تغير الناس فاستحقوا النصر

أنا لا أظن أن الشعب السوري سينتصر على الطغاة وأنه سينال حريته. هذا أمر لا يدخل عندي في دائرة الظن، بل هو من أمور اليقين. إنني أعلم علم اليقين أن الشعب السوري منتصرٌ وأن النظام زائلٌ بأمر الله تبارك وتعالى، ليس لأني اطّلعت على الغيب، فلا يعلم الغيبَ إلا الله، وإنما لأن النهايات تُعرَف بالبدايات، ولأن شعباً ضعيفاً أعزل وقف ثلاث سنين أبيّاً مرفوع الرأس في وجه نظام من أسوأ وأعتى الأنظمة القمعية في التاريخ لن تخضعَه قوةٌ من قُوى الأرض بعد اليوم بإذن الله رب العالمين.

منذ خمسين سنة كان السوريون مضطهَدين مُهانين يعيشون بلا أمل في حرية أو كرامة، وكذلك كانوا منذ أربعين سنة ومنذ ثلاثين وعشرين. ما الذي اختلف اليوم؟ هل قرر الطغاة مختارين أن يمنحوا هذا الشعب حريته التي سلبوها وأن يعيدوا له الكرامة التي داسوها بالبساطير؟ ومتى تنازل طاغيةٌ عن جبروته بالتطوّع والاختيار؟ هل تغير الحال لأن الطغاة فقدوا قوتهم وجبروتهم أو لأن الشعب امتلك من القوة أكثر مما يملكون؟

لا، لم يعش الناس عقوداً من الزمن حياةَ العبيد وصاروا يعيشون اليوم حياة الأحرار لأن النظام كان قوياً فصار ضعيفاً؛ النظام لم يتغير بين أول آذار 2011 وآخره، الناس هم الذين تغيروا. الشعب الذي سكن الخوفُ قلبَه نصفَ قرن قرّر أن يثور على الخوف، فلا خوفَ بعد اليوم، الشعب الذي تحكمت الأصنام في حياته وسيطرت على قلبه حطّمَ في قلبه الأصنامَ فتحطمت على الأرض الأصنامُ.

سكنَتْ قلوبَ الناس في الماضي قابيلةٌ غريبة للاستعباد فاستُعبدوا وملأت بلادَهم أصنامُ الطاغية، وفي لحظة من لحظات التاريخ الفريدة نبذوا من قلوبهم هذه القابليةَ وهتفوا: “لا عبوديةَ بعد اليوم”. في تلك اللحظة تبخر الخوف من النفوس وتحطمت في القلوب الأصنام، وفي اللحظة نفسها فقد الطغاةُ القوةَ التي كانوا يملكون، في تلك اللحظة فقدت أصنامُ الأرض فرصتها في البقاء.

في ذلك اليوم المشهود نال الشعب حريته ورُسمت نهاية الرواية، كل ما بقي بعد ذلك مجرد تفاصيل لا بد منها قبل إسدال الستار على مشهد الانتصار.

Posted in خواطر فسبوكية | أضف تعليقا

محاكمة قَتَلة حمص

محاكمة قَتَلة حمص

 

-1-

يوشك الستار أن يُسدَل على واحدة من أعظم ملاحم الثورة السورية وعلى أكثر مآسيها طولاً وكآبة، المأساة التي صنعتها أيدي قوم منّا قبل أن تصنعها أيادي الخصوم والأعداء.

ليست هذه المقالة لاستنهاض الهمم، فقد ماتت همم المستنهَضين منذ الزمن الأول فلم يعد لنا فيهم رجاء، ماتت منذ اليوم الذي ضرب فيه العدو على حمص الحصارَ فلم يُبالِ بحصار الأخ أخوه ولا بجوع الجار سائرُ الجيران، ثم شبعت موتاً حينما كانت الكتابات تنهال كالمطر داعيةً ومحفّزة، وسائلةً بالله مَن ينبغي عليه إذا سُئل واستُنصر بالله أن يَنصر ويُعين.

قد تصمد حمص إلى الغد أو إلى غَداة الغد، وقد تصمد أياماً أُخَر، مهما يكن ما بقي لها من أيام في عالم الصمود فقد قُضي الأمر ولم يعد لنا من أمل إلا بخروج أسود الحصار من قلب الحصار آمنين، فلن أكتب ولن يكتب غيري اليومَ للاستنجاد بمَن ما زلنا نستنجد بهم عبثاً منذ دهر، فإن الاستغاثة بالمَوتى لا تجوز، بل أكتب (وأرجو أن يكتب غيري) لكشف الجُناة الحقيقيين الذين ضيّعوا حمص. لماذا؟

لأننا تعلمنا من تجربة مُرّة طولُها نصفُ قرن أن السكوت عن المجرمين هو أول طريق طويل معبَّد بالشوك محفوف بالدموع والآلام، ولأننا نخشى أن لا تكون حمص آخرَ الكوارث، فإن الأيدي الخفية التي لعبت بها توشك أن تلعب بغيرها، ولأن النبتة الضارة لا تقتلع نفسَها من الأرض بنفسها، فلا بد أن يقتلعها الأحرارُ ولو شاكتهم وأدْمَتهم الأشواك.

-2-

لقد تهاوت حمص بسرعة منذ أن فتح النظام تلك الثغرةَ التي خرج منها المئات من الناشطين والمجاهدين وغيرهم من المدنيين العاجزين، ولربما وجد المجرمون الحقيقيون ضالّتهم في أولئك الضحايا المساكين الذين سيُذبَحون مرتين، مرة بسكّين النظام ومرة بسكّين الجُناة الذين أوصلوا حمص إلى الاستسلام والانهيار. إن مَن يحمّل أولئك الضعفاء المساكين مسؤولية سقوط حمص (إذا فعل ذلك أحد) ليس أقل سوءاً من داعش التي سرقت مدناً كاملة واستولت بغير حق على المصانع والصوامع وحقول النفط والغاز ثم قطعت يدَ شاب في رغيف خبز! كم بيننا من الدواعش في ثياب الثوار!

لا، دعوا عنكم مَلامة الضّعَفَة الذين ألجأتموهم إلى الخيار المُرّ، ولولا أنّ فيهم خيراً يفوق ما عند غيرهم بألف مرة لما بقوا في الحصار كل هذا الوقت الطويل ولآثروا الهروب والاستسلام منذ زمن، وإن فيهم مَن دخل إلى جوف الحصار برجليه لأنه أراد صادقاً مخلصاً أن يجاهد في سبيل الله وأن يحمي حمص من الضياع. ولكنْ ماذا تفعل قلّةٌ من الناس حُصِرت في الرقعة الصغيرة من الأرض سنتين بلا مُعين وبُحَّت أصواتها وهي تستغيث ولا مُغيث؟

-3-

حمص لم تمت حَتْفَ أنفها، بل قُتلت قتلاً متعمداً بدم بارد وبتصميم وإصرار، ومن حق السوريين الأحرار اليوم ومن حق أبنائهم غداً أن يعرفوا الجُناة الحقيقيين، ومن العار -ونحن ندعو إلى العدالة والقصاص من المجرمين الذين أجرموا بحق الثورة- أن نتغاضى عن بعض أسوأ المجرمين الذين كانوا سبباً مباشراً في خسارة عاصمة الثورة.

لقد عانت حمص من حصار النظام وحالش من الغرب والجنوب، وأكملت داعش الحصار من الشرق، فأعاقت وصول النجدات ودمرت أرتال الدعم القادمة من البادية، على النحو الذي صار معروفاً مكشوفاً لكل السوريين مؤخراً. ولكن هذه القُوى الثلاث هي العدو الحقيقي اللدود للسوريين، فلا حاجةَ لأن يُتعب أحدٌ نفسَه بهجائها، وهي عمّا قريب جِيَفٌ نافقة إن شاء الله، فبأيّ شيء يُفيدنا سلخ الجيف النافقة؟

نريد أن نعرف الأعداء المستترين الذين ظننّاهم منّا فمنحناهم ثقتنا، فطعنونا في ظهورنا وخانونا وباعونا وكانوا هم السببَ الأكبر للكارثة. إذا كان النظام قد أحكم الحصارَ على حمص -بمساعدة حليفَيه حالش وداعش- من الشرق والغرب والجنوب، فماذا عن الشمال؟

نشر بعضُ ناشطي حمص المعروفين بصدقهم وحيادهم منذ وقت قريب معلومات تؤكد خيانة أحد أكبر قادة الكتائب في الريف الشمالي، وقالوا إنهم يملكون الوثائق والبراهين على صحة ودقّة ما اتهموه به. إذا كان ما قالوه عن الرجل صحيحاً (والمرء يكاد يجزم بصحته من مجرد متابعة تفاصيل قصة حمص في السنتين الماضيتين) إذا كان كذلك فينبغي أن يُحاكَم بتهمة الخيانة العظمى وبيع حمص وسرقة أموال الثورة.

-4-

لم تكن ثورتنا ثورة على سفّاح سوريا ولا على نظام القمع والاحتلال فحسب، بل هي ثورة عامة شاملة على كل ظلم وفساد، وإن ملايين السوريين الأحرار لم ينتظروا إذناً ولا تلقَّوا إرشادات من أحد ليقوموا بثورتهم، فقد سبقوا بها العلماء والمفكرين والساسة المُخَضرمين والعسكريين المحترفين، وعليهم أن يسبقوا الجميع اليوم في ميدان العدالة والقضاء ومحاسبة المجرمين وإسقاط الأقنعة عن الخونة والمنافقين.

لا ينبغي لهذه الكارثة أن تمر بصمت. إنني أقترح أن تتعاون طائفة من ناشطي حمص وإعلامييها المشهود لهم بالنزاهة والصدق والحياد، الذين لا يُحسَبون على أي فريق من الفرق الكثيرة التي تشتّتَ وتفتّتَ بينها قرارُ حمص وضاعت بسبب تفرّقها وتشرذمها وخلافاتها مدينةُ حمص، أقترح أن يتعاونوا على إنشاء صفحة مفتوحة تتخذ عنوانَ هذه المقالة اسماً لها، وأن تحاكم فيها كل المتهمين بتضييع حمص محاكمة علنية، لهم فيها حق الدفاع عن النفس واستشهاد من شاؤوا من الشهود، وسوف يكون الأحرار العقلاء من أهل حمص ومن عامة السوريين هم القضاةَ وهم المحلَّفين.

ليس ما نريده مزيداً من المهاترات والاتهامات وتصفية الحسابات التي تمتلئ بها كثير من الصفحات والتي صارت من الأنشطة المفضلة لكثير من السوريين مؤخراً، إنما نريد من هذه المحكمة أن تكشف الخونة والمقصّرين بالبينة والدليل. ولا يلزمنا أن تُصدر أحكاماً على المتهمين؛ يكفينا أن تُثْبت الجريمة وتثبّت التهم وأن تبرّئ الأبرياء وتدين المجرمين، وسوف يأتي يوم -بعيد أو قريب- توضَع فيه نتائج المحاكمة بين يدي القضاء السوري المستقل في سوريا الحرة، يومئذ يُقضى بين الخصوم.

Posted in رسائل الثورة | أضف تعليقا

هل طال الطريق؟

هل طال الطريق؟

سألني أخ كريم فقال: ها قد أتممنا ثلاثَ سنين ودخلنا في الرابعة. هل تعتبر السنوات الثلاث وقتاً طويلاً؟ وما معيار الوقت الطويل والقصير؟

قلت: هذا سؤال ليس له جواب. لو سألتك: هل تعتبر مليون ليرة ثمناً مناسباً لبيت؟ فإنك سوف تجيب عن سؤالي بسؤال: ما هو هذا البيت؟ أخبرني أولاً عن حجمه وموقعه وصفاته حتى أستطيع تقديم الجواب الصحيح. إن بيتاً من غرفتين ليس كبيت من ستّ غرف، والبيت الكبير ليس بسعر القصر الفاخر، وهو في المدن الكبيرة أغلى منه في القرى والبلدات الصغيرة بكثير.

حسناً، ما الذي “نشتريه” بثورتنا؟ في أول أيام الثورة أراد المتظاهرون في درعا محاسبة المجرم عاطف نجيب وطالَبَ متظاهرو حمص بإقالة المحافظ وتلا متظاهرو بانياس قائمةً بمطالبَ متواضعةٍ منها الفصلُ بين الطلاب والطالبات في المدارس! هل تستحق هذه المنجزات وأمثالُها ربعَ مليون شهيد ونصف مليون مصاب وعشرة ملايين مشرد وملايين المعذَّبين والمعذَّبات، في ثلاث سنين مضت وفيما لا يعلم عددَه من السنين الآتيات إلا الله؟

لو كنا دفعنا ذلك كله من أجل المطالب التي أعلنها المتظاهرون في الأسبوع الأول فإنها لَصفقة خاسرة ظالمة! ولكنْ ماذا عن التخلص من عبودية نصف قرن؟ ماذا عن استرجاع الكرامة والخروج من حياة الذل والهوان (إن كان يصحّ أن تُسمَّى حياة)؟ ماذا عن إعادة ولادة الشعب السوري من جديد؟ ماذا عن تحطيم المؤامرة الرافضية الكبرى لابتلاع بلاد المسلمين؟ ماذا عن إيقاظ الأمة المسلمة واسترجاع عزّها المفقود؟ ألا تستحق هذه المغانم الجليلة العظيمة ما دُفع من ثمن باهظ؟ بل ألا تستحق أن ندفع أكثرَ وأكثرَ لننالها؟

*   *   *

نحن الآن في أول السنة الرابعة. في مثل هذه المرحلة من عمر الدعوة النبوية كان بلال يئنّ تحت الصخرة وهو مطروحٌ على رمل الصحراء اللاهب ويردد بلا انقطاع: “أحَد، أحَد”. في مثل هذه المرحلة من تلك الدعوة العظيمة مرّ النبي صلى الله عليه وسلم بآل ياسر وهم يعذَّبون، وقد طعن المجرمُ الكافر أبو جهل سميةَ بالرمح في قلبها (أو في فخذها -في رواية أخرى- فنفدت الطعنة إلى فرجها فقتلتها) فقال عمار: يا رسول الله، بلغ منّا العذاب كل مبلغ. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “صبراً أبا اليقظان”، أو قال: “صبراً آل ياسر، فإن موعدكم الجنة”.

وربما قريباً من هذه المرحلة جاء أصحابُ النبي صلى الله عليه وسلم إليه -وهو متوسّدٌ بُردةً له في ظل الكعبة- فقالوا: ألا تستنصرُ لنا؟ ألا تدعو لنا؟ فقال: “قد كان مَن قبلَكم يُؤخَذ الرجلُ فيُحفَر له في الأرض فيُجعَل فيها، فيُجاء بالمنشار فيوضع على رأسه فيُجعَل نصفين، ويمشَّط بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه، فما يصدّه ذلك عن دينه. والله لَيتمّن هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا اللهَ والذئبَ على غنمه، ولكنكم تستعجلون”.

ثم انتظَروا بعدها تسعَ سنين حتى أتى يومُ الهجرة فتخلّصوا من العذاب وانتقلوا من الخوف والهوان إلى العزّ والأمان، وانتظروا بعدَها قريباً منها حتى جاء يوم الفتح الأكبر. لا أقول إننا سنعاني كل تلك السنين حتى يأتي النصر المبين، فلا يعلم متى يأتي ذلك اليوم العظيم إلا الله، إنما أقول إن المكاسب العظيمة لا تُشترى إلا بالثمن الكبير، وإني لأسأل الله تبارك وتعالى أن يعجّل بالنصر والفرج لأن البلاء الذي أصابنا أعظمُ ممّا أصاب الصحابةَ من بلاء، ولأن عدونا فاق في الخِسّة والإجرام أبا جهل وسائرَ كفار العرب في ذلك الزمان.

*   *   *

يا أهل سوريا الكرام ويا أحرارها ومجاهديها الميامين: لقد أردنا أمراً وأراد الله أمراً، وما أراده الله خيرٌ ممّا أردنا، ولا يختار لنا إلا الخير. أردنا السلامة والدنيّة وأراد الله لنا العُلُوّ والسُّمُو، أردنا مخدّراً نخدّر به الألم الناشئ عن الورم، وأراد الله للورم الخبيث كله أن يُستأصَل من أصله لنتعافى منه إلى الأبد.

قد تطول المحنة وتطول، ولكننا ماضون إلى النصر بإذن الله، سوريا إلى خير بأمر الله. نسأل الله أن لا يحمّلنا ما لا طاقةَ لنا به، وأن يعفو عنا ويثبّتنا وينصرنا على عدونا، والحمد لله على كل حال.

Posted in خواطر ومشاعر | أضف تعليقا

شعب يستحق النصر بإذن الله

شعب يستحق النصر بإذن الله

 

شاهدت صورة الشهيد الذي ربط بنطاله بحبل لأنه لم يملك حزاماً يمسكه به، وصورة وصيّة الشهيد الآخر الذي مضى من هذه الدنيا وفي ذمّته دَيْنٌ للفوّال بمئة ليرة، وصورة المسعف الذي يركض باتجاه القصف في حلب فيما يَفِرّ من حواليه المصابون والمفزوعون، وصورة المجاهد الذي يقف في وجه الدبابة ليقذفها وما يدري أيسبق صاروخُه إليها أم تسبق قذيفتُها إليه، وسواها من الصور التي رأيتموها كما رأيتها واستولى أصحابُها على قلوبكم كما استولوا على قلبي… كلما رأيت تلك الصور ازدادت ثقتي بهذا الشعب العظيم وازداد يقيني بنصر الله الموعود، لأنّ مَن غَيّرَ نفسه حتى صار على هذه الصورة بعدما عاش آباؤه في الذل والقيد والاستسلام خمسين عاماً يستحق نصر الله.

نعم، ما زالت فينا عيوبٌ وما زال فينا مقصّرون، بل وإن فينا كثيراً من اللصوص والمرتزِقة والمنتفعين والمعتدين والظالمين، وما زالت المحنة تطول وتمتد لتخلّصنا من أولئك الفاسدين ولتزيدنا نقاءً على نقاء، مِنّةً من الله وتفضلاً منه علينا لا عقوبةً لنا بجريرة أولئك الظالمين، فالله أرحم من أن يعاقبنا بذنوبهم بعدما وقَفْنا على بابه متّجهين إليه معتمدين عليه آيِسين من سواه، ولكنه يعلم -وهو العليم الخبير القدير- أن الخَبَث إن بقي فينا أفسد علينا ثورتنا اليوم وكدّر مستقبلنا في الغد القريب وفي الغد البعيد، فهو يريد أن ينقّي منه صفوفنا ولو طال الطريق لنعيش نحن وأولادُنا من بعدنا في خير وعافية.

ولكنه سينصرنا بفضله تعالى ولو بقي فينا مقصرون ولو بقي فينا فاسدون. وهل يمكن أن تخلو جماعة بشرية من المقصرين والفاسدين؟ في حديث ابن عمر (وصَحّ من طرق): “ما منع قومٌ الزكاةَ إلا مُنِعوا القطرَ من السماء، ولولا البهائم لم يُمطَروا”. أتكون البهائم العَجْماوات سبباً في قطر السماء ولا يكون سبباً في نصر الله الأبطالُ الذين أشرتُ إلى “عيّنة” منهم قبل قليل؟

إن الله لا تَضيع عنده ذرة من عمل صالح، وبفضل الصالحين والصالحات الذين يملؤون الأرض في سوريا، والذين يراهم الله ولو لم نَرَهم ويعرفهم ولو لم نعرفهم، والذين اطّلع خالقهم على صلاحهم وتضحياتهم وعرف ما انطوت عليه نفوسهم من صدق وإخلاص، بفضلهم وبرحمة الله وكرمه سينجّينا الله من الكَرْب ويكشف عنا هذه الغمّة وينصرنا على عدونا في يوم آت يعلمه الله. فاصبروا على الحق وتواصُوا بالخير وأصلحوا أنفسكم حتى يكثر الصالحون، فكلما زاد فينا الصالحون اقتربنا من الفرج وزدنا استحقاقاً لنصر الله.

Posted in خواطر ومشاعر | أضف تعليقا

علي الطنطاوي-كلمات في الثورة

-26-

 

من أخلاقنا التي يجب أن نتخلص منها أننا لا نعرف التعاون ولا نَقْدر أن نعمل مجتمعين، فالفرد منا عامل منتج، ولكن الجماعة عاجزة عقيمة. وعلّة ذلك “الأنانية” المُفْرطة والأثَرَة الجامحة وحبّ الذات الطاغي، فالرجل منا يريد أن يكون هو كل شيء في الجمعية أو الشركة، رئيسها إن كان لها رئيس وعضو الإدارة إن كان مجلس إدارة، وأن يكون له الرأي إن أُخذت الآراء.

 

بل إنا نرى كلاًّ منّا يعطّل أعمال الآخرين ويُبطلها ويعمل على هدمها، بينما نراه مؤمناً بلزومها معتقداً بالحاجة إليها ساعياً إلى القيام بمثلها. فهو يعلم الحاجةَ إلى مدرسة دينيه ويدعو إليها، ولكنه إذا رآها قد فُتحت ونالت قسطاً من النجاح أصلاها حرباً حامية وجعل أكبر همه هدمها وتخريبها. ذلك أن دعوته الأولى لم تكن عن إخلاص ولم يكن يريد بها وجه الله والمصلحة، ولكنه يريد الفخر والشهرة والنفع واللذة، فلما رآك أنت السابق إليها والذاهب بفخرها خان المصلحة وعصى الله ليُرضي أثَرَتَه ويستجيب لأنانيته. وهو شاعرٌ بالحاجة إلى جمعية خيرية، يسعى إلى تأليفها بحماسة وجِدّ ودأب، قد ملأت فكرتُها نفسَه وحياته، فهو لا يتحدث إلا بحديثها ولا يشتغل إلا لتأسيسها، فإذا تم له الفلاح بعد التعب والكفاح وقامت الجمعية ولم يكن هو الرئيس انفصل عنها وحاربها حرباً لا هوادة فيها وسعى إلى هدم ما بناه بيده!

 

هذا داء من أشد أدوائنا الخلقية، إن لم نعالجه فَشَت جرثومته في جسم الأمة فشَلَّت أعضاءها وعطلت أعمالها. وأين هو الإخلاص وأين هو الصدق فيمَن يدعو إلى الخير أو الدين أو الفضيلة، وغايتُه استغلال الدين والخير والفضيلة لمصلحة نفسه وإطاعة هواه؟

في سبيل الإصلاح: أخلاقنا (نُشرت سنة 1938)

Posted in رسائل الثورة | أضف تعليقا

لا مكانَ في ثورتنا للمقنَّعين

لا مكانَ في ثورتنا للمقنَّعين

 

دخل الاضطراب والفساد على ثورتنا منذ أن دخل إليها المقنَّعون. ربما كان الذين تقنَّعوا في أول الأمر من المجاهدين الصادقين الذين اتخذوا القناعَ حمايةً لأنفسهم، فمنهم سوريون خافوا على أهاليهم الذين يقيمون في مناطقَ ما زال يحتلها النظام، ومنهم غير سوريين خشوا أن تنكشف هوياتهم فتلاحقهم سلطات بلادهم إذا عادوا إليها بعد حين.

 

لعل ذلك كان السببَ الأصلي لولادة هذه الظاهرة، وهو سبب يصلح لتفسيرها ولكنه لا يصلح لتبريرها، لأنها تحولت إلى باب شَرّ وضَرّ وفساد على الثورة، باب دخل منه الطالحون كما دخل منه الصالحون، وتسلل عبره من شاء من اللصوص والفاسدين ومن عملاء أجهزة المخابرات السورية والدولية، حتى صار ضررُه الهائل أعظمَ من فائدته المحدودة، لذلك وجب إغلاقه بإحكام.

 

كيف يجوز أن تتهاون الثورة في هذا الأمر وهو يعرّضها إلى خطر الاختراق والإفناء؟ كم من العملاء والجواسيس المقنَّعين نجحت أجهزةُ أمن النظام ومخابراته ومخابرات الدول الأجنبية في دَسّهم في جسم الثورة وزرعهم بين الثوار؟ كم من اللصوص والقتلة يسرحون ويمرحون ويقطعون الطرق ويصادرون أموال الناس وممتلكاتهم وهم مختبئون خلف الأقنعة؟ يا لها من هدية عظيمة قدمها المجاهدون لأولئك الأعداء واللصوص وهم لا يشعرون!

 

لقد تَقَنَّع مَن هَبّ ودَبّ ليُخفوا هوياتهم ويمارسوا ما شاؤوا من فنون الإيذاء والاعتداء على الأبرياء، فلم يعد القناع غطاء يغطي الوجه فحسب، بل صار قناعاً يغطي الظلمَ الذي يمارسه بعض المقنَّعين على ضَعَفة الناس، والثورةُ إنما قامت لردّ الظلم والأذى والعدوان. وصار المقنَّعون مصدرَ خوف وقلق يثيرون الرعب والرهبة في قلوب الناس، والثورة ما قامت إلا لتمنح الناسَ الكرامةَ والأمان.

 

نعم، لقد صار خطرُ التقنّع وضررُه العام أكبرَ من أي منفعة خاصة يمكن أن يأتي بها، فلم يعد بُدٌّ من رفضه وحظره بالكلّية ومنع هذه الظاهرة نهائياً، فمَن أبى إلا التشبّثَ بها فليس له أن يبقى معنا ولا بد أن يخرج من ميادين الثورة والجهاد؛ من كان لا يجرؤ على كشف وجهه فلسنا بحاجة إليه، بعدما كشف عن أنفسهم ووجوهم وأسمائهم حتى البناتُ والصبيان.

 

ما أكثرَ ما تُرتكَب كلَّ يوم من جرائم ومخالفات تحت حماية القناع! وما داعشُ عنا ببعيد، فإن أكثر جرائمها ارتكبها مقنّعون. وما يزال القناع هو خير وسيلة للتستر على الجرائم وإخفاء وتهريب المجرمين، فأيّ مقنع يمكنه أن ينتقل من البوكمال إلى باب الهوى، فيقطع سوريا المحررة من أقصى الجنوب الشرقي إلى أقصى الشمال الغربي دون أن يوقفه أحد أو يسأله عن هويته أحد. حتى لو أن بشار السفاح نفسه مَرّ بحاجز من حواجز الجيش الحر وهو مقنَّع لما عُرف، إلاّ أنْ يكشفه بعض النابهين بسبب رقبته، لكن ما كل أعدائنا لهم رقاب طِوال كرقبة ذلك المجرم المخبول.

 

يا أيها المقنَّعون: انزعوا عن رؤوسكم القناع أو اتركوا ثورتنا، فلا نريد بيننا مقنَّعين.

Posted in خواطر ومشاعر | أضف تعليقا

نداء عاجل إلى مجاهدي سوريا جميعاً

هذا يومكم أيّها المجاهدون

 

ما زلنا نصرخ وننادي منذ دهر بفتح جبهة الساحل، لأن العدو لن يُؤتَى إلا من قِبَلها ولأنّ فتحَها سيخفف الضغط عن سائر الجبهات المشتعلة. أفلمّا فَتحت تلك الجبهةَ العصيّةَ طائفةٌ من مجاهدينا الأبطال تخلّينا عنهم وتركناهم وحيدين في الميدان؟

تتوارد الأنباء منذ أيام متحدّثةً عن جسر جوي وبرّي هائل أنشأه النظام لمَدّ جبهة الساحل بالمقاتلين والعتاد، وتتحدث الأخبار عن وحدات كاملة يجري نقلها على جناح السرعة إلى الساحل، من دمشق وريف دمشق ومن إدلب وحمص وحماة وحلب وغيرها من المناطق.

لا أستطيع الجزم بصحة كل ما تنقله الأخبار، ولكنْ لو كان صحيحاً (والمؤشرات والأدلة كلها ترجّح أنه صحيح) فإن العدو يوشك أن يجمع في الساحل ما يوازي فرقتين كاملتين، وهذا يعني أنه سيركز فيه نصف قواته الضاربة تقريباً بعدما كان اعتماده الرئيسي هناك خلال السنة الماضية كلها على مليشيات جيش الدفاع الوطني.

إن جبهة الساحل تمتص قوات النظام بسرعة خارقة، ولا ينبغي أن ننسى أبداً أن القدرات العسكرية للنظام صارت محدودة جداً بحيث يتعذر عليه القتال في الجبهات كلها بفعالية كاملة في وقت واحد، كما لا ننسى أيضاً أن قدرات النظام اللوجستية أعلى بكثير من قدارت جيش الثورة، فهو يملك أسطولاً هائلاً للنقل البري والجوي مقارَنةً بإمكانياتنا المحدودة، ولا ريب أنه يعلم أن الوقت يحاربه مع الثوار، لذلك فإنه سوف يحرص على الانتهاء من الساحل بسرعة، لكي يعيد القوات التي دفعها لتلك الجبهة إلى مواقعها الأصلية التي أخرجها منها. هذا يعني أن الوقت الذي يملكه الثوار قصير، قد لا يتجاوز أسبوعين، وأن عليهم أن يستغلوا هذا الوقت القصير لقلب الموازين على الأرض.

منذ وقت طويل والعقلاء جميعاً يَدْعون إلى قيادة موحدة لجيش الثورة، ولو أن مثل هذه القيادة كانت موجودةً اليومَ فسوف تتخذ قراراً فورياً بفتح كل الجبهات ضمن الإمكانيات المتاحة لشغل العدو وتشتيته واستغلال انشغاله بمعركة الساحل، فهل يمنع غيابُ القيادة الواحدة من تنفيذ هذه الخطة؟ ألا تستطيع ألوية وكتائب الجبهة الإسلامية واتحاد أجناد الشام وجيش المجاهدين وسائر كتائب ووحدات الجيش الحر أن تشعل النار في كل الجبهات؟ بلى تستطيع، وهذا ما ينبغي أن يكون.

إذا لم تتحرك كتائب سوريا كلها في هذه الأيام الحاسمة فسوف ينجح النظام في تركيز قوته الكبرى في جبهة الساحل ويسحق المجاهدين هناك، ولو أن هذا حصل -لا قدّر الله- فإن الذي يتحمل مسؤوليته ووِزْره هو كل جماعة مسلحة تملك القدرة على القتال ثم لا تفتح جبهتها على مصراعيها وتتحول من الدفاع إلى الهجوم. فلا تترددوا يا أيها المجاهدون الكرام، لا تتخلّوا عن مجاهدي الساحل ولا تتركوهم وحدهم في الميدان فإنّ التخلي عنهم في هذا الوقت خيانة، أعيذكم بالله أن تكونوا خائنين. 

*   *   *

هذا يومكم يا أيها المجاهدون في سوريا جميعاً، وإنه يوم من أيام التاريخ، فلا تضيّعوا الفرصة فتندموا حين لا ينفع الندم. ألا تحبّون أن توفّروا على أهلكم عشرةَ آلاف شهيد أو عشرات آلاف؟ ألا تحبّون أن تُنقصوا من عذابات المعذَّبين يوماً أو مئة يوم أو مئات؟ ألا تحبّون أن تنقذوا الأطفال من مزيد من الإصابات وتنقذوا الحرائر من مزيد من الانتهاكات؟

إن الحرب بيننا وبين عدونا ستطول وتطول ما لم تضربوا كلُّكم ضربةَ الرجل الواحد وتتحركوا حركةَ الجسد الواحد، وإنّ كل يوم يَمُرّ على ثورتنا ومحنتنا يحمل معه ما لا يعلمه إلا الله من شهادات الشهداء ومن المآسي والجراحات وعذابات المعذَّبين والمعذَّبات في السجون والمعتَقلات، فهلاّ قَصّرتم عمر المحنة ووفرتم على الأبرياء مزيداً من الآلام والدموع والدماء؟

هذا يومكم يا أيها المجاهدون الصادقون الشرفاء، فأرونا ماذا أنتم صانعون.

Posted in رسائل الثورة | أضف تعليقا