طنطاويات فلسطينيّة (2)

طنطاويات فلسطينية

 -2-

 

لا يقل واحد منكم: أنا لا يعنيني. كل واحد منكم مسؤول، كل واحد بحسب طاقته، حتى الشحّاد يستطيع أن يساعد فلسطين بقرش في الشهر. قرش في الشهر وليرة في الشهر وخمس ليرات في الشهر تحيي فلسطين.

 

سيبكي بعض القرّاء وينتحب، ثم ينام ولا يدفع شيئاً. سيفرك الشيخ كفّه ويقول: “إنّا لله وإنّا إليه راجعون”، ثم يذهب يَعُدّ قروشه على سبحته. سيلوّح التاجر بيديه ويقول: “التجارة واقفة، ماذا نصنع؟” ثم يذهب إلى السوق ليشتري بنصف ليرة طعامَ يوم واحد!

 

أتذهب هذه الكلمة صيحةً في واد؟ ألم يبقَ في البلد مسلم؟ ألم يبقَ عربي؟ ألم يبقَ شريف؟ ألم يبق إنسان؟ أتعاد مأساة أندلس جديدة وأنتم تنظرون؟ ألم يكفِ هذا الموقف المخجل الذي وقفه زعماء العرب؟ أتكون الشعوب العربيّة أيضاً مقصّرة؟

 

مئة وعشرة أيام مرّت على فلسطين، لا البائع باع فيها ولا الصانع اشتغل ولا الأجير أخذ أجرته، فمن أين يعيش فقراء فلسطين؟ من أين يجدون ثمن الخبز؟ ألم تفكّروا في هذا؟ ألم يخطر لكم على بال؟ أتأكلون وتشربون وتلعبون وتطربون وأهل فلسطين يموتون؟ يا للعار!

 

أما إنها والله ليست مسألة كلام يُقال ولا مقالة تُكتَب ولا خطبة تُخطَب، ولكنها مسألة حياة أو موت، فتبّاً لمَن يرى أخاه يموت من المرض ولا يمدّ إليه يداً، وسُحقاً لمن يرى أخته تموت من الجوع ولا يقدم لها رغيفاً. إن من يفعل هذا ليس مسلماً ولا عربياً ولا إنساناً.

 

جزء من مقالة نشرها الشيخ رحمه الله أيام الإضراب الكبير سنة 1957

وهي منشورة في كتاب “هُتاف المجد” بعنوان “يا للعار”

Posted in رسائل الثورة, علي الطنطاوي: كلمات في الثورة | أضف تعليقاً

دور داعش في مؤامرة التقسيم

المؤامرة على ثورتَي سوريا والعراق

(تعليق على تعليق في 30 تغريدة):

نعم، داعش جزء من المؤامرة ولو كره الدواعش وأصرّوا على دفن الرؤوس في رمال الوهم والخيال

 

1- تسعة أعشار الذين استنكروا تعليقي على سقوط الفرقة 17 لم يكلفوا أنفسهم عناء قراءة التغريدات المفصلة التي شرحت فيها الحكاية الكاملة للمؤامرة

 

2- فأرجو التكرم بقراءتها للاطلاع على التفاصيل، على الأقل أرجو قراءة أول 10 تغريدات ومن لم يهتم بالموضوع فلا عليه أن لا يكمل قراءتها، عنوانها =

 

3- ماذا يحدث في سوريا والعراق؟ (القصة الكاملة في 125 تغريدة) مجموعة على الرابط التالي

http://shamquake.wordpress.com/2014/07/16/2632/

 

4- سأكرر نقطة ذكرتها هناك ثم أعود للموضوع: تعود بداية اتفاق توزيع الأرض والنفوذ بين أميركا والأسد إلى شهر 8/2013 بعد ضربة الكيماوي في الغوطة

 

5- يومها تحركت أميركا فعلاً باتجاه ضرب النظام ولم يكن الأمر تمثيلاً، ولم يكن ما أوقف الأساطيل هو قرار الكونغرس الأميركي أو العموم البريطاني=

 

6- بل كان هو التدخل الروسي العاجل الذي أقنع الأسد بأن أميركا لا تمزح وأنها جادة في ضربه وإسقاطه وإحلال بديل عنه يسهّل تنفيذ مخططها بلا عوائق

 

7- ولأن الأسد يدرك الفرق بين التحرك الحقيقي والتحرك الخلّبي (الوهمي) فقد أيقن أن وجوده صار مهدَّداً فرضخ لصفقة قد تغيّر مصيره ومصير سوريا

 

8- وافقت أميركا على بقاء الأسد حاكماً على القسم الغربي من سوريا مقابل التخلي طوعاً عن الباقي الذي سيُضَم لاحقاً لغرب العراق لإنشاء دولة جديدة

 

9- وفوراً توقف حديث الأميركيين عن “مصير الأسد” وتحول عنوان المعركة إلى “الأسلحة الكيماوية”، وترافق ذلك التحول مع الاتفاق على تسليم الكيماوي =

 

10- وفي الأسبوع نفسه بدأ تمدد داعش الفعلي من الرقة إلى دير الزور والحسكة وريف حلب واستمر أربعة أشهر بلا أي مقاومة حقيقية من طرف قوات النظام

 

11- لكن مقاومة جيش المجاهدين الضارية أعاقت تنفيذ المشروع، ثم تدخلت فصائل أخرى -التوحيد والأحرار وغيرها- فاضطرت داعش للعودة إلى محافظة الرقة

 

12- كان السلاح في أيدي المجاهدين وفيراً فاضطر أصحاب المخطط الخبيث (الأميركيون) إلى إغلاق كل المنافذ ومنع السلاح لكي تصل الفصائل إلى حالة عجز

 

13- بين أول كانون (يناير) 2014 وآخر آذار (مارس) استُهلكت ذخيرة المجاهدين في معارك حلب والساحل مع النظام وداعش ولم يصل للمجاهدين أي تعويض يذكر

 

14- عندها صار الميدان مناسباً لإطلاق خطة التقسيم من جديد، فبدأ الاجتياح الداعشي الثاني في آخر آذار 2014 من مركدة ثم وقع الهجوم على البوكمال

 

15- خلال الشهرين التاليين أتمت داعش السيطرة على وادي الفرات كله من جرابلس للبوكمال، ثم بدأت معركة العراق فاحتلت بسرعة محافظات الوسط الغربي

 

16- ما رأيناه في العراق وسوريا هو عملية استلام وتسليم بين داعش من جهة والنظامين السوري والعراقي من جهة أخرى، ويقتصر على مناطق الاتفاق المسبق

 

17- لا علاقة لهذا الاتفاق بالقتال الحقيقي الذي يخوضه المجاهدون الصادقون: العشائر والفصائل الإسلامية في العراق والجيش الحر والإسلاميون في سوريا

 

18- لكي يكتمل المخطط الأميركي يجب إتمام عملية الاستلام والتسليم بين داعش والنظام السوري وانسحابه من كل الجيوب التي بقيت له في مخطط التقسيم

 

19- بعد ذلك ستبدأ أميركا بآخر خطوة وهي خنق الثورتين السورية والعراقية وضرب المجاهدين بالتعاون مع نظامَي الأسد والمالكي وربما بالدرونات أيضاً

 

20-وأخيراً سيجبرون القوى الباقية في الساحتين السورية والعراقية على الانخراط والذوبان في حكومات مصالحة وطنية تكون مهمتها تصفية الثورة نهائياً

 

21- أرجو أن تراقبوا انسحابات النظام السوري في الأيام والأسابيع القادمة، فإنها سترسم حدود الدولتين وفق المخطط الأميركي: دولة داعش ودولة الأسد

 

22- هذه الانسحابات ستشمل -على الأغلب- كل الجيوب المتبقية للنظام في محافظات دير الزور والرقة والحسكة وفي ريفَي حلب الشمالي والشرقي

 

23- أما المعارك التي ستقع بين داعش والآسايش (قوات حزب الاتحاد الديمقراطي) فهي التي سترسم الحدود بين دولة داعش ودويلة الأكراد الجديدة بالحسكة

 

24- تنبيه مهم: ما سبق هو ما يخطط له أعداء سوريا والعراق وأعداء الأمة الإسلامية -أميركا وإيران وحلفاؤهما وداعش- ولكنه ليس مصيراً محتوماً

 

25- الماركسيون الماديون هم أصحاب نظرية الحتمية التاريخية، أما المسلمون فيعلمون أن الأقدار تجري وفق السنن الربانية ونتيجة لاختيار الإنسان وعمله

 

26- فما ينبغي علينا هو معرفة المكر الذي يمكرونه ثم إبطاله بحسن التخطيط والتنفيذ وبالاتكال على الله واستنصاره بعد استنفاد الوسع وإعداد العدة

 

27- وأنا على يقين أن الله لن يتخلى -بإذنه تعالى- عن هذه الثورة المباركة التي حفظها إلى اليوم، فتوكلوا عليه واعملوا واعلموا أنه غالب على أمره

 

28- ومن توفيق الله لهذه الثورة أن يسخّر لنصرتها الصادقين الأوفياء في أمة محمد (ص) وأن يستعمل فيها المخلصين العاملين وأن يلهمهم العمل الصائب

 

29- فاجتماع الإخلاص والصواب يفتح طريق النصر بأمر الله، وعسى أن تسمعوا قريباً جداً بإذن الله أخباراً مفرحة في مسيرة الجهاد واجتماع المجاهدين

 

30- أخيراً أكرر دعوتي لقراءة تفاصيل المؤامرة في مجموعة التغريدات (125) وفي المقالات المفصلة التي وضعت روابطها في آخرها

http://shamquake.wordpress.com/2014/07/16/2632/

 

Posted in رسائل الثورة | أضف تعليقاً

تعليق على سقوط الفرقة 17 بيد داعش

تعليق على سقوط الفرقة 17 بيد داعش

ودليل جديد على عمالتها ومشاركتها في المؤامرة الأميركية الكبرى لإعادة تقسيم المنطقة

 

مجاهد ديرانية

@mujahed_dira

 

1- يحاججني الدواعش -الذين ينتشرون في تويتر كالوباء- بأن سقوط الفرقة 17 بيد داعش دليل على كذبي أنا وأمثالي وعلى أن داعش صادقة في قتال النصيرية

 

2- وهذا دليل جديد على خفّة عقولهم وعلى صحة النظرية التي طرحتُها قبل أسابيع، فقد جاء في التغريدات رقم 84/85/86 ما يلي:

 

3- (84) داعش كيان واحد في سوريا والعراق، فإذا كانت أميركا ترعى مشروع داعش في العراق فإنها قطعاً ترعى المشروع الذي تنفذه داعش في سوريا

 

4- (85) كما رضخ المالكي لأميركا ضمن خطة ستعيد توزيع المساحة والنفوذ في العراق فكذلك رضخ الأسد لها ضمن خطة ستعيد توزيع المساحة والنفوذ في سوريا

 

5- (86) هذه النظرية تفسر سكوت النظام السوري عن تمدد داعش في مساحات واسعة من سوريا كما تفسر قيام المالكي بعملية “التسليم النظيف” لداعش بلا قتال

 

6- أرجو مراجعة كل التغريدات التي تحكي الحكاية كاملة من أولها إلى آخرها، وهذا رابطها لمن لم يقرأها سابقاً ويحب قراءتها

http://shamquake.wordpress.com/2014/07/16/2632/

 

7- ما سبق يعني أن الأسد مضطر لإخلاء مناطق كاملة وتسليمها لداعش بحسب الأوامر الأميركية، وهذا هو ثمن بقائه في السلطة حاكماً لما تبقى من سوريا

 

8- إن سقوط “الجيوب” التي بقيت مع النظام حتى الآن ضروري لإتمام عملية التقسيم وإعادة رسم الحدود لكي تولد دولة البعث-داعش التي ترعاها أميركا

 

9- وإن سقوط هذه المواقع لا يدل على أن داعش تقاتل النظام بل يدل على أن أن الخطة ماضية في طريقها المرسوم وأن مشروع دولة داعش-البعث مشروع حقيقي

 

10- وكما حصل في الفرقة 17 فإن مطار الطبقة ومطار دير الزور وبقية المواقع ستسقط بسرعة ضمن اتفاقية الاستلام والتسليم، ولن يدافع عنها النظام =

 

11- لأنه غير مسموح له بالدفاع عنها، وسوف يسلمها لداعش كما سلمها الرقة من قبل وكما سلمها المالكي محافظات صلاح الدين ونينوى والأنبار في العراق

 

12- والدليل أن الفرقة 17 سُلمت تسليماً -يداً بيد- بعد تمثيلية قصيرة غير متقَنة، وإليكم ما قالته جريدة النظام في وصف عملية الاستلام والتسليم:

 

13- ورد في جريدة الوطن السورية بالحرف: “تقرر إخلاء الفرقة 17 في الرقة حفاظا على أرواح الأبطال المرابطين منذ عامين والذين استبسلوا في المقاومة”

 

14- ولا أستبعد أن يسحب النظام الضباط والعناصر النصيرييين من المواقع التي سيسلمها لداعش ويُبقي بعض العناصر من طوائف أخرى ليقنعنا بالتمثيلية الرديئة

 

15- في كل يوم نرى أدلة جديدة على عمالة داعش وما يزال المخدوعون بها مخدوعين، لا أمل في شفائهم من السحر ولا حل مع داعش إلا بالقتال والاستئصال

 

16- بارك الله في جيش المجاهدين الذي كان له السبق في قتال عصابة داعش، وأدعو كل الفصائل المجاهدة للمشي في هذا الطريق وإبادة الدواعش حيث وُجدوا

 

17- فلا حل مع هذه العصابة إلا الحل “الزهراني”: “قاتلوهم واقتلوهم حيث ثقفتموهم”. بارك الله في جيش الإسلام ومجاهدي الغوطة الذين نظفوها من الوباء

 

Posted in رسائل الثورة | 5 تعليقات

طنطاويات فلسطينيّة (1)

طنطاويات فلسطينية

-1-

 

إن أهل فلسطين إخواننا وأشقاؤنا، لهم علينا، على العرب كلهم وعلى المسلمين جميعاً، حق الشقيق على الشقيق. وإن هذه الأرض الحبيبة، أرض فلسطين، وطننا، وطن العرب كلهم، وطن المسلمين جميعاً، ولها علينا حق الأوطان على أهلها، وإن فيها من ذكريات البطولة والمجد ما يهز القلوب ويثير العزائم.

 

ولكن القضية أكبر من النّسَب والأخوّة، وأكبر من الوطن والوطنية، وأكبر من النخوة والحماسة. إنها قضية دين وعقيدة؛ إن كل مسلم يدخل المسجد الأقصى ويقوم حيال الصخرة ينسى كل شيء إلا أنّ ههنا موطناً من مواطن الروح، منزلاً من منازل القُدُس تُسترخَص في سبيله الأرواح ويُبذَل في سبيله كل شيء. إنها قضية جهاد في سبيل الله، والله هو الباقي إذا ذهبت البطولات والأمجاد، وصحفُ الحسنات هي الخالدة إذا فنيت صحف التاريخ، وما كان لله فهو المتّصل.

 

ثم إنها قضية حق لا يستطيع منصفٌ في الدنيا إلا أن يكون معها. وهل في الدنيا منصف واحد، هل فيها رجل يحترم رجولته وإنسان يقدّر إنسانيته، يُقِرّ منطق الصهيونية وأنصارها: يا صاحب الدار، إني أريد أن أسكن في دارك، فاخرج منها وتنازل لي عنها وإلا ذبحتك وذبحت أولادك؟!

 

الحق معنا، ولكن سنّة الله في هذه الدنيا أن الحق إن لم تكن معه القوة سطا عليه الباطل حيناً. وللباطل جولة ثم يضمحل، ونحن لمّا ترَكْنا سنة الله ولم نَحْمِ حقّنا بقوّتنا كان ما كان في فلسطين.

 

مقطع من خطبة ألقاها الشيخ رحمه الله في القدس سنة 1957

وهي منشورة في كتاب “هُتاف المجد” بعنوان “يا أهل فلسطين”

Posted in رسائل الثورة | أضف تعليقاً

الحمار ودولة الأسد

الحمار ودولة الأسد

مجاهد ديرانية


بفضل الله مَرّت مهزلة التجديد للسفاح وبيعته المزعومة بما تستحقه من استهانة وتجاهل، وهذه من هذه، فإن مَن هان عليه أمر استكثر أن يضيّع فيه كلمة. إلا أنني وجدت -وأنا أتابع أخبار المهزلة من أولها إلى آخرها- أن الذين كانوا مغفلين ما زالوا مغفلين، والذين صدّقوا في الماضي أن هذا الأخرق رئيس لسوريا ما يزالون يصدقون، فذكروني بحكاية قرأتها ذات يوم، ورأيت أن أشارككم فيها اليوم.

 

تقول الحكاية إن ملكاً من الملوك اتخذ مستشاراً خبيراً في قراءة الطقس والتنبؤ بتقلباته، وأنه أراد ذات يوم الخروج في نزهة خلوية فسأل المستشار: أثَمّ مطرٌ اليوم؟ قال المستشار: لن يهطل اليومَ مطر، ولا نقطة منه. فارتدى أفخر ثيابه وخرج في موكبه، فلقيه فلاح على حمار فقال له: أنصحك يا مولاي بأن تحمل مظلة حتى لا تبتلّ ثيابك. قال: ولِمَ هذا؟ قال: لأن المطر يوشك أن يسقط. قال: لا مطرَ اليوم، ولا نقطة منه، كذلك قال المستشار.

 

ثم لم يلبث المطر أن هطل مداراً فأفسد ثياب الملك الفخمة، فغضب وفصل المستشار من عمله وأمر بإحضار الفلاح، فلما وقف بين يديه سأله: كيف عرفت ما لم يعرفه المستشار الخبير؟ قال: الأمر سهل يا مولاي؛ إنني أنظر إلى حماري، فإذا كان المطر وشيكاً أرخى الحمارُ أذنيه، وكلما كانت أذناه أكثرَ ارتخاء كان المطر أكثر غزارة. وحينما قابلتك كانت أذنا الحمار مرتخيتَين إلى جانب رأسه بالكامل.

 

لما سمع الملك ذلك اشترى الحمار من الفلاح بمئة دينار ذهباً وعيّنه في البلاط بمهنة مستشار للتنبؤ بسقوط المطر.

 

قال الراوي: وكانت تلك بداية المأساة، فقد استولت الحمير على جميع المناصب الكبرى في الدولة منذ ذلك الحين.

Posted in خواطر ومشاعر | أضف تعليقاً

ماذا يحدث في سوريا والعراق؟ (في 125 تغريدة)

ماذا يحدث في سوريا والعراق؟

في 125 تغريدة

(حقيقة داعش – البعث يحكم من جديد – حروب التقسيم)

 

مجاهد ديرانية

@mujahed_dira

 

1- يجب أن نعلم أن ما يجري في سوريا هو معركتان مختلفتان يخوضهما فريقان مختلفان، وأن ما يجري في العراق معركتان مختلفتان يخوضهما فريقان مختلفان

 

2- معركتا سوريا هما معركة ضد النظام يخوضها الثوار لتحرير سوريا، ومعركة ضد الثوار تخوضها داعش لاحتلال المناطق المحررة وإنشاء كيانها المشبوه

 

3- معركتا العراق هما معركة شكلية تخوضها داعش وحلفاؤها ضمن ترتيبات وتفاهمات مسبَقة ومعركة حقيقية شرسة تخوضها قوات العشائر والفصائل الإسلامية

 

4- تشارك في الثورة العراقية 4 قوى مختلفة: (1) الفصائل الإسلامية المستقلة، كجيش المجاهدين والجيش الإسلامي وكتائب العشرين وحماس وأنصار السنّة

 

5- (2) مسلّحو العشائر الذين حملوا السلاح وبدؤوا بتنظيم أنفسهم مؤخراً رداً على البطش الطائفي ومجازر المالكي في ساحات الاعتصام

 

6- (3) جيش رجال الطريقة النقشبندية الذي يضم كثيراً من عناصر الجيش العراقي القديم والحرس الجمهوري والأجهزة الأمنية السابقة ويقوده عزت الدوري

 

7- (4) داعش التي عملت طوال السنين الماضية على الفتك بالجماعات الأخرى، ثم مارست نفس المهمة القذرة في سوريا ولا بد أن تمارسها في العراق من جديد

 

8- من القوى السابقة كانت العشائر المسلحة في طور التكوين ولم تستكمل بناء قوة عسكرية منظمة قادرة على المشاركة الفعالة في المعركة

 

9- أما الفصائل الإسلامية الأخرى فإنها لم تبرأ قط من الضربات القاسية التي تلقتها من داعش والنظام الطائفي خلال السنوات العشر الماضية

 

10- القوتان السابقتان قوتان مستقلتان نظيفتان مخلصتان ولكنهما أضعف بكثير من أن تستطيعا قيادة معركة على مستوى العراق كله كما يحصل الآن

 

11- بعكس داعش والنقشبندية اللتين كانتا في عافية واستعداد للقتال، فحددتا زمان ومكان المعركة وبدأتا بها وبقيتا في موقع القيادة والسيطرة حتى الآن

 

12- ما علاقة داعش بالنقشبندية التي يقودها البعثيون؟ ولماذا تعاونا في معركة الموصل؟ سنتوقف لتوضيح هذه العلاقة ثم نعود إلى موضوع سوريا والعراق

 

13- بدأت علاقة البعثيين بداعش أيام أبي عمر البغدادي الذي صار بعد مقتل الزرقاوي عام 2006 أميراً لمجلس شورى المجاهدين ثم لدولة العراق الإسلامية

 

14- استطاع ضابط بعثي كبير هو العقيد سمير الخليفاوي (المشهور باسم حجي بكر) أن يخترق أبا عمر ويحوز ثقته حين قدم له أسراراً ومعلومات عسكرية مهمة

 

15- وسرعان ما قدم العقيد بكر لأبي عمر البغدادي مزيداً من الضباط “التائبين” الذين قدموا المزيد من الخبرات العسكرية والمعلومات المفيدة للتنظيم

 

16- ثم قُتل أبو عمر في هجوم أميركي على موقع سري كان يضم اجتماعاً لكبار قادة التنظيم، وقتل معه عدد من مساعديه على رأسهم نائبه أبو حمزة المهاجر

 

17- كانت تلك حادثةً غامضة لم تنكشف أسرارها حتى اليوم، فالمعلوم أن المكان الذي استُهدف بالهجوم لم يكن معروفاً إلا للقيادات العليا في التنظيم

 

18- قُتل القادة أو أسروا في العملية، وبطريقة ما نجا الرجل الذي قُدّر له أن يلعب الدور الرئيسي في كل ما سيجري بعد ذلك من أحداث، العقيد حجي بكر

 

19- أعاد حجي بكر ترتيبَ البيت الداخلي للتنظيم، فشكل مجلساً قيادياً من زملائه الضباط البعثيين واختار خلفاً لأبي عمر رجلاً يجهله معظمُ القادة

 

20- لم يكن إبراهيم عواد من قادة الصف الثاني،ولكن العقيد حجي بكر استطاع أن يستلّه من الصفوف الخلفية ويعينه أميراً جديداً باسم أبي بكر البغدادي

 

21- ما حصل بعد ذلك كان كارثة؛ ضاع التنظيم إلى الأبد. عزل العقيد حجي بكر (الذي صار القائد الفعلي للتنظيم) أبا بكر البغدادي عن القيادات الوسطى

 

22- ثم أعاد تشكيل مجلس الشورى الذي صار يتكون من الضباط البعثيين، وأنشأ جهازاً أمنياً يشبه الأجهزة الأمنية التي أنشأها البعث الحاكم أيام صدام

 

23- جمع العقيد عناصرَ الجهاز الجديد من عناصر الأمن السابقين في الحقبة البعثية، وكُلّف الجهاز بمراقبة التنظيم وتنفيذ الاغتيالات داخلَه وخارجه

 

24- نفذ جهاز الأمن عملية “تطهير” ذهب ضحيّتَها عشراتٌ من المجاهدين في تنظيم الدولة وفي غيره من الجماعات الإسلامية التي كانت تقاتل الأميركيين

 

25- وهكذا ضاع التنظيم من أصحابه الأصليين، ومنذ ذلك الوقت (2011) فقدت القاعدة ابنها الشرعي -تنظيم دولة العراق- إلى الأبد؛ لقد سرقه البعثيون

 

26- لنتعرف بعد ذلك على “جيش رجال الطريقة النقشبندية” الذي يقوده عزت الدوري: ما هو وما علاقته بداعش؟ ولماذا يتحرك الطرفان بتعاون وتنسيق؟

 

27- يعتبر “جيش رجال الطريقة النقشبندية” الذراع العسكرية لحزب البعث العراقي الجديد، وقد أعلن عنه لأول مرة بداية عام 2007، بعد إعدام صدام حسين

 

28- يتكون أكثر جيش رجال الطريقة النقشبندية من ضباط وعناصر منتخبين من الحرس الجمهوري وجيش صدام السابق وأجهزته الأمنية والاستخبارات العسكرية

 

29- أكد تقرير استخباري أميركي نشرته جامعة ستانفورد أن التعاون بين جيش النقشبندية ودولة العراق الإسلامية كان كبيراً جداً خلال السنوات الأخيرة

 

30- وذكرت دراسة لمعهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى (22/7/2011) أن جيش النقشبندية استعمل داعش كمقاول بالباطن لتنفيذ هجمات ضد أهداف مدنية عراقية

 

31- كما جاء في مقالة بجريدة نيويورك تايمز (18/6/2014) فإن دور البعثيين في المعارك الأخيرة هو العامل الخفي الذي يفسر الانتصارات السريعة لداعش

 

32- وهذا كله ينسجم مع نظرية اختراق البعث العراقي لداعش وسيطرته عليها، فإذا كان هو مؤسس جيش رجال الطريقة النقشبندية وهو المسيطر على داعش=

 

33- فإن من المنطقي أن ينسّق بين القوتين وأن يشركهما في المعركة معاً وصولاً إلى تحقيق هدفه الأعلى، وهو الوصول إلى الحكم وإعادة الدولة البعثية

 

34- كل ما سبق يؤكد أن ثوار العراق فريقان مختلفان يخوضان معركتين مختلفتين: (1) تحالف داعش-البعث الذي بدأ المعركة بالموصل في الوقت الذي اختاره

 

35- (2) الفصائل الإسلامية المستقلة وقوات العشائر التي تحارب بيأس للتقدم إلى بغداد وديالي منذ عدة أسابيع دون أن تنجح في تحقيق أي إنجاز جوهري

 

36- الغريب أن جيش المالكي انسحب أمام تقدم داعش-البعث السريع وسلمه المواقع العسكرية بلا قتال يُذكر، في حين يقاوم بشراسة تقدم الفصائل والعشائر

 

37- كما نلاحظ أن تحالف داعش-البعث ترك بغداد وديالي وفيها خمسة ملايين سنّي تحت الاحتلال الشيعي واقتصر على محافظات صلاح الدين ونينوى والأنبار

 

38- والآن علينا أن نكتشف علاقة حزب البعث العراقي الجديد (بقيادة عزت الدوري) بالولايات المتحدة الأميركية:

 

39- بعد إعدام صدام حسين تداعى كبار البعثيين وأعلنوا إعادة تشكيل حزب البعث وانتخاب عزت إبراهيم الدوري أميناً عاماً للحزب ورئيساً جديداً للعراق

 

40- في خطاب بتاريخ 6/1/2009 عرض عزت الدوري على الرئيس الأميركي الجديد باراك أوباما المصالحة بين حزب البعث والولايات المتحدة، حيث خاطبه بقوله:

 

41- “نتعهد لكم إن أعلنتم الانسحاب الشامل من العراق أن نتحاور معكم فوراً لإقامة أفضل وأوسع وأعمق العلاقات على أساس المصالح المتبادلة والمشتركة”

 

42- تواصل الدوري مع إدارة أوباما الجديدة وأجرى اتصالات مع مسؤولين في السفارة الأميركية ببيروت عن طريق مندوبه العميد الركن عبد القادر علوان الحمد

 

43- لا يستبعد أن تكون اتصالات الدوري مع الأميركيين قد رتبت عودة البعث إلى الحكم من خلال قوة داعش التي يسيطر عليها وجيش النقشبندية الذي يملكه

 

44- والآن سنتعرف على الرؤية الأميركية الإستراتيجية لمنطقة الشرق الأوسط، ثم نستأنف محاولتنا لتفسير الحوادث السورية والعراقية الأخيرة:

 

45- اعتمد جوزيف بايدن (الذي صار نائب الرئيس الأميركي الجديد) في حملته الانتخابية الفاشلة سنة 2007 على ترويج خطة تقسيم العراق إلى ثلاث دول=

 

46- وقد دافع عن هذه الخطة وقدمها لمجلس الشيوخ حينما كان رئيس لجنة العلاقات الخارجية فيه، وتكللت جهوده بمصادقة المجلس عليها في خريف عام 2007

 

47- نشر موقع إمبراطورية النفط (وهو موقع أميركي غير حكومي) عقب فوز أباما عام 2009 مقالة عنوانها “تدمير العراق بين الشرطي الجيد والشرطي السيئ”=

 

48- جاء فيها: “لقد كان بوش هو شرطي الإمبراطورية السيّئ، فيما يحمل أوباما المؤهلات الكافية ليكون شرطيّها الجيد الذي سيقوم بتنفيذ خطة التقسيم”

 

49- نشرت جريدة نيويورك تايمز (28/9/ 2013) مقالة عنوانها “الشرق الأوسط في خرائط جديدة” ونشرت معها خريطة عنوانها “كيف تصبح 5 بلدان 14 بلداً؟”

 

50- أثارت المقالة ضجة كبيرة في العالم العربي وتناقلها كثيرون، ولا بد أن ثلاثة أرباع القرّاء قد اطّلعوا عليها أو سمعوا عنها، فماذا جاء فيها؟

 

51- تقول كاتبة المقالة: “إن سوريا التي تمثل المركز الإستراتيجي للشرق الأوسط قد تكون القادح الذي سيحرّك عملية إعادة رسم حدود بلدان المنطقة”

 

52- وتقول: “كلما طال أمد الحرب في سوريا سيتعاظم الخطر في المنطقة كلها ويهتز استقرارها، فإن حدوداً جديدة يمكن أن تُرسم في ظلال اليأس والفوضى”

 

53- ثم تتوقع أن تنتهي سوريا إلى ثلاث دول: دولة علوية تمتد بشريط ضيق من دمشق إلى الساحل، ودولة كردية في الشمال الشرقي تنضم إلى كردستان العراق=

 

54- ودولة سنّية في الوسط تنضم إلى الدولة السنّية التي ستتكون في وسط العراق. الخريطة على الرابط التالي:

http://www.nytimes.com/interactive/2013/09/29/sunday-review/how-5-countries-could-become-14.html?smid=fb-share&_r=5&

 

55- هل يمكن أن تكون الخريطة تسريباً من جهات رسمية؟ محتمل، لا سيما وأن الكاتبة مختصة بتغطية “السياسة الأميركية الخارجية” لجريدة الواشنطن بوست

 

56- قبل ذلك بسبع سنوات نشر موقع “مجلة القوات المسلحة” (وهو موقع أميركي بحثي غير حكومي) مقالة بعنوان “حدود الدم: الشرق الأوسط في صورة أفضل”

 

57- ونُشرت معها خريطة جديدة لبلدان المنطقة أثارت ضجة كبيرة وانتشرت في عشرات المواقع العربية، ولا بد أن غالبية قرّاء هذه التغريدة قد شاهدوها

 

58- وهي تُظهر حدوداً جديدة للعراق وإيران وتركيا والأردن وبلدان الجزيرة العربية. الخريطة على الرابط التالي:

http://www.oilempire.us/new-map.html

 

59- أكثر الذين رأوا الخريطة لم يقرؤوا المقالة التي نُشرت معها، وقد كتبها الضابط الأميركي المتقاعد رالف بيترز (سأتحدث عنه بعد قليل) وقال فيها:

 

60- “لم تكن الحدود عادلة قط، ولعل أكثرها اعتباطيةً في العالم كله هي حدود دول الشرق الأوسط التي تسبب من المتاعب أكثرَ مما يمكن امتصاصه محلياً”

 

61- “لن يستقر الشرق الأوسط إلا بمراجعة جذرية للحدود. لقد ضيّعنا فرصة ذهبية بعد سقوط بغداد، فقد كان ينبغي تقسيم العراق إلى ثلاث دول على الفور”

 

62- “بعد التقسيم لن تجد الدولة السنية الضعيفة في الوسط خياراً سوى الانضمام للدولة السنية التي ستبقى في سوريا بعد أن تنفصل عنها منطقة الساحل”

 

63- “قد يبدو تصحيح الحدود مستحيلاً الآن، ولكن مع مرور الوقت ومع الدماء التي لا بد أن تُسفك سوف تظهر إلى الوجود حدودٌ طبيعية جديدة أكثر عدلاً”

 

64- لا نستطيع الجزم بأن تلك الخرائط تعكس رأياً رسمياً في السياسة الأميركية الخارجية، وقد أخطأ الذين نشروها باسم “خطة أميركية لتقسيم المنطقة”

 

65- لكنها يمكن أن تكون مؤثرة في صناعة القرار بحسب أهمية كاتبها، ويبدو أن كاتب مقالة “حدود الدم” التي تضمنت الخريطة السابقة من النوع المؤثر=

 

66- فهو ضابط أميركي متقاعد وباحث عسكري وإستراتيجي شهير ومن مؤيدي الحروب التوسعية الأميركية ومن أكبر مناصري الحرب على العراق=

 

67- وقد خدم عشر سنوات في الاستخبارات العسكرية وكان يشغل منصباً بمكتب نائب رئيس هيئة الأركان لشؤون الاستخبارات عند تقاعده من الخدمة عام 1998

 

68- رغم أن خريطة رالف بيترز لا تمثل رؤية رسمية إلا أنها استُعملت في الأكاديمية الحربية الوطنية وفي دوائر التخطيط العسكرية الأميركية لعدة سنوات

 

69- كما عُرضت في برنامج تدريبي لكلية الدفاع التابعة لحلف الناتو في روما في شهر 9/2006 مما يدل على أنها أكثر من مجرد رأي شخصي. نكمل مع الأحداث:

 

70- بدأت المعركة في العراق بعد شهرين من بداية هجوم داعش الجديد في الشرق السوري الذي كرّست فيه احتلالها لحوض الفرات كله من جرابلس إلى البوكمال

 

71- بعد ذلك انفجرت العمليات في العراق وسيطرت داعش على وسطه بسرعة خيالية فاتصلت مناطق سيطرتها شرقَ الحدود مع المناطق التي سيطرت عليها غربَها

 

72- وبذلك وُلدت أرضٌ جديدة متصلة عبر البلدين (سوريا والعراق) تخضع لتنظيم يعتبره العالم -نظرياً- إرهابياً ومهدّداً لأمن وسلامة الإقليم

 

73- لماذا تركت داعش مناطق الشيعة في العراق ومناطق النظام في سوريا وركزت حروبها وسيطرتها على مناطق السنة في العراق والمناطق المحررة في الشام؟

 

74- لو كان مشروع داعش مشروعاً محلياً لما قابلته تركيا وإيران وبقية دول الإقليم بالسكوت والاستسلام رغم أنه يشكل في الظاهر خطراً عليها جميعاً

 

75- قاعدة: إن حراكاً بهذا الحجم أكبر من حجم الدول المحلية والإقليمية، ولن يتم بمعزل عن تفاهمات مسبقة مع القوة الكبرى التي تسيطر على المنطقة

 

76- قاعدة: إن تغيير الحدود ليس “لعبة أطفال” في العالم المعاصر الذي نعيش فيه؛ لقد دفع صدام حسين حياته ونظامه ثمناً لعدم إدراك هذه البديهية

 

77- قاعدة: إن الولايات المتححدة لا تنام عن مصالحها أبداً، وهي لن تفرّط في بناء خاضت من أجله حرباً منهِكة وأنفقت في بنائه ترليونات الدولارات

 

78- مع ذلك كان رد أميركا “الحاسم” على سقوط ثلث العراق بيد داعش هو إرسال 300 خبير لدعم نظام المالكي، ثم استقبلت إعلان الخلافة ببرود ولامبالاة

 

79- نستنتج أن القوة التي تدير معارك داعش في سوريا والعراق والتي رسمت مسارها وحددت حدودها ليست قوة محلية ولا إقليمية، وإنما هي الولايات المتحدة

 

80- وأن الهدف من حروب داعش في سوريا والعراق ليس إنشاء دولة إسلامية، بل هو إعادة تقسيم المنطقة بما يوافق السياسة الاستعمارية الأميركية الجديدة

 

81- ينسجم سياق حوادث العراق مع هذه النظرية، حيث راعت قوة البعث-داعش الحدود المسموح بها ولم تقترب من المناطق المحرَّمة (بغداد وديالي وسامراء)=

 

82- في حين تستميت للتقدم فيها القوى الإسلامية والعشائرية التي لا تخضع لأي تفاهمات مسبقة والتي تشكل خطراً حقيقياً على نفوذ إيران ونظام المالكي=

 

83- لذلك تتعرض لمقاومة شرسة من قوات المالكي والمليشيات الشيعية التي عادت من سوريا لقتال تلك الفصائل في تلك الجبهات حصراً ولم تقاتل داعش أبداً

 

84- نتيجة خطيرة: داعش كيان واحد في سوريا والعراق، فإذا كانت أميركا ترعى مشروع داعش في العراق فإنها قطعا ترعى المشروع الذي تنفذه داعش في سوريا

 

85- وكما رضخ المالكي لأميركا ضمن خطة ستعيد توزيع المساحة والنفوذ في العراق فكذلك رضخ الأسد لها ضمن خطة ستعيد توزيع المساحة والنفوذ في سوريا

 

86- هذه النظرية تفسر سكوت النظام السوري عن تمدد داعش في مساحات واسعة من سوريا كما تفسر قيام المالكي بعملية “التسليم النظيف” لداعش بلا قتال

 

87- إذا كانت النظرية السابقة صحيحة فإنها سترتبط بلحظة حاسمة في عمر الأزمة السورية، كانت أميركا تصرّ قبلها على إخراج بشار الأسد من المعادلة=

 

88- وإحلال بديل آخر محله، بديل من داخل النظام أو من داخل الطائفة (علي حبيب مثلاً)، ثم تغير المزاج الأميركي فجأة وتغيرت مفردات خطابه السياسي=

 

89- فتوقف الحديث عن “مصير الأسد” وتحول عنوان المعركة إلى “الأسلحة الكيماوية”. هذا الانقلاب المفاجئ في العناوين حصل في أواخر آب (أغسطس) 2013

 

90- خلال الأسابيع التالية ظهرت معالم الصفقة الجديدة: بدأ النظام بإجراءات جادة لتسليم مخزونه الكيماوي، وبدأت داعش بالانتشار في المناطق المحررة

 

91- ولمدة أربعة أشهر استمر تسليم السلاح الكيماوي، واستمر أيضاً الاجتياح الداعشي للرقة والحسكة ودير الزور وحلب وإدلب دون أي تدخل يُذكر للنظام

 

92- إنني أكاد أجزم بأن كل ما رأيناه بعد الهجوم الكيماوي على الغوطة الشرقية كان نتيجةً لصفقة سرّية عقدها نظام الأسد مع الإدارة الأميركية =

 

93- “بقاؤه في السلطة حاكماً لقسم من سوريا مقابل سيطرة داعش على القسم الآخر ثم فصله ليُضَم لاحقاً إلى أرض عراقية فتقام عليهما معاً دولة جديدة”

 

94- إلى أين سيمضي المشروع الداعشي وما حدوده المرسومة؟ بدأت المعركة الأولى مع داعش (آخر 2013) بسبب هجومها على المعابر الحدودية حتى باب الهوا

 

95- اليوم تزحف داعش بمحاذاة الحدود التركية وتوشك أن تستولي على معبر باب السلامة، ولو سقط فأخشى أن تتقدم إلى المعبر الأخير كما صنعت أولَ مرة

 

96- تقتفي داعش في تمددها الجديد مسار تمددها الأول، وهذا يشير إلى احتمال مرعب: سيطرة الدولة التي ترعاها أميركا على كامل الحدود السورية التركية

 

97- هذا يعني أن الثورة سوف تختنق حتماً لأن تركيا هي الرئة التي تتنفس منها، فهل هذا معقول؟ نعم، فمن الضروري القضاء على الثورة السورية بالكامل=

 

98- هذه خطوة حتمية لتنفيذ الصفقة الأميركية-الأسدية: توزيع المساحة والنفوذ وتسليم جزء من سوريا لداعش (دولة البعث الجديدة) وتسليم الباقي للنظام

 

99- ماذا ينبغي أن نفعل وماذا نستطيع أن نفعل؟ ينبغي أن نفعل الكثير ونستطيع أن نفعل الكثير -بإذن الله- إذا صدقنا النية وأحسنّا التخطيط والتنفيذ

 

100- إننا بحاجة لخطة عاجلة، خطة طوارئ (إطفاء حرائق) يجب تنفيذها على وجه السرعة مهما تكن الصعوبات، وبعد ذلك تأتي خطوات التصحيح وإعادة البناء

 

101- تقتضي الخطة دفع قوة كبيرة بقيادة موحدة إلى الشمال لتطهير الشريط الحدودي من داعش، من جرابلس لباب الهوا، لأن سقوطه سينهي الثورة لا سمح الله

 

102- وبعد ذلك يتوجب تمديد مناطق السيطرة إلى الطرف الشرقي من الفرات، باتجاه عين العرب وتل أبيض، لإجلاء داعش نهائياً عن الحدود السورية التركية

 

103- بعد هذه الخطوة العاجلة (العاجلة جداً) ينبغي على الثورة أن تنتقل بسرعة إلى إعادة البناء وتصحيح المسار ضمن تصور عسكري وسياسي وإداري متكامل

 

104-1- تحالف القوى العسكرية على الأرض وإنشاء غرفة عمليات كبرى تغطي جبهات الحرب كلها في جميع أنحاء سوريا وتكون بمثابة “هيئة أركان الحرب العليا”

 

105-2- تطهير المناطق المحررة والمحاصَرة من خلايا داعش الصغيرة والنائمة، وتشمل هذه الخطة غوطتَي دمشق وحوران وريف حماة وريفَي حمص الشرقي والشمالي

 

106-3- شنّ حملة مركزة على خزّان داعش البشري في البادية بين حمص ودير الزور، فهي مصدر الخطر الدائم ولن تنكسر شوكة داعش إلا باجتثاثها من البادية

 

107-4- إطلاق رصاصة الرحمة على الائتلاف الوطني الذي صار أداة لخيانة الثورة والذي تحول أكثر أعضائه إلى كائنات طفيلية تتصارع على المكاسب والمناصب

 

108-5- ملء الفراغ السياسي الناشئ عن إسقاط الائتلاف بكيان ثوري سياسي جديد نظيف يمثل الثورة تمثيلاً صادقاً ويستطيع محاورة الخارج بقوة واحترافية

 

109-6- الخطوة الأخيرة الكبيرة التي ستنقذ سوريا بإذن الله هي “إعادة إنتاج الثورة” بنسخة جديدة تتدارك أخطاء الثورة الأولى التي أوشكت على التلاشي

 

110- على أن تكون “ثورة تكنوقراط”، بمعنى احترام الاختصاص وعدم خلط العمل المسلح بالإدارة المدنية، وإنشاء أجهزة ثورية احترافية للإدارة والقضاء

 

111- الوصايا الأخيرة هي لإخواننا المجاهدين في العراق. لا جدال في أن الحالة التي يعيش فيها المسلمون السنّة في العراق هي أسوأ حالة يمكن تخيّلها=

 

112- وهذا يعني أن أي حل مهما يكن سيئاً أفضل من الواقع المرير، ولو كان البديل داعش أو البعث، ولكن تبقى مسألتان في غاية الخطورة يجب الانتباه لهما:

 

113-1- إن داعش عدو مجرَّب معروف، وقد بطشت سابقاً بالمجاهدين في العراق وقتلت خيارهم وكسرت شوكتهم، وأخشى أنها ستكرر الخطة نفسها لا قدّر الله

 

114-2- إذا كانت النظرية التي قدمَتها هذه التغريدات صحيحة فإن السنّة في وسط العراق -وعددهم ستة ملايين- سينتقلون إلى واقع أقل سوءاً بإذن الله=

 

115- لكن ماذا عن سنّة ديالي وبغداد وحزامها الكبير (التاجي والطارمية والمحمودية واليوسفية وأبو غريب) وعددهم نحو خمسة ملايين؟ لأي مصير سيُتركون؟

 

116- إن على مجاهدي العراق المخلصين الكرام أن يستعدوا لغدر داعش منذ اليوم، وأن يجمعوا قواهم كلها في قيادة واحدة ويُنشئوا غرفة عمليات عليا=

 

117- وأن يضعوا خطة شاملة تنقذ السنّة جميعاً من الاضطهاد،لا أن يفرحوا بإخراج نصفهم لدولة جديدة (مهما تكن) ويتركوا النصف الآخر لمصير مظلم مجهول

 

118- تمرّ ثورتا سوريا والعراق بظروف عصيبة، ولا نجاة لثورة العراق إلا بدرء شر داعش القريب، ولا نجاة لثورة الشام إلا بولادة جديدة تتلافى العيوب

 

119- الخلاصة: يبدو أن داعش أداة يحركها البعثيون الذين سيطروا عليها واتفقوا مع أميركا على صناعة دولة بعثية جديدة مع إعادة تقسيم سوريا والعراق

 

120- هذه اللعبة الخطيرة تشترك فيها 3 أطراف: طرف قوي مسيطر يضع قواعدها ويديرها،وطرف ذكي مستفيد يتحرك ضمن القواعد لتحقيق هدفه والعودة إلى الحكم=

 

121- وطرف غبي هو جسم داعش المكون من جهاديين مغفلين يقتصر دورهم على تنفيذ المخطط بغباء،وهم وقود يحترق لتحقيق المشروع الأميركي الاستعماري الجديد

 

122- لقد عاد البعث إلى الحكم، ليس على أكتاف القوميين الذين حملوه قبل نصف قرن، وإنما على جثث مَن كان ينبغي أن يكونوا من صَفوة مجاهدي الأمة في الزمان الأخير

 

123- ذات يوم ارتدى عميل بريطاني لباس البدو وتحدث لغة العرب ثم قاد جموعاً من الغوغاء فرسموا بدمائهم حدود الدول الجديدة التي ورثت دولة بني عثمان

 

124- اليوم وبعد تلك المأساة بقرن كامل يخرج من البادية عميلٌ جديد، تنظيمٌ لم ينطق بالعربية فحسب بل رفع راية إسلامية أيضاً، ثم كرر القصة نفسها=

 

125- فجمع جموعاً من الغوغاء الذين يرسمون بدمائهم الحدودَ السياسية الجديدة لسادة القرن الجديد، المستعمرين الجدد الذين ورثوا إمبراطوريات القرن الغابر

______________________________

ملاحظة مهمة:

هذه التغريدات هي خلاصة المقالات الأربع التي نشرتها قبل أسابيع بعنوان “ماذا يحدث في سوريا والعراق؟”، وأنصح بشدّة من يملك الهمّة والرغبة في معرفة التفاصيل أن يقرأ المقالات نفسها، وهي منشورة هنا في المدونة مع روابط وإحالات لعدد من المصادر والخرائط المهمة. وهذه روابطها:

 كلمة السر هي داعش

http://shamquake.wordpress.com/2014/06/30/2601/

 البعث يحكم من جديد

http://shamquake.wordpress.com/2014/07/04/2605/

 حروب التقسيم وحدود الدم

http://shamquake.wordpress.com/2014/07/10/2614/

 موت محتوم أو ولادة جديدة

http://shamquake.wordpress.com/2014/07/12/2621/

 

Posted in رسائل الثورة | 13 تعليقات

ماذا يحدث في سوريا والعراق؟ (4)

ماذا يحدث في سوريا والعراق؟

(4) الخلاصة: موت محتوم أو ولادة جديدة

 

مجاهد ديرانية

 

لن نستطيع أن نفهم حوادث سوريا والعراق إلا إذا أدركنا أن في كل منهما معركتين لا علاقةَ لأي منهما بالأخرى، معركتين مختلفتين يخوضهما فريقان مختلفان. فأما معركتا سوريا فهما معركةٌ ضد النظام يخوضها الثوار بهدف تحرير سوريا من الاحتلال الأسدي الطائفي، ومعركة ضد الثوار تخوضها داعش بهدف الاستيلاء على المناطق المحررة وإنشاء كيانها المشبوه فيها. أما العراق فإن فيه معركة سهلة هي أقرب إلى التمثيلية أو الترتيبات والتفاهمات المسبَقة وتهدف إلى تسليم داعش مساحات واسعة من أرض العراق، ومعركة حقيقية شرسة تخوضها قوات العشائر المسلحة بالاشتراك مع الفصائل الإسلامية المستقلة بهدف تحرير مناطق السنّة في ديالي وبغداد.

 

*   *   *

 

يبدو أن الولايات المتحدة ترعى المشروع الذي تنفذه داعش على الأراضي العراقية، وهذه الرعاية تفسر اللغز وتجيب عن السؤال الجوهري: لماذا سلّم نظام المالكي لداعش مساحات واسعة في وسط البلاد بلا قتال؟ ولكن ماذا عن سوريا؟ تذكرون أن إحدى مقدّمات المقالة الأولى في هذه السلسلة (كلمة السر هي داعش) كانت تنص على أن “داعش سوريا وداعش العراق كيان واحد له قيادة واحدة ورؤية واحدة وسياسة واحدة وأهداف واحدة”. ومن ثَمّ فإننا لا نملك إلا أن نطبق الفهمَ السابق نفسه على سوريا ونقول: “إن الولايات المتحدة ترعى المشروع الذي تنفذه داعش على الأراضي السورية”.

 

إن تطبيق القاعدة نفسها في البلدين سوف يقدم إجابة معقولة عن السؤال الذي يسأله السوريون منذ بعض الوقت: لماذا سكت النظام السوري عن تمدد داعش في مساحات واسعة من سوريا، بل وتدخّل في مرات كثيرة لمساعدتها ضد الفصائل المجاهدة؟ إن التفسير الظاهر الذي كنا نلجأ إليه عادة هو تقاطع المصالح واتحاد العدو، حيث يمثل المجاهدون خطراً حقيقياً على مشروع داعش كما يمثلون خطراً حقيقياً على نظام الأسد. ولكن ماذا لو كان الجواب مختلفاً؟ ماذا لو كان هو نفسه السبب الذي دفع المالكي إلى إتمام عملية “التسليم النظيف” لداعش بلا قتال؟

 

جواب هذا السؤال يطرح احتمالاً مخيفاً: إن الولايات المتحدة التي بدا -ممّا استعرضناه في المقالتين السابقتين- أنها ترعى المشروع الداعشي في العراق ترعاه في سوريا أيضاً، وكما اضطُرّ المالكي إلى الرضوخ للإملاء الأميركي ضمن تفاهمات معينة ستعيد توزيع المساحات والنفوذ في العراق فكذلك رضخ الأسد للإملاء الأميركي ضمن تفاهمات معينة ستعيد توزيع المساحات والنفوذ في سوريا.

 

*   *   *

 

إذا كانت النظرية السابقة صحيحة فإنها لا بد أن ترتبط بلحظة حاسمة في عمر الأزمة السورية، حيث كان من الواضح أن الإدارة الأميركية تسعى بقوة إلى إخراج الأسد من المعادلة وإحلال بديل آخر محله، بديل يأتي من داخل النظام أو من داخل الطائفة (أرجو مراجعة مقالة “الضربة الأميركية: ما الهدف ومن المستهدف؟“). ثم تغير المزاج الأميركي فجأة وتغيرت مفردات خطابه السياسي، فتوقف الحديث عن “مصير الأسد” وتحول عنوان المعركة إلى مانشيت جديد: “الأسلحة الكيماوية”. هذا الانقلاب المفاجئ في الأمزجة والعناوين حصل في أواخر آب (أغسطس) 2013.

 

خلال الأسابيع التالية ظهرت معالم الصفقة الجديدة التي لم ألاحظ الرابطَ بين أجزائها أبداً، ولا يبدو أن أحداً استطاع ملاحظته أيضاً: بدأ النظام بإجراءات جادة لتسليم مخزونه الكيماوي، وبدأت داعش بالانتشار في المناطق المحررة، ولمدة أربعة أشهر استمر تسليم السلاح الكيماوي واستمر الاجتياح الداعشي للرقة والحسكة ودير الزور وحلب وإدلب! كان النظام يراقب تقدم داعش الحثيث من بعيد، ولم يُضطر إلى التدخل إلاّ في مرات قليلة، عندما تعثر تقدم داعش في بعض المناطق بسبب مقاومة المجاهدين فساعدها بقصف كتائب المجاهدين بالمدفعية والطيران.

 

إنني أكاد أجزم بأن كل ما رأيناه بعد الهجوم الكيماوي على الغوطة الشرقية كان نتيجةً لصفقة سرّية عقدها نظام الأسد مع الإدارة الأميركية: بقاؤه في السلطة حاكماً لقسم من سوريا مقابل الرضا بسيطرة داعش على القسم الآخر وفصله في كيان سياسي جديد.

 

وإنني أجازف أيضاً بالاستنتاج: لقد كاد هذا المخطط يبلغ ذروته أواخر عام 2013 لولا الوقفة المشرّفة للفصائل التي كوّنت على عَجَل تحالف “جيش المجاهدين” الجديد الذي وقفَ تمددَ داعش واستنفر بقية الفصائل لقتالها، فقاتلَتها وأجْلَتها عن أكثر المناطق التي كانت تسيطر عليها في إدلب وحلب ودير الزور. ولولا أن الأميركيين سارعوا إلى مساعدة داعش -فمنعوا السلاح والذخيرة عن المجاهدين- لنجح المجاهدون في تعقّب داعش إلى الرقة والقضاء عليها هناك.

 

هذا التدخل لصالح داعش قامت به الولايات المتحدة مرة أخرى مع بداية التمدد الداعشي الجديد في أول نيسان (أبريل) الماضي، وهذه المرة كان الإجراء الأميركي حاسماً جداً وفعّالاً جداً. لا يعرف أكثر قراء هذه المقالة ما حصل في الواقع، ولكن الإخوة المجاهدين في الفصائل المختلفة يعرفون، ولو سألتموهم لأخبروكم بما حصل. لقد تدخل الأميركيون بصورة سافرة، وبعدما كانوا “يشرفون” على دخول السلاح الذي يصل من مصادر مختلفة، تركية وقطرية وسعودية، تحولوا من الإشراف إلى السيطرة الكاملة، فأوقفوا كل القنوات وسيطروا بشكل مباشر على دخول السلاح من الجنوب (الأردن) ومن الشمال (تركيا) عبر “غرف” السلاح الأميركية، وترافق ذلك مع إغلاق محكم للحدود ومنع صارم لدخول أي شيء من الذخيرة أو السلاح، ولا حتى طلقة واحدة.

 

وهكذا تُرك المجاهدون بلا ذخيرة ليقاوموا عدواً تتدفق عليه من الشرق، من العراق، الدبابات والمدرعات والصواريخ والمدافع وكميات يصعب حصرها وعَدّها من الذخائر.

 

*   *   *

 

إلى أين سيمضي المشروع الداعشي؟ ما هي حدوده المرسومة؟ التمدد الأول توقف عندما بدأت معركة الأتارب في آخر كانون الأول (ديسمبر) 2013، وأحب أن أذكّر الإخوة القرّاء بأن شرارة معركة الأتارب كانت هجوم داعش على آخر المعابر الحدودية من جهة الغرب، باب الهوى. اليوم تزحف داعش بمحاذاة الحدود السورية التركية وتوشك أن تستولي على معبر باب السلامة القريب من إعزاز، وإذا ما سقط المعبر (لا سمح الله) فأخشى أنها ستتقدم إلى المعبر الأخير كما صنعت أولَ مرة.

 

أرجو أن تعودوا إلى مقالة “داعش تضرب من جديد” التي نشرتُها بتاريخ 26/4/2014، وفيها: “لكن داعش لا تستسلم بسهولة، فإن الذين “صنعوها” لن يتراجعوا عن هدفهم الذي صنعوها من أجله، لذلك لم يكن انسحاب داعش من تلك المناطق كلها هزيمة لها، بل كان يمثل التطبيق الحقيقي لمصطلح مشهور كثيراً ما أُسيء استخدامه في حربنا الثورية: “الانسحاب التكتيكي”. وهنا ارتكب المجاهدون أكبر أخطائهم الإستراتيجية في المعركة، فقد توقفوا عن مطاردة العصابة بعد انكفائها إلى الرقة وتركوها لتعيد تنظيم قواها وتعويض خسائرها، فما لبثت أن صارت جاهزة للهجوم من جديد. وتشير البدايات المقلقة للمعركة الجديدة إلى أن داعش ستحاول إعادة خطة الغزو الأولى التي طبّقتها في العام الماضي، فتبدأ بمحافظتَي الدير والحسكة، ثم تتوجه إلى غزو حلب انطلاقاً من الشمال الشرقي باتجاه الغرب”.

 

إن داعش تقتفي في تمددها الجديد آثارَ تمددها الأول، وهذا يشير إلى احتمال مرعب: إن الدولة الداعشية التي ترعاها الولايات المتحدة ستسيطر على كامل الحدود السورية التركية. هذا يعني أن الثورة سوف تختنق حتماً لأن تركيا هي الرئة التي تتنفس منها، فهل هذا معقول؟ نعم، إنه معقول جداً، فإذا كانت الصفقة الأميركية-الأسدية تقتضي إعادة توزيع المساحات والنفوذ (كما جرى في الصفقة العراقية المماثلة) فإن من الضروري القضاء على الثورة السورية بالكامل، وتسليم جزء من سوريا لداعش (دولة البعث الجديدة) وتسليم ما بقي منها للنظام.

 

*   *   *

 

ماذا ينبغي أن نفعل؟ وماذا نستطيع أن نفعل؟ ينبغي أن نفعل الكثير، ونستطيع أن نفعل الكثير إن شاء الله إذا صَدَقت النياتُ وأُحسن التنظيم والتخطيط والتنفيذ. إننا بحاجة إلى خطة عاجلة، خطة طوارئ من نوع خطط إطفاء الحرائق، يجب تنفيذها على وجه السرعة مهما تكن الصعوبات، وبعد ذلك تأتي خطوات التصحيح وإعادة البناء.

 

تقوم خطة الطوارئ على دفع قوات كبيرة بقيادة موحّدة إلى الشمال لتطهير الشريط الحدودي من داعش وحمايته من السقوط، من جرابلس إلى باب الهوى، لأن سقوط هذا الشريط هو بداية نهاية الثورة لا قدّر الله. وبعد ذلك يتوجب تمديد مناطق السيطرة إلى الطرف الشرقي من الفرات، باتجاه عين العرب وتل أبيض، لإجلاء داعش نهائياً عن الحدود السورية التركية.

 

بعد هذه الخطوة العاجلة (العاجلة جداً، حيث يُعَدّ الوقت الذي نملكه لتنفيذها بالأيام لا بالأسابيع والشهور)، بعدها ينبغي على الثورة أن تنتقل بسرعة إلى إعادة البناء وتصحيح المسار، وهذه بعض الأفكار الأساسية التي تحضرني (وأرجو أن يقوم قادة الثورة ومفكروها بعصف ذهني لتقديم تصورات أوضح وأشمل):

 

أولاً: عسكرياً

 

1- تحالُف القوى العسكرية على الأرض (ولا ضرورة لتوحيدها لأنه هدف بعيد المنال) وإنشاء غرفة عمليات كبرى تغطّي جبهات الحرب كلها في جميع أنحاء سوريا وتكون بمثابة “هيئة أركان الحرب العليا”، وأتمنى أن يستفيد الإخوة المجاهدون في الفصائل من خبرات الضباط المنشقين الذين تخرجوا في كلية الأركان لأن إدارة الحرب فن مختلف عن إدارة معارك صغيرة في جبهات محدودة.

 

2- تطهير المناطق المحرَّرة والمحاصَرة من خلايا داعش الصغيرة التي تنتشر فيها، وتشمل هذه الخطة الغوطتين الشرقية والغربية (وقد بدأ مجاهدو الشرقية بتطبيقها، وفّقهم ونصرهم الله) وحوران وريف حماة وريفَي حمص الشرقي والشمالي. ولن تكتمل العملية إلا بقتل رؤوس الدواعش وسحب السلاح من عامّتهم ومنعهم من أي نشاط قتالي أو إعلامي ولو بالقوة والقتال.

 

3- شنّ حملة مركّزة على خزّان داعش البشري في البادية الممتدة بين حمص ودير الزور، فهو مصدر الخطر الكبير والدائم على الشرق السوري (ولا سيما على محافظة دير الزور التي أخشى أن نفشل في استرجاعها نهائياً) وعلى ريف دمشق الشرقي والقلمون، ولن تنكسر شوكة داعش إلا باجتثاثها من البادية.

 

ثانياً: سياسياً وإدارياً

 

1- القيام بإجراء سياسي حاسم لا يحتمل التأخير، وهو إطلاق رصاصة الرحمة على الائتلاف الوطني الذي صار أداة لخيانة الثورة وبيعها على طاولات المفاوضات، والذي تحوّل أكثرُ أعضائه (ولا أقول كلهم) إلى كائنات طفيلية تتصارع على المكاسب والمناصب فيما تضيع سوريا كلها من أيدينا إلى الأبد لا سمح الله.

 

2- سينشأ عن ذلك “فراغ سياسي” يتوجب على الثورة أن تملأه بلا تأخير بكيان ثوري سياسي جديد نظيف يمثّل الثورة تمثيلاً حقيقياً، ويستطيع محاورةَ القُوى الخارجية بقوة واحترافية وبشرف وكرامة ورؤية واضحة لا تضيّع ثورتنا وتضحياتنا كما يوشك أن يصنع الائتلاف.

 

3- الخطوة الأخيرة الكبيرة التي ستنقذ سوريا بإذن الله هي “إعادة إنتاج الثورة” في نسخة جديدة تتدارك أخطاء الثورة الأولى التي أوشكت على التلاشي، سواء في ذلك الأخطاء العسكرية والسياسية والإدارية، على أن تكون “ثورة تكنوقراط”، بمعنى احترام الاختصاص وعدم خلط العمل المسلح بالإدارة المدنية، وإنشاء أجهزة اختصاصية احترافية للإدارة المدنية والقضاء والسياسة والإعلام يقوم عليها مختصون من أهلها لا هواةٌ متطفّلون من أهل التغلّب والجاه والسلطان، ولنا عودة مفصلة إلى هذا الموضوع المهم إن شاء الله.

 

*   *   *

 

الوصايا الأخيرة هي لإخواننا المجاهدين في العراق. لا جدال في أن الحالة التي يعيش فيها المسلمون السنّة في العراق هي أسوأ حالة يمكن أن يتخيّلها الإنسان، وهذا يعني أن أي حل -مهما يكن سيئاً- سيكون أقل سوءاً من الواقع المرير، ولو كان البديل هو داعش أو البعث أو حتى الاحتلال الأجنبي. هذا كله مفهوم، وهو يبرّر قبولهم بالإقليم السنّي وسعيهم إليه بعدما عارضوه في البداية، ولا يُلامون في الحالتين، ولكن تبقى مسألتان في غاية الأهمية والخطورة يجب أن ينتبهوا إليهما:

 

1- إن داعش عدو مجرَّب معروف، وقد بطشت سابقاً بالمجاهدين في العراق وقتلت خيارهم وكسرت شوكتهم وأعانت عليهم عدوهم وأخرجتهم من المعركة حتى تستأثر وحدها بالميدان، ثم حاولت أن تصنع ذلك كله في سوريا لولا أن وقف لها مجاهدو سوريا بالمرصاد فأعاقوا خطتها وأنقذوا أنفسهم من الفناء. وأخشى أنها ستكرر الخطة نفسها في العراق من جديد لا قدّر الله.

 

2- إذا كانت النظرية التي قدمَتها المقالات السابقة في هذه السلسلة صحيحةً فإن السنّة في وسط العراق، في صلاح الدين ونينوى والأنبار، وعددهم قريب من ستة ملايين، سينتقلون إلى واقع أقل بؤساً وسوءاً إن شاء الله، ولكن ماذا عن السنّة الذين يقيمون في ديالي وبغداد وحزامها الكبير (التاجي والطارمية والمحمودية واليوسفية وأبو غريب) وعددهم قريب من خمسة ملايين؟ لأي مصير سيُترَكون؟

 

النتيجة في ضوء المسألتين السابقتين: حيث إن ديدن داعش هو الغدر والخيانة فلا بد أنها ستغدر عمّا قريب بالعشائر والفصائل الإسلامية المستقلة، فكيف سينجو المجاهدون من غدرها، لا سيما إذا اجتمع عليهم معها نظام المالكي بقواته الأرضية والولايات المتحدة بالدرونات (الطيارات بلا طيار)؟

 

إن على مجاهدي العراق المخلصين الكرام أن يستعدوا لذلك كله منذ اليوم، وأن يجمعوا قواهم كلها في قيادة واحدة ويُنشئوا غرفة عمليات عليا، فلا يكرروا خطأهم القديم حينما قاتلوا قوات الغزو متفرقين ولا يكرروا خطأ مجاهدي سوريا الذين أضاعوا بتفرّقهم ألفَ فرصة وطوّلوا الطريق. وعليهم أن يضعوا خطة شاملة تنقذ المسلمين السنّة جميعاً من الاحتلال والاضطهاد، لا أن يفرحوا بإخراج نصفهم إلى دولة جديدة (مهما تكن طبيعتها) ويتركوا النصف الآخر لمصير مظلم مجهول. أما كيف يكون ذلك فأمر لا أعرفه ولن أتطفل عليهم بالتفكير فيه وهم أهل السابقة والخبرة وأصحاب الميدان.

 

*   *   *

 

الخلاصة: يبدو أن داعش ليست سوى أداة يحركها ويستغلها البعثيون الذين سيطروا على قيادتها واتفقوا مع الأميركيين على صناعة دولة بعثية جديدة مع إعادة تقسيم سوريا والعراق. هذه اللعبة الخطيرة تشترك فيها ثلاثة أطراف: طرف قوي مسيطر يضع قواعدها ويدير فصولها، وطرف ذكي مستفيد يتحرك ضمن تلك القواعد لتحقيق هدفه والعودة إلى الحكم، وطرف غبي هو جسم داعش المكون من جهاديين مغفلين بلا عقول يقتصر دورهم على تنفيذ المخطط السابق بغباء منقطع النظير، وهم وَقودٌ سيحترق عاجلاً ثم ينكشف الغطاء عن الكيان الجديد الذي صنعته الولايات المتحدة لتحقيق مشروعها الاستعماري الجديد.

 

إن سياق الحوادث العراقية ينسجم تماماً مع هذه الفرضية، حيث يبدو أن القوة الرئيسية التي بدأت بالمعركة (البعث-داعش) قد احترمت تفاهماتها مع أميركا وحلفائها ولم تقترب من المناطق المحرَّمة عليها (بغداد وديالي وسامراء والجنوب) في حين أن القوى المستقلة تبذل جهوداً خارقة يائسة لتحقيق مكاسب فيها، وهي قوى لا تخضع لأي تفاهمات مسبقة وتشكّل خطراً على النفوذ الإيراني وعلى نظام المالكي، لذلك فإنها تتعرض لمقاومة شرسة حقيقية من طرف قوات المالكي والمليشيات الشيعية العراقية والإيرانية، التي انسحبت من سوريا لتخوض المعركة مع تلك الفصائل في تلك الجبهات حصراً وليس مع داعش في المحافظات الثلاث التي سلّمها المالكي بلا قتال.

*   *   *

 

لقد أرادوا قتل ثورتنا من أول يوم قامت فيه، وإنهم اليوم جادّون في تحقيق ما عجزوا عنه في أربعين شهراً خلت، وإلاّ تولَدْ ثورتُنا ولادة جديدة على أسس صحيحة فإنها سائرة إلى فشل كبير أو أنها صائرة إلى موت محتوم لا قدّر الله.

 

إن الثورتين -في سوريا والعراق- تمرّان بظروف عصيبة، ولا نجاةَ لثورة العراق إلا بالتخطيط والتنظيم ودرء شر داعش القريب، ولا نجاةَ لثورة الشام إلا بولادة جديدة على أسس صحيحة تتلافى عيوب المرحلة السابقة.

 

إن الثورات ليست أمراً سهلاً يمكن البدء به كل يوم، وعندما يفشل شعب من الشعوب في ثورته فقد يعجز عن البدء بثورة أخرى قبل نصف قرن من الزمان. هذه الحقيقة الخطيرة يجب أن تعيَها الثورتان، السورية والعراقية، وأن تعقدا العزم على أن لا تُهزَما مهما كان الثمن؛ ينبغي أن نقوّم الأخطاء ونجدد العزائم ونستمرّ بالثورة وصولاً إلى النصر مهما تكن التقدمات ومهما تكن التضحيات.

Posted in رسائل الثورة | 6 تعليقات