الإصلاح بالدعوة لا بالسلاح

الإصلاح بالدعوة والإقناع لا بالقوة والسلاح

مجاهد ديرانية

لجأت بعضُ الجماعات التي “تحكم” بعضَ الأرياف في المناطق المحررة إلى استغلال قوّتها واستعراض سلطانها على الناس، فأصدرت قراراً بمنع التدخين ومنع بيع الدخان، ثم قامت بملاحقته والقضاء عليه بالمصادرة والتحريق.

والتدخين عادة قبيحة لا ينبغي لعاقل أن يعبّد نفسَه لها، فإن المدخن يحرق ماله ويقتل نفسه، ولأنه ثبتَ ضررُه بتفاوت بين الناس فقد اختلف العلماء فيه بين الكراهة والتحريم. فلا ريب أن المجتمع الصالح المتحضّر سيحرص على تخليص أفراده من هذه الآفة وإنتاج مجتمع خال من التدخين، ولكن هل يكون تنظيف المجتمع من الدخان بالقوة والإكراه؟

هذا عمل تَقْدر عليه أيُّ جماعة تملك السلاح، أيْ أن المناطق المحررة كلها يمكن أن تصبح خالية من الدخان. ولكنّ السلاحَ لن يبقى في أيدي الناس إلى الأبد. ذات يوم (قريب إن شاء الله) سيسقط النظام، وسوف تصبح سوريا دولة مستقلة مستقرة حرة ذات سلطة مركزية واحدة. عندئذ ستختفي الجماعات المسلحة وينحسر السلاح من المناطق المحررة، فهل سيستمر سكانها في ترك التدخين والامتناع عن بيع الدخان بعد انحسار القوة التي حملتهم على تركه بالقَسْر والإكراه؟ هذا هو السؤال الذي يبنغي أن يهتمّ بجوابه العقلاء والمصلحون.

*   *   *

سألت ذات يوم أحد الغربيين عن مسألة شغلت ذهني طويلاً، قلت: لماذا ترك أكثرُ الناس في بلادكم التدخينَ ولم يتركوا معاقرة الخمور؟ أليس الضرر متحقّقاً فيهما جميعاً؟ قال: لم يحاول أحدٌ أن يقاوم الخمور لأنها جزء من الثقافة الاجتماعية للمجتمعات الغربية، أما التدخين فقد تعرض إلى حملات إعلامية مركّزة لسنوات طويلة أوصلت الناسَ إلى قناعة ذاتية بضرره فتخلَّوا عنه طوعاً، واتسعت هذه الثقافة وانتشرت حتى صارت ثقافةَ الأغلبية، ففرضوها على الأقلية المدخنة، وصار التدخين ممنوعاً بالقانون في الحافلات والطائرات والقطارات والمطارات وغيرها من الأماكن العامة.

هذه هي كلمة السر: “وصل الناس إلى قناعة ذاتية بضرره فتخلوا عنه طوعاً”، أي أن القوانين القسرية لم تطبَّق إلا على الأقلية التي خالفت الرأي العام، والرأي العام لم ينشأ بقوة القانون بل بقوة الفكر والإقناع. وقد صنعَت ذلك عندهم أجهزةُ الإعلام، أما عندنا فإنها مسؤولية الدعاة والعلماء والمربين والمفكرين والمصلحين.

*   *   *

إننا نتأكد مرة بعد مرة أن الدعوة هي الطريق إلى الحياة الأخلاقية الإسلامية الصحيحة، ولقد قلتها من قبل ولن أمَلّ من تكرارها: لا حاجة لنا بإسلام يأتي بالقهر والاستبداد، فإن القوة التي تفرضه تزول ذات يوم فيزول التدين معها ويعود الناس إلى حال أسوأ من الذي كانوا عليه، أما القناعة فإنها تبقى ويبقى معها الدين.

نريد أن يصل المسلمون اليوم إلى ما وصل إليه المسلمون بالأمس، حينما حرّم الله الخمر فأهرقوه حتى سالت منه جوانب الطرق في المدينة. لم يرسل النبي صلى الله عليه وسلم الشُّرَط والحرس يدورون على المتاجر والبيوت ليمنعوا بيع الخمر وشربها، ولم يُصدر فرمانات ولا أنذر بعقوبات. لقد ربّى الإيمانَ في نفوس الناس وزرع في قلوبهم خوف الله، ثم أخبرهم بما أحل الله لهم وما حرّم عليهم، فاستجابوا -بأغلبيتهم ومجموعهم- لقانون الإسلام وكانوا هم الحرّاس على حمايته وتطبيقه.

متى يدرك الدعاة والمصلحون أن هذا هو الطريق؟

Posted in في الدعوة والإصلاح | Tagged , , , , , | أضف تعليقاً

تعليق على التدخل العسكري التركي في سوريا

تعليق على التدخل العسكري التركي في سوريا

مجاهد ديرانية

لقد ثار أهل سوريا لإسقاط النظام الطائفي الأسدي وتحرير البلاد من الاستبداد، ولا بد أنهم سيرحّبون بأي عمل يساعدهم على تحقيق هذا الهدف بأقصر طريق، وبأيّ جهد من شأنه تخفيفُ المعاناة عن ملايين المنكوبين والمكروبين، بشرط أن لا يضحّي بمصالح سوريا على المدى الطويل، ولا يصادر حق الشعب السوري في حرية القرار والاختيار.

والثورة تدرك أنها تحتاج -بعد الاعتماد على الله والتوكل عليه- إلى الأخذ بالأسباب المادية الدنيوية التي أُمر المسلمون بالأخذ بها، ويدخل في هذا الباب التحالفُ مع القوى الصالحة والصديقة لمغالبة التحالف الشرير، الذي جمع بين نظام الاحتلال الأسدي ونظام الملالي الطائفي الفارسي في إيران.

*   *   *

لقد كانت تركيا هي الداعمَ الأكبرَ للثورة السورية منذ أول وقتها، وهي العمقُ الإستراتيجي للثورة الذي تكاد الثورةُ تحكم على نفسها بالانتحار لو ضحَّتْ به لأي سبب من الأسباب، لذلك فإن صيانة العلاقة الودية مع تركيا من أوجب الواجبات. وفي هذا السياق أرى أن استعداء تركيا وإطلاقَ الأحكام العشوائية بتكفير نظامها الحاكم ورئيسها المنتخَب، أرى هذا العمل الطائش من أكثر الممارسات بعداً عن الحكمة والصواب، فضلاً عن مخالفته للمنهج الشرعي القويم في الحكم على الأعيان والهيئات.

إن التدخل العسكري التركي الأخير هو نعمة ساقها الله إلينا، علينا أن نحافظ عليها بحسن السياسة وبالحكمة والمعروف، فقد رأينا آثارها المباشرة في تخفيف البلاء عن أهلنا في الشمال، حتى إن حلب التي كان يسقط فيها كلَّ يوم عشراتُ الشهداء بالبراميل المتفجرة صارت تعيش في أمان نسبي بفضل الله أولاً، ثم بفضل التدخل التركي المذكور. فهو في مصلحة ثورة السوريين على المدى القصير، كما أنه في مصلحة سوريا وشعبها على المدى الطويل أيضاً، لأنه سيُعين مئات الآلاف من النازحين على العودة إلى سوريا، وسوف يساهم في إحباط خطة الحزب الكردي اليساري الانفصالي ويساهم في المحافظة على وحدة البلاد.

*   *   *

لقد رأينا خلال الأيام الماضية أن أكبر أبواب التضليل التي دخل منها الغُلاة للطعن في التدخل التركي المبارك هو قتال الأتراك لخوارج العصر (داعش)، وإننا نقول لهؤلاء المرجفين: لقد عانى أهل الشام من البلاء الداعشي مثلَ الذي عانَوه من البلاء الأسدي، فهما كلاهما عندنا سواء في الشر والظلم والإجرام، وإن من حق الشعب السوري أن يتخلص من البلاءين معاً بأي طريق، وإن الاستعانة بالأتراك المسلمين في دفع عادية خوارج العصر ليس مباحاً فحسب، بل هو واجب مطلوب.

أمّا مَن كفّر حكام تركيا لعجزهم عن تطبيق الشريعة جملة واحدة في بلادهم، ثم رتب على هذا الحكم تكفيرَ من استعان بتركيا في قتال داعش، مَن كان هذا شأنه فإننا نقول له: إن تكفير حكام تركيا لعجزهم عن تطبيق الإسلام اليومَ كاملاً في بلادهم يشبه تكفير النجاشي الذي عجز عن الحكم بالإسلام في قومه، ورغم ذلك شهد له النبي صلى الله عليه وسلم بالإسلام. وإن شبهة التكفير بعدم الحكم بالشرع (مع عدم القدرة الكاملة عليه) أضعفُ من شبهة تكفير خوارج العصر (الدواعش) بناء على أقوال طائفة من علماء الأمة المعتبَرين، فلا تَدخلوا معنا في سباق أعرَضْنا عنه طويلاً، وأنتم فيه الخاسرون.

*   *   *

ختاماً نقول: إن موقفنا الواضح من التدخل التركي هو مباركتُه والترحيب به، لما فيه من خير معجَّل وخير مؤجَّل للشام وثورة الشام وأهل الشام، وشكرُ الحكومة التركية عليه بعد شكر المولى الكريم الذي يسّره وأعان عليه، فإنّ مَن لم يشكر الناس لم يشكر الله كما جاء في الحديث الصحيح.

إن تركيا تسحق منّا الشكر والتقدير، ليس لموقفها الأخير وحدَه، بل لكل ما سبق منها من سوابق الخير، وعند الله لا يضيع أجر المحسنين.

Posted in رسائل الثورة | Tagged , , , , , | أضف تعليقاً

إلى الذين انتقدوا الخطاب السياسي لأحرار الشام

إلى الذين انتقدوا الخطاب السياسي لأحرار الشام

مجاهد ديرانية

-1-

{ولن ترضى عنك اليهودُ ولا النصارى حتى تتبع ملّتَهم}… هذه الآية هي أكثر ما ردّ به خصوم الأحرار على المقالتَين الأخيرتين اللتين نشرهما مسؤول العلاقات الخارجية في الحركة، واستدلالُهم بها يدل على أنهم لم يفهموا ما كُتب في المقالتين. إن الخطأ الكبير الذي وقع فيه هؤلاء العاذلون الساخطون جميعاً هو أنهم افترضوا لتلك الكتابات هدفاً خيالياً، ثم حاكموه فأدانوه وجرّموا أصحابه، ولو أنهم أنصفوا لما ارتكبوا هذا الخطأ الساذج.

مَن قال إن الأحرار حاولوا استرضاء أمريكا وبريطانيا بالمقالتين؟ لو كان رضا هاتين الدولتين هو الهدف فإن المقالتين لا تستحقان الحبر الذي كُتبتا به، وهي محاولةٌ محكومٌ عليها بالفشل قبل أن تبدأ. وهل تبلغ السذاجة بقيادة كبرى الحركات الجهادية في سوريا أن تظن أنها ستخدع الإدارة الأمريكية والحكومة البريطانية ببضع كلمات؟ هذا محال ولا يظنه عاقل.

-2-

إن حركة أحرار الشام تعلم (كما يعلم كاتب هذه السطور وقرّاؤها) أن أمريكا عدو ماكر لئيم، وقد كنتُ -ولا فخر- من أوائل الذين حذروا من المؤامرة الأمريكية على الثورة السورية، منذ عام 2011، ولكني لم أدْعُ في أي يوم إلى قتال أمريكا ولا دعا إلى قتالها الأحرارُ، ولا أحدَ في الثورة السورية انضمّ إلى الجبهة العالمية لقتال اليهود والصليبيين، لأننا نعلم أنّ إعلان الحرب على أمريكا حماقةٌ وتحميلٌ للأمة ما لا طاقةَ لها بحمله، ونعلم أن الثورة السورية تملك من الأعداء ما يكفي ويزيد عن الحاجة، فهي لا تسعى إلى استعداء المزيد.

نعم، نعلم ونقول إن أمريكا هي العدو، ليس لنعلن عليها الحرب في البرّ والبحر، بل لنَحْذر مكرها بنا وبثورتنا، أخذاً بالمبدأ القرآني العظيم {هم العدوّ فاحذرهم}. لم يقل “فقاتلهم”، بل قال “احذرهم” فحسب، ليس لأن قتالهم غيرُ ممكن بإطلاق بل لأنه يضرّ أكثر ممّا يفيد. وكذلك قتال أمريكا اليوم، وها هي “القاعدة” قد حشدت وتفرغت لقتالها منذ ربع قرن فلم تزد على أن تسببت في تدمير بلدان المسلمين، ولو فقهَت لعلمت أن الله لا يكلف الأمة ما لا تطيق. فإذا لم تفقه “القاعدة” هذه القاعدةَ، فهل تُلام حركةُ أحرار الشام لأنها فقهتها وأرادت أن تقصّر طريق المحنة وأن تجنب سوريا وأهل سوريا المزيد من الكوارث والأهوال؟

-3-

إن السياسة لا تقوم على المحبة والرضا، فلا يَطلب مَن يمارسها من الطرف الآخر أن يحبه ويرضى عنه، ولا يسعى إلى هذا الهدف الخيالي أصلاً إلا إذا كان من أكثر الناس سطحيةً وسذاجة. إنما يسعى السياسيُّ الحاذق إلى تحقيق مصالح قومه بقدر الوسع ودرء ما يمكن درؤه من المفاسد، وذلك من خلال استغلال التناقضات الإقليمية والدولية، واستثمار المصالح المشترَكة بين بلده وسائر البلدان، وتحريك قوى الضغط الشعبية في تلك البلدان، والتأثير في قواها المجتمعية والسياسية وفي مراكز صنع القرار.

إن العمل السياسي مكمّلٌ للعمل العسكري، وكما أن للعمل العسكري حدوداً شرعية لا ينبغي على المجاهد المسلم تجاوزُها فكذلك العمل السياسي، له حدود شرعية لا يجوز للسياسي المسلم أن يتجاوزها. ومن أهم ما يُطلَب من الاثنين الوفاء للثورة وحماية مبادئها وأهدافها الكبرى، فهل يستطيع أحدٌ أن يستخلص من مقالتَي لبيب النحاس ما يتجاوز الحدودَ الشرعية أو يتنازل عن شيء من المبادئ والأهداف؟

-4-

إن الحروب تصنع الشروط اللازمة للنصر، ولكن الحصاد لا يكون إلا في أروقة السياسة وعلى طاولات المفاوضات. لقد انتهت حرب كونية استمرت ست سنين وأفنت ستين مليون نفس على الطاولات في يالطا، وحققت إسرائيل نصرها الحقيقي على الطاولات في رودس بعدما حطمت جيوشَ العرب في تمثيليات سُمِّيت زوراً بالحروب. وعاجلاً أو آجلاً ستُحسَم ثورتنا وتُقال الكلمة الأخيرة فيها على طاولات مشابهة، وسوف تكون حاجتُنا إلى الخبرة والكفاية السياسية حينها كحاجتنا إلى الخبرة والكفاية العسكرية اليوم، فلنبدأ ببناء الكوادر السياسية وتطوير العمل السياسي قبل أن يدركنا الوقت ويفوت الأوان.

علينا أن نتعلم استخدام أدوات السياسة كما تعلمنا استخدام أدوات الحرب، فإن العمل السياسي جزء من المعركة لا يَسَعُنا الزهد فيه وتركه للآخرين، وما أكثرَ ما نجحنا في الحرب لأننا نملك الشجاعة والإقدام، وما أكثرَ ما خسرنا في السياسة لأننا هِبْناها فاجتنبناها، أو لأننا خضنا في بحرها اللُجّي بلا إعداد وتدريب.

وها نحن اليوم نسلك هذا الطريق بحذر وننقل فيه الأقدام كمن يمشي في حقل الألغام، ففيمَ اللوم وعلامَ تُجرَّد علينا الأقلام؟ لقد أثبتت “القاعدة” أنها لم تنجح في السياسة قط ولم تكسب حرباً ولم تحرر بلداً من بلدان المسلمين، فكفّوا -يا منظّريها- عن أحرار سوريا وكفوا عن “أحرار الشام”، فإنهم لم يخذلوا ثورتنا في الميدان ولن يخذلوها في أروقة السياسة إن شاء الله.

Posted in رسائل الثورة | Tagged , | أضف تعليقاً

كُفّوا عن أحرار الشام

كُفّوا عن أحرار الشام

مجاهد مأمون ديرانية

قبل ثلاثة أيام نشرت جريدة “واشنطون بوست” الأمريكية مقالة كتبها لبيب النحاس، مدير مكتب العلاقات الخارجية في حركة أحرار الشام الإسلامية، فقامت الدنيا ولم تقعد، وخاض في الأمر من يعلم بعلم ومن لا يعلم بغير علم، وذهبت التوقعات والتخرصات ذات اليمين وذات الشمال.

نُطمئن المحبّين والمشفقين، ونؤكد للطاعنين والمرجفين: إن حركة أحرار الشام لم تُبدّل ولم تغير، وإنها ما تزال ماضية على الطريق الصحيح إن شاء الله. ليس الطريق الذي يرضاه أعداء سوريا وخصومُها، ولا الطريق الذي يحبه الذين اتخذوا من آلام السوريين وتضحياتهم مِرقاةً يرتقون عليها إلى مشروعهم الخاص، بل الطريق الذي اختاره وارتضاه أحرار سوريا لأنفسهم ولبلدهم، الطريق إلى دولة مسلمة قوية مستقلة ومجتمع مسلم حر كريم.

*   *   *

في الخامس من أيلول الماضي نشر قيادي الحركة، أبو يزن الشامي رحمه الله، نشر رسالته التاريخية الشهيرة التي قال فيها: “نحن أحرص على الساحة الشامية لأنها بلدنا وثورتنا وفيها استُشهد أعزّ إخواننا من كل الفصائل. نعم أنا كنت سلفياً جهادياً وحُبست على هذه التهمة في سجون النظام، واليوم أستغفرُ الله وأتوب إليه وأعتذر لشعبنا أننا أدخلناكم في معارك دونكشوتية كنتم في غنى عنها. أعتذر أننا تمايزنا عنكم يوماً، لأني عندما خرجت من السجن الفكري الذي كنت فيه واختلطت بكم وبقلوبكم قلت: صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم -وهو الصادق المصدوق- عندما قال: “إذا فسد أهل الشام فلا خير فيكم”. أعتذرُ منكم، أعتذر، وإن شاء الله قابل الأيام خيرٌ من ماضيها لثورتنا ولإسلامنا”.

لم يكن هذا هو موقف أبي يزن وحده، بل كان هو الرأي الجامع الذي اتفق عليه قادة الحركة الكبار، الذين قرروا قراراً لا رجعة فيه: “أن تلتحم الحركة بالشعب السوري، وأن يكون جهادُها جهادَ أمة لا جهاد نخبة”. بعد أربعة أيام من نشر تلك الكلمة التاريخية استُشهد أبو يزن واستُشهد القادة جميعاً، رحمهم الله. مَضَوا إلى رحمة الله، ولكن الفكرة بقيت، لأن الأفكار لا تموت، وما لبث القادة الجدد -وفقهم وحماهم الله- أن استلموا الراية وأكملوا الطريق.

*   *   *

لم يبدل الإخوة ولم يغيروا. كانت حركة أحرار الشام ملكاً للسوريين جميعاً وبقيت كذلك. كان عامةُ الناس هم همَّها ورفعُ المعاناة وكشف المحنة عنهم هو هدفَ الحركة، وما يزال.

ما هو التنازل الخطير الذي قدمته حركة أحرار الشام كما يزعم المرجفون؟ لقد أكدت الحركة -في هذه المقالة الأخيرة- جديتها في قتال النظام وفي قتال داعش، فمَن يجادل في وجوب قتال الاثنين؟ لا يجادل في قتال داعش وقتال النظام إلا أحمق بلا عقل أو خائن بلا دين. أمّا أمريكا فقد عَلمنا ما انطوت عليه من كذب وغدر ومكر بسوريا وأهلها وثورتها، فنحن نَحْذر منها حَذَرَ العاقل من عدوه (هم العدو فاحذرهم) ولكنّا لم تبلغ بنا الحماقة أن نستعدَيها على الشعب السوري لتأتيه بالجحافل والأساطيل، فإنّ ما اجتمع على سوريا من الأعداء يكفي قارة بأكملها ويزيد، فلا حاجةَ بنا إلى استعداء المزيد.

فهل ينقم الناقمون على حركة أحرار الشام أنها تسعى بكل سبيل لتخفيف المحنة على أهل سوريا وتقصير طريق الآلام؟

*   *   *

كُفّوا عن أحرار الشام. ما يسوؤكم في قوم اختاروا أن يكونوا في خندق واحد هم وعامة الناس؛ قوم حملوا هَمّ الناس وشعروا بمعاناة الناس وأبَوا أن يكونوا وَقوداً لمشروعات الغرباء؟ لئن سخط على الحركة بعضُ الساخطين فيكفيها أن تنافح عنها مئات الأقلام وأن ترتفع ملايين الأكفّ لها بالدعاء.

في يوم من الأيام قدّم رجل من المسلمين اسمُه عبد الله بن حذافة تنازلاً هائلاً بميزان الناقدين الناقمين على الحركة اليوم: قبّلَ رأس كبير الروم! لو أدركوه لقالوا: انظروا كيف فرّط هذا المسلم وتنازل وهانت عليه نفسُه بعدما رفعه الإسلام، حتى رضي أن يقبّل رأس علج من العلوج؟!

لحسن حظه أنه عاش في زمان العمالقة لا في زمان الأقزام، الذين فهموا الدين على حقيقته لا الذين فهموه بالمقلوب، الذين يعلمون أن دم امرئ مسلم أغلى من الدنيا وما فيها، فقال حكيم الإسلام وأعظم فقهاء الأمة وخليفةُ خليفةِ رسول الله صلى الله عليه وسلم، عمر بن الخطاب رضي الله عنه، قال: حقٌ على كل مسلمٍ أن يقبِّل رأس عبد الله بن حذافة، وأنا أول من يصنع ذلك”… هذا وهو قد استنقذَ من الأسر بضعة أنفس، عشراتٍ فحسب، فكيف بمن يسعى لاستنقاذ ملايين؟ لو كان الأمر إليّ لقلت: حق على كل سوري أن يقبل رأس لبيب، وأنا أول الفاعلين.

Posted in رسائل الثورة | Tagged , , | تعليق واحد

الغوطة في فم البركان

الغوطة في فم البركان

مجاهد ديرانية

-1-

أرى خَلَلَ الرماد وَميضَ جمر   ***   ويوشك أن يكون له ضِرامُ

فإنّ النارَ بالعودَين تُذكَى   ***   وإن الحرب مَبدؤها كلام

فإنْ لم يُطفِها عقلاءُ قوم   ***   يكون وَقودَها جثثٌ وهام

هذه أبيات حفظها التاريخ من رسالة أرسلها نصر بن سيّار، آخر ولاة الأمويين على خراسان، إلى مروان بن محمد، آخر خلفاء بني أمية في المشرق، حينما أحس بالخطر القريب والانفجار الوشيك. ولو أن مروان أصغى ووعى لتغير التاريخ، ولكن قضاء الله مضى ولم يَرجع للنداء صدى، فطُويت رايةٌ ونُشرت راية وبادت دولة وسادت دولة. فهل سيجد هذا النداء في عقلاء الغوطة اليومَ سامعين؟

-2-

التظاهر حق مشروع لكل المواطنين في سوريا الحرة، الآن وفي كل آن، وهو من أهم أدوات المقاومة السلمية التي يملكها الناس لإيصال صوتهم والتعبير عن أنفسهم ولحصار الخطأ والأخذ على أيدي المخطئين، فلا يحق لأي شخص كان مصادرة هذا الحق لأي سبب كان.

ولكن لننتبه إلى أمر مهم: إن التظاهر أداة من أدوات التعبير والتغيير، وكل أداة يمكن أن تُستخدَم في الخير والشر، فالسكين التي يُذبَح بها خروف العيد هي السكين التي قطعت بها داعش رؤوس كرام المجاهدين. أفلا يمكن -إذن- استثمارُ المظاهرات في الشر والتخريب؟

بلى. فإذا كانت كذلك فهل يحق للسلطة التنفيذية منع التظاهر لدفع المفاسد المحتمَلة؟ لا، لا يجوز، وإلا لفقد الناس أهم أداة من أدوات التغيير السلمي ولم يبقَ لهم إلا خياران: الرضا عن الخطأ والقَبولُ بالاستبداد، أو استعمالُ القوة واللجوءُ إلى الإصلاح بالسلاح، وعندئذ سنقع في ضرر أكبر وندفع المفسدة المحتمَلة بمفسدة محقَّقة.

-3-

إن غاية ما يُطلَب من السلطة التنفيذية هو الحيلولة دون تحول المظاهرات إلى أداة تخريب وإفساد، فيُمنع المتظاهرون من حمل السلاح، ولا يسمح للمظاهرات بالاعتداء على الأملاك الخاصة والعامة ولا على جماعات وأفراد الناس، ولا يُسمَح لها بإهانة قيم الأمة ومقدّساتها أو الاجتراء على حرمات الله.

كما كان لأحرار سوريا الحق في الثورة على تجاوزات النظام فإن لهم الحق في الثورة على تجاوزات الفصائل؛ من حقهم أن يتظاهروا في الغوطة وفي إدلب وفي حلب، فيهتفوا ضد فيلق الرحمن أو جيش الإسلام أو جبهة النصرة أو الجبهة الشامية، ومن حقهم أن ينتقدوا قائد هذا الفصيل وذاك وأن يطالبوا بمحاسبة المخطئين ومعاقبة المفسدين، ولكن ليس من حقهم أن يعتدوا على أحد أو يحوّلوا الانتقاد إلى شغب وتخريب.

-4-

اختلط الحق بالباطل في مظاهرات الغوطة، ففي المتظاهرين من ينتقد الخطأ ويسعى إلى رفع الظلم، وفيهم من يستغل الاحتقان الناشئ عن الحصار لتحقيق أهداف آثمة. هؤلاء الآخَرون لا يريدون الخير للغوطة وأهلها بل يريدون تحقيق مآربهم وحماية مصالحهم والمحافظة على مكتسباتهم، وهم خليط من عملاء النظام وتجّار الحروب، التقت مصالحهم مع مصالح فصيل يريد أن يحقق مشروعه الخاص ولو على حساب استقرار الغوطة وأمن الناس.

فكيف يمكن فصل الحق عن الباطل في هذه المظاهرات، وكيف يمكن حماية الغوطة من عبث العابثين؟ الحل في أيدي أحرار الغوطة المخلصين العقلاء: مقاطعة المظاهرات المجهولة التي تحركها أيدٍ خبيثةٌ من وراء الستار، وترك الفئة المنتفعة لتخوض المغامرة منفردةً بلا ظهر ولا غطاء. وبعد ذلك ينظم الشرفاء الأحرار أنفسَهم ويحددون مطالبهم العادلة، وسوف يجدون معهم كثيراً من الأصوات الحرة التي تدعمهم وتقف معهم، فإن الحق يعلو ولا يُعلَى عليه والخير في الأمة كثير.

-5-

استمعنا أمس إلى الكلمة المخلصة التي أذاعها شيخنا وشيخ الجميع، الشيخ أسامة الرفاعي، ودعا فيها إلى الإسراع بتبييض السجون، بمعنى إطلاق الموقوفين الذين اعتُقلوا ظلماً ولم تصدر بحقهم أحكام قضائية، أو صدرت وتم تنفيذ العقوبة وبقوا في الاعتقال. وهي دعوة عظيمة خَيّرة ينبغي على المعنيين في الغوطة المسارعةُ إلى تنفيذها، فلا يجوز أن يبقى في السجون بريء، ويدخل فيها إطلاقُ سراح كل من تم اعتقاله أو توقيفه خلال الأيام القليلة الماضية على خلفية المظاهرات، إلا من ثبت أنه عنصر مدسوس من داعش أو النظام.

ويتبع ذلك القيامُ بإجراء حاسم طالما دعونا إليه وطالبنا به، وهو إغلاق جميع السجون الخاصة أو نقل الإشراف عليها من الفصائل إلى القضاء، ويشمل هذا الطلبُ سجنَ التوبة وغيرَه من السجون الفصائلية في الغوطة، فإما أن تُغلَق أو تسلّم إدارتها للمجلس القضائي الموحد.

وتنطبق هذه القاعدة المهمة على جميع السجون والمعتقلات الخاصة في المناطق المحررة، فقد أساءت هذه السجون إلى الثورة وقدمت صورة سوداء عن دعاة الحرية الذين هتكوها في معتقلاتهم، ومن شاء فليقرأ تقرير “الشبكة السورية لحقوق الإنسان” الذي صدر قبل ستة أسابيع بعنوان “في انتظار العدالة: أبرز مراكز الاحتجاز التابعة للمعارضة السورية”، فإنه تقرير مؤلم يدفع المرء إلى التساؤل المرير: هل ثار الشعب السوري وقدم التضحيات الجِسام ليستبدل طاغية بطاغية وجلاداً بجلاد؟

-6-

أخيراً لا بدّ من حزمة إصلاحات تُضاف إلى ما سبق ويتم تنفيذها على وجه السرعة، لكي تحمي الغوطة من احتقانات أخرى في المستقبل وتحفظ لها استقرارها وتماسكها وأمنها، وتتضمن الإجراءات الثلاثة التالية:

1- إنهاء الفوضى الأمنية والقضائية التي سادت في الغوطة لوقت طويل والتي أباحت لأي فصيل اعتقال من يشاء في أي وقت يشاء! فلا يُعتقَل أحدٌ إلا بمذكرة قضائية صادرة عن المجلس القضائي الموحد حصراً، فهو الوحيد الذي يملك حق التوقيف والمحاكمة وتنفيذ الأحكام.

2- تشكيل لجنة مشتركة “مدنية عسكرية” لإدارة الأنفاق والإشراف على إدخال وتوزيع البضائع والمساعدات، على أن تضم ممثلين عن القيادة المشتركة والمجلس الإغاثي الموحد والمجالس المحلية.

3- تفعيل الإدارة المدنية للغوطة وإعادة هيكلة مؤسساتها السيادية -القيادة الموحدة والمجلس القضائي الموحد والمجلس الإغاثي الموحد ومجالس الإدارة المحلية- بحيث تصبح أكثرَ تمثيلاً للقوى الثورية والحاضنة السكانية، واعتماد مبدأ إلزامية الشورى على كل المستويات، فإن الشورى المُلزمة هي الضمان الوحيد من الاستبداد، وكل تكريس لسلطة الفرد وتعطيل للشورى الملزمة إنما هو عودة إلى أيام الأسد، ولو اختلفت العناوين والألوان.

Posted in رسائل الثورة | Tagged , , , , , , , | أضف تعليقاً

وقت الفجر

تعليق فلكي شرعي

على الخلاف في تحديد وقت الفجر

مجاهد ديرانية

ما يزال الخلاف في إثبات وقت الفجر يتجدد كل عام، منذ أن ظهرت قبل بضع سنين الدعوةُ إلى تأخيره عن الوقت المعلَن في معظم تقاويم العالم الإسلامي، وكانت حجة المخالفين أنهم رصدوا الفجرَ بهيئته الشرعية الموصوفة فلم يروه في الوقت الذي حدده التقويم، بل رأوه بعده بوقت معتبَر يبلغ عشرين دقيقة أو ثلاثين، فهم يريدون دفع وقت الفجر بهذا المقدار، فلا يصلّون إذا أذّن المؤذّنون، وربما استمروا بالأكل في رمضان عشرين دقيقة بعد الأذان، لأنهم يرون أن الأذان متقدم على الفجر الحقيقي بهذا المقدار.

وأنا امرؤ مَنَّ الله عليه بالاشتغال منذ أربعين سنة بالأمرين معاً، علم الفلك وعلوم الشريعة، فرأيت أن أعلّق على هذا الخلاف بما أرجو أن يكون إضافة ذات نفع للمسلمين، داعياً إخواني الأفاضل من أهل العلم الشرعي والكوني إلى المناقشة والاستدراك بحثاً عن الصواب.

-1-

لا خلاف بين العلماء على أن وقت الفجر يبدأ بطلوع الفجر الصادق، أي الضوء الذي يظهر مستعرضاً (أي ممتداً بالعرض) فوق الأفق على يمين ويسار النقطة التي ستشرق منها الشمس آجلاً، وهو مختلف عن الفجر الكاذب: شعاع الضوء الذي يظهر طولياً متعامداً على الأفق مثل عمود البرق. فهذه المسألة -إذن- من مسائل الخلاف العمَلي وليست من مسائل الخلاف الفقهي، لأن تمييز الفجر الصادق ليس بسهولة تحديد وقت الظهر مثلاً، حين يكون ظل الشيء أقصرَ ما يكون، ولا وقت المغرب، حين يغيب قرص الشمس كله تحت الأفق.

هذه المواقيت سهلةُ التحديد بلا لَبس ولا مجالَ فيها للفروق والاختلافات، فالشمس إذا غاب حاجبُها واختفت تماماً في السادسة وست دقائق مثلاً فلا يمكن أن يدّعي أحدٌ أن وقت صلاة المغرب يدخل في السادسة وخمس دقائق، ولا يستطيع أحدٌ أيضاً أن يدّعي أن الوقت لم يدخل في السادسة وسبع؛ إنه وقت دقيق محدَّد تحديداً صارماً، هذا مع ملاحظة أن يكون غياب الشمس تحت الأفق المستوي، كأفق البحر والصحراء الممتدة، لا خلف جبل مرتفع أو بنايات عالية أو سواها مما يحجب الأفق ويعطل الرؤية.

أما الفجر الصادق فخبّروني: لو قال واحد إنه رآه في الرابعة وخمس وخمسين دقيقة، أفلا يستطيع آخر أن يحاجَّهُ فيقول: أنا رأته عيناي في الرابعة وسبع وخمسين دقيقة؟ أو يقول ثالث: أنا رأيته في الرابعة واثنتين وخمسين؟ أي أن فرق الدقائق هنا لا يمكن تفنيده بصورة قطعية لأن طلوع الفجر ليس له مقياس فيزيائي صارم. إنه رؤية تراها عين الخبير فقط، وهي رؤية تتأثر بعوامل لا حصرَ لها: كحدّة النظر، وصفاء السماء، واحتجاب القمر، وخلوّ الأفق من التضاريس المرتفعة (كالهِضاب والجبال)، وبُعد موقع الرصد عن الوهج الذي تسببه أضواء المدن المعاصرة.

إننا نقيم اليوم كلنا (أو جلّنا) في مدن كبيرة يمتدّ وهجُ ضيائها عشرات الكيلومترات خارجَ حدودها، حتى إنني أردت رؤية مذنب هالي المشهور حين دنا من الأرض منذ تسع وعشرين سنة، فخرجت من مدينة جُدّة التي أقيم فيها وابتعدت عنها أكثر من أربعين كيلاً إلى الشمال، ولكنّ شدّةَ الوهج منعتني من رؤية المذنب حتى على تلك المسافة الشاسعة عن المدينة، فعدتُ خائباً. فهذه حقيقة علمية واقعية ينبغي أن تؤخَذ في الحسبان، وهي مسألة من شأنها أن تؤخّر إحساس أعيننا بظهور الفجر ربع ساعة أو ثلث ساعة، وربما أكثر من ذلك في بعض الأحيان.

وماذا عن التضاريس؟ لنفرض أن ضوء الفجر “جرم” يمكن رصده مثل القمر، فلو أن القمر أشرق فوق الأفق المُستوي (أفق البحر) في الرابعة وثلاثين دقيقة مثلاً، فمتى يشرق فوق هضبة ارتفاعها الزّاويُّ من موقع الرصد عشر درجات؟ الجواب: في الخامسة وعشر دقائق! أي أنّ تغيراً طفيفاً في التضاريس يمكن أن يؤخر “الرؤية البشرية” لولادة الفجر بأكثر من نصف ساعة!

-2-

لما كان الأمر على هذا المقدار من الصعوبة اجتهد أهل العلم الشرعي في العصر الحاضر، أعني في القرن الأخير الذي تقدمت فيه العلوم نسبياً، ورأوا أن الأمر لن يُحدَّد تحديداً صارماً يقي الأمةَ الخلاف إلا بتحديد طلوع الفجر اعتماداً على درجة انخفاض الشمس تحت الأفق.

نحن نعلم أن الأرض تدور حول نفسها من الغرب إلى الشرق، وكلما دارت ظهرت فوق الأفق من الناحية الشرقية الأجرامُ التي كانت مغيَّبة، الشمسُ والكواكب والنجوم، ونقول عندئذ إن تلك الأجرام “أشرقت”. ولما كانت الشمس أسطعَ هذه الأجرام فإن ضياءها يصل قبلَها، فإذا ما اقتربت من الأفق اقتراباً كافياً بدأ هذا الضياء بالظهور رويداً رويداً، يبدأ ضعيفاً ثم يشتدّ ويَقوَى حتى تشرق الشمس نفسُها أخيراً. فما هو القدر الذي إذا جاوزته الشمس وهي ترتفع من وراء الأفق كان قدراً كافياً ليطلع علينا الفجر الصادق؟ أو بعبارة علمية أدق: ما هو الانخفاض الزاوِيّ الأدنى للشمس الذي يسمح بطلوع الفجر؟

هذه مسألة من مسائل الجغرافيا الفلكية، وقد بُحثت منذ نحو قرن من الزمان، وأحسب أنها بحثت أولاً في مصر واتُّفق على أن تحدَّد بتسعَ عشرةَ درجة قوسية، وهو الرأي الذي اعتُمد في تقويم “أم القرى” في المملكة العربية السعودية أيضاً. أما في القارة الهندية وما حولها فقد حُدِّدت القيمة بثماني عشرة درجة، وهو الرأي الذي اعتمدته رابطة العالم الإسلامي (وبالمناسبة فإن وقت العشاء ينطبق عليه الاجتهاد ذاته). وعلى هذا يكون أكثرُ العالم الإسلامي قد اتفق على قيمة لانخفاض الشمس الزاويّ تبلغ تسع عشرة درجة في حدّها الأعلى وثماني عشرة درجة في حدها الأدنى، أي بفارق درجة واحدة.

وكما هو معروف فإن الدرجة الواحدة في القياس الزاويّ تعادل أربعَ دقائق من الزمن، لأن في اليوم 1440 دقيقة وفي الدائرة 360 درجة (هذه هي قيمة الدرجة على خط الاستواء حيث يكون مسار الشمس الظاهري عمودياً على الأفق، وكلما ارتفعنا شمالاً أو انخفضنا جنوباً تزداد قيمة الدرجة بسبب مَيَلان مسار الشمس الظاهري، حتى إنها قد تصل إلى عشر دقائق أو أكثر من ذلك في بعض الحالات). أي أن فرق الحساب بين أي منطقة وأخرى لا ينبغي أن يتجاوز بضع دقائق زيادة أو نقصاناً، فمن أين جاءت الفروق الكبيرة التي بدأنا نسمع عنها في السنين الأخيرة، والتي تبلغ نصف ساعة في بعض الأحيان؟

يبدو أنها جاءت من جمعية اتحاد مسلمي أمريكا الشمالية (الإسنا) التي اختارت قيمة أكثر تحفظاً بكثير، وهي خمس عشرة درجة، وبذلك صار الفارق بين تقديرها وبين التقويمين المصري والسعودي أربع درجات، أو ما يتراوح بين ست عشرة دقيقة ونصف ساعة في معظم البلدان الإسلامية. ثم انتقلت العدوى إلى بلدان الشرق العربي، فظهرت في مصر والأردن والسعودية وغيرها من البلدان دعوات متفرقة إلى تصحيح التقاويم المحلية وتأخير الفجر عن وقته المعتاد عشرين دقيقة أو ثلاثين.

-3-

نصل الآن إلى السؤال المهم: أيُّ الاجتهادات أدقّ وأصوب؟ الجواب الذي أطمئنّ إليه هو موافقة اجتهاد جمهور الأمة. ولا أعني بالجمهور هنا المصطلح الفقهي تماماً، لكنه قريب منه، لأن أصحابه فريق كبير من علماء الشريعة والمساحة والجغرافيا الفلكية في عدد كبير من البلدان الإسلامية، وهو اجتهاد بقي محلَّ رضا وقَبول خلال قرن من الزمان أو نحوه، كما أنه التوقيت الذي يتفق مع الأحاديث التي وصفت وقت صلاة الفجر، واتفقت كلها على أنها كانت بغَلَس. والغلس هو اختلاط آخر الليل بأول ضوء الصباح، أو أنه اختلاط الظلمة بالنور مع غَلَبة الظلمة.

في حديث جابر الذي وصف فيه مواقيت الصلوات الخمس: “كانوا يصلون الصبح بغَلَس” (أخرجه الشيخان وابن حبان واللفظ له)، وفي حديث ابن عباس المشهور في المواقيت الذي أخرجه الترمذي وصحّحه الألباني: “أمَّني جبريلُ عليه السلام عند البيت مرتين”، فحدد لكل صلاة وقتَين ثم قال في آخره: “يا محمد، هذا وقت الأنبياء من قبلك، والوقت فيما بين هذين الوقتين”. وفي الحديث وصف أول وقت الفجر وآخره، ففي المرة الأولى: “ثم صلى الفجر حين برَقَ الفجرُ وحُرِّم الطعام على الصائم”، وفي الثانية: “ثم صلى الصبح حين أسفرت الأرض”.

فعلمنا من هذا الحديث أن أول الوقت هو ظهور أول أثر للفجر وآخره هو الإسفار قبل الشروق، ثم علمنا من سائر أحاديث الباب أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي الصبح في أول الوقت لا في آخره. عن أبي مسعود الأنصاري، عقبة بن عمرو بن ثعلبة، أن النبي صلى الله عليه وسلم صلّى الصبح مرّةً بغَلَس، ثم صلى مرة أخرى فأسفر بها، ثم كانت صلاتُه بعد ذلك التغليس حتى مات”.

-4-

ولعل أكثر ما شرح صدري للتقدير القديم الذي اجتمعت عليه الأمةُ ودفعني إلى ردّ كل ما طرأ على المسألة بأخَرَة من تشكيك ومشاغبات هو حديث عائشة المشهور في الباب، فإن رواياته كلها تُجمع على صفة مهمة، هي أن النبيّ صلى الله عليه وسلم صلى الصبح بغلس وانصرفَت النسوة لا يُعرَفن من الغلس (أو لا يعرف بعضُهن بعضاً في لفظ آخر). وهذه الصفة لا تتحقق إلا في الظلمة الغالبة، فإن الغلس الحقيقي يختلط فيه أولُ ضوء النهار بظلام الليل ولكن الظلمة تغلب، بحيث يستطيع الرائي أن يميّز الأجسامَ بالجملة، ولكنه يعجز عن رؤية الدقائق والتفاصيل، ولو أن قليلاً من الوقت مضى لزاد الإسفار فكشف لأي واحد وجهَ مَن معه فعرفه بلا عناء.

ولا يَقُلْ أحدٌ إن الانصراف هو الذهاب إلى الصلاة، فإنها لفظة صريحة في الإياب لا في الذهاب، وقد بوّب البخاري بقوله: “باب سرعة انصراف النساء من الصبح وقلّة مقامهنّ في المسجد”، أي بعد الصلاة. وقد جادلني بعض مَن حاججتهم بهذا الحديث فقالوا إن نساء الصحابة عجزنَ عن معرفة بعضهنّ بسبب تغطية وجوههنّ! وهذا إغراب وتكلّف مردود، لأن النص صريح واضح في ذكر العلّة: “لا يُعرَفن من الغلس”، وفي رواية أخرى: “ثم ينقلبنَ إلى بيوتهنّ وما يُعرَفنَ، من تغليس رسول الله صلى الله عليه وسلم بالصلاة”.

فلزم إذن أن يكون مُنصرَفُه صلى الله عليه وسلم من الصلاة في ظلمة غالبة. والصلاة لا بد لها من عشرين دقيقة على الأقل إلى نصف ساعة، يعرف ذلك كلُّ مَن صلى خلف إمام متّبع لسنّة النبي صلى الله عليه وسلم، فإن المأثور في الفجر التطويل، فكان عليه الصلاة والسلام يقرأ ما بين الستين إلى المئة آية، ويقرأ من أمثال سورة ق والسجدة والإنسان، وكل هذا مروي في الأحاديث الصحيحة.

والآن ليقم أي منكم بتجربة صغيرة مع أحد إخوانه: يصلّيان الفجر في موضع بعيد عن العمران وعن أضواء المدن الكبيرة، ولتكن هذه التجربة في ليلة غاب قمرُها مبكراً حتى تكون تجربة مُحكمة، ولنأخذ بالتوقيت الجديد الذي يقترح أصحابُه تأخيرَ الوقت القديم عشرين دقيقة على الأقل. سوف يستغرق الرجلان عشر دقائق للوضوء والوصول إلى المسجد، فهذه نصف ساعة بعد دخول الوقت الأصلي المعروف، ثم يصليان الفجر صلاةً سنّيةً تُوفَّى حقها من القراءة والقيام والركوع والسجود والقعود، ثم ليخرجا من المسجد وينظرْ أحدُهما في وجه صاحبه: هل يستبين تفاصيل وجهه أم يعميها الغلس؟

الجواب محسوم بالتجربة. سترون أن الصبح أسفرَ حتى ليعرف الواحدُ صاحبَه تمام المعرفة، بل إنه ليميز أدق التفاصيل. هذا أمر مجرَّب مُشاهَد لا شك فيه، أفلا تجدونه إذن دليلاً على عدم صحة التقديرات الجديدة التي بالغ أصحابُها في التأخير، وعلى صحة التقديرات القديمة التي قبلَتها الأمة طوال قرن من الزمان؟

-5-

الكلمة الأخيرة التي أقولها في هذا المقام: الذي أراه هو أن أصحاب الرأي الجديد مأجورون على اجتهادهم، ولكنهم مخطئون، فما كان ينبغي لهم أن يثيروا بلبلة في عقول العامة ويشكّكوا الناس بصحّة صلاتهم وصيامهم. إن في فتح هذا الموضوع للنقاش العام تفريقاً للأمة، ووَحدة الأمة من الأصول الكبرى في الدين وتفريق أمرها من الكبائر ومن نتائجه الفشل وذهاب الريح وضياع البركة، ولقد أنكر ابن مسعود على عثمان إتمام الصلاة في السفر، ثم صلى خلفه مُتِمّاً وقال: الخلاف شر.

مع ملاحظة أن ما سبق لا علاقة له بأفضلية وقت الصلاة، إنما أجتهدُ في إنهاء الخلاف في إثبات أوله، حيث “تجوز” الصلاة للمصلي و”يجب” الإمساك على الصائم، أما عقد الصلاة نفسها ففي أفضلية الوقت بين التغليس والإسفار خلافٌ مشهور يعرفه طلبة العلم، وقد لخّصه الشوكاني في “نيل الأوطار” فقال: “ذهبت العترة (أي فقهاء آل البيت) ومالك والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور والأوزاعي وداود بن علي وأبو جعفر الطبري، وهو المروي عن عمر وعثمان وابن الزبير وأنس وأبي موسى وأبي هريرة، إلى أن التغليس أفضل وأن الإسفار غير مندوب، وحكى هذا القولَ الحازمي عن بقية الخلفاء الأربعة وابن مسعود وأهل الحجاز، واحتجوا بالأحاديث المذكورة في هذا الباب وغيرها، ولتصريح أبي مسعود في حديثه بأنها كانت صلاة النبي صلى الله عليه وسلم التغليس حتى مات ولم يعد إلى الإسفار. وذهب الكوفيون وأبو حنيفة وأصحابه والثوري وأكثر العراقيين إلى أن الإسفار أفضل، وهو مروي عن علي وابن مسعود”.

Posted in في الدعوة والإصلاح | 2 تعليقات

حرب البيانات في الغوطة

حرب البيانات في غوطة دمشق:

ألن تنتهي هذه “الوَلْدَنات” المُعيبة؟

مجاهد ديرانية

أصدر فصيلٌ من الفصائل الصغيرة في الغوطة الشرقية بياناً لا يتناسب مع حجمه، يقترح فيه إنشاء “جيش فتح” في الغوطة أسوةً بجيش فتح الشمال. وما علم الذين كتبوا البيان أن جيش الفتح في الشمال ليس سوى غرفة عمليات، فبماذا سيختلف عن غرفة عمليات القيادة الموحدة في الغوطة؟

لمّا ردَّتْ عليهم القيادةُ الموحدة بما هو حق ومنطق ظننّا أنهم سيتّقون الله في الغوطة المحاصَرة التي لا تحتمل أي فُرقة أو خلاف، وأنهم سيهتدون بهدي الرحمن فيضمّون تشكيلهم المتواضع الذي لا يكاد يحسّ أهل الغوطة بأثره إلى الجماعة الكبيرة، فإذا بهم يصدرون بياناً آخر يَدْعون فيه إلى وحدة الكلمة والاعتصام بحبل الله، في محاولة جديدة لتسويق المشروع الغريب نفسه.

ولو أنهم عقلوا لوجّهوا هذا البيان إلى أنفسهم، فمَن الذي يُطالَب بالوحدة: الفصائل الكبرى في الغوطة التي اجتمعت في مشروع واحد، أم الفصيل الصغير الذي استقل وشَذّ وفارق الجماعة؟ الفصيل الذي بلغ من مشاغبته على أهل الغوطة أن أعرض عن قضائها الموحَّد الذي ضم محاكمَها جميعاً ثم ذهب فأنشأ محكمة الضِّرار والتفريق؟ مَن الذي يطالَب بالوحدة والاعتصام بحبل الله؟ ما أغربَ هذه العقولَ كيف تفكر! وما أعجبَ هؤلاء الناس، إلى أي منطق يتحاكمون؟

*   *   *

فلمّا دُعوا إلى دعوتهم ذاتها، وهي تركُ الشذوذ والفرقة والإقبالُ على الجماعة، لمّا رُدَّت دعوتُهم عليهم أصدروا بياناً يقارن بين ما أنجزته غرفة عمليات جيش الفتح في إدلب وما أنجزته فصائل الغوطة الشرقية منذ اجتماعها على القيادة العسكرية الموحدة، ليُثبتوا الحاجة إلى حلّ تلك القيادة وإنشاء قيادة جديدة محلَّها!

هذه المقارنة ما أُريدَ بها وجهُ الله ولا نُشِرَت إلا إصراراً على الفتنة وتأجيجاً لها في الغوطة الأبيّة الصامدة، والدليل على سوء القصد أنها لم تذكر أهمَّ إنجاز لفصائل الغوطة الكبرى، وهو الدفاع عنها ومنع العدو من اجتياحها والسيطرة عليها، على الرغم من الفارق الكبير في ميزان القوة لصالح العدو، وعلى الرغم من قلّة الموارد وقسوة المحنة وطول الحصار.

أليس هذا إنجازاً عظيماً يا مَن أوقدتم نار “حرب البيانات”؟ ألا تعلمون أن العدو يحيط بالغوطة إحاطة القلادة بالعنق، وأنه ما يزال جادّاً أبداً في اقتحامها ليذلّ أهلَها الصامدين المصابرين ويُذيقهم سوء العذاب؟ إنّ الهجومَ الناجح إنجازٌ وانتصارٌ والدفاعَ الناجح إنجازٌ وانتصار، ولكن الجاهلين لا يعلمون، أو يعلمون ثم يكابرون ويتجاهلون.

ثم هل يجوز أن يُساوَى المحاصَرون بالطلقاء، ويُقاس إنجاز الذين تأتيهم إمدادات السلاح والذخيرة بالأطنان بإنجاز من يَبيتون في الرباط ومع أحدهم طلقاتٌ يتيمات يدفع بهنّ عن الغوطة جحافلَ الطغاة المعتدين؟

*   *   *

لمصلحة من أُوقِدَتْ نارُ هذه الحرب، حرب البيانات؟ مَن المستفيد؟ إن الغوطة المحاصَرة لا تحتمل هذه المزايدات وهذه “الوَلْدَنات”، وإنّ سلامة الجماعة مقدَّمة على الأسماء والرايات، فمَن كان مخلصاً حقاً فليتعصم بالله وبالجماعة، وليكن داعيةَ وَحدة ورحمة لا داعيةَ فرقة وعذاب.

أسأل الله أن يكون هذا آخرَ بيان من بيانات الفتنة، وإلا فإنّ الرد عليها لن يكون مقتصراً على الغوطة وجندها البواسل وأهلها الميامين، بل إنه سيكون فرضاً واجباً على أهل الثورة أجمعين.

Posted in رسائل الثورة | Tagged , , , , , | تعليق واحد