الحملة الأمريكية: لنا أم علينا؟

الحملة الأمريكية: لنا أم علينا؟

مجاهد ديرانية

 

-1-

 

يقول الأصوليون في قواعدهم إن “الحكم على الشيء فرع عن تصوّره”، أي أننا لا نستطيع أن نصدر حكماً على أمر إلا بعد معرفته، فالتصور هو الأصل (المقدمة) والحكم هو الفرع (النتيجة). بتعبير آخر: الفهم يسبق الحكم، وما لم نفهم حقيقة موقف الولايات المتحدة من ثورتنا فلا فائدة من محاولة التفكير في موقفنا نحن من حملتها الجديدة على الإرهاب.

 

بفضل الله فإن ثوار سوريا يميزون (في جملتهم) بين العدو والصديق، وهم يعلمون أن أمريكا عدو لا صديق، وأنها كانت سبباً رئيسياً في بلائهم ومعاناتهم خلال نصف القرن الماضي، وأنها ما تزال سبباً رئيسياً في معاناتهم الحاضرة، ومن ثَمّ فإنهم لا يثقون بها ولا يأمُلون منها ومن مشروعاتها ومبادراتها أي خير.

 

-2-

 

تجيّشُ أمريكا اليوم الجيوشَ وتحشد الحلفاء زاعمةً أنها تريد نصرتنا ونجدتنا، نحن الذين لم نطلب منها يوماً نصرة ولا نجدة، ما طلبنا إلا أن تخلّي بيننا وبين عدونا، فأبت إلا أن تحجز بيننا وبينه وأن تحرمنا من امتلاك أدوات القتال والانتصار. كل ما أردناه هو أن لا تحاربنا من وراء ستار بحصار ثورتنا وحرماننا من السلاح، فلم تستجب، بل أصرّت على أن تكون على الدوام خصماً وشريكاً في العدوان بالحصار والحرمان.

 

إننا نقاتل عدونا بالسلاح منذ ثلاث سنين، وقد أنفقنا الملايين في شراء الأسلحة والذخائر، وإنّ من أهم الأسلحة التي نحتاج إليها الصواريخ المضادة للطائرات. إن بضع مئات منها فحسب كافيةٌ لتقليص خطر سلاح الطيران وللقضاء على كل ما يملكه نظام الاحتلال الأسدي من طيارات عمودية، ولو أننا امتلكناها من سنتين لاتّقينا براميل الموت التي دمّرت مدننا وفتكت بعشرات الآلاف من الأبرياء، فهل كنا عاجزين عن شرائها بما توفر لنا من المال؟

 

أبداً، بل كنا وما زلنا نملك ما يكفي لشراء الآلاف منها. لماذا لم نشترِها إذن؟ الجواب هو: الولايات المتحدة. لقد منعت تجّارَ السلاح من بيعنا تلك الأسلحة، وحرّمت على الدول التي ساعدتنا إمدادَنا بها، بل إن بعضها وصلنا فعلاً ذات يوم (من ليبيا) فصادرها الأمريكيون في تركيا ومنعوا دخولها إلى سوريا. ليست هذه توقعات وتخرصات، إنها حقائق يشهد عليها المئات من المجاهدين في سوريا، فاسألوهم إن كنتم لا تصدقون.

 

-3-

 

لم نطلب من أمريكا نصراً ولا دعماً ولا مالاً ولا سلاحاً، طلبنا فقط أن لا تُعين عدونا علينا بحرماننا من السلاح الضروري الذي نحتاج إليه للدفاع عن أنفسنا، عن أطفالنا ونسائنا وبيوتنا ومخابزنا ومساجدنا ومدارسنا، فأبت أن تفتح الطريق لهذا السلاح وأصرّت على حرماننا من حقنا المشروع في الدفاع عن النفس. إنها شريكة في الدم المهدور ومسؤولة مسؤولية مباشرة عن كل ما أصابنا من مصائب وآلام.

 

نعم، لا بد لنا أن نفهم قبل أن نحكم، وهذه هي القاعدة الأساسية في الفهم: أمريكا ليست صديقاً لنا بل هي عدو، ولا يهمها أن ننتصر، بل إنها حريصة على أن لا تنتصر ثورتنا وأن لا نحقق مصلحتنا، إنما هي حريصة على أن تنتصر هي في معركتها وأن تحقق مصالحها الخاصة.

 

-4-

 

لم تأتِ أمريكا لقتال داعش، لقد جاءت للحرب على الإرهاب. لست أنا من يقول هذا، إنه وزير خارجيتها الذي قال قبل بضعة أيام: “ليست الولايات المتحدة في حرب ضد تنظيم داعش، إنها ببساطة تشنّ عملية واسعة النطاق لمكافحة الارهاب”.

 

لكي نفهم (والفهم مقدَّم على الحكم كما قلنا) فإننا نحتاج إلى تفسير مفردة “الإرهاب” في القاموس الأمريكي، فأي شيء هو عندهم؟ إنه باختصار: “كل ما يتعارض مع مصالح ورغبات الولايات المتحدة ويهدد مشروعها الاستعماري لسيادة العالم”. بهذا التعريف فإن تنظيم القاعدة جزء من الإرهاب، وحماس جزء من الإرهاب، وكثير من الفصائل الإسلامية الشامية التي تأبى الخضوع للخطط والإملاءات الأمريكية جزء من الإرهاب.

 

هل يمكن أن نكون جزءاً من تحالف دولي لمكافحة الإرهاب بالتعريف الأمريكي، فنحارب القاعدة (جبهة النصرة) ومجاهدي سوريا وفلسطين؟ معاذ الله أن نكون.

 

-5-

 

لم يسفر التدخل الأمريكي في أراضي المسلمين في أي يوم من الأيام إلا عن كوارث جِسام، ولا يتوقع عاقل أن ينتج عن التدخل الأمريكي الجديد في سوريا والعراق غيرُ ذلك، لأن الإجراءات نتيجةٌ للسياسات، والسياسات انعكاسٌ للإستراتيجيات، والمتأمل يجد أن الإستراتيجيات الأمريكية تغيرت ببطء خلال نصف القرن الماضي في عدد من القضايا الدولية (كالعلاقة مع المعسكر الشرقي على سبيل المثال) إلا أنها لم تتغير قط في منطقة الشرق الأوسط، حيث نستقرئ ثلاثَ إستراتيجيات كبرى ما تزال تحكم علاقة الولايات المتحدة بالمنطقة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية إلى اليوم:

 

1- حماية إسرائيل، وتتحكم هذه الإستراتيجية في تحديد السياسات الأمريكية المتعلقة بالصراع العربي الإسرائيلي وفي علاقة أمريكا بدول الطوق (مصر وسوريا والأردن ولبنان).

 

2- تأمين مصادر الطاقة، وتتحكم هذه الإستراتيجية في تحديد السياسات الأمريكية المتعلقة بالنفط وفي علاقات أمريكا بدول مجلس التعاون الخليجي والعراق وإيران.

 

3- التحالف مع إيران، وتتحكم هذه الإستراتيجية في تحديد السياسات الأمريكية المتعلقة بالنزاعات الإيرانية العربية، وهي إستراتيجية طويلة المدى لم تتغير منذ أيام الشاه البائد حتى اليوم.

 

-6-

 

الإستراتيجية الثالثة مهمة جداً في فهم واستيعاب التطورات الأخيرة لأن إيران معنية بها ومتورطة بها بشكل مباشر. ومن المفيد أن نلفت الانتباه هنا إلى أن ما بدا أنه عداء وصراع بين الطرفين خلال السنوات القليلة الماضية لم يكن سوى إعادة هيكلة للعلاقة، حيث إن إيران تجاوزت (أو حاولت أن تتجاوز) الحدود المسموح لها بها والتمدد في الإقليم على حساب النفوذ الأمريكي، فكان الرد الأمريكي هو الضغط والحصار ثم الاستنزاف في المستنقع السوري، وصولاً إلى التفاهم الأمريكي الإيراني الأخير المفضوح، وهو تفاهم هيّأ الأرضية لكل ما يجري في سوريا والعراق في هذه الأيام وما سيجري فيهما من بعد، ولا يمكن، لا يمكن أبداً أن يكون في صالح سنّة البلدين.

 

ربما كان ممكناً أن نستفيد من الضغط الأمريكي على إيران (بصورة محدودة ومؤقتة) في عامَي الثورة الأول والثاني، أما الآن فإن الرياح تجري في الاتجاه المعاكس، وفي الحقيقة فإن أمريكا تضغط على القوى الإقليمية للتعاون مع إيران وليس العكس، وهي ماضية في التحالف الإستراتيجي مع إيران وفي تسليمها مفاتيح الإقليم، وما حوادث اليمن المؤسفة (وكذلك حوادث البحرين التي وقعت قبل أربع سنوات) إلا حلقة في هذا المخطط الشرير.

 

-7-

 

حسناً، سيقول قائل: وماذا لو تقاطعت مصالحنا مع مصالح الولايات المتحدة؟ ماذا لو أن جزءاً من الطريق الذي تسلكه لتحقيق مصالحها يتطابق مع جزء من الطريق الذي نسلكه لتحقيق مصالحنا؟ ألا يجدر بنا أن نستغل الفرصة ونمتطي الظهر الأمريكي ليقطع بنا ذلك الجزء المشترَك من الطريق؟

 

الجواب: لن يحملنا الظَّهر الأمريكي مجاناً، بل لا بد لنا أن نعطي ونأخذ، فإذا شاركنا الأمريكيين في بعض مشروعهم فإننا نساعدهم حتماً على تنفيذه كله. لو أن هذا المشروع كان في صالحنا فلا بأس علينا أن نساعدهم ونسايرهم، ولا بأس علينا كذلك أن نساعدهم لو أن مشروعهم كان محايداً لا يضرّنا ولا ينفعنا، ولكن ماذا لو أنه كان مشروعاً ضاراً بنا وبثورتنا؟ ألا نكون عندئذ قد وجّهنا بعض سهامنا إلى صدورنا؟ وهل يمكن أن يكون مشروع أمريكا في صالحنا وهو قائم على إستراتيجياتها التي أوضحتها آنفاً؟ أم هل يمكن أن تتعارض سياساتُها وإجراءاتها مع إستراتيجياتها الكبرى؟ أم أنها غيرت تلك الإستراتيجيات مؤخراً ونحن لا نعلم؟

 

-8-

 

النتيجة التي سنصل إليها بعد كل تلك المقدمات: إن لأمريكا مصالحها ولنا مصالحنا، وإن لها أهدافها ولنا أهدافنا، وإن لها معركتها ولنا معركتنا، وإنهما معركتان منفصلتان مختلفتان لا يمكن الجمع بينهما ولا تنتصر واحدةٌ منهما إلا على حساب الأخرى. فمَن اقتنع بذلك كله فإنه سوف يحسم الجدل ويقول: إن حملة أمريكا الكبيرة هذه لها لا لنا، ولن نكون أبداً حطباً يحترق لتمكين المشروع الأمريكي في بلاد الإسلام.

 

بقي السؤال المهم: ما علاقة الحراك الأمريكي السياسي والعسكري المكثف بما يجري في سوريا؟ هل له علاقة بجريمة اغتيال قادة الأحرار؟ وماذا نفعل إذا وقعت الحرب بين داعش والتحالف الغربي؟ سأحاول تقديم الجواب في المقالة الآتية إن شاء الله.

 

Posted in رسائل الثورة | أضف تعليقاً

مقتلة قادة أحرار الشام

مقتلة قادة أحرار الشام: مَن؟ ولماذا؟ وماذا بعد؟

مجاهد ديرانية

 

(1) مَن الجاني؟

 

عندما يقف المحقق أمام الجريمة في الروايات البوليسية فإن أول سؤال يسأله هو: مَن المستفيد؟ إذا سألنا هذا السؤال فإننا سنجد مشقة في تحديد “الذين لا يستفيدون” من هذه الجريمة، لا في تحديد المستفيدين.

 

إن قائمة المستفيدين الطويلة تضم النظامَ وحلفاءه: روسيا وإيران وحالش والمليشيات الشيعية بأنواعها، وتضم داعش التي نافس أنصارُها وشبّيحتُها أنصارَ النظام وشبيحتَه في الفرح والشماتة بشهدائنا الأبرار، وهي تضم أيضاً طائفةً من القُوى الإقليمية والدولية على رأسها أميركا ورؤوسُ المعسكر الغربي، والعدو الإسرائيلي بالطبع، كما تضم أخيراً طائفة من القوى المحلية التي تمثل طابور الثورة الخامس والتي ترتبط ارتباطاً وثيقاً بواحدة أو بأكثر من واحدة من الجهات السابقة.

 

إذا حاولنا تعقب المستفيد وبَنَينا نظريتنا على اتهامه فسوف يضيع الدم بين القبائل، ومن ثَمّ فلا مناصَ من اتّباع طريق آخر: ما طبيعة هذه العملية ومن يستطيع تنفيذها؟

 

إذا نظرنا من هذه الزاوية سنجد أن العملية أكبر بكثير من القوى المحلية، بما فيها النظام نفسه وحالش وداعش وبقية القوى الصغيرة. إنها عملية استخباراتية رفيعة المستوى، وإن دقة التخطيط وبراعة التنفيذ لَتشيران إلى بعضٍ من أعرق وأحذق أجهزة الاستخبارات العالمية. ربما كان مبرَّراً تفكيرُ البعض بالروس لأنهم مختصون بعمليات الاغتيال بالغازات السامة، ولكني -رغم هذه الإشارة- أميل أكثر إلى ربط الجريمة بالعملية السياسية والعسكرية الكبيرة التي تقودها الولايات المتحدة في المنطقة. إنني أكاد أجزم (ولكن بلا دليل حسي قاطع) بأن أميركا هي الجانية، فإما أن تكون أجهزتُها الاستخباراتية هي التي نفذت الجريمةَ مباشرةً، أو أنّ التنفيذ تم عن طريق بعض الوكلاء. إنه سِرٌّ ستكشفه الأيام.

 

(2) لماذا قادة الأحرار؟

 

ربما ظن بعض المتابعين للشأن السوري أنّ تشدد حركة أحرار الشام هو الذي جعل ضربها ضرورياً، أما أنا فأرى أن العكس هو الصحيح، فإني أحسب أن الذي قتل هؤلاء القادة الكرام ليس التطرف والتشدد، بل هو الحكمة والاعتدال.

 

إننا نعلم أن حركة الأحرار هي في أصلها حركة سلفية جهادية تقليدية قريبة في منهجها الفكري من القاعدة، ولذلك فإنها كانت تصنَّف دائماً في يمين الطيف الجهادي الشامي (قبل النصرة مباشرة). وأنا أظن أنها لو بقيت كذلك لكان قادتها في مأمن من الخطر إلى حين، لأن القُوى الغربية التي تدير اللعبة وتسعى إلى النفوذ في بلداننا وإلى تصفية ثوراتنا تستفيد على الدوام من نوعين من حَمَلة السلاح: الغلاة والمتشددين، والفاسدين ومعدومي الضمير.

 

ذلك هو أصل حركة الأحرار الذي نعرفه، ولكنها لم تبقَ كذلك، بل إنها بدأت -منذ عدة أشهر- بالتحول إلى تيار الوسطية والاعتدال، وقامت بمراجعة جذرية جادة لفكرها ومنهجها، وهي مراجعة نَدَر صدورُها عن جماعة جهادية في ميدانِ جهاد. ولو أن الحركة استمرت في التحول الجديد فإنها ستكون أفضلَ حامل لمشروع التقريب والتوحيد، لأنها ستصبح الجسرَ الواصل بين الفصائل ذات المنهج المتشدد والفصائل ذات المنهج المعتدل، وهنا يكمن التهديد الأكبر لمشروع أعداء الثورة.

 

إن أعداءنا يحاربوننا بأسلحة كثيرة متنوعة، ولكن أمضى أسلحتهم في حربنا هي التناقضات التي تفرّق بيننا، والتي نصنعها بأنفسنا بدعوى الانتصار لمناهج وبرامج وأفكار ومدارس وتيارات، فتجعلنا شِيَعاً وجماعات متفرقات متنازعات، وهم يعلمون أن القضاء على تلك التناقضات وتجاوز ما بين الجماعات من اختلافات هو أول الطريق إلى القضاء على نفوذهم وهو بداية رحلتنا إلى الاستقلال والانتصار.

 

لو أن أعداءنا راقبوا ما يجري في المطابخ الفكرية والدعوية لأحرار الشام (ولا بد أنهم يفعلون) فسوف يجدون ما يدعو إلى القلق العميق، وسوف يتعرفون -بلا عناء- على القلب النابض والعقل المدبر الذي يدفع باتجاه إصلاح منهج الحركة وتعديل مسارها، وهو يتكون من كتلة متجانسة يرأسها عدد من القادة الكبار: أبو يزن وأبو عبد الله وأبو عبد الملك وأبو أيمن وأبو سارية ومحب الدين (وكلهم ارتقوا شهداء في الكارثة).

 

لعل الذين نفذوا هذه الجريمة لم يقصدوا حرمان حركة أحرار الشام من قيادات عسكرية فحسب، بل لعلهم أرادوا أيضاً اغتيال مشروع الإصلاح الفكري والمنهجي لتلك الكتلة الجهادية الكبيرة، وقطع الطريق على جهود التوفيق والتجميع ورصّ الصفوف (ولا أستبعد أن يكون أبو مارية القحطاني على قائمة المطلوبين الأشد خطورة للسبب ذاته، بسبب منهجه الإصلاحي الذي تسبب في إقصائه عن القيادة الشرعية في جبهة النصرة، حماه الله ووفقه إلى إكمال الطريق الصعب الخطير الذي تطوع للسير فيه).

 

(3) وماذا بعد؟

 

لو أن أحداً تساءل قبل أيام إن كانت هذه الحادثة الكبيرة الخطيرة معزولةً منفردةً في الزمان والمكان فقد أُجيب سؤاله وتبدّدَ شكّه بعدما تعاقبت الاغتيالات وتتابعت في الشام خلال الأيام الماضية، فصار واضحاً لكل ذي بصيرة أن الثورة تمر في بعضٍ من أخطر مراحلها منذ انطلاقتها المباركة قبل اثنين وأربعين شهراً، وأن استهداف قادة الأحرار ليس سوى حلقة في سلسلة خبيثة متعددة الحلقات.

 

إنني أجد نفسي عاجزاً عن الفصل بين الحوادث الأخيرة: استهداف قادة الأحرار، وموجة الاغتيالات الآخذة بالتصاعد، والتحالف الأميركي المزعوم لحرب داعش.

 

أحسب أن هذه الحوادث كلها هي مقدمات لمشروع أميركي شرير ما يزال يُطبَخ على نار هادئة في مطابخ القرار الأميركية منذ ثلاث سنين: “تصفية الثورة السورية وإعادة إنتاج النظام السوري حسب الوصفة الأميركية والدولية”. وإني لأحسّ بالخطر الكبير يحوم حول قادة الجهاد جميعاً، ولا سيما قادة الفصائل الإسلامية المعتدلة والقوية والفاعلة، كجيش المجاهدين وجيش الإسلام وصقور الشام وفيلق الشام والاتحاد الإسلامي لأجناد الشام.

 

لا ينبغي أن ننسى أن أعداء الأمة لن يفرّطوا في فرصة ذهبية للتخلص من خصومهم وأعداء مشروعهم على الأرض السورية الغارقة في الفوضى والاضطراب. إن الخطر الشديد يتهدد كل أصحاب المشروعات الإسلامية الوسطية وحاملي الفكر الإصلاحي المعتدل، ولئن كان القادة العسكريون هم المستهدَفين في الظاهر حتى الآن فإن الخطر لا يقتصر عليهم وحدهم، بل إنه يحوم أيضاً حول أصحاب الفكر والرأي والدعوة والعمل المدني والإداري والإغاثي والإعلامي. فريقان فقط سيعيش قادتهما في أمان: الغلاة والعملاء.

 

(للحديث صلة في المقالة الآتية: الحملة الأميركية لنا أم علينا؟ وما موقفنا منها؟)

 

Posted in رسائل الثورة | أضف تعليقاً

3 أسئلة للعقلاء والمنصفين من أنصار داعش

 

ملاحظة: أرجو من غير العقلاء وغير المنصفين عدم المشاركة في الجواب

 

السؤال الأول

 

بما أنكم من محبي وأنصار داعش فلا بد أنكم تابعتم -بكثير من النشوة والبهجة- أخبار “انتصاراتها” العظيمة في الرقة، ورأيتم كيف انهارت قوات الأسد وانسحبت من المطار والفرقة واللواء وكأنها تُساق بعصا سحرية، ولم يتدخل الطيران الأسدي لدعم قواته المحاصَرة على الأرض ولا استعان النظام بصواريخه ومدفعيته الثقيلة للدفاع عن تلك المواقع (إلا بطريقة استعراضية لذرّ الرماد في العيون)، لدرجة أنه أثار موجةً من الغضب العارم في صفوف شبّيحته وأنصاره بسبب تخاذله الواضح وانسحابه المُهين.

 

أرجو أن تقارنوا تلك الصورة الزاهية بما يحصل بين كتائب المجاهدين وقوات النظام في ريفَي حمص وحماة منذ أسابيع. انظروا كيف يتشبث النظام بمواقعه التي يحاول المجاهدون تحريرها وكيف يدافع عنها بشراسة واستماتة. لو أنكم حاولتم أن تُحصوا عدد الغارات التي شنتها طائرات النظام على مواقع الثوار في الأسبوع الأخير فقط فسوف تتعبون، وكذلك سيُتعبكم عدّ البراميل والصواريخ وقذائف المدفعية التي تنهمر على القرى المحرَّرة في تلك المناطق كالمطر.

 

ألا تتساءلون: لماذا استسلم النظام وسلّم مواقعه في محافظتَي الرقة ودير الزور لداعش، في حين أنه يقاتل أشرسَ قتال ممكن في محافظتَي حمص وحماة لمنع الثوار من إحراز أي تقدم نوعي فيهما؟ هل هي بركات سيدكم البغدادي، أم أن وراء الأكمة ما وراءها؟

 

وسؤال مجّاني مع السؤال الأول: لماذا انسحبت داعش من ريف حمص طَوعاً بلا قتال؟ ألا يوحي إليكم هذا الأمر الغريب (ولا سيما عندما تضيفونه إلى ما ورد في السؤال الأول) بأي احتمال، مجرد احتمال، بوجود صفقة يتم فيها تبادل المواقع وتوزيع مناطق النفوذ بين البغدادي والأسد؟

 

السؤال الثاني

 

فرح أنصار داعش باستيلائها على حقل الشاعر في حمص ونشروا معلقات الفخر والمديح لأسود البغدادي الذين لا يُقهرون، وبعد استيلائها عليه بثمانية أيام شنّ النظام عليه هجوماً مركزاً، صباح يوم السبت السادس والعشرين من تموز، وعندما حلّ المساء لم يبقَ في الحقل وفي كل التلال المحيطة به داعشيٌّ واحد.

 

السؤال: لماذا صمتّم صمتَ الأموات فلم تعلّقوا على انسحاب داعش المخزي الفاضح من الحقل بعد أقل من اثنتي عشرة ساعة من القتال، في حين أنكم ملأتم صفحات الثورة بالنواح والعويل عندما انسحب مجاهدو الغوطة من المليحة بعد صمود أسطوري امتدّ لمئة وخمسة وثلاثين يوماً؟

 

يومها شنّ الدواعش على مجاهدي الغوطة حرباً مسعورة وكرروا الأسطوانة المملّة عن “جيش زهران المتخصص في الانسحابات” (مع العلم بأن مجاهدي المليحة كانوا يمثلون كل فصائل غوطة الكرامة والبطولة والشرف وليس جيش الإسلام فحسب).

 

لماذا يكون الانسحاب (المخزي) حلالاً لكم والانسحاب (المشرّف) حراماً على غيركم يا أيها المنصفون العقلاء؟ لماذا لم تنشروا وسماً عن “جيش البغدادي المتخصص في الانسحابات”؟ لماذا لم تتحدثوا عن “الأسود التي تحولت فجأة إلى فئران”؟

 

وهذا سؤال مجاني على الهامش: لماذا قاتل النظام قتالاً شرساً حقيقياً لاسترجاع حقل الشاعر في حمص وقاتل قتالاً وهمياً استعراضياً انتهى بالانسحاب الكامل من مواقعه في الرقة؟

 

السؤال الثالث

 

وقف هجوم داعش (الذي شنته أخيراً على ريف حلب الشمالي) على مشارف مارع، ومنذ ذلك الوقت وهي تبذل جهوداً هائلة للسيطرة على مثلث إعزاز-مارع-تل رفعت الإستراتيجي الذي يُعتبر من أقدم المناطق المحررة، فقد حرّره ثوار سوريا الأحرار قبل أن تولد داعش على أرض سوريا، تلك الولادة المشؤومة التي ابتلى بها الله أهلَ الشام منذ ستة عشر شهراً، بل وقبل أن تولد جبهة النصرة التي يزعم الدواعش أنها “التجلّيات المبكرة” لداعش على الأرض السورية.

 

الآن يزعم الدواعش أن أهالي ومجاهدي تلك المناطق غدروا بهم ويريدون أن يُصفّوا معهم الحساب. وما أدري مَن الذي غدر بمن؟ الغزاة الذين أرادوا انتزاع الأرض المحررة من أهلها، أم أهل الأرض الذين دافعوا عن أرضهم المحررة في وجه الغزاة المعتدين؟! أمَا إنّ منطق داعش الأعوج ليكاد يكون نسخة حرفية من منطق اليهود الذين احتلوا فلسطين، ثم وصموا أهلها الذين أرادوا الدفاع عن أنفسهم واسترجاع أرضهم بالإرهاب والخروج عن القانون! شجرة خبيثة بعضها من بعض.

 

حسناً، بعد هذه المقدمة الطويلة إليكم سؤال اليوم: لو أن أحدكم يا أيها المنصفون العقلاء، يا من تخافون الله، لو أنه كُلّف بقيادة حملة هدفها “تحرير” مارع وطرد “كتائب الردة والصحوات” التي تسيطر عليها، فهل سيسمح له دينه وضميره بأن يقصف المدينة قصفاً عشوائياً بالدبابات والمدفعية الثقيلة؟

 

ألا تعلمون أن هذا هو ما تصنعه داعش منذ عدة أسابيع؟ ألا تعلمون أن الضحايا من المدنيين الذين سقطوا بسبب القصف الداعشي العشوائي على مارع وحدها بلغوا العشرات؟ إن كنتم تعلمون وتسكتون مجاملة لداعش المعتدية الطاغية الباغية فأنتم شركاء لها في البغي والطغيان والعدوان، وإن كنتم لا تعلمون ففيمَ دفاعكم الأعمى عنها إذن؟ في الحالتين أنتم وعصابة داعش شركاء في الدم الحرام.

 

أخبرونا يا قوم: بأي شيء يختلف جيش البغدادي عن جيش الأسد إذا كان الاثنان يستبيحان قصف المدن العشوائي بالمدفعية والدبابات والصواريخ لتسهيل السيطرة عليها؟ أمَا إنّ من رحمة الله بسوريا أن البغدادي المجرم لا يملك طيراناً عسكرياً، وإلا لترحّم السوريون على أيام براميل الأسد!

 

ملاحظة: لم تجيبونا عن السؤالين الأولين، فماذا ستصنعون بهذا السؤال، ولعله الأصعب بين الثلاثة جميعاً؟ أما آن لكم أن تَؤوبوا إلى الحق، أم على قلوبكم مغاليق وأقفال لن تُفتَح أبداً؟

 

Posted in رسائل الثورة | أضف تعليقاً

المدارس العالمية

احذروا المدارس العالمية والأجنبية

مجاهد ديرانية

 

هذه مقالة نشرتها قبل نحو سبع سنين، وما زلت أرى الحاجةَ متجددةً إليها مع بداية كل عام دراسي جديد، لذلك أعيد نشرها اليوم لعل بعض المسلمين ينتفعون بها فيكون لي سهم في الإصلاح. أسأل الله أن يثيبني عليها ويثيب من ساهم في نشرها لينقذ أطفال المسلمين من الضياع.

 

سألني سائل عن المدارس العالمية والمدارس الأجنبية التي انتشرت في مجتمعاتنا في السنين الأخيرة، ويقول إنه أعرض عن إرسال أولاده إليها لأنه في ريبة من أمرها، والناس يدفعونه إليها ويشجّعونه على إلحاق أولاده بها لأنها -كما يقولون- أفضل من عامة المدارس العادية، الأهلية منها والحكومية، ولأنها تقوّي الطلاب في اللغة الإنكليزية التي يتلقون معارفهم بها. فأي الفريقين على صواب: هو بخشيته وحذره أم الآخرون باندفاعهم وثقتهم الشديدة في هذه المدارس؟

 

الجواب: لقد سألتني عن هذا الأمر فأثرت المَواجع يا أخا الإسلام. والحمد لله الذي ألهمك أن تسألني، حتى أكتب جواباً تطلع أنت عليه ويطلع عليه الناس، فمَن شاء أخذ بنصيحتي ومن شاء أعرض عنها، ويكفيني أن أكون قد بلّغت.

 

سأقرر أولاً أمراً أرجو أن نتفق عليه كلنا، فإن لم نفعل فلا نفعَ في قراءة ما بقي من هذا الجواب: إن “العلم” مقصد من المقاصد الكبيرة التي ينبغي أن نهتم بها، فننفق في سبيله المال والوقت ونسعى إليه ونبذل في سبيل تحصيله غاية الجهد، فالأمم المتعلمة تفوق الأمم الجاهلة قوّةً وتملك أسباب الغَلَبة والقيادة، ونحن نريد أن نكون أمة غالبة لا مغلوبة، قائدة كريمة متبوعة لا تابعة ذليلة مَهينة. فالعلم -إذن- وسيلة نتخذها لبلوغ غاية نبيلة سامية، وهي غاية تنفع المسلمين وتُرضي الله. هذا على مستوى الأمة، أما على مستوى الأفراد فالمتعلم خيرٌ من الجاهل حياةً وأوفرُ حظاً في النجاح، والنجاحُ والحياة الطيبة يطلبهما كل عاقل.

 

لكن انظروا بعين الحق والإنصاف (وهنا الأمر المقصود الذي أحبّ أن نتفق عليه): أيُقبل أبناؤنا على العلم حقيقة؟ وهل العلم هو المقصد الذي نقصده في المدارس والجامعات؟

 

الجواب يدركه كل ذي لب وعينين: لا؛ إنما يبحث أبناؤنا عن النجاح ويسعون إلى الشهادات. إنها حقيقة محزنة بالفعل، فقد زهد الناس في العلم وسعوا وراء الشهادة، فصرنا نمنح في كل عام ملايين الطلاب والطالبات -في بلاد المسلمين- شهادات نشهد لهم فيها بإتمام المدرسة أو الجامعة بنجاح، ثم نجد أننا لم نحصل إلا على عشرة علماء أو عشرين. عشرة أو عشرون سعوا وراء العلم واجتهدوا في تحصيله، وسائر الملايين حَمَلةُ أوراق ملوَّنة في كل منها اسم وتوقيع، تصلح أن يؤطّرها صاحبُها في إطار ويعلقها على الجدار، فتثبت أنه خرّيج جامعة لكنها لا تثبت أنه أعلم من حدّاد أو نجّار!

 

هذا هو الهدف الذي يسعى أكثر الناس إليه: شهادات تعلَّق على الحيطان! ومع ذلك فإن المشكلة الكبرى ليس هنا محلها (وإن تكن هذه مشكلة كبيرة من شأنها أن تُقلق كل التربويين العقلاء في بلداننا). المشكلة هي أن الناس مستعدون -في سبيل الحصول على هذه الشهادات- إلى التضحية بكل شيء. بالمال، فيبذل الواحد منهم ربع دخله أو ثلثه أو نصفه ليدفع نفقات المدارس… لا بأس. والوقت: فينفق كلَّ يوم ساعات في توصيل الصبيان والبنات كل إلى مدرسته والعودة بهم، وهم ينفقون نصف أعمارهم على مقاعد الدرس أو في حَلّ الواجبات… لا بأس. وبراءة الطفولة: فيحمل بعض الآباء، أو أكثرُهم، المسألةَ على أقصى محامل الجِدّ ويستهلكون طفولة الصغار وبراءتهم في سبيل التفوق والدرجات العالية… لا بأس.

 

كل هذا من خاصة شأنهم؛ إن شاؤوا أنفقوا المال وبذلوا الجهد وصرفوا الوقت، وإن شاؤوا ذبحوا طفولة صغارهم على مذابح الدراسة والتفوق. ليصنعوا ذلك كله أو بعضَه، أما أن تكون التضحية بالدين في سبيل الشهادات المدرسية والتفوق في المدارس فلا، لا وألف لا.

 

*   *   *

 

لقد عشت ما يكفي من السنين لأرى الهزائم تصيبنا واحدةً في إثر واحدة؛ في بعض بلادنا “التقدمية” فرضوا على الطلاب والطالبات دروساً في الكفر الحزبي وفرضوا عليهم المشاركةَ في معسكرات يشترك فيها الطلاب والطالبات، يخرج الشبّانُ من بيوتهم إلى هذه المعسكرات والشاباتُ فينقطعون فيها الأيام المتتالية، ينامون معاً ويقومون معاً ويأكلون معاً ويشربون معاً ويعيشون معاً… وكان المتوقع أن يقول الآباء كلهم: “لا، لن نرسل بناتنا إلى مثل هذه المعسكرات يخالطنَ الشبّان ويشرف عليهنّ الرجال”، ولو فعلوا لتراجعت السلطة التي فرضت هذا النظام، ولكن أحداً لم يفعل! كلهم أرسلوا بناتهم، ورضي كل منهم أن يَصدر عن بنته من الأفعال ما كان آباؤهم يذبحون البنت لو صنعت عُشر معشاره، يوم كانت النخوة وكان الشرف من أركان الحياة… وهُزمنا في المعركة!

 

وفي بلد آخر، في أوربا هذه المرة، أصدرت السلطات قانوناً يمنع الطالبات المسلمات من الدخول إلى المدارس بالحجاب. وكان المتوقع أن يثور الناس ويخرجوا إلى الطرق بالمظاهرات والاحتجاجات. أليس التعبير عن الرأي بهذه الطريقة مقبولاً في تلك البلاد؟ فإن لم يُستجَب لهم فقد كان المتوقَّع أن يُضرب الآباء عن إرسال بناتهم إلى المدارس، فأي مؤمن عاقل لن يختار لبنته النجاحَ في المدرسة والرسوبَ في الآخرة. لكن الذي حصل أن مئة ألف طالبة مسلمة توجهن إلى مدارسهن في اليوم التالي، ثم توقفت كل واحدة منهن أمام باب مدرستها فنزعت حجابها وطوته ووضعته في حقيبتها، وعبرت باب المدرسة… وهُزمنا في المعركة!

 

وها هي اليوم معركة جديدة خسرناها قبل أن تبدأ: “المدارس العالمية” التي غزت ديارنا واخترقت حياتنا كما تخترق سكينٌ قالباً من الزبدة! ثم لم يرتفع صوتٌ بشكوى ولا صيحةٌ بإنذار. حتى العلماء نيام لا يدركون حجم الكارثة التي توشك أن تنزل بنا حين ينتشر في الأمة مئات الآلاف من خرّيجي هذه المدارس، يحملون فكرَ الغرب في رؤوسهم، ومحبّةَ الغرب في قلوبهم، وقِيَمَ الغرب في نفوسهم، ولغةَ الغرب على ألسنتهم، ثم يصبحون هم المديرين الكبار في الشركات، والمتنفذين في الدوائر والوزارات، ويقودون الأمة إلى أحلك الظلمات!

 

*   *   *

 

يا أيها المؤمنون، إننا اليوم في حرب نبقى فيها أو نموت، ما هي بمعركة عابرة فتقيسوها على مئات المعارك التي هُزمنا فيها في الأيام الغابرة ثم بقينا وعُدنا إلى الحياة. إنها حرب على لغتنا العربية التي صارت لغة ثانوية لطلبة هذه المدارس والإنكليزيةُ هي اللغة الأم. وعلى تاريخنا، لأن المناهج التي استوردوها لهذه المدارس من أقوام غيرنا جاءت معها بتاريخ أولئك القوم لا بتاريخنا، وحين درّسَت تاريخَنا درّسته مشوَّهاً مخلوطاً فيه الحقُّ بالباطل والحابلُ بالنابل. وعلى ديننا، لأنها خصصت لمواد الدين أقل القليل من الوقت وأقل القليل من الاهتمام، وربما جاءت بالمعلم الجاهل أو المتحامل ليُلقي دروس الدين على الطلاب. وعلى أخلاقنا، لأنها سمحت بين جدرانها بتكشف البنات واختلاط الذكور بالإناث، طلاباً وطالبات ومعلمين ومعلمات. وعلى قِيَمنا، لأن المناهج التي استوردَتها من غيرنا بُنيَت على قيم ليست لنا ولا منّا ولا تتفق مع شرعنا ولا تناسب سلائقنا. وعلى مستقبلنا، لأنها تزرع في قلوب طلابها حب أعدائنا، فيفتحون لهم اليوم قلوبهم، ثم يفتحون لهم في غدٍ أبوابَ بلادنا!

 

*   *   *

 

ولسوف يجادل قوم ويبحثون عن العلل التي تدفعهم إلى إلحاق أولادهم بهذه المدارس، فيقولون:

 

(1) نريد أن يتعلم أبناؤنا اللغة الإنكليزية لأنها لغة العصر.

 

وأنا أقول لهم: اللغة الإنكليزية مهمة فعلاً ويجب على كل واحد منا أن يتعلمها وأن يُتقنها، وهي لغة العصر -كما تقولون- ولغة العلم والتجارة والاتصالات، لكن اللغة العربية هي لغة القرآن ولغة ديننا وحضارتنا، فإن تكن الإنكليزية هي لغة النجاة في الدنيا فإن العربية هي لغة النجاة في الآخرة.

 

هذه الأولى، والثانية أن اللغة العربية من أصعب اللغات وتعلّمها من أشق المهمات، وإنّا ليحسدنا ملايينُ المسلمين الذين يعجزون عن تعلمها على شدة رغبتهم في تعلمها، ونزهد نحن فيها وقد أُهديت لنا بلا ثمن ولا عَناء. أما اللغة الإنكليزية فيستطيع أي واحد من الناس أن يتعلمها وينطقها كأهلها في ستة شهور. لا أقول هذا زعماً لا دليل عليه بل هي تجربة عشتها وأضمن نتائجها بإذن الله، فأنا كنت في المدرسة مقصراً في هذه اللغة ضعيفاً فيها، فلما صرت في أواخر المرحلة الإعدادية درست في معهد اللغة الأميركية سنتين (خمس ساعات في الأسبوع فحسب)، فصرت أقرأ وأكتب وأنطق هذه اللغة قريباً مما يصنع أهلها. وأذكر أني حين تقدمت لامتحان اللغة في كلية الهندسة، وكان إلزامياً، أنني أنهيته في ثلث ساعة وحصلت فيه على العلامة الكاملة أو نحوها. كل ذلك وما أنفقت في تعلم اللغة الإنكليزية غير ساعات معدودات خلال بضعة عشر شهراً، ولو كانت العربية هي اللغة التي أسعى إلى تعلمها لأنفقت عمراً بطوله أو نصفَ عمر، ولا أكاد أبلغ فيها -مع ذلك- مبلغ الكمال أو الإتقان.

 

(2) وقد يقولون: نحن نريد تعليماً أفضل، وهذه المدارس أفضل تعليماً من المدارس التقليدية.

 

وهذه حجة لا دليل عليها؛ فالمدارس فيها الجيد وفيها الوسط وفيها الضعيف، بغض النظر عن نوعها. أنت لا تقول مثلاً إن المغاربة أفضل من المصريين لأنك عرفت مصرياً فاشلاً ومغربياً متميزاً، فالمصريون فيهم عباقرة متميزون وفيهم علماء كبار وفيهم أذكياء أكفاء، كما أن فيهم هَمَلاً لا قيمةَ لهم من الرعاع والجهّال، تماماً كما في المغاربة وغيرهم من العرب أو من العجم. هذا هو الأسلوب الصحيح في النظر إلى الأمور: عامة الناس رُزقوا إمكانات واستعدادات متشابهة أو متقاربة، ثم يتفاوتون بمقدار الجهد الذي يبذلونه والاجتهاد الذي يجتهدونه. وكذلك المدارس: لا عبرة في البناء ولا في المنهاج، العبرة في المعلمين والتعليم، فحيثما وجدتَ معلمين ممتازين متميزين فثَمّ تعليم جيد، وحيثما وجدت العكس فالتعليم سيء، سواء أكانت المدرسةُ حكوميةً أم أهلية أم إسلامية أم عالمية.

 

(3) وقد تجد بعض من تعرفهم من هؤلاء المتحيزين للمدارس العالمية لا يدفعهم إلى إرسال أولادهم إليها إلا السمعة، يريدون أن يقال إن أولادهم درسوا في هذه المدارس “الراقية” وتخرجوا فيها! مع أن في المدارس الأهلية والإسلامية ما يفوق كثيراً منها فخامةً وسمعةً وطيبَ ذكر بين الناس، وما يمكن أن يفاخر به المتفاخرون (لو صحّ أن يكون هذا من مقاصد الذهاب إلى المدارس أصلاً، ولا ينبغي أن يكون).

 

*   *   *

 

فيا أيها المسلمون، لا تخدعنّكم أوهامٌ لا حقيقةَ لها، ولا تبيعوا دينكم ودين أولادكم بالدنيا وما فيها، وأخرجوا من هذه المدارس أولادَكم اليومَ قبل الغد، فإنهم ليجري في عروقهم مزيد من السم في كل يوم.

 

هذه نصيحتي، فمن يأخذ بها فأرجو له النَّجاء، ومن أعرض فلا أقول له إلا مقالة مؤمن آل فرعون: “فستذكرون ما أقول لكم وأفوّض أمري إلى الله”.

Posted in في الدعوة والإصلاح | أضف تعليقاً

الحملة الدولية على داعش: شبهات وردود

 

مجاهد ديرانية

 

اعتبر الدواعش الحملةَ الأخيرة عليهم دليلاً على صحة منهجهم وسلامة مشروعهم ودليلاً على عمالة خصومهم الذين يحاربونهم في سوريا، واغترّ بهذه الدعوى عوام المسلمين الذين يجهلون حقيقة داعش ويجهلون ملابسات الصراع بين داعش وقوى الثورة السورية.

 

إن الكذبة الكبرى التي يحاول الدواعش ترويجَها وإقناعَ عوام المسلمين بها هي أن مجاهدي سوريا الذين يقاتلون داعش متحالفون مع القوى الدولية التي أعلنت الحرب عليها مؤخراً، وهذه الكذبة القبيحة توصلهم إلى استنتاج غبي يقول إن المجاهدين السوريين يوالون الكفار في حربهم على المسلمين.

 

لقد كذب الدواعش دائماً حتى كُتبوا عند الله من الكذّابين، والله يعلم إنهم يعلمون أنهم كذّابون وأنهم يَلبِسون بهذا الافتراء على عوام المسلمين، ويعلمون أن معركتهم الحقيقية هي مع مجاهدي سوريا التي يريدون احتلال قسم منها لإقامة مشروعهم المشبوه عليه، وأن معركتهم مع أميركا وحلفائها ليست سوى معركة وهمية وتنازع على النفوذ.

 

إن الحقيقة التي ينبغي أن يدركها كل واحد من أهل سوريا خاصة ومن إخواننا المسلمين عامة هي أن الغرب يخوض معركته المحدودة مع داعش فيما نخوض نحن معركتَنا المفتوحةَ معها، وأنّ تقاطع المعركتين في جزء يسير لا يدل على أنهما معركة واحدة أبداً. إنك تركب الحافلة لتقطع المسافة بين بيتك وعملك كل صباح، فربما صعد إليها بعد ثلاث محطات راكبٌ غريب ونزل منها قبل محطتك الأخيرة بمحطتين، فإذا رآه من لا يعلم ظن أنه رفيقك في الرحلة، وهذا دأب الذين يحكمون على الظاهر ويرون الجزء الصغير المحدود من المسألة ويعجزون عن استيعابها بتمامها وشمولها، أما المراقب الحصيف فإنه يدرك أنّ لك بدايةً غيرَ بداية ذلك الراكب العابر وغايةً غيرَ غايته، ولو اشترك معك في القَدْر اليسير من الطريق.

 

لقد بدأنا بالتحذير من داعش وخطر داعش منذ أحد عشر شهراً، ولم يشاركنا في التحذير أحدٌ من الذين ملؤوا الجرائد والفضائيات أخيراً بمئات الأحاديث والمقالات في نقد داعش والهجوم عليها. لقد كانوا نياماً حين كنا أيقاظاً وكانوا ساكتين لمّا ملأنا الدنيا بالضجيج، لأنهم لا يكتبون لله ولا للأمة بل يكتبون إرضاء للسلطان ولمن يدفع لهم المال، وسوف يسكتون حينما يأتيهم الأمر بالسكوت أو ينقطع عنهم التمويل. ليست معركتُهم هي معركتَنا ولو تشابه الخطابُ مع الخطاب في بعض الطريق؛ شتّانَ بين نائحة ثكلى ونائحة مستأجَرة.

 

ولقد بدأنا بالدعوة إلى قتال داعش منذ ثمانية أشهر، ثم حمل مجاهدونا الصادقون السلاحَ لوقف بغي داعش وعدوانها على أهل سوريا حينما لم يُبالِ ببغيها وعدوانها أحدٌ من الذين تصدّروا للدعوة إلى قتالها اليوم. ليست معركتُهم هي معركتَنا ولو بدا أنهم يقاتلون داعش كما نقاتلها؛ شتّانَ بين من يدافع عن النفس والأرض والعرض ومن يدافع عن المصالح والنفوذ.

 

الخلاصة: نحن قاتلنا داعش وسوف نستمر في قتالها دفاعاً عن أنفسنا، دفاعاً عن حريتنا وكرامتنا وأرضنا ومستقبلنا ومستقبل أولادنا، وأميركا تقاتلها دفاعاً عن مصالحها وتكريساً لمؤامراتها على المسلمين، وسوف تتوقف عن قتالها عندما تحقق أهدافَها وتضمن مصالحَها في سوريا والعراق، غيرَ مبالية بأرواحنا وحقوقنا وحريتنا التي استباحتها كلَّها داعش لتبني على أنقاضها مشروعَ الغدر والعقوق.

 

*   *   *

 

سوف يجادل الدواعش وأنصارهم في الحقيقة الكبيرة التي أوضحتها آنفاً، حقيقة أن معركة أحرار سوريا ومجاهديها مع داعش لا علاقة لها بالحملة الدولية عليها لا من قريب ولا من بعيد، وسوف يطبّلون ويزمّرون لمعركتهم المزعومة مع قوى الشر في العالم، ولعل إعلامهم الكاذب يجد مدخلاً إلى بعض الحَيارى والمترددين. هؤلاء الحَيارى المترددون لا يحتاجون إلى تحليلات ودراسات مطوَّلة ليقتنعوا بأباطيل وأضاليل داعش، يكفيهم أن يطّلعوا على جملة من الحقائق:

 

1- قامت داعش باجتياح واحتلال مساحات واسعة في محافظات الرقة ودير الزور والحسكة وحلب في سوريا ومحافظات صلاح الدين ونينوى والأنبار في العراق دون أي مقاومة من نظامَي الأسد والمالكي، بل إن النظامين سهّلا لداعش احتلال تلك المحافظات، إما بالانسحاب الكامل كما جرى في العراق أو بقصف الخصوم كما جرى في سوريا.

 

2- استمرت داعش على مدى تسعة أشهر في تسيير الأرتال ونقل الأسلحة والذخائر والمقاتلين على الطرق الرئيسية داخل سوريا وبين سوريا والعراق ولم تتعرض إلى أي مضايقة أو تهديد أو قصف، لا من طائرات النظام ولا من الطائرات الأميركية، مع أن الأقمار الصناعية الأميركية التي تحلق فوق سوريا والعراق تستطيع رصد وتصوير قطعان الماشية وأسراب النمل من ارتفاع ألف ميل.

 

3- سمحت أميركا لداعش -بالتواطؤ مع النظامين السوري والعراقي- بالسيطرة على كميات هائلة من الأسلحة، رغم أنها كانت قادرة على ضربها ومنع داعش من امتلاكها، في حين أنها أصرّت بحزم وصرامة على منع وصول أي أسلحة نوعية لثوار سوريا منذ خريف عام 2011 إلى اليوم، بل إنها أحكمت حصارها على المجاهدين منذ بداية هجوم داعش الجديد في أوائل نيسان الماضي وحرمتهم من أي ذخيرة أو سلاح.

 

4- سمحت أميركا لداعش بالتمدد في سوريا والعراق بلا أية عوائق ولم تتدخل إلا عندما تجاوزت داعش الحدود المسموح لها بها، عندما شكلت تهديداً حقيقياً للأكراد الذين صرّح الرئيس الأميركي مؤخراً بأنهم “أفضل ما في العراق”، والذين لم تحترم داعش الاتفاق غير المعلَن على تقاسم الأرض وترسيم الحدود بين دولتهم والدولة البعثية الداعشية الجديدة.

 

5- اقتصر العمل العسكري الأميركي المحدود على إبعاد داعش عن مناطق الأكراد في العراق ولم يتعرض لها في سوريا بأي أذى، ولا بطلقة واحدة. وحتى لو أن أميركا تدخلت ضد داعش في سوريا في وقت لاحق (وهو أمر يمكن أن يحصل بصورة محدودة جداً) فلن يكون تدخلها إلا استكمالاً للمؤامرة وتكريساً للتقسيم الجديد.

 

*   *   *

 

لقد بات مؤكداً (كما كان واضحاً من قبل) أن الولايات المتحدة لا تريد إعاقة تقدم داعش على الأرض السورية، وأنها راضية عن سيطرتها على المحافظات الستّ في سوريا والعراق، بل إنها حريصة على تمدد داعش في تلك المناطق وتعمل على تكريسه وتحويله إلى أمر واقع، وهي تحرم المجاهدين في سوريا من السلاح الذي يحتاجون إليه لمواجهة داعش وتعوق أي جهد يبذلونه لوقف العدوان الداعشي.

 

إننا نتأكد يوماً بعد يوم من هذه الحقيقة المرعبة: إن داعش هي “حصان طروداة” الذي صُنع لاختراق الثورة السورية وهدمها على رؤوس أصحابها، وقد استطاع تنفيذ مهمته القذرة بنجاح كبير حتى اليوم. إن داعش هي أكبر تهديد لجهاد أهل الشام وهي أعظم الكوارث التي كرثت سوريا في السنوات الأخيرة. إن داعش هي أَولى أعداء الثورة السورية بالقتال، قتالاً لا تردّدَ ولا تهاونَ فيه حتى الاسئصال.

Posted in رسائل الثورة | تعليق واحد

أعيرونا أبا العبد، أعيرونا أبا الوليد

أعيرونا أبا العبد، أعيرونا أبا الوليد

 

مجاهد ديرانية

 

نعم، انتصرت غزة رغم أنف الكائدين، ونحن في إثرها ماضون بإذن الله رب العالمين. ولكنّا نرثي لأنفسنا حينما ننظر إلى مجاهدي فلسطين فنراهم على قلب رجل واحد وتحت قيادة واحدة راشدة ثم ننظر إلى ثورتنا فنرى مجاهدينا مفرَّقين شَذَر مَذَر، ونُشفق على ثورتنا حينما نقارن قياداتها السياسية الفاشلة بعمالقة حماس من أمثال أبي العبد وأبي الوليد.

 

فيما كان قادة حماس يقودون معركة الكرامة والشرف بتفانٍ وإخلاص ويقدّمون مصلحة الثورة والأمة والوطن على المصالح الفردية والمكاسب الشخصية كان قادة المعارضة السياسية السورية مشغولين بترتيب التحالفات وحَبْك المؤامرات لإسقاط حكومة وتشكيل حكومة. في الوقت الذي يخجل فيه السوريون بمَن يُسمَّون -زوراً- قادةَ المعارضة السياسية ولا يجدون في كلماتهم إلا الضعف ولا يرون في أعينهم إلا الهزيمة والاستسلام، في هذا الوقت يرفع الفلسطينيون رؤوسهم بقادة كخالد مشعل وإسماعيل هنية، قادة تسمع في كلماتهم نبرة العزيمة والثقة والإيمان وترى في أعينهم بريق الانتصار.

 

سمعت خطابات مشعل وهنية وأبي عبيدة منذ بداية العدوان الآثم على غزة إلى اليوم، فما وجدت فيها إلا العزيمة الصادقة والشجاعة الفذّة والثقة بالله وبنصر الله والإيمان بقوة الشعب الفلسطيني وثباته في الميدان، وسمعت ألف خطاب لساسَة سوريا الخائبين فارتجف قلبي من الضعف والتهافت والاستسلام. إنما الصبر بالتصبّر، ومَن قال هلك الناس فهو أهلكهم، ومن قال نجا الناس وانتصروا فهو نجّاهم ونصرهم بأمر الله رب العالمين.

 

كم يتمنى السوريون لو أنّ فيهم أمثالَ هؤلاء القادة الذين يصنعون النصر بدلاً من سياسيّيهم الذين يصنعون الهزيمة والانكسار، حتى ليكاد قائلهم يقول: أعيرونا أبا العبد وأبا الوليد يوماً وخذوا معارضتَنا السياسية كلها سائرَ الأيام!

 

لقد فشل الائتلاف في تحقيق أي نصر للثورة في أروقة السياسة، وهي مهمته الرئيسية، وفشل في تقديم أي معونة عسكرية للثورة من خلال هيئة الأركان التي بقيت أداة في لعبة المزايدات والصراع على النفوذ، ثم أصرّ على تحويل الحكومة إلى كرة تتقاذفها الأرجل في مباراة السيطرة على الميدان السياسي للثورة، فماذا بقي؟

 

من حقي أن أقول ولو أغضبت بعض الناس: إن الإئتلاف خائن حتى يثبت العكس. لا أقول إن أعضاء الائتلاف كلهم خونة، فإن فيهم ثلّة من الشرفاء الضعفاء الذين لم يعد لهم أثر في سياسته وقراراته، فإما أن يصلحوه -لو استطاعوا- أو يتركوه، لأن الشعب السوري الحر الأبيّ الذي صنع الثورة أولَ مرة يوشك أن يُغرق هذه السفينة الصَّدِئة بمَن بقي فيها من ركّاب.

 

متى سنتخلص من هذا العبء الثقيل الذي ابتُليت به الثورة السورية؟ متى سيظهر فينا أمثال قادة حماس الشرفاء الأقوياء الذين يحسنون قيادة السفينة في لُجّ الثورة المضطرب، ويمنحون الناسَ القوّةَ والثبات ويمدّونهم بالعزيمة والأمل؟ كم نفتقد البُدورَ في ليلتنا الطويلة الظلماء.

Posted in خواطر ومشاعر | أضف تعليقاً

طنطاويات فلسطينيّة (3)

طنطاويات فلسطينية

 -3-

 

إنّ مَن يسمع صوت قطة في الشارع تموء من الألم لا يستطيع أن ينام، ومَن يدقّ جارُه بالمطرقة على جداره لا يستطيع أن ينام، فكيف تنامون على أصوات الاستغاثة تخرج من حلوق إخوانكم وأخواتكم، على أصوات المدافع والصواريخ يصبّها عليهم أعداؤهم وأعداؤكم؟ هل تستطيعون أن تأكلوا وتشربوا وتضحكوا وتمزحوا، وإخوانكم هناك في فلسطين يذبح أبناءَهم اليهودُ ويؤذون نساءهم وينسفون منازلهم ويسرقون أرضهم؟ كاللص يدخل عليك في الظلام دارك فيحتلّ جانباً منها ثم يدعوك إلى التفاوض. أفيفاوض ربّ الدار الحرامي؟ إذن فعلى العقل وعلى العدل السلام.

 

وإنْ قام مِن أولادك مَن يطالب بالحقّ أمسكوا به وأحالوه إلى محاكمهم، إلى محاكم الحرامية، بتهمة مقاومة الاحتلال! ويلكم ما أصفق وجوهكم وأشدّ وقاحتكم! أفي الدنيا شعب احتُلّت بلاده ظلماً لا يقاوم الاحتلال؟ إن مقاومة الاحتلال فضيلة، بل هي فريضة، ولا تُعَدّ جريمة إلاّ في شريعة خنازير البشر إخوان “الشين”: شارون وشامير والشيطان الرجيم، الذين هم إخوانه وأعوانه لعنة الله عليه وعليهم.

 

كم من أمهات هناك ثاكلات وبنات مهتّكات، وبيوت مخرَّبات ودموع مسفوحات، وأعزّة كرام ذلّوا وأغنياء احتاجوا، شُرّدوا وسكنوا بعد القصور الخيام، وصاروا بعد البذل والعطاء محتاجين إلى القوت وإلى الغطاء. فإن لم تدافعوا عنهم بالسلاح ولم تبذلوا من أجلهم الأرواح فجودوا بالأموال، فإن الجود بالأموال نوع من الجهاد.

 

الذكريات: الحلقة 226 (1988)

Posted in علي الطنطاوي: كلمات في الثورة | أضف تعليقاً