المدارس العالمية

احذروا المدارس العالمية والأجنبية

مجاهد ديرانية

 

هذه مقالة نشرتها قبل نحو سبع سنين، وما زلت أرى الحاجةَ متجددةً إليها مع بداية كل عام دراسي جديد، لذلك أعيد نشرها اليوم لعل بعض المسلمين ينتفعون بها فيكون لي سهم في الإصلاح. أسأل الله أن يثيبني عليها ويثيب من ساهم في نشرها لينقذ أطفال المسلمين من الضياع.

 

سألني سائل عن المدارس العالمية والمدارس الأجنبية التي انتشرت في مجتمعاتنا في السنين الأخيرة، ويقول إنه أعرض عن إرسال أولاده إليها لأنه في ريبة من أمرها، والناس يدفعونه إليها ويشجّعونه على إلحاق أولاده بها لأنها -كما يقولون- أفضل من عامة المدارس العادية، الأهلية منها والحكومية، ولأنها تقوّي الطلاب في اللغة الإنكليزية التي يتلقون معارفهم بها. فأي الفريقين على صواب: هو بخشيته وحذره أم الآخرون باندفاعهم وثقتهم الشديدة في هذه المدارس؟

 

الجواب: لقد سألتني عن هذا الأمر فأثرت المَواجع يا أخا الإسلام. والحمد لله الذي ألهمك أن تسألني، حتى أكتب جواباً تطلع أنت عليه ويطلع عليه الناس، فمَن شاء أخذ بنصيحتي ومن شاء أعرض عنها، ويكفيني أن أكون قد بلّغت.

 

سأقرر أولاً أمراً أرجو أن نتفق عليه كلنا، فإن لم نفعل فلا نفعَ في قراءة ما بقي من هذا الجواب: إن “العلم” مقصد من المقاصد الكبيرة التي ينبغي أن نهتم بها، فننفق في سبيله المال والوقت ونسعى إليه ونبذل في سبيل تحصيله غاية الجهد، فالأمم المتعلمة تفوق الأمم الجاهلة قوّةً وتملك أسباب الغَلَبة والقيادة، ونحن نريد أن نكون أمة غالبة لا مغلوبة، قائدة كريمة متبوعة لا تابعة ذليلة مَهينة. فالعلم -إذن- وسيلة نتخذها لبلوغ غاية نبيلة سامية، وهي غاية تنفع المسلمين وتُرضي الله. هذا على مستوى الأمة، أما على مستوى الأفراد فالمتعلم خيرٌ من الجاهل حياةً وأوفرُ حظاً في النجاح، والنجاحُ والحياة الطيبة يطلبهما كل عاقل.

 

لكن انظروا بعين الحق والإنصاف (وهنا الأمر المقصود الذي أحبّ أن نتفق عليه): أيُقبل أبناؤنا على العلم حقيقة؟ وهل العلم هو المقصد الذي نقصده في المدارس والجامعات؟

 

الجواب يدركه كل ذي لب وعينين: لا؛ إنما يبحث أبناؤنا عن النجاح ويسعون إلى الشهادات. إنها حقيقة محزنة بالفعل، فقد زهد الناس في العلم وسعوا وراء الشهادة، فصرنا نمنح في كل عام ملايين الطلاب والطالبات -في بلاد المسلمين- شهادات نشهد لهم فيها بإتمام المدرسة أو الجامعة بنجاح، ثم نجد أننا لم نحصل إلا على عشرة علماء أو عشرين. عشرة أو عشرون سعوا وراء العلم واجتهدوا في تحصيله، وسائر الملايين حَمَلةُ أوراق ملوَّنة في كل منها اسم وتوقيع، تصلح أن يؤطّرها صاحبُها في إطار ويعلقها على الجدار، فتثبت أنه خرّيج جامعة لكنها لا تثبت أنه أعلم من حدّاد أو نجّار!

 

هذا هو الهدف الذي يسعى أكثر الناس إليه: شهادات تعلَّق على الحيطان! ومع ذلك فإن المشكلة الكبرى ليس هنا محلها (وإن تكن هذه مشكلة كبيرة من شأنها أن تُقلق كل التربويين العقلاء في بلداننا). المشكلة هي أن الناس مستعدون -في سبيل الحصول على هذه الشهادات- إلى التضحية بكل شيء. بالمال، فيبذل الواحد منهم ربع دخله أو ثلثه أو نصفه ليدفع نفقات المدارس… لا بأس. والوقت: فينفق كلَّ يوم ساعات في توصيل الصبيان والبنات كل إلى مدرسته والعودة بهم، وهم ينفقون نصف أعمارهم على مقاعد الدرس أو في حَلّ الواجبات… لا بأس. وبراءة الطفولة: فيحمل بعض الآباء، أو أكثرُهم، المسألةَ على أقصى محامل الجِدّ ويستهلكون طفولة الصغار وبراءتهم في سبيل التفوق والدرجات العالية… لا بأس.

 

كل هذا من خاصة شأنهم؛ إن شاؤوا أنفقوا المال وبذلوا الجهد وصرفوا الوقت، وإن شاؤوا ذبحوا طفولة صغارهم على مذابح الدراسة والتفوق. ليصنعوا ذلك كله أو بعضَه، أما أن تكون التضحية بالدين في سبيل الشهادات المدرسية والتفوق في المدارس فلا، لا وألف لا.

 

*   *   *

 

لقد عشت ما يكفي من السنين لأرى الهزائم تصيبنا واحدةً في إثر واحدة؛ في بعض بلادنا “التقدمية” فرضوا على الطلاب والطالبات دروساً في الكفر الحزبي وفرضوا عليهم المشاركةَ في معسكرات يشترك فيها الطلاب والطالبات، يخرج الشبّانُ من بيوتهم إلى هذه المعسكرات والشاباتُ فينقطعون فيها الأيام المتتالية، ينامون معاً ويقومون معاً ويأكلون معاً ويشربون معاً ويعيشون معاً… وكان المتوقع أن يقول الآباء كلهم: “لا، لن نرسل بناتنا إلى مثل هذه المعسكرات يخالطنَ الشبّان ويشرف عليهنّ الرجال”، ولو فعلوا لتراجعت السلطة التي فرضت هذا النظام، ولكن أحداً لم يفعل! كلهم أرسلوا بناتهم، ورضي كل منهم أن يَصدر عن بنته من الأفعال ما كان آباؤهم يذبحون البنت لو صنعت عُشر معشاره، يوم كانت النخوة وكان الشرف من أركان الحياة… وهُزمنا في المعركة!

 

وفي بلد آخر، في أوربا هذه المرة، أصدرت السلطات قانوناً يمنع الطالبات المسلمات من الدخول إلى المدارس بالحجاب. وكان المتوقع أن يثور الناس ويخرجوا إلى الطرق بالمظاهرات والاحتجاجات. أليس التعبير عن الرأي بهذه الطريقة مقبولاً في تلك البلاد؟ فإن لم يُستجَب لهم فقد كان المتوقَّع أن يُضرب الآباء عن إرسال بناتهم إلى المدارس، فأي مؤمن عاقل لن يختار لبنته النجاحَ في المدرسة والرسوبَ في الآخرة. لكن الذي حصل أن مئة ألف طالبة مسلمة توجهن إلى مدارسهن في اليوم التالي، ثم توقفت كل واحدة منهن أمام باب مدرستها فنزعت حجابها وطوته ووضعته في حقيبتها، وعبرت باب المدرسة… وهُزمنا في المعركة!

 

وها هي اليوم معركة جديدة خسرناها قبل أن تبدأ: “المدارس العالمية” التي غزت ديارنا واخترقت حياتنا كما تخترق سكينٌ قالباً من الزبدة! ثم لم يرتفع صوتٌ بشكوى ولا صيحةٌ بإنذار. حتى العلماء نيام لا يدركون حجم الكارثة التي توشك أن تنزل بنا حين ينتشر في الأمة مئات الآلاف من خرّيجي هذه المدارس، يحملون فكرَ الغرب في رؤوسهم، ومحبّةَ الغرب في قلوبهم، وقِيَمَ الغرب في نفوسهم، ولغةَ الغرب على ألسنتهم، ثم يصبحون هم المديرين الكبار في الشركات، والمتنفذين في الدوائر والوزارات، ويقودون الأمة إلى أحلك الظلمات!

 

*   *   *

 

يا أيها المؤمنون، إننا اليوم في حرب نبقى فيها أو نموت، ما هي بمعركة عابرة فتقيسوها على مئات المعارك التي هُزمنا فيها في الأيام الغابرة ثم بقينا وعُدنا إلى الحياة. إنها حرب على لغتنا العربية التي صارت لغة ثانوية لطلبة هذه المدارس والإنكليزيةُ هي اللغة الأم. وعلى تاريخنا، لأن المناهج التي استوردوها لهذه المدارس من أقوام غيرنا جاءت معها بتاريخ أولئك القوم لا بتاريخنا، وحين درّسَت تاريخَنا درّسته مشوَّهاً مخلوطاً فيه الحقُّ بالباطل والحابلُ بالنابل. وعلى ديننا، لأنها خصصت لمواد الدين أقل القليل من الوقت وأقل القليل من الاهتمام، وربما جاءت بالمعلم الجاهل أو المتحامل ليُلقي دروس الدين على الطلاب. وعلى أخلاقنا، لأنها سمحت بين جدرانها بتكشف البنات واختلاط الذكور بالإناث، طلاباً وطالبات ومعلمين ومعلمات. وعلى قِيَمنا، لأن المناهج التي استوردَتها من غيرنا بُنيَت على قيم ليست لنا ولا منّا ولا تتفق مع شرعنا ولا تناسب سلائقنا. وعلى مستقبلنا، لأنها تزرع في قلوب طلابها حب أعدائنا، فيفتحون لهم اليوم قلوبهم، ثم يفتحون لهم في غدٍ أبوابَ بلادنا!

 

*   *   *

 

ولسوف يجادل قوم ويبحثون عن العلل التي تدفعهم إلى إلحاق أولادهم بهذه المدارس، فيقولون:

 

(1) نريد أن يتعلم أبناؤنا اللغة الإنكليزية لأنها لغة العصر.

 

وأنا أقول لهم: اللغة الإنكليزية مهمة فعلاً ويجب على كل واحد منا أن يتعلمها وأن يُتقنها، وهي لغة العصر -كما تقولون- ولغة العلم والتجارة والاتصالات، لكن اللغة العربية هي لغة القرآن ولغة ديننا وحضارتنا، فإن تكن الإنكليزية هي لغة النجاة في الدنيا فإن العربية هي لغة النجاة في الآخرة.

 

هذه الأولى، والثانية أن اللغة العربية من أصعب اللغات وتعلّمها من أشق المهمات، وإنّا ليحسدنا ملايينُ المسلمين الذين يعجزون عن تعلمها على شدة رغبتهم في تعلمها، ونزهد نحن فيها وقد أُهديت لنا بلا ثمن ولا عَناء. أما اللغة الإنكليزية فيستطيع أي واحد من الناس أن يتعلمها وينطقها كأهلها في ستة شهور. لا أقول هذا زعماً لا دليل عليه بل هي تجربة عشتها وأضمن نتائجها بإذن الله، فأنا كنت في المدرسة مقصراً في هذه اللغة ضعيفاً فيها، فلما صرت في أواخر المرحلة الإعدادية درست في معهد اللغة الأميركية سنتين (خمس ساعات في الأسبوع فحسب)، فصرت أقرأ وأكتب وأنطق هذه اللغة قريباً مما يصنع أهلها. وأذكر أني حين تقدمت لامتحان اللغة في كلية الهندسة، وكان إلزامياً، أنني أنهيته في ثلث ساعة وحصلت فيه على العلامة الكاملة أو نحوها. كل ذلك وما أنفقت في تعلم اللغة الإنكليزية غير ساعات معدودات خلال بضعة عشر شهراً، ولو كانت العربية هي اللغة التي أسعى إلى تعلمها لأنفقت عمراً بطوله أو نصفَ عمر، ولا أكاد أبلغ فيها -مع ذلك- مبلغ الكمال أو الإتقان.

 

(2) وقد يقولون: نحن نريد تعليماً أفضل، وهذه المدارس أفضل تعليماً من المدارس التقليدية.

 

وهذه حجة لا دليل عليها؛ فالمدارس فيها الجيد وفيها الوسط وفيها الضعيف، بغض النظر عن نوعها. أنت لا تقول مثلاً إن المغاربة أفضل من المصريين لأنك عرفت مصرياً فاشلاً ومغربياً متميزاً، فالمصريون فيهم عباقرة متميزون وفيهم علماء كبار وفيهم أذكياء أكفاء، كما أن فيهم هَمَلاً لا قيمةَ لهم من الرعاع والجهّال، تماماً كما في المغاربة وغيرهم من العرب أو من العجم. هذا هو الأسلوب الصحيح في النظر إلى الأمور: عامة الناس رُزقوا إمكانات واستعدادات متشابهة أو متقاربة، ثم يتفاوتون بمقدار الجهد الذي يبذلونه والاجتهاد الذي يجتهدونه. وكذلك المدارس: لا عبرة في البناء ولا في المنهاج، العبرة في المعلمين والتعليم، فحيثما وجدتَ معلمين ممتازين متميزين فثَمّ تعليم جيد، وحيثما وجدت العكس فالتعليم سيء، سواء أكانت المدرسةُ حكوميةً أم أهلية أم إسلامية أم عالمية.

 

(3) وقد تجد بعض من تعرفهم من هؤلاء المتحيزين للمدارس العالمية لا يدفعهم إلى إرسال أولادهم إليها إلا السمعة، يريدون أن يقال إن أولادهم درسوا في هذه المدارس “الراقية” وتخرجوا فيها! مع أن في المدارس الأهلية والإسلامية ما يفوق كثيراً منها فخامةً وسمعةً وطيبَ ذكر بين الناس، وما يمكن أن يفاخر به المتفاخرون (لو صحّ أن يكون هذا من مقاصد الذهاب إلى المدارس أصلاً، ولا ينبغي أن يكون).

 

*   *   *

 

فيا أيها المسلمون، لا تخدعنّكم أوهامٌ لا حقيقةَ لها، ولا تبيعوا دينكم ودين أولادكم بالدنيا وما فيها، وأخرجوا من هذه المدارس أولادَكم اليومَ قبل الغد، فإنهم ليجري في عروقهم مزيد من السم في كل يوم.

 

هذه نصيحتي، فمن يأخذ بها فأرجو له النَّجاء، ومن أعرض فلا أقول له إلا مقالة مؤمن آل فرعون: “فستذكرون ما أقول لكم وأفوّض أمري إلى الله”.

Posted in في الدعوة والإصلاح | أضف تعليقاً

الحملة الدولية على داعش: شبهات وردود

 

مجاهد ديرانية

 

اعتبر الدواعش الحملةَ الأخيرة عليهم دليلاً على صحة منهجهم وسلامة مشروعهم ودليلاً على عمالة خصومهم الذين يحاربونهم في سوريا، واغترّ بهذه الدعوى عوام المسلمين الذين يجهلون حقيقة داعش ويجهلون ملابسات الصراع بين داعش وقوى الثورة السورية.

 

إن الكذبة الكبرى التي يحاول الدواعش ترويجَها وإقناعَ عوام المسلمين بها هي أن مجاهدي سوريا الذين يقاتلون داعش متحالفون مع القوى الدولية التي أعلنت الحرب عليها مؤخراً، وهذه الكذبة القبيحة توصلهم إلى استنتاج غبي يقول إن المجاهدين السوريين يوالون الكفار في حربهم على المسلمين.

 

لقد كذب الدواعش دائماً حتى كُتبوا عند الله من الكذّابين، والله يعلم إنهم يعلمون أنهم كذّابون وأنهم يَلبِسون بهذا الافتراء على عوام المسلمين، ويعلمون أن معركتهم الحقيقية هي مع مجاهدي سوريا التي يريدون احتلال قسم منها لإقامة مشروعهم المشبوه عليه، وأن معركتهم مع أميركا وحلفائها ليست سوى معركة وهمية وتنازع على النفوذ.

 

إن الحقيقة التي ينبغي أن يدركها كل واحد من أهل سوريا خاصة ومن إخواننا المسلمين عامة هي أن الغرب يخوض معركته المحدودة مع داعش فيما نخوض نحن معركتَنا المفتوحةَ معها، وأنّ تقاطع المعركتين في جزء يسير لا يدل على أنهما معركة واحدة أبداً. إنك تركب الحافلة لتقطع المسافة بين بيتك وعملك كل صباح، فربما صعد إليها بعد ثلاث محطات راكبٌ غريب ونزل منها قبل محطتك الأخيرة بمحطتين، فإذا رآه من لا يعلم ظن أنه رفيقك في الرحلة، وهذا دأب الذين يحكمون على الظاهر ويرون الجزء الصغير المحدود من المسألة ويعجزون عن استيعابها بتمامها وشمولها، أما المراقب الحصيف فإنه يدرك أنّ لك بدايةً غيرَ بداية ذلك الراكب العابر وغايةً غيرَ غايته، ولو اشترك معك في القَدْر اليسير من الطريق.

 

لقد بدأنا بالتحذير من داعش وخطر داعش منذ أحد عشر شهراً، ولم يشاركنا في التحذير أحدٌ من الذين ملؤوا الجرائد والفضائيات أخيراً بمئات الأحاديث والمقالات في نقد داعش والهجوم عليها. لقد كانوا نياماً حين كنا أيقاظاً وكانوا ساكتين لمّا ملأنا الدنيا بالضجيج، لأنهم لا يكتبون لله ولا للأمة بل يكتبون إرضاء للسلطان ولمن يدفع لهم المال، وسوف يسكتون حينما يأتيهم الأمر بالسكوت أو ينقطع عنهم التمويل. ليست معركتُهم هي معركتَنا ولو تشابه الخطابُ مع الخطاب في بعض الطريق؛ شتّانَ بين نائحة ثكلى ونائحة مستأجَرة.

 

ولقد بدأنا بالدعوة إلى قتال داعش منذ ثمانية أشهر، ثم حمل مجاهدونا الصادقون السلاحَ لوقف بغي داعش وعدوانها على أهل سوريا حينما لم يُبالِ ببغيها وعدوانها أحدٌ من الذين تصدّروا للدعوة إلى قتالها اليوم. ليست معركتُهم هي معركتَنا ولو بدا أنهم يقاتلون داعش كما نقاتلها؛ شتّانَ بين من يدافع عن النفس والأرض والعرض ومن يدافع عن المصالح والنفوذ.

 

الخلاصة: نحن قاتلنا داعش وسوف نستمر في قتالها دفاعاً عن أنفسنا، دفاعاً عن حريتنا وكرامتنا وأرضنا ومستقبلنا ومستقبل أولادنا، وأميركا تقاتلها دفاعاً عن مصالحها وتكريساً لمؤامراتها على المسلمين، وسوف تتوقف عن قتالها عندما تحقق أهدافَها وتضمن مصالحَها في سوريا والعراق، غيرَ مبالية بأرواحنا وحقوقنا وحريتنا التي استباحتها كلَّها داعش لتبني على أنقاضها مشروعَ الغدر والعقوق.

 

*   *   *

 

سوف يجادل الدواعش وأنصارهم في الحقيقة الكبيرة التي أوضحتها آنفاً، حقيقة أن معركة أحرار سوريا ومجاهديها مع داعش لا علاقة لها بالحملة الدولية عليها لا من قريب ولا من بعيد، وسوف يطبّلون ويزمّرون لمعركتهم المزعومة مع قوى الشر في العالم، ولعل إعلامهم الكاذب يجد مدخلاً إلى بعض الحَيارى والمترددين. هؤلاء الحَيارى المترددون لا يحتاجون إلى تحليلات ودراسات مطوَّلة ليقتنعوا بأباطيل وأضاليل داعش، يكفيهم أن يطّلعوا على جملة من الحقائق:

 

1- قامت داعش باجتياح واحتلال مساحات واسعة في محافظات الرقة ودير الزور والحسكة وحلب في سوريا ومحافظات صلاح الدين ونينوى والأنبار في العراق دون أي مقاومة من نظامَي الأسد والمالكي، بل إن النظامين سهّلا لداعش احتلال تلك المحافظات، إما بالانسحاب الكامل كما جرى في العراق أو بقصف الخصوم كما جرى في سوريا.

 

2- استمرت داعش على مدى تسعة أشهر في تسيير الأرتال ونقل الأسلحة والذخائر والمقاتلين على الطرق الرئيسية داخل سوريا وبين سوريا والعراق ولم تتعرض إلى أي مضايقة أو تهديد أو قصف، لا من طائرات النظام ولا من الطائرات الأميركية، مع أن الأقمار الصناعية الأميركية التي تحلق فوق سوريا والعراق تستطيع رصد وتصوير قطعان الماشية وأسراب النمل من ارتفاع ألف ميل.

 

3- سمحت أميركا لداعش -بالتواطؤ مع النظامين السوري والعراقي- بالسيطرة على كميات هائلة من الأسلحة، رغم أنها كانت قادرة على ضربها ومنع داعش من امتلاكها، في حين أنها أصرّت بحزم وصرامة على منع وصول أي أسلحة نوعية لثوار سوريا منذ خريف عام 2011 إلى اليوم، بل إنها أحكمت حصارها على المجاهدين منذ بداية هجوم داعش الجديد في أوائل نيسان الماضي وحرمتهم من أي ذخيرة أو سلاح.

 

4- سمحت أميركا لداعش بالتمدد في سوريا والعراق بلا أية عوائق ولم تتدخل إلا عندما تجاوزت داعش الحدود المسموح لها بها، عندما شكلت تهديداً حقيقياً للأكراد الذين صرّح الرئيس الأميركي مؤخراً بأنهم “أفضل ما في العراق”، والذين لم تحترم داعش الاتفاق غير المعلَن على تقاسم الأرض وترسيم الحدود بين دولتهم والدولة البعثية الداعشية الجديدة.

 

5- اقتصر العمل العسكري الأميركي المحدود على إبعاد داعش عن مناطق الأكراد في العراق ولم يتعرض لها في سوريا بأي أذى، ولا بطلقة واحدة. وحتى لو أن أميركا تدخلت ضد داعش في سوريا في وقت لاحق (وهو أمر يمكن أن يحصل بصورة محدودة جداً) فلن يكون تدخلها إلا استكمالاً للمؤامرة وتكريساً للتقسيم الجديد.

 

*   *   *

 

لقد بات مؤكداً (كما كان واضحاً من قبل) أن الولايات المتحدة لا تريد إعاقة تقدم داعش على الأرض السورية، وأنها راضية عن سيطرتها على المحافظات الستّ في سوريا والعراق، بل إنها حريصة على تمدد داعش في تلك المناطق وتعمل على تكريسه وتحويله إلى أمر واقع، وهي تحرم المجاهدين في سوريا من السلاح الذي يحتاجون إليه لمواجهة داعش وتعوق أي جهد يبذلونه لوقف العدوان الداعشي.

 

إننا نتأكد يوماً بعد يوم من هذه الحقيقة المرعبة: إن داعش هي “حصان طروداة” الذي صُنع لاختراق الثورة السورية وهدمها على رؤوس أصحابها، وقد استطاع تنفيذ مهمته القذرة بنجاح كبير حتى اليوم. إن داعش هي أكبر تهديد لجهاد أهل الشام وهي أعظم الكوارث التي كرثت سوريا في السنوات الأخيرة. إن داعش هي أَولى أعداء الثورة السورية بالقتال، قتالاً لا تردّدَ ولا تهاونَ فيه حتى الاسئصال.

Posted in رسائل الثورة | تعليق واحد

أعيرونا أبا العبد، أعيرونا أبا الوليد

أعيرونا أبا العبد، أعيرونا أبا الوليد

 

مجاهد ديرانية

 

نعم، انتصرت غزة رغم أنف الكائدين، ونحن في إثرها ماضون بإذن الله رب العالمين. ولكنّا نرثي لأنفسنا حينما ننظر إلى مجاهدي فلسطين فنراهم على قلب رجل واحد وتحت قيادة واحدة راشدة ثم ننظر إلى ثورتنا فنرى مجاهدينا مفرَّقين شَذَر مَذَر، ونُشفق على ثورتنا حينما نقارن قياداتها السياسية الفاشلة بعمالقة حماس من أمثال أبي العبد وأبي الوليد.

 

فيما كان قادة حماس يقودون معركة الكرامة والشرف بتفانٍ وإخلاص ويقدّمون مصلحة الثورة والأمة والوطن على المصالح الفردية والمكاسب الشخصية كان قادة المعارضة السياسية السورية مشغولين بترتيب التحالفات وحَبْك المؤامرات لإسقاط حكومة وتشكيل حكومة. في الوقت الذي يخجل فيه السوريون بمَن يُسمَّون -زوراً- قادةَ المعارضة السياسية ولا يجدون في كلماتهم إلا الضعف ولا يرون في أعينهم إلا الهزيمة والاستسلام، في هذا الوقت يرفع الفلسطينيون رؤوسهم بقادة كخالد مشعل وإسماعيل هنية، قادة تسمع في كلماتهم نبرة العزيمة والثقة والإيمان وترى في أعينهم بريق الانتصار.

 

سمعت خطابات مشعل وهنية وأبي عبيدة منذ بداية العدوان الآثم على غزة إلى اليوم، فما وجدت فيها إلا العزيمة الصادقة والشجاعة الفذّة والثقة بالله وبنصر الله والإيمان بقوة الشعب الفلسطيني وثباته في الميدان، وسمعت ألف خطاب لساسَة سوريا الخائبين فارتجف قلبي من الضعف والتهافت والاستسلام. إنما الصبر بالتصبّر، ومَن قال هلك الناس فهو أهلكهم، ومن قال نجا الناس وانتصروا فهو نجّاهم ونصرهم بأمر الله رب العالمين.

 

كم يتمنى السوريون لو أنّ فيهم أمثالَ هؤلاء القادة الذين يصنعون النصر بدلاً من سياسيّيهم الذين يصنعون الهزيمة والانكسار، حتى ليكاد قائلهم يقول: أعيرونا أبا العبد وأبا الوليد يوماً وخذوا معارضتَنا السياسية كلها سائرَ الأيام!

 

لقد فشل الائتلاف في تحقيق أي نصر للثورة في أروقة السياسة، وهي مهمته الرئيسية، وفشل في تقديم أي معونة عسكرية للثورة من خلال هيئة الأركان التي بقيت أداة في لعبة المزايدات والصراع على النفوذ، ثم أصرّ على تحويل الحكومة إلى كرة تتقاذفها الأرجل في مباراة السيطرة على الميدان السياسي للثورة، فماذا بقي؟

 

من حقي أن أقول ولو أغضبت بعض الناس: إن الإئتلاف خائن حتى يثبت العكس. لا أقول إن أعضاء الائتلاف كلهم خونة، فإن فيهم ثلّة من الشرفاء الضعفاء الذين لم يعد لهم أثر في سياسته وقراراته، فإما أن يصلحوه -لو استطاعوا- أو يتركوه، لأن الشعب السوري الحر الأبيّ الذي صنع الثورة أولَ مرة يوشك أن يُغرق هذه السفينة الصَّدِئة بمَن بقي فيها من ركّاب.

 

متى سنتخلص من هذا العبء الثقيل الذي ابتُليت به الثورة السورية؟ متى سيظهر فينا أمثال قادة حماس الشرفاء الأقوياء الذين يحسنون قيادة السفينة في لُجّ الثورة المضطرب، ويمنحون الناسَ القوّةَ والثبات ويمدّونهم بالعزيمة والأمل؟ كم نفتقد البُدورَ في ليلتنا الطويلة الظلماء.

Posted in خواطر ومشاعر | أضف تعليقاً

طنطاويات فلسطينيّة (3)

طنطاويات فلسطينية

 -3-

 

إنّ مَن يسمع صوت قطة في الشارع تموء من الألم لا يستطيع أن ينام، ومَن يدقّ جارُه بالمطرقة على جداره لا يستطيع أن ينام، فكيف تنامون على أصوات الاستغاثة تخرج من حلوق إخوانكم وأخواتكم، على أصوات المدافع والصواريخ يصبّها عليهم أعداؤهم وأعداؤكم؟ هل تستطيعون أن تأكلوا وتشربوا وتضحكوا وتمزحوا، وإخوانكم هناك في فلسطين يذبح أبناءَهم اليهودُ ويؤذون نساءهم وينسفون منازلهم ويسرقون أرضهم؟ كاللص يدخل عليك في الظلام دارك فيحتلّ جانباً منها ثم يدعوك إلى التفاوض. أفيفاوض ربّ الدار الحرامي؟ إذن فعلى العقل وعلى العدل السلام.

 

وإنْ قام مِن أولادك مَن يطالب بالحقّ أمسكوا به وأحالوه إلى محاكمهم، إلى محاكم الحرامية، بتهمة مقاومة الاحتلال! ويلكم ما أصفق وجوهكم وأشدّ وقاحتكم! أفي الدنيا شعب احتُلّت بلاده ظلماً لا يقاوم الاحتلال؟ إن مقاومة الاحتلال فضيلة، بل هي فريضة، ولا تُعَدّ جريمة إلاّ في شريعة خنازير البشر إخوان “الشين”: شارون وشامير والشيطان الرجيم، الذين هم إخوانه وأعوانه لعنة الله عليه وعليهم.

 

كم من أمهات هناك ثاكلات وبنات مهتّكات، وبيوت مخرَّبات ودموع مسفوحات، وأعزّة كرام ذلّوا وأغنياء احتاجوا، شُرّدوا وسكنوا بعد القصور الخيام، وصاروا بعد البذل والعطاء محتاجين إلى القوت وإلى الغطاء. فإن لم تدافعوا عنهم بالسلاح ولم تبذلوا من أجلهم الأرواح فجودوا بالأموال، فإن الجود بالأموال نوع من الجهاد.

 

الذكريات: الحلقة 226 (1988)

Posted in علي الطنطاوي: كلمات في الثورة | أضف تعليقاً

ما معنى “كفى” وما هو البديل؟

ما معنى “كفى” وما هو البديل؟

 

مجاهد ديرانية

 

متى كانت “كفى” بحاجة إلى تفسير؟ ما فينا مَن يجهل معناها ولا فينا أحدٌ إلاّ قالها في يوم من الأيام. تقول لطفل مشاغب: “كفى”، بمعنى: كُفَّ عن المشاغبة، وتقول لطالب كسول: “كفى”، بمعنى: توقف عن الكسل. فإذا قلتها لطرفين مختلفين فإنك تريد: “توقفا عمّا أنتما فيه”. ولكنها لا تصحّ إلا في المتعادلَين المتكافئَين اللذين يملك الآمِرُ سلطةً ونفوذاً عليهما، سواء كان نفوذاً معنوياً أو مادياً، كسلطة الأب على أولاده أو الصديق على أصدقائه. فإذا اقتتل اثنان من أولادك أو اختصم اثنان من أصحابك وقلتَ “كفى” فإنك تقصد أن يتوقف كلاهما عن الاقتتال والاختصام.

 

ولكن ماذا لو لم يكن الطرفان متكافئين أو لم يكن لك نفوذ على أحدهما؟ ما فائدة “كفى” في مثل ذلك المقام؟ لو أنك شاهدت رجلاً يعدو هارباً وفي إثره دب هائج فهل تصرخ فيهما “كفى”؟ ولو فعلت فما معنى “كفى” هنا؟ إن معناها الظاهر هو أن يتوقف الدب عن الهجوم والرجل عن الهرب! ولكن الدب الهائج لا يعقل، فلم يبقَ إلا أن المقصود هو الرجل المسكين. إنك تقول له: كفى، توقف عن الهرب واستسلم لمخالب الدب وأنيابه، استسلم لحتفك المحتوم.

 

هذا هو حال مَن يوجّه نداءً بالكفّ والتوقف فيُشرك فيه نظامَ الاحتلال الأسدي الطائفي الملعون والشعبَ السوري الضعيف المستباح المَهيض الجناح. ويا ليت النظام كان دُباً هائجاً وحسب! إنه يجمع بوحشيته وغدره ومكره بين طبائع السباع والضباع والذئاب والثعالب والأفاعي والعقارب، فمَن أَمِنَ أن ينام في قفص مع تلك الوحوش جميعاً فلا بأس عليه أن يفكر بالتفاوض والتفاهم مع نظام الاحتلال الأسدي الذي يحتل سوريا منذ نصف قرن ويذيق السوريين ألوان العذاب.

 

*   *   *

 

ما البديل؟ علينا أن نبحث عن البديل، ولكن اسمعوا أولاً هذه الحكاية. انتشرت قبل خمسة قرون تجارةُ الرقيق عبر المحيط الأطلسي، فكان القراصنة يخطفون السكان الأفارقة من قراهم في غرب القارة الإفريقية ويكبّلونهم بأغلال الحديد ثم يشحنونهم في سفن العبيد إلى العالم الجديد، إلى حيث لا يعود الذاهبون، وحيث ينتظرهم العذابُ الأليم في رحلة الموت وينتظرهم العذابُ الدائم في أرض الرق الجديدة. هذا الجزء من الحكاية حقيقي ويعرفه أكثر الناس، فاسمحوا لي أن أضيف إليه تتمة من وحي الخيال:

 

ذات يوم استطاعت جماعة من أولئك الأسارى -فيها رجال ونساء وأطفال- أن تفكّ قيودها وتقفز إلى الماء بمركب صغير. لقد بدأت الجماعةُ رحلتَها الصعبة إلى الحرية وهي مُفعمَة بالتفاؤل، ترجو أن يكون البرّ قريباً وتأمُل أن تمرّ بها سفن عابرة فتوفر لها الحماية وتحملها إلى الأمان. ولكنّ أسابيعَ طويلةً انقضت ولم يظهر البَرّ في الأفق، ومرّت بالقارب البائس مئةُ سفينة فلم تُبالِ واحدةٌ منها به ولا بمعاناة راكبيه وما يقاسونه من جوع وعطش وما يلحق بهم من عذابات وآلام.

 

لقد أدرك أهل المركب أخيراً أن رحلتهم طويلة وأن البر بعيد، وأدركوا أن السفن لن تنقذهم لأن أصحابها شركاء في تجارة العبيد ولا يسرّهم أن تنجح جماعة من الأسارى بالفرار من العبودية إلى الحرية. فماذا يفعلون؟

 

هنا قال بعضهم: ليس لنا إلا العودة إلى السفينة التي هربنا منها أول مرة، فإنّ فيها الأمانَ من خطر البحر وفيها من الماء والغذاء ما يُبقينا ويبقي أطفالنا أحياء، ولعلنا نفاوض الربان فيتنازل لنا عن السفينة ونعود بها إلى الوطن الآمن. قال آخرون: هذا وَهْمٌ وخيال، فإن القرصان لا يتخلّى عن كنز سطا عليه أبداً. سوف يستعبدكم من جديد، فما قيمة الماء والطعام إذا كانا لا يُقدَّمان إلا لمن غُلَّت يداه وقدماه بالأغلال؟ وما فائدة أمان أسابيع إذا كانت عاقبتَه عبوديّةُ العمر؟

 

قال الأوّلون: إنكم قساة لا تبالون بعذابات الأطفال ومعاناة الأمهات. انظروا إلى الصغار كيف تشقّقت شفاههم من العطش وتقبّضت بطونهم من الجوع. قال الآخرون: بل نحن أرحم بهم منكم، فإنّا نعرّضهم لهذا العذاب العارض فراراً من عبودية الأبد. وهَبوا أننا عدنا إلى السفينة مستسلمين، فهل تأمنون أن لا ينتقم منا ربّانها شَرّ انتقام؟ أما علمتم ما يصنع القراصنة والربابنة القُساة بالمتمردين؟ سوف ينتقم منا ومن النساء والأطفال انتقاماً يُنسينا أهوال البحر وشقاء الرحلة. ثم فكروا: لو أننا أنهينا مغامرتنا الحالية بالاستسلام ثم بدا لنا أن الاستمرار كان هو الصواب، فمِن أين لنا أن نعود إلى حيث كنا في قارب النجاة؟

 

*   *   *

 

نحن بحاجة إلى مبادرة بالتأكيد، لا يشك في هذا عاقل، ولكنّ في المبادرات نوعين لا حاجةَ لنا بهما على الإطلاق: نوعاً يكون النظام طرفاً وشريكاً فيه، ونوعاً يوهن العزائم ويدعو إلى الاستسلام. يجب أن يتفق أهل الثورة جميعاً على قاعدة القواعد في هذه الثورة قبل تقديم أي مبادرة: لا استسلامَ ولا توقّفَ مهما بلغت التضحيات، لأن ثمن التوقف والاستسلام سيكون أشنع وأبشع من كل ما مَرّ بالثورة إلى اليوم من أهوال.

 

ربما كان قرار البدء بالثورة صحيحاً وربما كان خاطئاً، لا يهم، هذا أمر تجاوزناه منذ زمن، ولو أننا عرفنا مَن الذي بدأ الثورة فربما استطعنا أن نسائله ونحاسبه، ولكننا لن نجده أبداً لأن أحداً منّا لم يبدأ هذه الثورة؛ إنها الثورة التي صنعها الله. ومهما اختلفنا في حكمنا على مبتدَئها فإن الحكم على منتهاها غيرُ قابل للاختلاف: لا سبيل سوى الاستمرار حتى إسقاط النظام، ولن يسقط النظام ولن يستسلم المجرمون إلا بالقوة، ومَن ظنّ غيرَ ذلك فإنه يعيش في عالم الخيال.

 

نحن بحاجة إلى مبادرة “كفى”، ولكن ليس كما قُدِّمت أخيراً؛ ليس لطرفَي الصراع في سوريا بل لأهل الثورة فحسب، فنقول للعسكريين: “كفى تفرقاً؛ نريد عملاً عسكرياً احترافياً موحداً”، ونقول للسياسيين: “كفى عبثاً؛ نريد عملاً سياسياً مخلصاً ناضجاً”، ونقول للمدنيين: “كفى يأساً؛ نريد تفاؤلاً واستبشاراً وعزيمة قوية تساعدنا على الاستمرار حتى الانتصار”.

 

وأخيراً نقول لأصحاب المبادرات: كفى مبادرات مُوهنة مُؤيِسة. كفى مبادرات تساوي بين الثورة والنظام وتخاطب الثوار كما تخاطب النظام وتطالب الثوار بما تطالب به النظام. كفى مبادرات تطالب الناس بالثورة على الثوار كما تطالبهم بالثورة على النظام. كفى مبادرات تساوي بين دم الظالم ودم المظلوم وتساوي بين حق المجرم بالعدوان وحق الضحية بالدفاع وتطالب الطرفين بوضع السلاح والتوقف عن القتال. كفى مبادرات تناشد النظام أو تروّج للتصالح مع النظام أو تقبل ببقاء النظام أو بجزء من النظام أو توافق على محاورة النظام محاورة الند للند والإنسان للإنسان. كفى مبادرات تدعو إلى التصالح والتفاوض مع المجرمين، فإن الغنم لا تتفاوض مع الذئاب على حقها في المرعَى والحياة.

 

*   *   *

 

الحل هو بطرح مبادرات تسعى إلى إصلاح الثورة وترشيدها، لا إلى وأدها وإنهائها. الحل هو بالاعتماد على قدراتنا ومواردنا بعد الاعتماد على الله، لا على القُوى الخارجية التي تلعب بالثورة كما يلعب الأطفال بالدُّمى. الحل هو بالاستمرار حتى الانتصار وليس بالضعف والاستسلام والانكسار.

 

هذا هو الطريق ولا طريقَ سواه، أمّا كيف يكون هذا كله فأمرٌ يقرّره عقلاء الثورة وأعلامها وقادتها المخلصون، وهم كُثُرٌ بحمد الله. فكونوا -يا أيها الأحرار- قوة دافعة رافعة ولا تكبّلوا الثورة بأغلال اليأس والإحباط، وانشروا التفاؤل وانثروا الأمل في قلوب المتعَبين والقانطين، وتوكلوا على الله حق التوكل، يُؤتِكم من لدنه نصراً كبيراً وفتحاً مُبيناً ولو بعد حين.

Posted in رسائل الثورة | تعليق واحد

تعليق على مبادرة الشيخ معاذ وندائه الأخير “كفى”

أخي الحبيب الشيخ معاذ

السلام عليكم ورحمة الله

 

اسمح لي بأن أخالفك مخالفةَ الأخ لأخيه، مع كل ما أحمله لك في قلبي من المودة والاحترام. وما دفعني إلى الردّ العلني إلاّ ما دفعك إلى إعلان مشروعك باديَ الأمر، وهو إحساسُنا بثقل المسؤولية وإدراكُنا أنها قضية شعب وبلد وليست من قضايا ومصالح أفراد الناس التي تعالَج في خصوصية وكتمان.

 

إن الإنسان حريص -بفطرته- على بناء دنياه ولا يحبّ لها الخراب، وهو يتشبث بالحياة ويكره الموت لنفسه ولمن يحب، ولكنه يَقبل بخراب دنياه إذا كان الثمن بناء آخرته، وهو يُقبل على الموت غيرَ هيّاب عندما يكون البديل هو الاستعباد.

 

هذه التضحية فطرة أيضاً، كفطرة حب الدنيا وكراهية الموت، وهي فطرة إنسانية وليست إسلامية بالضرورة، وقد قدّم غيرُنا من الشعوب والأقوام ما يصعب تخيّله من التضحيات العِظام للتخلص من ذلّ الاستبداد والاستعباد، فمنها شعوب قدّمت من أنفسها واحداً من كل عشرة، ومنها شعوب رضيت بأن يُهدم ثلاثة أرباع عمرانها، ولم تستكثر تلك التضحيات لبلوغ الغاية.

 

فلماذا يَقوى غيرُنا على سلوك هذا الطريق ونعجز نحن عنه؟ أغيرُنا أكثرُ منّا رجولة وبطولة؟ لا والله، وما تجرّعْنا كؤوسَ المذلة حتى الثمالة في خمسين سنة عوابس إلا عندما أصابنا الوَهْن، حُبّ الدنيا وكراهية الموت، ولن ترتفع عنا الذلّة حتى نكره الدنيا ونحب الموت، وصدق الصادق المصدوق عليه صلاة الله.

 

وها هم أبطال سوريا يقدّمون الموت الكريم على الحياة الذليلة، ولقد قطعوا في الطريق إلى حريتهم الشوطَ الطويل وبذلوا كرائم الأنفس والتضحيات، فهل يجوز أن نقول لهم اليوم: “كفى، اتركوا السعي إلى الغاية التي خرجتم لتحقيقها قبل ثلاث سنين وعودوا إلى ما كنتم فيه”؟ هل يحتاج كرام أهل الشام إلى تشجيع للمضيّ إلى آخر الطريق أم إلى تخذيلٍ يدفعهم إلى الانهيار والاستسلام في وسط الطريق؟

 

وهَبْ أن طريق الاستقلال طال، فهل يعني طولُه أن نستسلم ونعجز عن المشي فيه إلى آخره؟ وما الطولُ وما القِصَر؟ هل ثلاثُ سنين وأربعٌ وخمسٌ طويلةٌ علينا وثلاثَ عشرةَ سنةً قصيرةٌ على محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه؟ وها هم إخواننا في فلسطين يجاهدون منذ بضعة وستين عاماً، فهل نقول لهم: كفى؛ شاطروا اليهود في أرضكم فامنحوهم نصفَ فلسطين ولكم النصف وشطرَ الأقصى ولكم الشطر؟

 

صدق شوقي حين قال: “وللحرية الحمراء باب”… ما قال: بكل يد ناعمة ليّنة رَخْصة يُدَقّ، بل قال: يُدَقّ باليد التي تضرّجت بدماء التضحيات. تلك الأيادي لا تزال تضرب بابَ الحرية وتلحّ في الضرب حتى ينفتح الباب، وما علمنا باباً إلى الحرية فُتِح من قبلُ بغير هذا الطريق.

 

هذا هو الجواب لو كانت “كفى” لأهل الثورة، أما لو كانت “كفى” للنظام فأحسب أنها ستصنع شيئاً لو أن “كفى” صرفت عن الغنم ذات يوم ذئباً أوشك أن يفترس الغنم.

Posted in رسائل الثورة | أضف تعليقاً

طنطاويات فلسطينيّة (2)

طنطاويات فلسطينية

 -2-

 

لا يقل واحد منكم: أنا لا يعنيني. كل واحد منكم مسؤول، كل واحد بحسب طاقته، حتى الشحّاد يستطيع أن يساعد فلسطين بقرش في الشهر. قرش في الشهر وليرة في الشهر وخمس ليرات في الشهر تحيي فلسطين.

 

سيبكي بعض القرّاء وينتحب، ثم ينام ولا يدفع شيئاً. سيفرك الشيخ كفّه ويقول: “إنّا لله وإنّا إليه راجعون”، ثم يذهب يَعُدّ قروشه على سبحته. سيلوّح التاجر بيديه ويقول: “التجارة واقفة، ماذا نصنع؟” ثم يذهب إلى السوق ليشتري بنصف ليرة طعامَ يوم واحد!

 

أتذهب هذه الكلمة صيحةً في واد؟ ألم يبقَ في البلد مسلم؟ ألم يبقَ عربي؟ ألم يبقَ شريف؟ ألم يبق إنسان؟ أتعاد مأساة أندلس جديدة وأنتم تنظرون؟ ألم يكفِ هذا الموقف المخجل الذي وقفه زعماء العرب؟ أتكون الشعوب العربيّة أيضاً مقصّرة؟

 

مئة وعشرة أيام مرّت على فلسطين، لا البائع باع فيها ولا الصانع اشتغل ولا الأجير أخذ أجرته، فمن أين يعيش فقراء فلسطين؟ من أين يجدون ثمن الخبز؟ ألم تفكّروا في هذا؟ ألم يخطر لكم على بال؟ أتأكلون وتشربون وتلعبون وتطربون وأهل فلسطين يموتون؟ يا للعار!

 

أما إنها والله ليست مسألة كلام يُقال ولا مقالة تُكتَب ولا خطبة تُخطَب، ولكنها مسألة حياة أو موت، فتبّاً لمَن يرى أخاه يموت من المرض ولا يمدّ إليه يداً، وسُحقاً لمن يرى أخته تموت من الجوع ولا يقدم لها رغيفاً. إن من يفعل هذا ليس مسلماً ولا عربياً ولا إنساناً.

 

جزء من مقالة نشرها الشيخ رحمه الله أيام الإضراب الكبير سنة 1957

وهي منشورة في كتاب “هُتاف المجد” بعنوان “يا للعار”

Posted in علي الطنطاوي: كلمات في الثورة | أضف تعليقاً