفدت الطعنة إلى فرجها فقتلتها) فقال عمار: يا رسول الله، بلغ منّا العذاب كل مبلغ. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “صبراً أبا اليقظان”، أو قال: “صبراً آل ياسر، فإن موعدكم الجنة”.

وربما قريباً من هذه المرحلة جاء أصحابُ النبي صلى الله عليه وسلم إليه -وهو متوسّدٌ بُردةً له في ظل الكعبة- فقالوا: ألا تستنصرُ لنا؟ ألا تدعو لنا؟ فقال: “قد كان مَن قبلَكم يُؤخَذ الرجلُ فيُحفَر له في الأرض فيُجعَل فيها، فيُجاء بالمنشار فيوضع على رأسه فيُجعَل نصفين، ويمشَّط بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه، فما يصدّه ذلك عن دينه. والله لَيتمّن هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا اللهَ والذئبَ على غنمه، ولكنكم تستعجلون”.

ثم انتظَروا بعدها تسعَ سنين حتى أتى يومُ الهجرة فتخلّصوا من العذاب وانتقلوا من الخوف والهوان إلى العزّ والأمان، وانتظروا بعدَها قريباً منها حتى جاء يوم الفتح الأكبر. لا أقول إننا سنعاني كل تلك السنين حتى يأتي النصر المبين، فلا يعلم متى يأتي ذلك اليوم العظيم إلا الله، إنما أقول إن المكاسب العظيمة لا تُشترى إلا بالثمن الكبير، وإني لأسأل الله تبارك وتعالى أن يعجّل بالنصر والفرج لأن البلاء الذي أصابنا أعظمُ ممّا أصاب الصحابةَ من بلاء، ولأن عدونا فاق في الخِسّة والإجرام أبا جهل وسائرَ كفار العرب في ذلك الزمان.

*   *   *

يا أهل سوريا الكرام ويا أحرارها ومجاهديها الميامين: لقد أردنا أمراً وأراد الله أمراً، وما أراده الله خيرٌ ممّا أردنا، ولا يختار لنا إلا الخير. أردنا السلامة والدنيّة وأراد الله لنا العُلُوّ والسُّمُو، أردنا مخدّراً نخدّر به الألم الناشئ عن الورم، وأراد الله للورم الخبيث كله أن يُستأصَل من أصله لنتعافى منه إلى الأبد.

قد تطول المحنة وتطول، ولكننا ماضون إلى النصر بإذن الله، سوريا إلى خير بأمر الله. نسأل الله أن لا يحمّلنا ما لا طاقةَ لنا به، وأن يعفو عنا ويثبّتنا وينصرنا على عدونا، والحمد لله على كل حال.

Posted in خواطر ومشاعر | أضف تعليقا

شعب يستحق النصر بإذن الله

شعب يستحق النصر بإذن الله

 

شاهدت صورة الشهيد الذي ربط بنطاله بحبل لأنه لم يملك حزاماً يمسكه به، وصورة وصيّة الشهيد الآخر الذي مضى من هذه الدنيا وفي ذمّته دَيْنٌ للفوّال بمئة ليرة، وصورة المسعف الذي يركض باتجاه القصف في حلب فيما يَفِرّ من حواليه المصابون والمفزوعون، وصورة المجاهد الذي يقف في وجه الدبابة ليقذفها وما يدري أيسبق صاروخُه إليها أم تسبق قذيفتُها إليه، وسواها من الصور التي رأيتموها كما رأيتها واستولى أصحابُها على قلوبكم كما استولوا على قلبي… كلما رأيت تلك الصور ازدادت ثقتي بهذا الشعب العظيم وازداد يقيني بنصر الله الموعود، لأنّ مَن غَيّرَ نفسه حتى صار على هذه الصورة بعدما عاش آباؤه في الذل والقيد والاستسلام خمسين عاماً يستحق نصر الله.

نعم، ما زالت فينا عيوبٌ وما زال فينا مقصّرون، بل وإن فينا كثيراً من اللصوص والمرتزِقة والمنتفعين والمعتدين والظالمين، وما زالت المحنة تطول وتمتد لتخلّصنا من أولئك الفاسدين ولتزيدنا نقاءً على نقاء، مِنّةً من الله وتفضلاً منه علينا لا عقوبةً لنا بجريرة أولئك الظالمين، فالله أرحم من أن يعاقبنا بذنوبهم بعدما وقَفْنا على بابه متّجهين إليه معتمدين عليه آيِسين من سواه، ولكنه يعلم -وهو العليم الخبير القدير- أن الخَبَث إن بقي فينا أفسد علينا ثورتنا اليوم وكدّر مستقبلنا في الغد القريب وفي الغد البعيد، فهو يريد أن ينقّي منه صفوفنا ولو طال الطريق لنعيش نحن وأولادُنا من بعدنا في خير وعافية.

ولكنه سينصرنا بفضله تعالى ولو بقي فينا مقصرون ولو بقي فينا فاسدون. وهل يمكن أن تخلو جماعة بشرية من المقصرين والفاسدين؟ في حديث ابن عمر (وصَحّ من طرق): “ما منع قومٌ الزكاةَ إلا مُنِعوا القطرَ من السماء، ولولا البهائم لم يُمطَروا”. أتكون البهائم العَجْماوات سبباً في قطر السماء ولا يكون سبباً في نصر الله الأبطالُ الذين أشرتُ إلى “عيّنة” منهم قبل قليل؟

إن الله لا تَضيع عنده ذرة من عمل صالح، وبفضل الصالحين والصالحات الذين يملؤون الأرض في سوريا، والذين يراهم الله ولو لم نَرَهم ويعرفهم ولو لم نعرفهم، والذين اطّلع خالقهم على صلاحهم وتضحياتهم وعرف ما انطوت عليه نفوسهم من صدق وإخلاص، بفضلهم وبرحمة الله وكرمه سينجّينا الله من الكَرْب ويكشف عنا هذه الغمّة وينصرنا على عدونا في يوم آت يعلمه الله. فاصبروا على الحق وتواصُوا بالخير وأصلحوا أنفسكم حتى يكثر الصالحون، فكلما زاد فينا الصالحون اقتربنا من الفرج وزدنا استحقاقاً لنصر الله.

Posted in خواطر ومشاعر | أضف تعليقا

علي الطنطاوي-كلمات في الثورة

-26-

 

من أخلاقنا التي يجب أن نتخلص منها أننا لا نعرف التعاون ولا نَقْدر أن نعمل مجتمعين، فالفرد منا عامل منتج، ولكن الجماعة عاجزة عقيمة. وعلّة ذلك “الأنانية” المُفْرطة والأثَرَة الجامحة وحبّ الذات الطاغي، فالرجل منا يريد أن يكون هو كل شيء في الجمعية أو الشركة، رئيسها إن كان لها رئيس وعضو الإدارة إن كان مجلس إدارة، وأن يكون له الرأي إن أُخذت الآراء.

 

بل إنا نرى كلاًّ منّا يعطّل أعمال الآخرين ويُبطلها ويعمل على هدمها، بينما نراه مؤمناً بلزومها معتقداً بالحاجة إليها ساعياً إلى القيام بمثلها. فهو يعلم الحاجةَ إلى مدرسة دينيه ويدعو إليها، ولكنه إذا رآها قد فُتحت ونالت قسطاً من النجاح أصلاها حرباً حامية وجعل أكبر همه هدمها وتخريبها. ذلك أن دعوته الأولى لم تكن عن إخلاص ولم يكن يريد بها وجه الله والمصلحة، ولكنه يريد الفخر والشهرة والنفع واللذة، فلما رآك أنت السابق إليها والذاهب بفخرها خان المصلحة وعصى الله ليُرضي أثَرَتَه ويستجيب لأنانيته. وهو شاعرٌ بالحاجة إلى جمعية خيرية، يسعى إلى تأليفها بحماسة وجِدّ ودأب، قد ملأت فكرتُها نفسَه وحياته، فهو لا يتحدث إلا بحديثها ولا يشتغل إلا لتأسيسها، فإذا تم له الفلاح بعد التعب والكفاح وقامت الجمعية ولم يكن هو الرئيس انفصل عنها وحاربها حرباً لا هوادة فيها وسعى إلى هدم ما بناه بيده!

 

هذا داء من أشد أدوائنا الخلقية، إن لم نعالجه فَشَت جرثومته في جسم الأمة فشَلَّت أعضاءها وعطلت أعمالها. وأين هو الإخلاص وأين هو الصدق فيمَن يدعو إلى الخير أو الدين أو الفضيلة، وغايتُه استغلال الدين والخير والفضيلة لمصلحة نفسه وإطاعة هواه؟

في سبيل الإصلاح: أخلاقنا (نُشرت سنة 1938)

Posted in رسائل الثورة | أضف تعليقا

لا مكانَ في ثورتنا للمقنَّعين

لا مكانَ في ثورتنا للمقنَّعين

 

دخل الاضطراب والفساد على ثورتنا منذ أن دخل إليها المقنَّعون. ربما كان الذين تقنَّعوا في أول الأمر من المجاهدين الصادقين الذين اتخذوا القناعَ حمايةً لأنفسهم، فمنهم سوريون خافوا على أهاليهم الذين يقيمون في مناطقَ ما زال يحتلها النظام، ومنهم غير سوريين خشوا أن تنكشف هوياتهم فتلاحقهم سلطات بلادهم إذا عادوا إليها بعد حين.

 

لعل ذلك كان السببَ الأصلي لولادة هذه الظاهرة، وهو سبب يصلح لتفسيرها ولكنه لا يصلح لتبريرها، لأنها تحولت إلى باب شَرّ وضَرّ وفساد على الثورة، باب دخل منه الطالحون كما دخل منه الصالحون، وتسلل عبره من شاء من اللصوص والفاسدين ومن عملاء أجهزة المخابرات السورية والدولية، حتى صار ضررُه الهائل أعظمَ من فائدته المحدودة، لذلك وجب إغلاقه بإحكام.

 

كيف يجوز أن تتهاون الثورة في هذا الأمر وهو يعرّضها إلى خطر الاختراق والإفناء؟ كم من العملاء والجواسيس المقنَّعين نجحت أجهزةُ أمن النظام ومخابراته ومخابرات الدول الأجنبية في دَسّهم في جسم الثورة وزرعهم بين الثوار؟ كم من اللصوص والقتلة يسرحون ويمرحون ويقطعون الطرق ويصادرون أموال الناس وممتلكاتهم وهم مختبئون خلف الأقنعة؟ يا لها من هدية عظيمة قدمها المجاهدون لأولئك الأعداء واللصوص وهم لا يشعرون!

 

لقد تَقَنَّع مَن هَبّ ودَبّ ليُخفوا هوياتهم ويمارسوا ما شاؤوا من فنون الإيذاء والاعتداء على الأبرياء، فلم يعد القناع غطاء يغطي الوجه فحسب، بل صار قناعاً يغطي الظلمَ الذي يمارسه بعض المقنَّعين على ضَعَفة الناس، والثورةُ إنما قامت لردّ الظلم والأذى والعدوان. وصار المقنَّعون مصدرَ خوف وقلق يثيرون الرعب والرهبة في قلوب الناس، والثورة ما قامت إلا لتمنح الناسَ الكرامةَ والأمان.

 

نعم، لقد صار خطرُ التقنّع وضررُه العام أكبرَ من أي منفعة خاصة يمكن أن يأتي بها، فلم يعد بُدٌّ من رفضه وحظره بالكلّية ومنع هذه الظاهرة نهائياً، فمَن أبى إلا التشبّثَ بها فليس له أن يبقى معنا ولا بد أن يخرج من ميادين الثورة والجهاد؛ من كان لا يجرؤ على كشف وجهه فلسنا بحاجة إليه، بعدما كشف عن أنفسهم ووجوهم وأسمائهم حتى البناتُ والصبيان.

 

ما أكثرَ ما تُرتكَب كلَّ يوم من جرائم ومخالفات تحت حماية القناع! وما داعشُ عنا ببعيد، فإن أكثر جرائمها ارتكبها مقنّعون. وما يزال القناع هو خير وسيلة للتستر على الجرائم وإخفاء وتهريب المجرمين، فأيّ مقنع يمكنه أن ينتقل من البوكمال إلى باب الهوى، فيقطع سوريا المحررة من أقصى الجنوب الشرقي إلى أقصى الشمال الغربي دون أن يوقفه أحد أو يسأله عن هويته أحد. حتى لو أن بشار السفاح نفسه مَرّ بحاجز من حواجز الجيش الحر وهو مقنَّع لما عُرف، إلاّ أنْ يكشفه بعض النابهين بسبب رقبته، لكن ما كل أعدائنا لهم رقاب طِوال كرقبة ذلك المجرم المخبول.

 

يا أيها المقنَّعون: انزعوا عن رؤوسكم القناع أو اتركوا ثورتنا، فلا نريد بيننا مقنَّعين.

Posted in خواطر ومشاعر | أضف تعليقا

نداء عاجل إلى مجاهدي سوريا جميعاً

هذا يومكم أيّها المجاهدون

 

ما زلنا نصرخ وننادي منذ دهر بفتح جبهة الساحل، لأن العدو لن يُؤتَى إلا من قِبَلها ولأنّ فتحَها سيخفف الضغط عن سائر الجبهات المشتعلة. أفلمّا فَتحت تلك الجبهةَ العصيّةَ طائفةٌ من مجاهدينا الأبطال تخلّينا عنهم وتركناهم وحيدين في الميدان؟

تتوارد الأنباء منذ أيام متحدّثةً عن جسر جوي وبرّي هائل أنشأه النظام لمَدّ جبهة الساحل بالمقاتلين والعتاد، وتتحدث الأخبار عن وحدات كاملة يجري نقلها على جناح السرعة إلى الساحل، من دمشق وريف دمشق ومن إدلب وحمص وحماة وحلب وغيرها من المناطق.

لا أستطيع الجزم بصحة كل ما تنقله الأخبار، ولكنْ لو كان صحيحاً (والمؤشرات والأدلة كلها ترجّح أنه صحيح) فإن العدو يوشك أن يجمع في الساحل ما يوازي فرقتين كاملتين، وهذا يعني أنه سيركز فيه نصف قواته الضاربة تقريباً بعدما كان اعتماده الرئيسي هناك خلال السنة الماضية كلها على مليشيات جيش الدفاع الوطني.

إن جبهة الساحل تمتص قوات النظام بسرعة خارقة، ولا ينبغي أن ننسى أبداً أن القدرات العسكرية للنظام صارت محدودة جداً بحيث يتعذر عليه القتال في الجبهات كلها بفعالية كاملة في وقت واحد، كما لا ننسى أيضاً أن قدرات النظام اللوجستية أعلى بكثير من قدارت جيش الثورة، فهو يملك أسطولاً هائلاً للنقل البري والجوي مقارَنةً بإمكانياتنا المحدودة، ولا ريب أنه يعلم أن الوقت يحاربه مع الثوار، لذلك فإنه سوف يحرص على الانتهاء من الساحل بسرعة، لكي يعيد القوات التي دفعها لتلك الجبهة إلى مواقعها الأصلية التي أخرجها منها. هذا يعني أن الوقت الذي يملكه الثوار قصير، قد لا يتجاوز أسبوعين، وأن عليهم أن يستغلوا هذا الوقت القصير لقلب الموازين على الأرض.

منذ وقت طويل والعقلاء جميعاً يَدْعون إلى قيادة موحدة لجيش الثورة، ولو أن مثل هذه القيادة كانت موجودةً اليومَ فسوف تتخذ قراراً فورياً بفتح كل الجبهات ضمن الإمكانيات المتاحة لشغل العدو وتشتيته واستغلال انشغاله بمعركة الساحل، فهل يمنع غيابُ القيادة الواحدة من تنفيذ هذه الخطة؟ ألا تستطيع ألوية وكتائب الجبهة الإسلامية واتحاد أجناد الشام وجيش المجاهدين وسائر كتائب ووحدات الجيش الحر أن تشعل النار في كل الجبهات؟ بلى تستطيع، وهذا ما ينبغي أن يكون.

إذا لم تتحرك كتائب سوريا كلها في هذه الأيام الحاسمة فسوف ينجح النظام في تركيز قوته الكبرى في جبهة الساحل ويسحق المجاهدين هناك، ولو أن هذا حصل -لا قدّر الله- فإن الذي يتحمل مسؤوليته ووِزْره هو كل جماعة مسلحة تملك القدرة على القتال ثم لا تفتح جبهتها على مصراعيها وتتحول من الدفاع إلى الهجوم. فلا تترددوا يا أيها المجاهدون الكرام، لا تتخلّوا عن مجاهدي الساحل ولا تتركوهم وحدهم في الميدان فإنّ التخلي عنهم في هذا الوقت خيانة، أعيذكم بالله أن تكونوا خائنين. 

*   *   *

هذا يومكم يا أيها المجاهدون في سوريا جميعاً، وإنه يوم من أيام التاريخ، فلا تضيّعوا الفرصة فتندموا حين لا ينفع الندم. ألا تحبّون أن توفّروا على أهلكم عشرةَ آلاف شهيد أو عشرات آلاف؟ ألا تحبّون أن تُنقصوا من عذابات المعذَّبين يوماً أو مئة يوم أو مئات؟ ألا تحبّون أن تنقذوا الأطفال من مزيد من الإصابات وتنقذوا الحرائر من مزيد من الانتهاكات؟

إن الحرب بيننا وبين عدونا ستطول وتطول ما لم تضربوا كلُّكم ضربةَ الرجل الواحد وتتحركوا حركةَ الجسد الواحد، وإنّ كل يوم يَمُرّ على ثورتنا ومحنتنا يحمل معه ما لا يعلمه إلا الله من شهادات الشهداء ومن المآسي والجراحات وعذابات المعذَّبين والمعذَّبات في السجون والمعتَقلات، فهلاّ قَصّرتم عمر المحنة ووفرتم على الأبرياء مزيداً من الآلام والدموع والدماء؟

هذا يومكم يا أيها المجاهدون الصادقون الشرفاء، فأرونا ماذا أنتم صانعون.

Posted in رسائل الثورة | أضف تعليقا

الثورة والزواج

الثورة والزواج

 

يتساءل كثير من شبّان سوريا وشاباتها: هل هذا هو الوقت المناسب للزواج؟ ثم يجيب كثيرون منهم وكثيرات: “لا، ليس قبل سقوط النظام وعودة سوريا إلى أهلها الأحرار، فإنّا لا نريد أن يكون الزواج عبئاً إضافياً نحمله فوق ما نحمل من أعباء، ولا نريد أيضاً أن يولد لنا أولاد يتعرضون إلى مكاره الحرب وأخطارها الجِسام”. فهل ما ذهبوا إليه خطأ أم صواب؟

لو أن الثورة كانت مشروعاً قصيراً في عمر الزمان لا يتجاوز الأشهرَ القليلة أو العام والعامين لكان قولُهم هو عينَ الصواب، أمَا وقد تحولت إلى “حرب عالمية” تحاربنا فيها حرباً مباشرةً -مع النظام- ثلاثٌ من دول الإقليم، وتحاربنا معه أيضاً دولةٌ عظمى حرباً غيرَ مباشرة تتواطؤ معها فيها دولٌ كثيرة صغرى وكبرى، حتى صار العمر المقدَّر للثورة بالسنوات لا بالشهور والأسابيع والأيام… أمَا وهذا هو الحال فإنّ توقفَ الحياة وجمودَها مُحال.

إن الحياة أقوى من الموت كما يقولون، وهذا صحيح، فإن نهر الحياة لا بدّ أن يجري مهما بلغت سدودُ الموت عرضاً وارتفاعاً ومهما حاولت رَدّه واعتراضَ مجراه. لذلك نقول: لا تجمّدوا مشروعات الحياة يا شبابَ الثورة وصباياها؛ مَن كان طالباً فليَمضِ في دراسته، ومن كان في سن الزواج ووجد شريك الحياة الملائم فليتزوج على بركة الله. على أن لا ينصرف إلى الدراسة إنْ كان طالباً وإلى حياته الجديدة إذا تزوج انصرافاً كلّياً يعطّل نشاطه السابق ويُخرجه من الثورة. كيف؟

يتوهم بعض الناس أن الجمع بين الحياتين -الخاصة والثورية- مستحيل. وهذا خطأ آخر يحتاج إلى تصحيح في ضوء المقدمة السابقة، فحيث إن المعركةَ طويلةٌ والحياةَ لا بد أن تمضي (كما أسلفنا) فلا مناصَ من أن يستمر الناس في دراساتهم وتجاراتهم وحياتهم الأسرية والاجتماعية، حتى لا تموت الجماعة الكبيرة وتفقد حيويتها وزخمها وقوّتها الدافعة. ولكن لو أن كل واحد انشغل بتلك الحياة الخاصة انشغالاً كلياً وترك القضية العامة، الثورة، فسوف تخسر وتنهار ويلحقها الفناء.

هنا تأتي أهمية التوازن والتوفيق، فيقسم الشبان أوقاتهم وطاقاتهم واهتماماتهم ومواردهم مناصَفةً بين أنفسهم (الصالح الخاص) والثورة (الصالح العام)، وكلٌّ أدرى بنفسه وأقدرُ على تحقيق تلك الموازنة الدقيقة التي تمنحه مساحة واسعة كافية لحركته الشخصية، وفي الوقت ذاته فإنها تكفل استمرار الثورة وصمودها وصولاً إلى الانتصار بإذن الله رب العالمين.

Posted in خواطر ومشاعر | تعليق واحد

القتالُ من أجل الحرية قتالٌ في سبيل الله

نعم، إننا نقاتل في سبيل الحرية والكرامة

 

قلت إن ثورتنا وجهادنا لرفع الظلم عن المظلومين وتحرير سوريا من الاحتلال الأسدي البعثي الملعون، فردّ عليّ أحدهم مُغضَباً: يجب أن تكون ثورتكم في سبيل الله ولإقامة دولة الإسلام وليس في سبيل الحرية والكرامة. قلت: ومَن أنبأك -يا أخا الإسلام- أن القتال دفاعاً عن الكرامة والحرية ليس قتالاً في سبيل الله؟ وإلا فما هو؟ قتال في سبيل الشيطان؟

أما آن الأوان ليدرك المسلمون أن مصيبتهم في دينهم هي نتيجةُ مصيبتهم في حريتهم وكرامتهم، وأن الظلم والاستبداد يضيّعان الدينَ كما يضيعان الدنيا سواءً بسواء؟ أما آن الأوان ليدرك الناس أنّ القتالَ لنصرة دين الله والقتالَ لنصرة المظلومين والمستضعَفين كلاهما جهاد: {وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله والمُستضعَفين}؟ أما آن الأوان ليعلم كل مسلم أنّ رفضَ الظلم ودفعَه “فريضةُ عين” عليه، وأنه لو مات في سبيل حقه وحريته وكرامته فهو شهيد؟

في الحديث المشهور: “من قُتل دون ماله فهو شهيد”، ورُوي عن سعيد بن زيد وعبد الله بن عمرو (وصحّحه الألباني في صحيح سنن النسائي) بلفظ المقاتلة الصريحة: من قاتل دون ماله فقُتل فهو شهيد، ومن قاتل دون دمه فهو شهيد، ومن قاتل دون أهله فهو شهيد”. وإننا نجد خلاصة المسألة في الحديث الجامع الذي أخرجه النسائي عن عبد الله بن مسعود (وصححه الألباني): “من قُتل دون مظلمته فهو شهيد”؛ أيّ مظلمة بإطلاق.

حتى إن الفقهاء ذهبوا إلى إجراء حكم شهيد المعركة على شهيد الظلم، قال ابن قدامة (المغني 2/535): “من قُتل دون ماله أو دون نفسه وأهله فلا يُغسَّل ولا يُصلّى عليه، وهو قول الشعبي والأوزاعي وإسحاق. قال المرداوي: وهو المذهب، اختاره أكثر الأصحاب، لأنه قُتل شهيداً أشبه بشهيد المعركة”.

يا أيها الناس: لو اعتدى الظالم على قوم فاستسلموا لعدوانه ولم يردّوه بالقوة فإن الظالم يزداد قوة ويمتد أذاه إلى أقوام آخرين، فيعمّ الضرر الناشئ عن الامتناع عن قتال الظالم ويتجاوز حالةَ الظلم الأولى حتى يصبح وباء عاماً يفتك بالجماعة المسلمة كلها. هنا لم يعد قتالُ الظالم ووَقْفُ ظلمه وعدوانه حقاً للفرد الذي اعتُدي عليه، بل هو حق لجماعة المسلمين كلهم، ولذلك جاء الأمر النبوي الصارم للسائل الذي سأله: أرأيتَ إن جاء رجلٌ يريد أخذ مالي؟ قال: فلا تعطِه مالك. قال: أرأيت إن قاتلني؟ قال: قاتله. قال: أرأيت إن قتلني؟ قال: فأنت شهيد. قال: أرأيت إن قتلته؟ قال: هو في النار.

نعم، إننا نقاتل في سبيل حريتنا وكرامتنا ولا فخر، وإنّا لنرجو أنه قتالٌ في سبيل الله، ونرجو أنّ كلَّ فقيد في هذه المعركة فهو شهيد عند الله بإذنه وكرمه تبارك وتعالى.

Posted in خواطر ومشاعر | 2 تعليقات