فوائد لغوية (3)

في مقالتي الأخيرة التي أغضبَت كثيرين (ثلاثية داعش والنصرة وأحرار الشام) قلت إنني أعتبر حركةَ أحرار الشام صِمامَ أمانٍ مهماً في الثورة السورية، فسألني بعض القرّاء الكرام: لماذا وضعت كسرة تحت الصاد؟ أليس الصوابُ فتحَها؟

 

قلت: عامة الناس يلفظون هذه الكلمةَ بفتح الصاد وبميم مضعّفة (صَمّام)، أي كما يلفظون اسم الرئيس العراقي السابق صدّام (ولي فيه رأي لو قلته لأغضبت أكثرَ من الذين غضبوا من المقالة الأخيرة، لذلك أحتفظ به لنفسي). وهذا اللفظ خطأ، فإنّ صواب الكلمة بكسر أولها وبميم مخففة، فنلفظها كما نلفظ كلمتَي صِيام وقِيام.

 

ويشبه هذا الخطأَ خطؤهم في الأداة التي يصيدون بها السمك، يسمّونها “سَنّارة” على وزن سيّارة، فيرتكبون ثلاثة أخطاء، فإن صوابها بالصاد لا بالسين، وبكسر أولها لا بالفتح، وبتخفيف النون لا بتشديدها، فهي صِنَارة، على وزن سِتارة.

 

ومن الخطأ قولهم “علينا القُبول بمبادرة دي مستورا لوقف القتال تجنباً للمزيد من سفك الدماء”. فالقُبول -بضم القاف- جمع قُبُل، وهو مُقَدَّم كل شيء، في القرآن: {إنْ كان قميصه قُدَّ من قُبُل فصدقت}، وهو من الرجل والمرأة معروف. أما الرضا فإنه القََبول بفتح القاف. فيكون صواب الجملة السابقة: علينا “عدم القََبول” بمبادرة وقف القتال التي قدمها الوسيط الأممي لأنها حلقة جديدة في مسلسل المؤامرة الدولية على الثورة السورية.

 

 

Posted in فوائد لغوية | أضف تعليقاً

فوائد لغوية (2)

سُررت بالتفاعل الإيجابي مع الحلقة الأولى من هذه الفوائد التي نشرتها أمس، فلم أظنّ أن مثل هذه المنشورات تثير اهتمام الناس. وقد دار حولها نقاش مفيد* خطر ببالي أن أُفرده في منشور مستقل لتعمّ به الفائدة، وها هو على صورة سؤال وجواب.

* النقاش جرى على صفحتي في الفيسبوك وليس هنا في المدونة، على هذا الرابط

 

(س) ما الفرق بين قولنا “إنّي” و”إنني”؟ وهل يوجد كتاب يتناول مثل هذه الأمور تنصح به؟

 

(ج) النون الثانية في “إنني” هي نون الوقاية، وكلنا نعرفها ممّا درسناه في المدرسة من دروس النحو. وهي واجبة أحياناً وراجحة أحياناً وجائزة أحياناً (على تفصيل لن أسرده هنا). ما يهمّنا هو استعمالها مع إن وأخواتها (إنّ، أنّ، لكنّ، كأنّ) وهنا حكمها الجواز، أي أن إثباتها وحذفها سواء، فلا فرق بين قولنا: إنّي وإنّنَي، وأنّي وأنّنَي، وكأنّي وكأنّنَي، ولكنّي ولكنّنَي. وقد اجتمع الوجهان في قول قيس بن الملوح:

 

وإنّي على ليلى لَزارٍ وإنّني     ***     على ذاك فيما بيننا مستديمُها

 

(الزّاري هو العاتب، والفعل زَرَى يَزْري)

 

فائدة: يجوز حذف إحدى النونين (نون الرفع أو نون الوقاية) إذا اجتمعتا في أحد الأفعال الخمسة المرفوعة بثبوت النون، فتقول: المجاهدون يحمونَني بأرواحهم أو الثوار يحموني، والمسلمان المحسنان يساعدانِنَي في محنتني أو يساعداني.

 

جواب القسم الثاني من السؤال: تجد تفصيل هذه المسائل وأمثالها في كتب النحو الموسَّعة، وإن شئتَ اجتناب المراجع القديمة لصعوبتها فإن أفضل المراجع الموسّعة العصرية هو كتاب “النحو الوافي” (وله من اسمه نصيب) لعباس حسن رحمه الله.

 

(س) جواز حذف إحدى النونين (نون الرفع أو نون الوقاية) إذا اجتمعتا فائدةٌ جديدة.

 

(ج) انظر المسألة في “النحو الوافي” (1/180) وفيها جواز إدغام النونين أيضاً، فتقول: الأصدقاء يكرمونني، أو يكرموني (بالتخفيف) أو يكرمونّي (بالتشديد). قلت: ومنه في القرآن: {قل أفغيرَ الله تأمرونّي أعبد}. وقد تتعدد القراءة بالإدغام وبعدمه، كما في الأحقاف: {أتعدانِني} قرأ هشام بالإدغام: {أتعدانّي}.

 

(س) أنا أعرف حذف النون في المنصوب والمجزوم، لم أسمع به قبلاً في المرفوع.

 

(ج) صحيح؛ نون الأفعال الخمسة تُحذَف وجوباً في النصب والجزم، ولكنها قد تُحذَف وجوباً أو جوازاً في الرفع أيضاً، على التفصيل التالي:

 

1- تُحذَف “وجوباً” إذا اتصل الفعل بنون التوكيد الثقيلة، كقوله تعالى في آخر سورة “ص”: {ولتعلَمُنَّ نبأه بعد حين}. الفعل هنا مرفوع ولكن نون رفعه حُذفت لتوالي الأمثال، وحذفت أيضاً الواو لالتقاء الساكنين. وتوالي الأمثال معناه توالي أحرف متماثلة، وهي هنا ثلاثُ نونات، ونقول عند الإعراب إن الفعل مرفوع بالنون المقدرة.

 

2- وتُحذَف “جوازاً” في الحالة التي وصفناها آنفاً (إذا اتصل الفعل بنون الوقاية). وفي هذه الحالة يوجد جدل بين النحاة (وهو في الحقيقة جدل فلسفي لا يقدّم ولا يؤخر ولا يؤثر في الرسم والنطق): أيّ النونين هي المحذوفة: نون الوقاية أم نون الرفع؟ الأول هو رأي سيبويه ومعه جماعة من النحاة، وآخرون اختاروا الرأي الثاني. ويبدو أن الرأي الأول أوجه، قالوا: لأن نون الوقاية جاءت لغرض خاص وحذفها يضيع ذلك الغرض.

Posted in فوائد لغوية | أضف تعليقاً

فوائد لغوية (1)

منذ وقت طويل وأنا أُطالَب بالكتابة في الفوائد اللغوية (التي نَثَرتُ بعضَها في الحواشي التي علّقتُ بها على كتب جدي عندما أعدت تحقيقَها ونشرَها بعد وفاته رحمه الله).

 

كنت أجد أن الكتابة في الثورة أَولى من غيرها، ولكنّ الثورة طالت والحياة تمضي، ولغتنا من أركان هُويّتنا الكبرى، فهي هُوِيّة دينية ولغوية قبل أن تكون هوية قطرية أو مناطقية أو عشائرية أو عائلية، فقررت أخيراً أن أبدأ بنشر “فوائد لغوية”، على حلقات خفيفة يَسهُل استيعابها على عامة الناس، وأبتدئ بها في هذا اليوم الذي يوافق #اليوم_العالمي_للغة_العربية

 

أبدأ باعتراض وردني مؤخَّراً من أخ غيور على اللغة العربية؛ قال: أنت تُكثر من استعمال تعبير “لا بد أن…” كقولك مثلاً: “لا بد أن تنتصر الثورة بإذن الله”، والصحيح الذي نحفظه هو اقتران “لا بد” بحرف الجر “من”، فيكون الصواب: “لا بد من أن تنتصر الثورة بإذن الله”. فما قولك؟

 

أقول: كلا الأسلوبين صحيح، لكنّي أفضّل الأولَ لأنه أخفُّ على اللسان وأقربُ إلى المألوف، ولأنّ له وجهاً قوياً من الفصاحة، وهو موافق لصحيح اللغة القرآنية، فإن العرب يُجيزون حذف حرف الجر قبل أنّ (ومثلها أنْ أيضاً) من باب الإيجاز الذي هو من أساليب البلاغة عندهم. وفي القرآن من ذلك الكثير:

{وبشّر الذين آمنوا وعملوا الصالحات أنّ لهم جنات} والتقدير: بأن لهم جنات، و{دعا ربه أني مغلوب فانتصر} أي بأني مغلوب، و{شهد الله أنه لا إله إلا هو} والتقدير: شهد بأنه. ومثله في أنْ المخفَّفة: {فمَن حج البيت أو اعتمر فلا جُناح عليه أن يطّوّف بهما} أي في أن يطوّف، وهو أيضاً في الشهادتين: “أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله”، فقد حُذفت منه الباء قبل أنْ وأنّ . وفي كلام العرب من هذا ما لا يُحصى.

 

Posted in فوائد لغوية | أضف تعليقاً

ثلاثيّة داعش والنّصرة وأحرار الشام

ثلاثيّة داعش والنّصرة وأحرار الشام

مجاهد ديرانية

 

هذا الإصرار الغريب على جمع الحركات الثلاث معاً يثير الريبة ويدعو إلى الاستغراب. منذ الأيام الأولى التي بدأنا فيها بالتحذير من داعش انطلقَت هذه المعزوفة المملّة: ستبدؤون بداعش، ثم النصرة، وأخيراً الأحرار. ثم دارت الأيام وصدرت عن النصرة أفعالٌ تستحق النقد فانتقدناها، فعادوا يقولون: لقد انتقدتم داعش ذات يوم ثم دعوتم إلى قتالها، وها أنتم تنتقدون النصرةَ اليوم، وعمّا قليل ستَدْعون إلى قتالها كما دعوتم إلى قتال داعش، فإذا فرغتم منها ستقاتلون الأحرار.

 

أكثر الذين يرددون هذا الكلام هم من أنصار داعش الذين ساءهم أننا كشفنا حقيقتها الكالحة ودعونا إلى قتالها وكفّها عن العدوان، وأقلهم من أنصار النصرة الذين يقدّسون المنهج وأصحابَه ولا يحبون الناصحين. ولو كانوا قلّة لتركناهم حتى تجفف شمسُ الصباح أباطيلَهم التي نشروها بلَيْل، ولكنهم يتكاثرون، ينقل بعضُهم عن بعض بلا بحث ولا تفكير، وكثيرٌ منهم من غير أهل سوريا، يجهلون ما يجري على أرضها ثم يسارعون إلى إصدار الأحكام القاطعة وكأنهم بها أعرف العارفين. فإذا سألتَهم: ما حَمَلكم على ترديد هذه الخرافات؟ قالوا: علمنا أن داعش والنصرة والأحرار أصحابُ منهج واحد، فحكمنا بأنّ ما دفعكم إلى استعداء داعش سيدفعكم إلى استعداء النصرة والأحرار لا محالة.

 

لقد أخطأتم خطأين كبيرين أيها السادة، فنحن لم نستَعْدِ داعش، بل هي التي استَعْدَتْنا، فعَدَتْ علينا وغدرت بثورتنا وطعنتنا في الظهر. ونحن لم ننقم منها أنّ لها منهجاً خاصاً، إنما نقمنا عليها أمرين: أنها كفّرتنا وقاتلتنا، وأنها غدرت بثورتنا واحتلت أراضينا المحرَّرة فأقامت عليها مشروعها الخاص، مشروع الخيانة والغدر والضِّرار.

 

ثم إن افتراضكم قائم على خطأ محض، فإن داعش والنصرة والأحرار لم تكن شيئاً واحداً في أي يوم من الأيام. صحيحٌ أنّ النصرةَ بنتُ تنظيم دولة العراق الذي تحول من بعدُ إلى داعش، ولكنها بنت عاقّة تمردت على التنظيم من اليوم الأول لإعلان كيانه الجديد في العراق والشام قبل عام وثلثَي عام، أما الأحرار فلم يكونوا جزءاً من ذلك الكيان قط، وإن كانوا في أول أمرهم قريبين من النصرة بالمنهج والأفكار.

 

*   *   *

 

لقد كانت داعش عدواً لنا منذ كانت، وقد بدأنا -في سوريا- بالتحذير من شرّها منذ أن سَفَرت عن وجهها القبيح وقامت بأول عدوان على ثورتنا، في خريف عام 2013، ولم نرَ منها في تاريخها الأسود المُثقَل بالخيانة والغدر والكذب والعدوان خيراً قَطّ، وما صنعت شيئاً لأهل سوريا ولا أطلقت طلقة فما فوقَها إلا في سبيل مشروعها الخاص، المشروع الذي كشفه السوريون وفصّلوا فيه القولَ منذ عام، يوم أعلنوا أن “مشروع داعش هو احتلال سوريا” وليس تحريرَها من الطغيان.

 

أما جبهة النصرة وحركة الأحرار فإنهما جماعتان مجاهدتان، وقد كانتا قريبتَين في يوم من الأيام، إلا أنهما لم تعودا كذلك، فقد تحركت جبهة النصرة في اتجاه وتحركت حركة الأحرار في اتجاه معاكس، فما تزالان تتباعدان منذئذ.

 

اختارت حركة أحرار الشام أن تكون جزءاً (بل وجزءاً مهماً وحيوياً) من المنظومة الثورية المحلية وأن تعمّق انتماءها لمشروع الجهاد الشامي، فيما اختارت جبهة النصرة المشيَ في الاتجاه الآخر، بعيداً عن هذا المشروع وتكريساً للمشروع القاعدي. وهو قرار تكاد تكون مجبَرة عليه ويكاد يكون هو خيارَها الوحيد، فإنها تتنافس مع داعش على “خزّان بشري” واحد، هو الجمهور الذي ينتمي إلى فكر القاعدة ومنهجها، فإذا لم تُرضِ جمهورَها ستخسره حتماً لصالح داعش في وقت قريب أو بعيد.

 

*   *   *

 

إن جبهة النصرة تبتعد عن الجسم الثوري وتسترضي عناصرَها بنبذه والتمايز عنه، فيما تقترب حركةُ أحرار الشام منه وتزداد معه انسجاماً وبه اندماجاً باستمرار، بل إنها من أكثر مكوّناته قيمةً ومن أهم صِمامات الأمان فيه على المدى الطويل. هذا الفرقُ وحدَه يكفي لهدم النظرية التي تجمع الأحرار مع النصرة وداعش في منظومة واحدة، فكيف إذا أضيفت إليه فروق حاسمة أخرى؟ أهمها ثلاثة:

 

(1) العمل المشترك: لم تكن داعش قط جزءاً من الثورة، بل كانت عدواً محارباً غادراً على الدوام، وهي لم تكتفِ بعدم المشاركة في المؤسسات الثورية والاندماج بها، بل إنها عملت على حربها وتدميرها واغتيالها كما صنع النظام. أما جبهة النصرة فقد كانت جزءاً من الثورة، وما تزال، ولكنها استقلّت دائماً بمؤسساتها الخدَمية والقضائية في كل المناطق المحررة، وهي لا تحب العمل المدني والإداري المشترك وترفضه باستمرار (لا يدخل في هذا الإطلاق العملُ العسكري المشترك في غرف عمليات مؤقتة أو جبهات محدودة).

 

بالمقابل لم تُدْعَ حركةُ أحرار الشام إلى مشروع مشترك فتخلفت قط، بل كانت دائماً من أول المُجيبين، فأيّدت كل اجتماع يقضي على الفُرقة والخلاف، وكانت جزءاً من المؤسسات الخدمية والإدارية والقضائية في المناطق المحررة، بل إنها من أهم مكونات تلك الأجسام الثورية الجامعة.

 

(2) الغلو والتكفير: التكفير عند الدواعش كالماء والهواء، لا يعيشون إلاّ به، وقد صار علَماً على داعش ودليلاً قاطعاً على خارجيّتها. وهو عند أتباع النصرة كالحلوى التي توزَّع بعد الطعام، منهم من يُقبل عليها ومنهم من يُعرض عنها، إلا أنهم بالجملة جُرَآء على التكفير ويجري ذكره على ألسنة عناصرهم وقادتهم بلا حرج، بما فيهم الجولاني الذي سمع الناسُ تكفيرَه الصريح للائتلاف السوري وهيئة الأركان في تسجيله الشهير “ليتك رثيتني” وفي غيره من الكلمات.

 

أما عند الأحرار فإن التكفير كالخمر وسائر المُسْكرات، حرامٌ شربُها حرامٌ عصرُها حرامٌ بيعُها وشراؤها، فلا يشتغل به عناصر الحركة ولا يَصدر عن قادتها، بل إنهم يقاومونه ويعالجون أسبابه، وهو عندهم -كما عند جمهور الأمة- من اختصاص القضاء الشرعي وليس ألعوبة يعبث بها الجَهَلة والمراهقون.

 

(3) الفرق الثالث المهم هو في المشروع المنفرد المستقل، فإن أحداً من أطراف الصراع في سوريا لم يسعَ إلى مثل هذا المشروع سوى داعش (التي تريد فرض مشروعها على الأرض السورية كلها فيما يبدو) والأكراد (أعني حزب الاتحاد الديمقراطي حصراً، الذي يسعى إلى فصل المناطق الكردية في القامشلي وعفرين في إدارة ذاتية)، وربما أقامت النصرة قريباً إمارتَها في إدلب وريفَي حلب وحماة، وهو أمر ظهرت إرهاصاته ولكنه لم يُعلَن حتى الآن.

 

بالمقابل فإن حركة أحرار الشام أبعد ما تكون عن تبني مشروع مستقل، وهي جزء أصيل من المشروع الجهادي الشامي، لم تعلن ذلك بلسان المقال فحسب، بل أثبتته أيضاً بلسان الحال مئات المرات. ولا يعني هذا أن حركة الأحرار ليس لها مشروع، بل لا يُتصوَّر أصلاً أن يخلو أي فصيل في سوريا من مشروع لما بعد التحرير. إنّ من حق كل فصيل أن يكون له مشروعه وأن يَعرضه ويروّجه ويدافع عنه، ولكنْ ليس من حق أيٍّ كان أن يحتكر المشروعَ الثوري لمستقبل سوريا أو أن يفرض مشروعه على السوريين.

 

إن الفصائل كلها (ومن بينها حركة أحرار الشام بالتأكيد) متفقة ضمناً على أن أيَّ مشروع ثوري لا يَستمدّ قوّتَه من السلاح الذي يحمله أصحابُه، وإنما من ثلاثة عناصر مستقلة عن السلاح ومرتبط بعضُها ببعض: قوة المشروع وتكامله، وقدرة أصحابه على عرضه وإقناع الجمهور به، وحماسة عامة الناس له واقتناعهم به وإقبالهم عليه.

 

*   *   *

 

الخلاصة: ليس من الإنصاف ولا من مصلحة الثورة إجمالُ هذه الجماعات الثلاث في نسق واحد. إن داعش عدو صريح، جماعة غادرة خائنة مجرمة لا محلَّ للصلح معها في أي يوم من الأيام، وهي عندنا كالنظام، عدوٌّ وجوديّ لا تتسع سوريا لنا وله أبداً، ولا بد من فناء أحد الطرفين في سبيل بقاء الآخر. وإنّا -إن شاء الله- ماضون في حربها حتى نسترجع ما سلبته من أراضينا المحررة وحتى نطهّر منها أرض الشام، ولو بعد حين.

 

أما جبهة النصرة فإنها فصيل ثوري حقيقي، ولكنها أخطأت أولاً بارتباطها التنظيمي بالقاعدة، ثم أخطأت آخِراً بالسعي إلى مشروع مستقل والتفرّد بالقرار الثوري ورفض التحاكم إلى القضاء المشترك. ونحن ماضون في نصحها وتقويمها، باللين ما نجح اللين وبالشدة إذا لم تبقَ إلا الشدة، لأننا نحب أن تبقى جزءاً من ثورتنا، فما أحوجَنا إلى صديق حقيقي صَدوق يشاركنا آمالنا وأهدافنا ولا يسعى إلى تطبيق مشروعه الخاص على حساب ثورتنا وتضحياتنا.

 

أما حركة الأحرار فإنها مكوّن ثوري أصيل وجزء حيوي من الثورة، وقد أخذنا عليها في وقت من الأوقات أنها ضيّقت الجهاد الشامي وحصرَته في المنهج التقليدي للمدرسة السلفية الجهادية، ولكنها لم تلبث أن خرجت من ضيق “المنهج” إلى سعة الإسلام ومن العزلة النسبية إلى الريادة والانفتاح. ولعل في قواعد الحركة حالياً مَن يتعصب لمنهج “القاعدة” ويتطرف في حمل فكرها، ولكنهم قلّة فيما أحسب وأرجو أن يعالجهم الزمن، أما الحركة نفسها فقد صارت اليومَ شريكةً في مؤسسات الثورة وصِمامَ أمان مهماً لها بما تملكه من قوة وحيادية وتوازن في الرؤى والمواقف الثورية.

Posted in رسائل الثورة | أضف تعليقاً

بين الاعتدال والإسراف

بين الاعتدال والإسراف

مجاهد ديرانية 

 

متى يكون المنفق معتدلاً ومتى يكون مسرفاً؟ هل يوجد تعريف واضح للإسراف؟ وكيف نأمن من الوقوع فيه دون أن نشعر؟ سألني هذه الأسئلةَ (وأمثالَها) عددٌ من القراء الكرام والقارئات الكريمات بعد قراءة مقالة “لستم أحراراً في أموالكم يا أيها الأغنياء”، وجوابُها كلها في قوله تبارك وتعالى: {والذين إذا أنفقوا لم يُسرفوا ولم يَقتروا وكان بين ذلك قَواماً}.

 

قال أكثر المفسرين في هذه الآية إن الإسراف هو “تجاوز الحد”. وبقي أن نعرف: ما هو الحد الذي ينبغي علينا عدم تجاوزه حتى لا نكون مسرفين؟

 

إن الفضائل تشبه الطريق العام الذي تمشي فيه السيارات وعلى كل طرف من طرفَيه خط أصفر. هذا الخط هو حَدّ الطريق، مَن تجاوزه تجاوز القانون ووقع في المحذور. فالطريق المحصور بين الخطين الأصفرين هو الفضيلة، وما تجاوزها من هذا الطرف أو ذاك هو نقيضها من النقائص المذمومة. كالشجاعة، فإنها وسط بين الجبن والتهور، والحزم، فإنه وسط بين الضعف والقسوة، وكذا في الفضائل كلها.

 

ومن أهم صفات الطريق الجيّد أن يكون واسعاً وأن تتعدد مساراته (مساربه)، فاليمين لمن أراد التأني، واليسار لمن أراد الاستعجال، والوسط لمن يحب التوسط. لذلك لا يمكن أن يُحدَّد الإنفاق المعتدل المقبول بمبلغ واحد لكل الناس، فإنّ فيهم مَن يدخل عليه في الشهر ألفٌ ومن يدخل عليه عشرات ألوف، وإنّ من سنن الخلق التفاوتَ في الأرزاق: {والله فضّلَ بعضكم على بعض في الرزق} {ورفعنا بعضَهم فوق بعض درجات ليتّخذ بعضُهم بعضاً سُخريّاً}.

 

*   *   *

 

لو طبّقنا هذا المبدأ النظري على أوجه الإنفاق في الحياة فسوف نهتدي إلى ما هو عَدْل قَوامٌ وما هو إسراف. خذوا الألبسة التي نشتريها على سبيل المثال: بكم تشتري السيدةُ ثوباً أنيقاً يصلح للبيت والزيارات غير الرسمية؟ بمئة ريال أو مئتين أو أكثر قليلاً (أستعمل الريال انسجاماً مع البيئة التي أعيش فيها، ويمكن للقراء الكرام في البلدان المختلفة تصوّر المسألة بعملات البلدان التي يقيمون فيها).

 

هذا المبلغ معتدل ومعقول بالنسبة لما يوجد في السوق من بضائع جيدة، ولكن يمكن أن تكون السيدة مقتصدة وتشتري ثوباً بخمسين. هذا الثوب رخيص وقد لا يكون جيداً، ولو أن السيدة قررت عدم شرائه فإنها لا تُلام لأنه قد يَفسد بسرعة، فهو توفير مؤقت، لكنه قد لا يكون قراراً اقتصادياً صحيحاً لأنها ستضطر إلى شراء ثوب غيره بعد وقت قصير. في مثل هذه الحالة أميل أنا إلى استعمال قاعدة جدّي رحمه الله التي علّمنا إياها وكان حريصاً على تطبيقها في حياته: “اشترِ أرخص الجيّد ولا تشترِ أجودَ الرخيص”.

 

من الجهة الأخرى ستجد السيدة أثواباً أغلى. ربما وجدت ثوباً بخمسمئة ريال، أو بألف أو ألفين أو ثلاثة، بل ربما وجدت ثوباً بعشرة آلاف ريال. عندما تشتري شيئاً يزيد سعره عن “الوسط المعقول” نقول إنها أسرفت في الشراء، ولكنْ ليست كل درجات الإسراف سواء، فهي “تميل إلى الإسراف” إذا اشترت الثوب بثلاثمئة أو بخمسمئة، وهي “مسرفة” إذا اشترته بما يزيد عن ذلك إلى ألف، و”مسرفة جداً” إذا بلغت الألفين والثلاثة الآلاف، ويصل الإسراف إلى درجة “الترَف” الخطير إذا دفعت في ثوب واحد عشرةَ آلاف!

 

ما سبق مثال على الاعتدال والإسراف في اللباس، ويُقال مثله في بناء البيت وأثاثه وفي السيارات والطعام والسفر والأعراس، وفي سائر أوجه الإنفاق في الحياة.

 

*   *   *

 

وليس الإسراف في شراء السلعة الغالية فحسب، بل هو في كثرة الشراء بإطلاق، فمَن اشترى ما يحتاج إليه حاجة حقيقية فليس مسرفاً ولو غلا ثمنُ ما يشتريه (إذا لم يجد شيئاً أرخص يقوم مقامه)، ولو اشترى ما لا يحتاج إليه فهو مسرف مهما كانت قيمة ما يشتريه زهيدة.

 

العبرة في مقدار ما يستفيد من المال هو نفسُه ومقدار ما يستفيد منه غيرُه، وأرجو أنه لا إثمَ على مَن نعّمَ نفسَه بماله ونفع به الناس. فلو أن أسرة من الأسَر كان من منهجها أن تملأ مائدة طعامها بكمية يكفيها عُشرها، لكنها إذا طَعِمت منحت الأعشارَ التسعة الباقية للمساكين، فهي أسرة محسنة، ولو أن أسرةً تضع على مائدة طعامها ضعفَي حاجتها فقط، فتأكل نصفاً وترمي في حاوية القُمامة نصفاً، فهي مسيئة مسرفة.

 

يمكننا إذن أن نقرر هذه القاعدة: “إن كل مال ينفع الناسَ فهو خيرٌ لصاحبه”. لكنه نفع مقيَّد بحاجة الناس وبعدم الوقوع في الإسراف المنهي عنه، وهذا قيد مهم، وأضرب له مثلاً برجل غني يشتري في كل شهر خمسة قمصان ويتبرع للمساكين والفقراء بخمسة من مخزونه القديم. هذا الرجل مُحسن إذا اشترى قمصاناً معتدلة الأسعار ولم يسرف، ولا يستوي هو ومَن يشتري قميصاً بألف وألفين ثم يمنحه -بعد استعماله لبعض الوقت- لمسكين من المساكين، فما حاجةُ الفقير المسكين لقميص بألف ريال؟ ألا ترون الفرق الكبير بينه وبين مَن يتبرع بعشرة قمصان مجموعُ قيمتها ألفٌ على عشرة من الفقراء؟

 

*   *   *

 

هذا مع ملاحظة الفرق بين السرف والترف. إن الحادثة (الحقيقية) التي افتتحت بها مقالتي الماضية (لستم أحراراً في أموالكم يا أيها الأغنياء) ليست علامة على السرف، بل هي علامة على الترف، فعندما تنفق أسرةٌ من الأسر السورية مئةَ ألف دولار في ليلة واحدة، بل في حفلة عرس تستغرق بضع ساعات فحسب، عندما تفعل ذلك وفي سوريا ملايين الجياع الذين لا يجد أحدُهم في يومه كله ربعَ رغيف من الخبز اليابس، وفيها ملايين الأطفال الذين يرتعشون لأن آباءهم لا يجدون قطعة من قماش قديم يلفّونهم بها ليدفعوا عنهم برد الشتاء، وفيها ملايين المرضى الذين يتفاقم مرضهم لأنهم عاجزون عن تأمين ثمن الدواء، عندها لا نقول إن هذا العمل سَرَف جاوز حد الإنفاق المعقول، بل هو ترف جاوز حد الإنسانية والفطرة السويّة.

 

إن التجاوز القليل لحدود الإنفاق المعقولة يُسمَّى سرَفاً، فإذا زاد صار سرفاً كبيراً، وكلما زاد الإسراف زاد الحساب عليه في الآخرة، فإذا بلغ الغايةَ (ولا سيما إذا صاحبَه إنفاقٌ في أمور محرَّمة) صار تَرَفاً مدمّراً للجماعة كلها كما أوضحَتْ خاتمةُ المقالة السابقة، وعندها لا يجوز السكوت، بل لا بد من النصح والتصحيح حتى لا تغرق السفينة بركابها أجمعين.

 

Posted in في الدعوة والإصلاح | أضف تعليقاً

ماذا يُنفقون؟

ماذا يُنفقون؟

 

مجاهد ديرانية

 

الحمد لله الذي جعل في أمة محمد -صلى الله عليه وسلم- من يسمع النصيحة ويهتم بأمر المسلمين. تساءل كثيرون بعد قراءة المقالة الأخيرة (لستم أحراراً في أموالكم يا أيها الأغنياء): ماذا ينفقون؟ ما الواجب على المسلم إنفاقُه لكيلا يكون مقصّراً في حق أمّته، وعلى السوريّ لكيلا يكون مقصراً في حق بلده وثورته؟

 

هذا السؤال طرحه مَن هو خير مني ومنكم على مَن هو خير منا ومن الناس جميعاً، طرحه الصحابة رضوان الله عليهم على نبينا الكريم صلى الله عليه وسلم: {يسألونك: ماذا ينفقون؟}، فلم يُجبهم النبيّ ولكنْ أجابهم ربُّه جلّ وتبارك جواباً يُتلى إلى آخر الزمان، وهو أعجب جواب في القرآن.

 

هل تعلمون كم مرّةً حكى القرآنُ سؤالَ الصحابة للنبي عليه الصلاة والسلام؟ بضعَ عشرةَ مرة: {يسألونك عن الأنفال، يسألونك عن اليتامى، يسألونك عن الأهلّة، يسألونك عن الروح، إلخ). ارجعوا إلى تلك الآيات تجدوا أن جواب الله عزّ وجلّ لهم كان مفصَّلاً مطوَّلاً، إلاّ في هذه الحالة الفريدة، عندما سألوه: ماذا ينفقون؟ فأجابهم بكلمة واحدة من خمسة أحرف لا غير: العفو.

 

تعالوا نقف قليلاً عند هذا الجواب العجيب. في سورة البقرة آيتان ورد السؤال فيهما بصيغة “ماذا ينفقون؟”؛ كان الجواب في الآية الأولى: {قل ما أنفقتم من خير فللوالدَين والأقربين واليتامى والمساكين وابن السبيل}، وفي المرة الثانية كان الجواب: {قل العفو}. قال المفسرون إن السؤال الأول كان عن جهة الإنفاق والسؤال الثاني عن مقداره، فأجاب في الحالة الأولى بما يناسب السؤال وعدّد أوجهَ الإنفاق الصالح، وأجاب في الثانية فحدد المقدار: العفو. وروى السيوطي في “أسباب النزول” عن ابن عباس أن نفراً من الصحابة أتوا النبي -لمّا أُمروا بالنفقة في سبيل الله- فقالوا: إنّا لا ندري ما هذه النفقة التي أُمِرْنا بها في أموالنا، فما ننفق منها؟ فأنزل الله قوله {ويسألونك ماذا ينفقون؟ قل العفو}.

 

إنه اختبار الله لأصحاب المال، وقليلٌ مَن يطيق هذا الاختبار، لذلك جعله الله على الاختيار لا على الفرض والإجبار، فهو مرقاة الأخيار في سلّم الوصول إلى جنّات الخلود.

 

وما العفو؟ “العفو هو ما زاد عن حاجة المرء من المال، أي ما فضَلَ منه بعد نفقته ونفقة عياله بمعتاد أمثاله”، كذا فسّره جمهورُ المفسرين، واللفظ السابق لابن عاشور في “التحرير والتنوير”. وقال القرطبي: “المعنى: أنفقوا ما فضل عن حوائجكم ولم تُؤذوا فيه أنفسَكم فتكونوا عالة. نُقل هذا المعنى عن ابن عباس والحسن وقتادة وعطاء والسُّدّي وابن أبي ليلى وغيرهم، وقال الكلبي: كان الرجل بعد نزول هذه الآية إذا كان له مال من ذهب أو فضة أو زَرْع أو ضَرْع نظر إلى ما يكفيه وعيالَه لنفقة سنة فأمسكه وتصدق بسائره”.

 

واختلف العلماء: هل الآية مُحكمة أو منسوخة؟ فذهب الجمهور إلى أنها منسوخة -على اعتبار الفَرْضيّة- بآية الزكاة، وأنها مُحكَمة على سبيل الندب (في المال حق سوى الزكاة). قلت: وهو الأظهر والأوجَه، ويدل عليه السياق لأنه سياق تحبيب وترغيب: {قل العفو، كذلك يبيّنُ الله لكم الآيات لعلكم تتفكرون في الدنيا والآخرة}. فإن المعنى في ظاهر النص هو: لعلكم تتفكرون في الدنيا والآخرة فتحبسون من أموالكم ما يصلحكم في معاش الدنيا وتنفقون الباقي فيما ينفعكم في العُقبى. أو أن في الكلام تقديماً وتأخيراً، فيكون المعنى: لعلكم تتفكرون في الدنيا وزوالها وفنائها فتزهدون فيها، وفي إقبال الآخرة وبقائها فترغبون فيها (القرطبي، بتصرف).

 

*   *   *

 

إنه اختبار صعب لا يطيقه الأكثرون، ولو قلت إنه هو المطلوب فسوف يزهدون في العطاء من أصله، لذلك فإنني أستدرك فأقول: إن ما سبق هو خطاب الخاصة، وأرجو أنّ في الأمة منهم كثيرين، ولكنه لا يصلح للعامة، فإنه ثقيل. لنتفق على الإنفاق ضمن الوسع، عملاً بالآية في سورة الطلاق: {لِيُنفقْ ذو سَعَة من سَعَته، ومَن قُدِرَ عليه رزقُه فلينفق مما آتاه الله، لا يكلف الله نفساً إلا ما آتاها}. صحيح أنها نزلت في النفقة الخاصة، لكنها قاعدة صالحة في كل إنفاق والله أعلم.

 

عندي أنّ مَن كان من أوساط الناس ثم أنفق ثلثَ “ما يفيض” عن مصروفه في كل شهر فقد جاد وأجاد وبلغ الغاية، أخذتُه من حديث سعد في الوصية، قال: “جاءني رسول الله صلى الله عليه وسلم يعودني عام حجة الوداع من وجع اشتدّ بي، فقلت: يا رسول الله، قد بلغ بي من الوجع ما ترى، وأنا ذو مال ولا يرثني إلا ابنة لي، أفأتصدق بثلثَي مالي؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا. قلت: فالشَّطر (النصف)؟ قال: لا. ثم قال: الثلث، والثلث كثير. إنك إنْ تَذَر ورثتك أغنياء خيرٌ من أن تذرَهم عالة يتكففون الناس”.

 

ومَن كان ذا سعة وآتاه الله المال الكثير بحيث لا تستنفدُ نفقتُه الخاصة إلا أقلَّ القليل منه فإن حقَّ المسلمين في ماله كبير، ولكن كم يبلغ هذا الحق؟ مَن كان يؤمن حقاً بأن كل دينار يصرفه في الدنيا يجده في آخرته ألف دينار إلى مئة ألف فلن يترك التجارةَ المضمونة من أجل مغامرات تجارية تُصيب أو تَخيب. من أراد البركة والنماء من الأثرياء الأغنياء فليصنع كما صنع صاحب الحديقة في حديث السحابة، وإني لأرجو أن يعتقه الله -بإنفاقه- من النار وأن يرفع به مقامه في جنات الخلود.

 

أخرج مسلم عن أبي هريرة أن رجلاً كان بفَلاة من الأرض، فسمع صوتاً في سحابة: أن اسقِ حديقةَ فلان. فتنحّى ذلك السحابُ فأفرغ ماءه في حَرّة، فإذا شَرجة من تلك الشِّراج قد استوعبت ذلك الماءَ كله. فتتبع الماء، فإذا رجل قائم في حديقته يحوّل الماء بمِسحاته. فقال له: يا عبد الله، ما اسمك؟ قال: فلان (للاسم الذي سمعه في السحابة). ثم قال الرجل: يا عبد الله، لِمَ تسألني عن اسمي؟ قال: إني سمعت صوتاً في السحاب الذي هذا ماؤه يقول: اسقِ حديقة فلان، وذكر اسمك. فما تصنع فيها؟ قال: أما إذ قلت هذا فإني أنظر إلى ما يخرج منها، فأتصدق بثلثه، وآكل أنا وعيالي ثلثاً، وأردّ فيها ثلثه”. وفي لفظ: “فإني أجعلها على ثلاثة أثلاث، فأجعل ثلثاً لي ولأهلي، وأردّ ثلثاً فيها، وأجعل ثلثاً للمساكين والسائلين وابن السبيل”.

 

على أن الحاجة تتفاوت بحسب حالة المسلمين، فليست الحاجة في كل الأزمان سواء. فإن كانوا في غَناء ورخاء فلا تثريب عليه أن ينفق القليل، أما إذا كانوا في شدة ولأْواء كيَوم العسرة فإن القليل لا يكفي. ولا أرانا نعيش اليوم في سوريا إلا ظروفاً كظروف الجماعة المسلمة في يوم العسرة.

 

في ذلك اليوم أمر رسولُ الله صلى الله عليه وسلم الناسَ بالصدقة؛ في حديث عمر: “أمَرنا أن نتصدق”، وليس “حثّنا” أو “شجّعَنا”، والأمر -في مثل هذا المقام- يفيد الوجوب لعدم وجود قرينة صارِفة أو مخصِّصة. لقد كان موقفاً تضامنياً وجب على الجماعة كلها أن تتعاون فيه وأن يساهم كل واحد بما يستطيع، فجاء الأمر بالصدقة بعموم وإطلاق، لم يَحُدّ حَدّاً ولم يَقْدِر قَدْراً، وإنما ترك الاختيار لصاحب المال زيادة في الاختبار، فرأينا مَن قدّم مالَه كله كأبي بكر (ومن يطيق أن يكون كأبي بكر؟) ومن قدّم نصفَه كعمر (ومن يطيق أن يكون كعمر؟) ومن جهّز وحدَه نصف الجيش كما صنع عثمان الذي استحق دعاء النبي صلى الله عليه وسلم له وشهادتَه العظيمة فيه: “اللهم اغفر لعثمان ما تقدم وما تأخر، ما ضَرّ عثمانَ ما صنع بعد اليوم”.

 

ما أشبهَ اليومَ بيوم العسرة؛ كم من العُثمانين نحتاج في هذا اليوم العصيب!

 

*   *   *

 

إن المال عزيز على النفس حبيب إليها: {وتُحبّون المالَ حُبّاً جَمّاً}، ومن هنا كان إنفاقه امتحاناً لمن جعلهم الله مستخلَفين فيه: {ويطعمون الطعام -على حبّه- مسكيناً ويتيماً وأسيراً} (أي على حب المال، وهو المعنى الظاهر المتفِق مع الآية السابقة، اختاره ابن عباس وغيره) بل هو من أصعب الامتحانات: {لن تنالوا البِرّ حتى تُنفقوا ممّا تحبون}، فجعل إنفاقنا من المال الذي نحبّ شرطاً لحصولنا على البِرّ الذي نريد.

 

والعمدة في الباب قوله تعالى في آية البقرة: {ليس البِرَّ أن تُوَلّوا وجوهَكم قِبَل المشرق والمغرب، ولكنّ البِرَّ مَن آمن بالله واليوم الآخرة والملائكة والكتاب والنبيين، وآتى المالَ -على حبّه- ذوي القربى واليتامى والمساكين وابنَ السبيل والسائلين وفي الرقاب، وأقام الصلاة وآتى الزكاة} إلى آخر الآية.

 

قال القرطبي في التفسير إن الزكاة ليست هي المقصودةَ بإيتاء المال على حُبّه لأنه جاء بعدها إقامةُ الصلاة وإيتاء الزكاة، فدلّ على أن قوله {وآتى المال على حبّه} ليس في الزكاة المفروضة. ثم قال: “واتفق العلماء على أنه إذا نزلت بالمسلمين حاجةٌ بعد أداء الزكاة فإنه يجب صرف المال إليها. قال مالك رحمه الله: يجب على الناس فداء أسراهم وإن استغرق ذلك أموالَهم. قال القرطبي: وهذا إجماع أيضاً”.

 

يا أيها الناس: إذا أوجب العلماءُ الإنفاقَ ولو استنفدَ المالَ كله لفكاك أفراد من المسلمين من أسر لعلّه طال أياماً أو أسابيع، فماذا نقول في فكاك شعب كامل من أسْرٍ استمرّ نصفَ قرن من الزمان؟

Posted in في الدعوة والإصلاح | أضف تعليقاً

لستم أحراراً في أموالكم يا أيها الأغنياء

لستم أحراراً في أموالكم يا أيها الأغنياء

 

مجاهد ديرانية

 

حدّثني مضيفي قال: أقامت العائلة الفلانية (عائلة سورية في المهجر) عرساً لابنها كلف نحواً من مئة ألف دولار. قلت: هذا حرام. قال: تقصد أنه غير لائق. قلت: بل أقصد أنه غير جائز، حرام. قال: هذه فتوى. قلت: نعم، وأنا مسؤول عنها أمام الله. قال: لكن هذه العائلة معروفة بالعطاء ودعم الثورة، وقد قدمت مئات الآلاف. قلت: وإن يكن؛ العطاء خيرٌ تُؤجَر عليه وإتلافُ المال شَرٌّ يسألها عنه الله. قال: ما دليلك؟ فبيّنت وأفضت بما ألهمني الله أن أقول. قال: انشر ذلك على الناس، فهذا أوانُه. قلت: أفعل إن شاء الله. وهذا هو الموضوع.

 

-1-

 

لم يَحْيَ إنسانٌ قَطّ بلا دم، ولا يدوم جهاد ولا تعيش ثورة بلا مال، لأن المال هو الدم الذي يدور في شرايين الثورة والجهاد فيحفظ لهما الحياة. الجهاد يحتاج إلى سلاح، والسلاح لا يُشترى إلا بالمال، والثورة لن تنجح في البقاء إلا إذا سَلِمت حاضنتها الشعبية، والحاضنة تحتاج إلى المأوى والغذاء والدواء والكساء، وكل ذلك لا يتوفر إلا بالمال.

 

إن أعداء الثورة كثيرون، ولكنها يمكن أن تعيش وتمضي إلى غايتها -بأمر الله- إذا توفر المال، الكثير من المال. لقد كانت الحاجة إلى المال قبل ثلاث سنوات أقلَّ من الحاجة إليه قبل سنتين، وكانت قبل سنتين أقل منها قبل سنة، وكانت قبل سنة أقل منها اليوم، ورغم ذلك فإنّ ما أتانا منه قبل ثلاث سنوات أكثرُ مما أتانا قبل سنتين، وما أتانا قبل سنتين أكثر مما أتى قبل سنة، وما أتى قبل سنة أكثر من الذي يصل اليوم.

 

هذا هو جوهر المأساة: المحنة تتصاعد والحاجة تتعاظم والموارد في انحدار، ولا حل لهذه المعضلة إلا بأن يفتح السوريون -قبل غيرهم- خزائنَهم وجيوبهم بلا حساب. إننا لا نعتب على إخواننا المسلمين الذين ملّوا من كثرة العطاء أو شغلتهم مِحَن المسلمين في غير سوريا من البلدان، إنما نعتب على أهلنا الذين تجمعنا بهم العقيدة والأرض والمحنة وآلام الماضي وهموم الحاضر وآمال المستقبل.

لقد حل بسوريا الدمارُ وأكلت ثلثَيها النارُ وأصاب البلاء من سكانها ملايين، وما تزال طائفة من أهلها تحيا حياة التّرَف والسّرَف وتنفق المال في الترّهات بغير حساب. أيجوز هذا في خُلُق الإنسانية أو يجوز في دين الله؟

 

-2-

 

يقولون: هي أموالنا نتصرف فيها كما نشاء. لا يا سادة، ما هي بأموالكم، إنما هذا مال الله أودعه وديعةً بين أيديكم واستأمنكم عليه ليبتليكم به ولينظر كيف تتصرفون فيه، وهو سائلكم عن تصرّفكم فيه يوم العرض عليه.

 

إنكم تقرؤون هذه الآية في كتاب الله فلا تكادون تقفون عندها: {آمِنوا بالله ورسوله وأنفقوا ممّا جعلكم مستخلَفين فيه}. هل انتبهتم إلى كلمة “مستخلَفين”؟ قال الإمام الطبري: “أي أنفقوا ممّا خولكم الله من المال الذي أورثكم عمّن كان قبلكم فجعلكم مستخلَفين فيه”. وقال القرطبي: “هذا دليل على أن أصل الملك لله سبحانه، وأن العبد ليس له فيه إلا التصرف الذي يُرضي الله. وقال الحسن: مستخلفين فيه: بوراثتكم إياه عمّن كان قبلكم”. ثم عقّب القرطبي فقال: “وهذا يدل على أنها ليست بأموالكم في الحقيقة وما أنتم فيها إلا بمنزلة النوّاب والوكلاء“.

 

هذه هي النقطة الأولى، وهي قاعدة القواعد في الموضوع كله: المال مال الله، وإنما أصحابه في الدنيا هم الأمناء عليه، فكأنهم الصرّافون فيه لا أكثر. وهل رأيتم صرافاً يتصرف في المال الذي وُضع بين يديه أمانةً تصرّفَ المالك في ملكه بغير حَسيب ولا حساب؟

 

-3-

 

ولأنه مال الله فإن الأمين عليه ليس مخوَّلاً ببعثرته وتضييعه فيما لا يفيد، بل له أن يصرف منه على نفسه بالحدود المعقولة، وما فاض فينبغي أن يوجَّه لعمارة الدنيا ونفع الخلق، وهذا لا يكون إلا بالتشغيل الصالح للمال. فإذا كنَزَه صاحبه فإنه يَحرم المجتمع من خيره، لذلك فرض الله فيه الزكاة لتأكله أكلاً متدرجاً، فيُضطر صاحبُه إلى تشغيله واستثماره لكي يعوّض ما تأكله منه الزكاة. ومعلومٌ أن دوران المال بين أيدي الناس أساسُ عمارة الدنيا، فإذا كَنَزه بعض أفراد الجماعة حُرم من خيره الباقون.

 

وإذا بعثرَ صاحبُ المال المالَ بلا حساب وأسرف فيه أضرّ بنفسه وأضر بالجماعة، لذلك وضع الشرع حدوداً للإنفاق واعتبر ما عداها إسرافاً ممقوتاً وتبذيراً يحاسَب المرء عليه، قال ابن حجر في الفتح: “إن الله تعالى جعل المال قياماً لمصالح العباد، وفي تبذيره تفويت تلك المصالح، إما في حق مضيِّعها وإما في حق غيره”.

 

ولا تنسوا أن أكثر الإسراف يكون في الكماليات التي يذهب ثَمنُها إلى غيرنا، أقلُّه إلى أيدي المسلمين وأكثرُه إلى أيدي غير المسلمين، وفيهم العدو الذي يحتاج إلى المال ليبغي علينا، فنزيده من مالنا قوةً إلى قوته ونضيف ببعثرة مالنا إلى ضعفنا ضعفاً، ونزداد في عالَم اليوم هواناً على هوان.

 

-4-

 

لو قلت لولدك: لا تفعل كذا، ثم فعله، ألا يكون عاصياً؟ بلى، فكيف والناهي عن العمل هو الرب العليم الخبير، ينهى عباده عن الإسراف فيقول: {ولا تسرفوا}؟ إنه نَهيٌ صريح بكلام عربي فصيح لا لبسَ فيه ولا غموض. ثم يقول ربنا تبارك وتعالى إنه لن يحبّ مَن يخالف هذا النهي فيقع فيما نُهي عنه: {إنّه لا يحب المسرفين}. قال في “المنار”: “وفي هذه الآية أن الله لا يحب المسرفين، وأنه يعاقبهم على الإسراف بقدر ما ينشأ عنه من المفاسد والمضار“.

 

أليست هذه الآية دليلاً على حرمة الإسراف يا مَن طلبت الدليل؟ لا أقول إنه حرام كالربا والسرقة والغصب والاحتكار، فإن تلك “جرائم اقتصادية” من الوزن الثقيل، ولكن الإسراف أيضاً جريمة اقتصادية، وهو أيضاً مخالفة شرعية، وما من مخالفة إلا وعليها عقوبة. إن العقوبة في الآخرة تشمل كل إسراف، وهي عقوبة صغيرة على ما قَلّ منه وكبيرة على ما زاد. ولكنْ ما صغيرةٌ وما كبيرةٌ في ميزان الآخرة؟ إن المرء لَيَودّ أن يفتدي الذرّة من عقاب الآخرة بالدنيا وما فيها لو كان يستطيع الفداء.

 

لقد وصف الله عباده الذين يحبهم بقوله: {والذين إذا أنفقوا لم يُسْرفوا ولم يَقْتروا وكان بين ذلك قواماً}. وفي حديث ابن عباس: “كُلْ ما شئت واشرب ما شئت والبس ما شئت إذا أخطأتك اثنتان: سَرَف أو مَخِيلة (وصحّحه الألباني في تخريج مشكاة المصابيح. والمخيلة بفتح الميم، على وزن مَدينة، وهي الخيلاء والكبر والإعجاب بالنفس). وأيُّ شيء يكون إنفاقُ مئة ألف في عرس إذا لم يكن سرفاً ومَخيلة؟

 

-5-

 

إن الترفَ سلوكٌ مدمّر للجماعة كلها ولا يقتصر أثره على حساب المترَفين في الآخرة، لذلك نقول إنّ الأخذَ على أيدي المترَفين وحصارَ السلوك التّرَفي المدمر ليس أمراً اختيارياً، بل هو أقرب إلى الفريضة الواجبة على عامة المسلمين وعلمائهم حتى لا يلحق الدمارُ بالجماعة كلها: {وإذا أردنا أن نهلك قرية أمَرْنا مترفيها ففسقوا فيها، فحقّ عليها القول فدمرناها تدميراً}. وهو خطر يزداد عندما يصبحُ المترفون هم قادةَ الجماعة وأمراءها فيقودونها إلى الهلاك، كما في القراءة الأخرى الصحيحة في كلمة “أمرنا”: {وإذا أردنا أن نهلك قرية أمَّرْنا مترفيها ففسقوا فيها، فحقّ عليها القول فدمرناها تدميراً}.

 

إن أكثر الناس ما يزالون يظنون أن الإسراف مسألة شخصية، ولو علموا أنها قضية أمة لتغير رأيهم، فكيف لو علموا أنها من أكبر قضايا الأمة؟ إن أكثر مصائبنا التي نعاني منها منذ قرون سببها الأصلي اقتصادي، فالاستهلاك والإسراف تسبّبا في الديون، والديون جاءت بالأجانب ومنحتهم القوةَ والنفوذ، وهذا النفوذ انقلب إلى قوة وجيوش واستعمار، وأولئك الأجانب الذين أمدّونا بالمال أول مرة عادوا فأخذوه لما احتلوا البلاد ونهبوا ثرواتها.

 

هذا العرض المبسَّط يحكي الحكاية كلها، وهو تبسيط قد يبدو مُخِلاً لكنه صحيح تماماً، واقرؤوا تاريخ الدولة العثمانية في عصرها الثاني وتاريخ مصر من أيام محمد علي، ثم اقرؤوا أخبار واقعنا الحاضر في أكثر البلدان الإسلامية التي صارت رهائنَ لصندوق النقد الدولي ومؤسسات الإقراض الربوية العالمية الاستعمارية… اقرؤوا ذلك كله تَرَوا البرهان على ما أقول: لقد بدأ الأمر كله بإضاعة الأموال وانتهى بإضاعة الأوطان!

 

لا، ما هي مسألةُ أفراد يملكون المال ولهم الحرية الشخصية في إنفاقه؛ إنها مسألة أمة، وقد صارت في سوريا اليومَ (أو كادت) فَيصلاً بين الانتصار والانكسار، فهل يحلّ لنا -بعدُ- أن نسكت عن المسرفين؟

Posted in في الدعوة والإصلاح | تعليق واحد