الثورة السورية: المرحلة الثانية: مقدمة

رسائل الثورة السورية المباركة (34)

الخميس 1 أيلول 2011

الثورة السورية: المرحلة الثانية

مقدمة

مجاهد مأمون ديرانية

سأحدثكم عن رهانين راهنتهما هذه السنة، خسرت أحدَهما وربحت الآخر. لا بأس أولاً أن أبيّن أن الرهان ممنوع شرعاً طالما كان من جهتين، لكنه مُباح من جهة واحدة لأنه يكون عندئذ في معنى الشرط أو النذر. سأوضح بمثال: ابني كنان حاذق في استخراج المال من الجيوب. راقبته في السنة الأخيرة فرأيته يضيع الوقت ولا يكاد يدرس شيئاً، فقلت له: أنت لن تنجح هذه السنة قطعاً. قال: هل تراهنني؟ قلت: نعم. قال: إذا نجحت بمعدل يزيد على ثمانين بالمئة تعطيني خمسين ريالاً؟ فاستسهلت المبلغ واستبعدت نجاحه بذلك المعدل فقبلت… وخسرت الرهان. في هذه الحالة لم يتضمن الاتفاق أن يدفع هو أي غرامة إذا لم يحقق النجاح المطلوب، لذلك نقول إنه رهان من طرف واحد أو أنه بمثابة الشرط، وهو مباح.

أعود إلى رهانَيّ اللذين بدأت حديثي بهما. الأول منهما كان بعد انتصار الثورة المصرية وانفجار ثورتَي ليبيا واليمن. كانت الثورات العربية هي حديث كل مجلس بطبيعة الحال، وفي واحد من تلك المجالس ذُكرت سوريا، فقلت للجالسين: إن سوريا ستثور خلال شهور. فقال أحدهم: لن تثور في مئة سنة! قلت: بل ستثور في بضعة شهور، هل الشعب السوري أقل رجولة من الشعب المصري أو التونسي أو الليبي واليمني؟ قال: ليس بعد حكم البعث خمسين سنة؛ لقد تغيرت النفوس. قلت: تدفع ريالاً إذا ثار السوريون؟ قال: نعم. وتحمس بعض المشاركين فشاركوا في المراهنة حتى بلغت جملة الرهان اثني عشر ريالاً، أي نحو مئة وخمسين ليرة سورية. وما لبث الشعب السوري الأبيّ العظيم أن ثار، وكسبت الرهان ولكني تنازلت عنه مسروراً. لقد كنت مستعداً لدفعه مضاعَفاً ألفَ مرة ليثور شعب سوريا، وقد فعل، بارك الله فيكم يا أعظم أبطال أمة العرب، بل يا أعظم أبطال جنس البشر كله في هذا الزمان، لقد ثرتم على أشد خصم للحرية وأبعده عن الإنسانية وأعظمه إجراماً في هذا العصر. بارك الله فيكم يا أبطال الشام.

الرهان الثاني خسرته، فقد راهنت على أن الثورة ستنجلي عن سقوط النظام قبل العيد، وها أنذا أكتب هذه الكلمات في يوم العيد الثالث والنظام لمّا يسقط. لا، لم تقصّروا أنتم، ولعلي لم أفْرط في التفاؤل، ولكن النظام أفرط في الشراسة وتفوّق على نفسه في الإجرام.

لماذا ضيعت وقتكم بحكاية هذه القصة؟ لأقول ما يأتي: لقد بدأت ثورة سوريا العظيمة بلا خطة ولا إعداد. في أول الأمر خرج عشرات، ثم مئات، ثم ألوف ثم عشرات ألوف ثم مئات ألوف، ولا أستبعد أنهم اقتربوا من المليون ذات يوم. بدؤوا بالغضب ورجاء الإصلاح ثم انتهوا بطلب لا مساومة فيه: إعدام الرئيس وأعوان الرئيس من كبار القتلة والمجرمين. لم يكن لهم منذ البداية شكل محدّد ولا هدف موحّد، ولكنهم سرعان ما صاروا ثورة شعبية عارمة، بل صاروا أجمل وأعظم ثورة في العصر الحديث، لكنْ بقيَ الزمنُ عنصراً مجهولاً طول الوقت.

لقد اتخذ عمالقة الشام القرار ولن يرجعوا إلى بيوتهم قبل تحقيق الهدف: انتصار الثورة وإسقاط النظام، ولكنهم بدؤوا يتعبون من طول الطريق، ومع التعب والخسائر والإصابات وارتفاع مستوى إجرام النظام راحوا يسألون: ماذا بعد؟ أو يتساءلون: هل حققت الثورة السلمية أي نتيجة حتى الآن؟ أو يتشككون: هل ستوصلنا الثورة بصورتها الحالية إلى نتيجة؟ أو ينادون: نريد دعماً دولياً وغطاء جوياً. أو يقترحون: لا بد من عسكرة الثورة والانتقال إلى القتال.

للإجابة عن هذه التساؤلات ومناقشة هذه الأفكار بدأت بكتابة سلسلة مقالات ستأتي تباعاً بإذن الله، وجعلت عنوانها الكبير “الثورة السورية: المرحلة الثانية”، لأني اعتبرت أن الثورة أنهت مرحلتها الأولى مع غروب شمس آخر أيام رمضان ودخلت في مرحلة جديدة تقتضي تطوير وسائل جديدة، وقد بات من الضروريات إحياء الثقة بالثورة وبث روح جديدة فيها والسعي إلى توضيح معالم المرحلة المقبلة.

إن المرحلة الفاصلة بيننا وبين ساعة الحسم قد تكون قصيرة (تُعَدّ بالأسابيع) وقد تطول كثيراً (ستة أشهر أخرى مثلاً أو أكثر)، اعتماداً على آليات الحسم التي سيعتمدها المجتمع الدولي الذي يبدو أنه قرر إنهاء النظام والانتقال إلى سوريا الجديدة، سوريا ما بعد الأسد. إن عالم السياسة مبني على اللعب الخفي والتحرك وراء الكواليس، وفي الظروف الاستثنائية يزداد خفاء الألاعيب السياسية بحيث يتعذر على المراقب الخارجي الجزم بأي احتمال. نعم، إن المؤشرات تشير إلى حسم سريع أكثر مما تشير إلى حرب استنزاف، لكن الحكمة تقتضي من الثورة أن تستعد لمرحلة طويلة شاقة وأن تضع خططها على هذا الأساس، وهذا هو تماماً ما أنشأت سلسلة المقالات الجديدة (الثورة: المرحلة الثانية) من أجله. في رواية سيرفانتيس الشهيرة يقول دون كيشوت: “إن الرجل المستعد يكسب نصف المعركة مقدماً”. إن التفاؤل بالأفضل لا ينبغي أن يصرفنا عن الاستعداد للأسوأ، فلنخطط إذن لمرحلة طويلة شاقة قادمة، ولكن لنرجُ وندعُ الله أن تنتهي المواجهة نهاية سريعة حاسمة لصالح الثورة بإذن الله.

هذه المقالات موجَّهة لكل ثوار سوريا الذين يتحركون على الأرض، ولكل من حمل همّهم ووقف مع ثورتهم وتحمس لقضيتهم في الداخل والخارج، وسوف أجتهد في تقديمها موجَزة مركزة بلا تطويل، لأن من الناس من إذا استطال المقالة تركها جملة واحدة، وأنا حريص على أن لا يفعل وأن يقرأها ويستوعبها ويعمل بها، لذلك سأميل إلى الاختصار. لكني لن أضحّي بتفصيل لا بد منه أو بشرح أجده ضرورياً في بعض الأحيان، فإذا وجدتم شيئاً من الاستطراد الممل فاقفزوا من فوقه، وإذا استطلتم المقالة فتنقّلوا بين فقراتها وخذوا منها خلاصاتها، وأرجو أن ينفع بها الله. أيضاً أريد أن أقدم اعتذاراً مسبقاً بين يدي المقالات الآتيات، فربما وجدتم في محتوياتها بعض التكرار أو التداخل، فإني اضطررت إلى عرض الفكرة في موضع وإعادة استثمارها في موضع آخر مما يوحي بأنها مكررة، وإنما هي ضرورة السياق، فاعذروني.

المقالات الآتية ستعالج القضايا التالية بالترتيب:

(1) ما هي المكتسبات التي حققتها الثورة حتى اليوم؟

(2) هل يمكن أن تنجح الثورة السلمية في إسقاط النظام؟

(3) كيف يمكن أن تنجح الثورة السلمية في إسقاط النظام؟

(4) بين طلب مراقبين دوليين وطلب الحظر الجوي.

(5) لماذا يجب أن نرفض الضربات الجوية؟

(6) لماذا يجب أن نرفض التدخل العسكري الأجنبي المباشر؟

(7) لماذا يجب أن نرفض عسكرة الثورة؟

(8) إعادة تعريف السلمية.

(9) من المعارضة السلمية إلى المقاومة المدنية.

أخيراً أحب أن أقول إنني عادة ما أفقد الصلة مع القراء بعد نشر المقالات في صفحات ومواقع الثورة لأنني لا طاقة لي بمتابعة كل المواقع والصفحات وقراءة الردود والتعليقات، فمن أراد أن يناقش أياً من الأفكار الواردة في المقالات أو يضيف إليها فليصنع ذلك في هذه المدونة

About these ads
This entry was posted in رسائل الثورة. Bookmark the permalink.

7 ردود على الثورة السورية: المرحلة الثانية: مقدمة

  1. يقول Obaydah Ghadban:

    بوركت الجهود أستاذنا ..
    تقوم بواجب كبير باحتمال العبء الفكري للثورة .. فبوركت همتك ووفقك الله .. : )

  2. شكرا أخي الكريم، على المقالات الرائعة، بالنسبة لمتابعة التعليقات، أعتقد أنه يجب أن تتابع أيضا تعليقات موقع أرفلون، لأنه الأشهر في نشر مقالاتك، ولكي يسهل عليك ذلك، اذهب تحت التعليقات في مقالاتك، ستجد عبارة (اشتراك بالبريد الالكتروني) اضغط عليها، وأدخل بريدك، وافعل هذا مع كل الموضوعات، فهذا يمكنك من مشاهدة التعليقات في بريدك، والجواب على ما يلزم منها.
    وهذا الاشتراك لن تجده إلا إذا كان عندك حساب غوغل أو بريد جيميل، وكنت مسجلا الدخول إليه قبل فتح المقال.

  3. يقول hikmat:

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته _لقد كنت في بداية الثورة ارفض وبشدة ان تنقلب ثورتنا السلمية الى ثورة مسلحة وكانت تجول بخاطري دائما فكرة وهي ماذنب الناس الامنين ماذنب الاطفال والنساء والشيوخ المساكين واذ بي أرى بأن هذا النظام السفاح لافرق لديه بين اي مما ذكرت وغايته الوحيدة هي ديمومته ولكن هيهات …هيهات يا قاتلي الأطفال بأن نترككم تعيشون بعد أن قتلتم من قتلتم وشردتم الالاف ويتم أطفالا ورملتم النساء والله لن يسامحنا الله ان نحن تركناكم تهنأون بعيشكم ولن يسامحنا الشهداء وسنبقى ذليلين ان بقيتم على حالكم ولكن كما كنا وسنبقى نهتف(( الموت ولا المذله))…فهنيئا لكل شهيد الشهادة هؤلاء من ضحوا بدمائهم لكي نحيا نحن بعز وكرامة الذين قال الله سبحانه وتعالى فيهم..بسم الله الرحمن الرحيم((ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم ,الا خوف عليهم ولاهم يحزون ))..نعم الا خوف عليكم يا أحرار سوريا فافرحوا ولا تحزنوا فان نصر الله ات ….عاشت سورية حرة…والنصر للثوار…

  4. يقول أبو سليم:

    شكراً للمقالات الرائعة
    لقد أثبت السوريون بأنهم من أقوى شعوب العالم بإصرارهم وعزيمتهم في مواجهة هذا النظام الدموي البائد
    ونشكر كل الأخوة الذين يقومون بمساندتنا في الداخل عبر هذه التحليلات و المقلات الجميلة .
    وشكر خاص للأخ مجاهد مأمون ديرانية من تنسيقية مدينة نوى……….ونحن دائماً ننشر مقالاتك الجميلة على صفحة تنسيقيتنا
    https://www.facebook.com/nawa2011
    وكل الشكر لجهودكم المبذولة

  5. يقول Noor Eldeen Zanki:

    جزيت كل خير أخي الكريم، وأنا من المتابعين لك بشكل ربما يكون متقطع.
    اعذرني ان كان هذا هو التعليق الوحيد لمقالاتك، لكنني أثمن وقتك وتهمني كل ثانية من وقتك.
    لكن اقبل مني كلمة “شكرا” و Like على كل مواضيعك، ربما الآن x34 .
    تقبل تحياتي

  6. تنبيه: الثورة السورية: المرحلة الثانية – مقدمة | أحرار

التعليقات

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. تسجيل الخروج / تغيير )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. تسجيل الخروج / تغيير )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. تسجيل الخروج / تغيير )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. تسجيل الخروج / تغيير )

Connecting to %s