رسالة إلى المتحاربين في الغوطة

قيس بن عاصم المنقري يخاطب المتحاربين في الغوطة

 

-1-

كان الأحنف بن قيس أحْلمَ العرب وبه يُضرَب المثل في الحِلْم، سئل يوماً: ممّن تعلمت الحِلْم؟ قال: من قيس بن عاصم المنقري. رأيتُه قاعداً بفناء داره محتبياً بحمائل سيفه يحدّث قومه، فأُتي برجل مكتوف ورجل مقتول، فقيل له: هذا ابن أخيك وقد قتل ابنَك. فوالله ما حلّ حبوتَه ولا قطع كلامه حتى فرغ منه، ثم التفت إلى ابن أخيه فقال: يا ابن أخي، بئس ما فعلت، اثِمْتَ بربّك وقطعت رحمك، ورميتَ نفسك بسهمك فنقصتَ عددَك وأوهنت ركنك وشمّتَّ عدوك. ثم قال لابنٍ له آخر: قُمْ يا بُنيّ فَحُلَّ كتاف ابن عمك ووارِ أخاك.

-2-

يا أيها المتحاربون في الغوطة، يا فصيلاً قاتل فصيلاً ويا أخاً قتل أخاه: اعلموا أنكم قد أثمتم وقطعتم الرحم، وأنكم رميتم أنفسَكم بسهامكم فنَقصتم عددَكم وأوهنتم قوتكم وشمّتّم فيكم عدوكم، فمتى تعقلون فتستجيبون لدُعاة الصلح؟ ومتى تُلقون السلاح من أيديكم أو تحملونه وتنطلقون به إلى الجبهات؟

 

-3-

لن يُحَلّ خلافُكم إلا بالقضاء الشرعي المستقل، هذه هي النهاية التي ستصلون إليها آجلاً أو عاجلاً، فلماذا تُطيلون طريقاً آخرُه محسوم، ولماذا تُزهقون مزيداً من الأرواح وتسفكون مزيداً من الدماء؟ مَن الذي يدفع لمزيد من الاحتراب ويعرقل الوصول إلى اتفاق لوقف إطلاق النار؟ يقيناً لا يصنع ذلك إلا مجرم أو مجنون، أعيذكم بالله -يا مجاهدي الغوطة الكرام- من الجنون والإجرام.

 

-4-

عقلاء الناس كلهم -داخلَ الغوطة وخارجَها- أجمعوا على ضرورة وقف القتال على الفور، وهذا يعني أن على كل مسلّح من كل فصيل أن يضع بندقيته وينصرف إلى بيته، أو يحملها ويرابط على الجبهات. ليس سوى هذا الرباط جهادٌ، وكلّ ما عداه من اقتتال بين المجاهدين فتنة سيُدفَع ثمنها يوم الحساب. فالزم بيتك يا أيها المجاهد أو الزم جبهتك، ولا ترضَ بغير هذا أو تلك فتصبح وقوداً في الفتنة لا قدّر الله.

 

-5-

لا تقتصرُ الفتنة على الاقتتال بالسلاح، فإن الحرب أولها كلام، وهذه الحرب الحمقاء في الغوطة تستمد وَقودَها من التجييش المجنون الذي تدفّق كالنهر الجارف في مواقع التواصل خلال الأيام الماضية، وملأ الغرف والمجموعات الخاصة بغُثاء يصيب قارئه بالغثيان! فإذا كان إطلاق الرصاص إجراماً وجنوناً فإن التعبئة والتجييش هما أسوأ أنواع الجنون والإجرام. مَن كان قائلاً كلمة في هذا المقام فلتكن كلمة طيبة تؤلف بين القلوب وتدفع الطرفين إلى الاتفاق، فإن عجز عنها فليصمت عن الشرّ، فإن لسانه يوشك أن يكبّه في النار.

 

Posted in رسائل الثورة | Tagged , , , , | أضف تعليقاً

إنه يوم كيوم الجمل

إنه يوم كيوم الجمل

 

مجاهد مأمون ديرانية


عنوان المقالة مسروق من مقالة قديمة نشرتها بالعنوان نفسه أيام مشكلة حركة حزم مع جبهة النصرة، فمَن شاء فليرجع إليها، فإن ما قلتُه فيها يومَها يصلح أن أقوله في هذا اليوم الحزين، اليوم الذي رفع فيه الأخُ في غوطة دمشق السلاحَ على أخيه، وهما الشريكان في الدين والمعاناة والهَمّ والمصير.

 

(1) مقدمات

 

1- هذه هي المقالة الخامسة التي أنشرها في مشكلة الغوطة الأخيرة، ولا أرضى أن تُجتزَأ أيّ أجزاء مُفرَدة من أيّ منها، فهي كلها معاً تمثل رأيي في المشكلة، فإني ما زلت على القناعات والأفكار ذاتها التي نشرتها في المقالات السابقة، وهي تتكامل مع هذه المقالة الخامسة بحثاً عن الحل المنشود.

 

2- لا أؤمن بأي حل جزئي أو آنِيّ لمشكلة اليوم أو لما سبقها من مشكلات. إن مشكلات الغوطة كلها مترابطة ولها جذور مشترَكة، وكما قلت في المقالة السابقة: إما أن تُحَلّ جذور المشكلة وتُحَلّ المشكلات كلها معاً، أو تبقى كلها فتتفاقم وتتعاظم، وعلى الغوطة السلام.

 

3- المقالات الأربع السابقة أغضبت كل الأطراف، وسوف تُغضب هذه المقالةُ الأطرافَ كلها أيضاً. ولا بأس، فما سعيت من قبل ولا أسعى اليومَ لاسترضاء الناس، ليس حينما يكون ثمن المجاملات هو مئات الآلاف من أهل الغوطة الأبرياء الذين سيضيعون في هذه الفتنة الصمّاء العمياء لا قدّر الله.

 

(2) التشخيص

 

1- إن الهجوم الأخير الذي جرى على جيش الإسلام عدوانٌ واضح صريح لا لبسَ فيه ولا يجوز السكوت عنه. إن كان للفيلق حق عند الجيش (وهو له حق فيما أشهد) فإن سبيل الوصول إليه هو القضاء ووساطات أهل الخير والإصلاح التي لم تهدأ ولم تتوقف وكان لا بد لها أن تثمر ثمرة طيبة بأمر الله، لولا أن الفيلق ارتكب هذه الحماقة والعدوان فانقلب من مظلوم إلى ظالم، وصار مطالَباً بالكف عن العدوان بعدما كان الجيش هو الذي يطالَب برَدّ مقراته المغصوبة إليه.

 

2- إن التقرير الذي نشرته لجنة الفعاليات المدنية في ست صفحات واعتبره الفيلق وثيقة قانونية لتبرير الهجوم على المقرات واعتقال المطلوبين ليست له أي قيمة قانونية، فاللجنة ليست سوى “لجنة متابعة” كما أعلنت عن نفسها مراراً، واللجنة القضائية التي تشكلت بموجب تلك المبادرة لم تحصل على التوافق المطلوب، ثم إن توقيت النشر وطريقته يزيدان الأمر هشاشة، فإن اللجان القضائية لا تنشر محاضرها وقراراتها في غرف مغلقة بعد منتصف الليل ليبدأ بموجبها هجومٌ عسكري في الصباح الباكر.

 

3- الأصل أن تُحَلّ مشكلات الغوطة (وغير الغوطة) بالقضاء أو بوساطات العقلاء لا بإراقة الدماء، وقد قطع عدوانُ الفيلق على الجيش الطريقَ على جهود هائلة كانت ثُلّةٌ من المخلصين قد نذرت لها نفسها وفرّغت لها وقتها منذ بداية الأزمة الأخيرة، وكانت الأمور تتقدم وإن يكن تقدماً بطيئاً، وقد وافق الجيش على مبدأ التحاكم وبقي الاتفاق على الإجراءات والتفاصيل. هبوا أن الجيش يماطل ويتهرب، فهل الحل بالحرب والحراب أم باستثمار ضغط العقلاء والعلماء؟

 

4- إنه يوم كيوم الجمل، فقد بات الناس متفقين على أسس الحل واستيقظوا على صوت الرصاص، فهل عندنا شك -بعدُ- في أن أصحاب ابن سبأ الجديد اخترقوا الفصيلين وأوقدوا بينهما نار الحرب كما اخترق أصحاب ابن سبأ الأول طرفَي معركة الجمل فنشبت بينهما حرب مدمرة أُزهقت فيها الأنفس وأريقت فيها الدماء بغير حق؟ كلنا نريد قاتل مرافق أبي سليمان وليس أنتم فقط، ولكن استعمال السلاح لإحقاق الحق يحيل الحق إلى باطل، ولا يُحَلّ الخطأ بخطأ مثله أو بأكبر منه.

 

5- رغم كل النصائح والمناشدات التي وُجِّهت إلى الإخوة في الفيلق -في المنشورات العامة وفي الغرف الخاصة- بضرورة فك الاشتباك مع جيش الفسطاط وإقصاء جبهة النصرة عن القضية برمّتها إلا أن الإخوة لم يستجيبوا ولم يقدروا الخطر حق قدره، فكانت النتيجة أنهم صاروا بيادق على رقعة شطرنج تديرها وتتحكم فيها جبهة النصرة، وصاروا سيوفاً في معركتها الباطلة في الغوطة. ما الذي أدخل جيش الفسطاط في النزاع وهو لا ناقةَ له فيه ولا بعير، ولماذا تدور المفاوضات مع جبهة النصرة لوقف القتال؟ أفيقوا يا فيلق الرحمن وتداركوا هذا الخطأ القاتل وفي الوقت بقية.

 

(3) العلاج

 

1- التزام كل الأطراف بوقف فوري لكل الأعمال القتالية.

2- انسحاب كل الأطراف إلى المواقع التي كانت فيها ليلةَ بدء الاقتتال.

3- إطلاق جميع الأسرى والموقوفين لدى الفصيلين.

4- التوقف الفوري عن التجييش المنظم والحملات الإعلامية الغوغائية.

5- فتح الطرق وإزالة الحواجز وسحب المسلحين إلى موقعهم الصحيح: الجبهات.

6- إعادة المؤسسات المدنية والإعلامية والإغاثية إلى أصحابها وتحييدها الدائم عن النزاع.

6- انسحاب الجيش من مقرات الفيلق التي وضع يده عليها غداة اندماج الفيلق بالاتحاد.

7- العودة إلى المسار الإصلاحي واستئنافه من النقطة التي وقف فيها قبل بدء الاقتتال الأخير.

 

(4) نصائح عامة

 

1- احلقوا لحاكم واحذفوا من راياتكم وشعاراتكم كلمة الإسلام واسم الرحمن وعبارات التوحيد، فما أضرَّ الإسلامَ أحدٌ أكثر من الذين رفعوا شعاراته ثم لم يطبقوا منهجه الحقيقي في الحياة.

 

2- امنعوا شرعيّي الفصيلين من التدخل في العمل العسكري والإداري، فما صدّع العلاقات بين الفصائل أكثر من تدخل الشرعيين فيما لا يخصهم من العمل العسكري والسياسي والإداري، وهذه النصيحة واجبة التطبيق في جميع أنحاء سوريا.

 

3- توقّفوا عن التلاوم والبكائيات، فقد صارت الغوطة غابةً اشتركت فيها كل الأطراف بالبغي والعدوان، فما أغربَ أن يصرخ طرفٌ وينكر عدوان طرف آخر على مقراته بعدما أباح لنفسه السطو على مقرات غيره وأبى إعادتها رغم التوسلات والوساطات.

 

4- إن شئتم إن تعودوا إلى الاقتتال بعد ذلك كله فاصنعوا، ولكن لا تذكروا الحق والباطل ولا تجيشوا الناس على هذه الدعاوى، فأنتم الباطل نفسه وأنتم أبعد الناس عن الحق حينما تسوّغون التغلب وتحتكمون إلى السلاح.

 

5- إن شئتم إن تعودوا إلى الاقتتال بعد ذلك كله فاصنعوا، اقتتلوا ولكن حيّدوا المدنيين وابتعدوا عن الجمعيات والمنظمات الإغاثية والمدنية، فإنها فخر الغوطة وحياة أهلها وهي لها صمامات الأمان.

 

(5) صرخة أخيرة

 

يا عقلاء الجيش والفيلق ويا حكماء الغوطة: أوقفوا القتال ونقُّوا الصفوف من السبئية، وعالجوا جذور المشكلة وأنهوا المظالم وردّوا الحقوق، اصنعوا ذلك تعش الغوطة بسلام.

Posted in رسائل الثورة | Tagged , , , , , , | أضف تعليقاً

مشكلة الغوطة (2 من 2)

الغوطة: تفكيك المشكلة والبحث عن الحل

(2 من 2)

الحل المنشود

 

-تمهيد-

 

لا يمكن أن تُحَلّ مشكلة الغوطة الحالية بمعزل عن جذورها العميقة وأسبابها الحقيقية التي فصّلتها الحلقةُ الأولى من هذه المقالة، فإذا اقتصرَت محاولاتُ العقلاء الحثيثة الخيّرة المباركة التي تجري الآن على حلٍّ شكلي ظاهري فسوف تبقى المشكلة كامنةً ومرشَّحة لانفجارات قادمة. فابحثوا -يا أيها المصلحون- عن الأسباب وعالجوها، وحُلّوا المشكلة على مستوى الجذور الممتدة تحت الأرض ولا تقتصروا على ما ترونه ظاهراً فوقها، فإن المشكلات تُستأصَل باقتلاع الجذور وليس بتشذيب السُّوق والأغصان.

 

فيما يأتي بعض المقترحات التي أقدمها لحل مشكلة الغوطة الآنيّة على المدى القصير، ولتنفيس الاحتقان واستئصال جذور وأسباب الخلاف لحل مشكلات الغوطة المزمنة على المدى الطويل. وإنما هي جهد المُقِلّ الضعيف، فعسى أن تجتمع جهود الخيّرين والعقلاء للمساعدة في طيّ هذا الملف الحزين إلى الأبد لتعيش الغوطة بوئام وسلام.

 

(أ) المشكلة الحالية

 

1- لدينا الآن لجنتان تتنازعان الإشراف على القضية، لجنة الفعاليات المدنية التي تألفت لمتابعة محاولة اغتيال الشيخ أبي سليمان طفور، ولجنة فعاليات دوما التي شكلها جيش الإسلام للمهمة ذاتها. لن تُحَلّ المشكلة إذا بقي التنازع قائماً، فعلى اللجنتين أن تتفقا على تعيين محكمة خاصة أو إحالة القضية إلى المجلس القضائي بمنهجية يتراضى عنها الطرفان.

 

2- إذا تعذر اتفاق اللجنتين ولم يمكن الاتفاق على المجلس القضائي الموحد بسبب انتهاء ولاية قاضيه العام وعدم اجتماع قضاته كلهم لاختيار القاضي الجديد، عندئذ تكلَّف الأمانة العامة للغوطة بتشكيل محكمة خاصة لمتابعة القضية والفصل فيها، وتشرف هي عليها باعتبارها جهةً إدارية مستقلة، وتكون قرارات المحكمة مُلزمة للطرفين.

 

3- إذا تعذر تشكيل المحكمة السابقة أو رفض أحدُ الطرفين أو كلاهما إشرافَ الأمانة العامة على التحقيق يُلجَأ إلى الحل الأخير، وهو تشكيل محكمة مختلطة من داخل الغوطة وخارجها، تتألف من سبعة قضاة، اثنين يرشّحهما جيش الإسلام، واثنين ترشحهما لجنة الفعاليات المدنية، وثلاثة قضاة مرجّحين من خارج الغوطة، وتُعتبَر قرارات المحكمة نهائية وملزمة لكل الأطراف.

 

(ب) الحل الجذري لاحتقان الغوطة ومشكلاتها الكامنة

 

1- تأسيس العلاقة بين الفصائل المختلفة في الغوطة على قاعدة الاحترام المتبادَل وأحقية كل منها في الوجود، وعقد “اتفاقية تعايش” توقّع عليها كل الفصائل وتحدد مجالَ سيطرة كل فصيل ومسؤولياته في الدفاع عن الغوطة، وهذا من شأنه أن يقضي على “حرب البيانات” و”حرب الخرائط” التي صارت عاملاً مهماً في إثارة الضغائن وشحن النفوس والتفريق بين إخْوة السلاح.

 

2- إعادة هيكلة الجهاز الأمني لجيش الإسلام وعزل ومحاسبة مسؤوليه، فإن كانوا صالحين بُرِّئوا مما اتُّهموا به بغير حق وأُعفوا من مسؤوليتهم لتحقيق الصالح العام، وإن كانت التهَم محقّة عوقبوا وارتاح من إساءتهم أهلُ الغوطة ومن عبئهم جيشُ الإسلام ومجاهدوه وقادته الكرام.

 

3- التزام جيش الإسلام بحل المشكلة التي نشأت غداةَ اندماج الفيلق بالأجناد، وإعادة المقرات والأسلحة التي أخذها الجيش يومها، فإن الحق لا يسقط بالتقادم، والبناء الصالح لا بد أن يُقام على أساس صالح. فكيف يمكن أن ننشئ علاقة جديدة مبنية على التفاهم والتعايش وما تزال مقرات وأسلحة الفيلق تحت سيطرة جيش الإسلام؟

 

4- حلّ جيش الفسطاط وتفكيك التحالف مع جبهة النصرة، حتى لا يكون سبباً لإغراق الغوطة في نزاعات دامية ومشكلات مدمرة كالتي عانت منها فصائل الشمال، وحتى لا يبقى في الغوطة مدخل للغلوّ والتلّغب الذي كاد يفتك بالثورة لولا لطف الله.

 

5- فكّ الاشتباك بين العمل العسكري والعمل المدني، ووقف تدخل العسكريين في الإدارة المدنية أو السعي للسيطرة عليها، وتفعيل مشروع “الهيئة العامة” التي حظيت بأعلى توافقية ممكنة على مستوى الغوطة من حيث التمثيل الفصائلي والمناطقي ومجالس الإدارات المحلية ومنظمات العمل المدني، والتي تمثل القيادةَ المدنية والسياسية للغوطة الشرقية.

 

6- إعادة تشكيل المجلس القضائي الموحد بعيداً عن الهيمنة والتأثير الفصائلي، والتزام فصائل الغوطة بحمايته والمحافظة على استقلاله وعدم التدخل في عمله، والتعهد بعدم تجاوزه في قضايا الاعتقال والتحقيق التي ينبغي حصرُها بمؤسستَي الشرطة المدنية والقضاء.

 

7- إغلاق كافة السجون الفصائلية التي يملكها ويديرها جيش الإسلام وغيره من الفصائل، أو نقل الإشراف عليها إلى المجلس القضائي، والإفراج الفوري عن جميع المعتقلين، أو تسليمهم للقضاء ليتولى التحقيق معهم والحكم على المذنبين وإطلاق الأبرياء.

 

*   *   *

 

ختاماً نؤكد أن الحل الحقيقي والدائم لمشكلات الغوطة المزمنة يتمثل في أن يعرف كل طرف حجمَه الحقيقي وأن يقتصر على اختصاصه الأصلي.

 

وهذا يقتضي أن تعترف فصائل الغوطة لجيش الإسلام بفضله في حماية الغوطة وأفضليته في القيادة، ويعترف هو بحقها في مشاركته في العمل العسكري ويعاملها بإنصاف وودّ واحترام.

 

كما يقتضي أن يتم الاتفاق على توزيع المهمات والمسؤوليات بحسب الاختصاص، فالفصائل العسكرية مسؤولة عن الدفاع عن الغوطة والرباط على الجبهات، والشرطة المدنية مسؤولة عن الأمن الداخلي والمجتمعي، والقضاء مسؤول عن إحقاق الحقوق والفصل في المنازعات، والمجلس المحلي مسؤول عن الإدارة المدنية، والجميع يستظلّون بالسقف العالي للهيئة العامة للغوطة الشرقية، التي لم يتألف في الغوطة كيانٌ جامعٌ أفضل منها تمثيلاً ونظاماً، ولا يتسع الوقت ولا تسمح الظروف الحرجة في الغوطة باستبدال غيرها بها، فمَن عمل على إحياء هذا المشروع فله سهم في حل مشكلات الغوطة، ومن عمل على إسقاطه فله سهم في إسقاطها لا سمح الله.

 

Posted in رسائل الثورة | Tagged , , , , , , , , | تعليق واحد

مشكلة الغوطة (1 من 2)

الغوطة: تفكيك المشكلة والبحث عن الحل

 

(1 من 2)

مقدمات لفهم جذور المشكلة

 

-تمهيد-

 

هذه المقالة طويلة، لكنها ليست أطولَ من النفق المظلم الذي توشك الغوطة أن تدخل فيه لا قدّر الله، وكلماتها ومعانيها ثقيلة، لكنها ليست أثقلَ من الكارثة التي ستحل بالغوطة لو تجاهل أهلُ الرأي والقرار فيها المشكلةَ وعجزوا عن حلها حلاً يحقق العدالة ويرضي الله.

 

أما الدافع إلى نشرها نشراً عاماً فأمران، أولهما أن الغرف الخاصة ضاقت عن سماع الرأي والنصيحة وأعرضت عن الاستجابة وسمحت للمشكلة بالتعاظم والتعقيد، فصار النشر العام ضرورياً ليعرف الناس أن الوقت يمضي بلا تقدم وأن الخطر يتفاقم يوماً بعد يوم، فإنْ عجزت الأصواتُ المفرَدة في الغرف والمجموعات المغلقة أن تصنع شيئاً فعسى أن تصنعه الإرادةُ العامة والوعي الجمعي لجمهور الثورة الكبير.

 

وثانيهما أن الدعاة إلى الحل والسعاة في الإصلاح حصروا اهتمامهم بالمشكلة الكبيرة الخطيرة التي تخيّم على الغوطة بظلالها الكئيبة في هذه الأيام، أما أنا فإنني على يقين أن حل هذه المشكلة دون حل جذورها الحقيقية سيُنتج غيرَها من المشكلات الجِسام في قادم الأيام، ولن نزال ننتقل من مشكلة كبيرة إلى مشكلة أكبر حتى يتفجّر بركانُ الغوطة المكتوم لا سمح الله، أو نستبق الكارثةَ ونعالج الأسباب والجذور، وهو ما تجتهد هذه المقالة في تحقيقه بأمر الله.

 

-1-

 

في الغوطة عدة فصائل، أكبرها وأقواها هو جيش الإسلام، وهو خط الدفاع الأول والأهم في مواجهة عصابتَي النظام وداعش اللتين تتربصان بالغوطة وتسعيان إلى اقتحامها والسيطرة عليها. هذا يعني أن بقاء جيش الإسلام قوياً متماسكاً واجبٌ على أصحاب الجيش وعلى قُوى الغوطة العسكرية والشعبية الأخرى، وهو أمر يُقِرّ به أهل الغوطة وتتفق عليه فصائلها المختلفة، فما سمعت قَطّ -على كثرة ما وقع بين الجيش وغيره من مشكلات- مَن يجيز إضعافه أو يدعو إلى إسقاطه، معاذ الله.

 

نعم، إن المحافظة على قوة وتماسك جيش الإسلام أمرٌ يريده ويحرص عليه الجميع، لكنْ هل يسوّغ هذا الهدفُ النبيل التغاضي والسكوتَ عن التجاوزات التي تصدر عن بعض أجهزة الجيش ومنتسبيه في بعض الأحيان؟ لا، فإن السكوت يفاقم المشكلة ويزيد الشقاق بين إخْوة السلاح، وهو يدفع الغوطة إلى الانفجار ويعرّضها إلى مهلكة محتومة لا قدّر الله.

 

-2-

 

لقد بات معروفاً أنّ تنظيمَ القاعدة بفروعه كلها مصدرُ خطر كامن على الثورة وأن له مشروعاً غير مشروعها، ورأينا الدليل على ذلك في جبهة النصرة التي عانت منها فصائلُ الشمال الكثيرَ وذاقت على يديها المُرّ المرير، فهل سيختلف الحال في الغوطة عنه في غيرها؟

 

لا، ليس بين نصرة الشمال ونصرة الغوطة فرق إلا في القوة، فإذا تمكنت بغَتْ وباتت فصائلُ الغوطة ضحيةً لها، فلا يصحّ التحالف معها ولا يجوز أن يساهم أي فصيل من فصائل الغوطة في زيادة قوتها ونفوذها، إلا إذا كان أعمى أصمّ لم يسمع ولم يبصر ما صنعته النصرة في الشمال، ولا يتعلم إلا عندما يدفع الثمن من كيسه ونفسه. ومن صنع ذلك لن يضر نفسه فحسب، بل سيضر الغوطة كلها ويقذف بها إلى المجهول، فصار منعُ هذا الخطأ ودرء الخطر مهمة عامة ينبغي أن يتداعي إليها ويقوم بها أهلُ الغوطة وعقلاؤها أجمعون.

 

-3-

 

هل تجهل فصائل الغوطة خطر التفرق وضرر التحالف مع النصرة؟ لا، بل هي بصيرة بالأمرين معاً وهي حريصة على تجنب الخطر ودفع الضرر، فما الذي دفع بعض الفصائل في بعض الأوقات إلى الدخول مع جبهة النصرة في تحالفات دائمة أو مؤقتة وإلى الاصطفاف معها مقابل جيش الإسلام؟ هل النصرة أقرب إليها من الجيش؟ لا، بل هو أقرب والعملُ معه أوجب، وليست الفصائل خائنة ولا حمقاء، فلا بد إذن من سببٍ وجيهٍ دفعها إلى ما آلت إليه.

 

إنّ معرفة هذا السبب أصلٌ في الحل الجذري، وتجاهله لا يصنع سوى خياطة الجرح على القيح ودفع المشكلة إلى الأمام، بل إنه قد يتسبب في عودتها بعد حين بأسوأ وأخطر مما هي عليه الآن. فلنبحث عن هذا السبب، ولنجتهد في علاجه قبل أن نَغرق في مفردات القضايا وفي التفاصيل والجزئيات.

 

-4-

 

إن الكيانَ الكبير الذي يعمل العمل الكثير أكثرُ عرضةً للخطأ من الكيان الضئيل ذي العمل الصغير. هذه قاعدة عامة، وجيش الإسلام كيان كبير يتحمل حملاً ثقيلاً في الغوطة، فلن يكون مستغرَباً أن يرتكب أخطاء وتصدر عنه تجاوزات بين آن وآن، ولكن سيكون مستغرَباً ومستنكَراً أن لا يعالج أخطاءه ولا يحاسب المتجاوزين، وأن يصرّ على عدم ابتكار آليات للمحاسبة والتصحيح.

 

إن الجيش ليس مُلك نفسه، بل هو ملك للغوطة والثورة، وله على الغوطة حق كبير، وللغوطة عليه أيضاً حق كبير. إن من حقه على الغوطة العرفان والتقدير لدوره الكبير، ومن حق الغوطة عليه ومن حق الثورة، بل ومن حق آلاف المجاهدين الصادقين الذين التحقوا به وقاتلوا تحت رايته، أن يقوّم أخطاءه وينقّي صفه من الشوائب، وأن لا يُضيّع جهد وجهاد خمسة عشر ألف مجاهد بسبب تجاوزات بعض العناصر والمسؤولين.

 

-5-

 

منذ وقت طويل تتوارد الشكاوى من تجاوزات ومظالم الجهاز الأمني لجيش الإسلام، ومن ثلاثةٍ من مسؤوليه على التخصيص. لو كانت تلك الشكاوى قليلة لما بالى بها محبّو الجيش ولَعَدّوها في الشكاوى الكيدية، ولكنها بلغت مبلغاً لا يجوز الاستهانة به ولا السكوت عنه، فالناس شهود الله في الأرض، وأنا نفسي تابعت ذات يوم وتوثقت من تجاوزات خطيرة لا يجوز السكوت عنها، فثَمّ خاطبتُ الإخوة في الجيش عبر القنوات الخاصة، ثم نشرت في نقد الجهاز الأمني نشراً عاماً، ولا تزال التجاوزات قائمة كما كانت، ولا حل لها -كما قلت ذات يوم- إلا بإصلاح الجهاز وإعادة هيكلته على أساس صحيح.

 

إن الثورة أكبر من الفصائل والفصائل أكبر من الأفراد، فماذا يمنع قيادةَ جيش الإسلام من التحقيق والمحاسبة وفصل المسيئين؟ من ثبت عليه ارتكابُ مظالم وجنايات فليُطرَح في “سجن الباطون” ليتجرّع من الكأس التي جرّعها للناس، ولن ينهار جيش الإسلام الذي بقي صامداً بعد استشهاد قائده المؤسس رحمه الله لو فقد بعض قادته الأمنيين.

 

-6-

 

رغم الضرر الذي نتج عن التجاوزات الأمنية ورغم إساءتها الهائلة إلى سمعة جيش الإسلام والتسبب في تردّي شعبيته في الغوطة خلال السنة الأخيرة، إلا أنها ليست السببَ الوحيد الذي دفع بعض الفصائل إلى البحث عن حليف وإلى الارتماء المحرَّم في حضن جبهة النصرة. لقد كان السبب الأقوى هو نزعة إلى التغلّب ظهرت على جيش الإسلام الذي نحبه ونعيذه بالله أن يُصاب بعدوى التغلب القاعدية.

 

هذه النزعة -مع ما يرافقها من روح استعلائية إقصائية- تسببت في نفور كثير من الفعاليات المدنية في الغوطة من الجيش وباعدت الشقّة بينه وبين بقية الفصائل. وقد نصح الناصحون وألحّوا على الجيش كثيراً أن يتعامل مع الآخرين تعامل الأخ الكبير الذي يتسع صدره لإخوته الصغار ويترفق بهم ويلين لهم، ولكن هذه الدعوات لم تلقَ استجابة حقيقية حتى الآن، فما تزال الشكوى عامة -بين فصائل الغوطة العسكرية وفعالياتها المدنية- من تسلط الجيش واستعلائه عليها في كثير من الأحيان.

 

-7-

 

يتمتع جيش الإسلام بدرجة عالية من التنظيم والكفاءة والاحترافية، وقد كان يسعه أن يحتوي غالبية القوى المدنية والعسكرية في الغوطة بالرفق واللين وخفض الجناح، ولكنه -للأسف- صنع العكس، فقد مارس على القُوى الثورية والعسكرية في الغوطة ضغطاً شديداً لوقت طويل، ولعله مارس أيضاً -سواء بوعي أو دون وعي-بعض الاستعلاء والإقصاء والتهميش.

 

هذا كله تسبب في حالة استقطاب حادّة سيطرت على الغوطة وكان الجيش هو محورها، فاختارت أطرافٌ (أفراد ومؤسسات) الانحيازَ مع الجيش واختارت أطرافٌ الانحيازَ ضده، وفي الحالتين كان الانحياز ردّ فعل عشوائياً وسلوكاً ضاراً بكل الأطراف، وضاراً بالغوطة كلها في المحصلة. الطرف الوحيد الذي استفاد من تلك الحالة هو جبهة النصرة، فهي تتغذى على التناقضات والخلافات وتستمد قوّتها من ضعف الآخرين، وخيرُ طريقة لتحقيق تلك الغاية هي شغل الأطراف كلها وضرب بعضها ببعض، لذلك نقول إن كل طرف يساهم في تعطيل الحل وفي تغذية الخلافات وزيادة حالة الاستقطاب الحادة هو عدو للثورة وعدو للغوطة وشريك للغلاة.

 

-8-

 

أخيراً ارتكب جيش الإسلام القويّ الكبير في الغوطة الخطأ القاتل ذاتَه الذي ارتكبته كل الفصائل الكبيرة القوية في الثورة السورية، حينما دفعتها قوتها العسكرية إلى مصادرة الإرادة الشعبية وتعطيل الإدارة المدنية وتسييس القضاء أو تهميشه. هذا الخطأ الهائل ارتكبته عدة فصائل قوية في الشمال المحرر، وارتكبه في الغوطة جيشُ الإسلام.

 

وهكذا فقدت الغوطة كل صمامات الأمان التي كان ينبغي أن تحميها من الوقوع في الكارثة، وعلى رأسها “مجلس القضاء الموحد” الذي نزع الجيشُ سلطتَه وهيبته عندما منح نفسَه حق الملاحقة والاعتقال والحبس والتحقيق خارج القضاء، و”الهيئة العامة للغوطة” التي كانت أفضل مشروع للإدارة المدنية على مستوى المناطق المحررة في سوريا، لكن جيش الإسلام حاربها وعطلها وفرّغها من مضمونها، فقضى على حلم الغوطة الجميل وعلى أرشد نموذج للإدارة المدنية في سوريا الجديدة.

 

*   *   *

 

المقدمات السابقة تساعدنا على تفكيك المشكلة المزمنة في الغوطة إلى عناصرها الأوّلية، وعلى فهم جذور تلك المشكلة قبل الانتقال إلى حلها الذي ستقترحه الحلقةُ الثانية من هذه المقالة إن شاء الله.

 

Posted in رسائل الثورة | Tagged , , , , , , , | 2 تعليقات

تحديات جنيف (3)

تحديات جنيف

(3) إغراق المعارضة

 

دُعيت ذات يوم إلى غداء، وبدأت طعامي بطبق من الحساء (الشوربة)، ولمّا كنت ميّالاً إلى زيادة الملح في الطعام فقد رفعت المملحة فوق الطبق دون أن أنتبه إلى فتحاتها العملاقة، فاندلقت كميةٌ كبيرة من الملح جعلت الحساء غير سائغ ولا يمكن بلعه، فسكبت منه المزيد والمزيد لأخفّف تركيز الملح، حتى صار غدائي كله حساء في حساء.

 

تذكرت هذه القصة وأنا أراقب ما يصنعه المبعوث الأممي المنحاز سيّئ الذكر ديمستورا بوفد المعارضة، فهو لم يكتفِ بالضغط الهائل الذي مورسَ على المعارضة ابتداءً حتى تُنتج “هيئة تفاوض عامة” تضم مَن يمثل الثورة بحق ومن لا يمثلها بحق، ومَن يستحق أن يُحسَب على الثورة ومَن لا يستحق، لم يُرضِه ذلك كله، فهو ما زال يراه وفداً “غيرَ مؤتمَن” على أهداف التفاوض الديسمتورية الروسية الأمريكية. إنه ما يزال يرى الملح في الطبخة أكثرَ مما ينبغي، فلم يجد طريقةً أفضلَ من سكب المزيد من الحساء في الطبق.

 

وهكذا رأينا الطيارات الذاهبة إلى جنيف مكدَّسةً بوفود السوريين. أليس السوريون هم مَن سيقررون مستقبل سوريا كما قال السيد الحكيم ديمستورا؟ فليكن، ففي سوريا سوريون كثيرون، لا يلزم أن يكونوا شرفاء ولا يلزم أن يكونوا وطنيين، بل يلزم أن لا يكونوا، فإن مهمتمهم هي تخفيف تركيز الملح في الحساء.

 

وهكذا جرى أمام أعيننا إغراقُ المعارضة بعشرات الشخصيات التي لا يكاد المرء يفرّق بينها وبين ممثلي النظام الحقيقيين، جاءت في وفود موسكو والقاهرة والأستانة وحميميم، دون أن ننسى الإشارة بالطبع إلى وفد نساء ديمستورا الحميم.

 

*   *   *

 

ما الحل؟ الحل سهل: انثروا فوق الطبخة مزيداً من الملح. إنْ كان السيد ديمستورا قادراً على تأليف الوفود فنحن أقدر، وإن يكن في جعبته عشرات من السوريين الذين باعوا أنفسهم له ولمشروعه فإن في جعبتنا من السوريين الصادقين المخلصين الشرفاء آلافاً ومئات ألوف وملايين.

 

نقول لثورانا: لتؤلف الفصائل وفداً كبيراً وتذهب به إلى جنيف، وليذهب إلى جنيف وفدٌ من منظمات المجتمع المدني التي أصدرت ذلك الإعلان الرائع غداة جولة مشاورات جنيف في شباط الماضي، ولتجتمع المنظمات الإغاثية والإنسانية وتُخرج من بينها وفداً ترسله إلى جنيف، وليتداعَ إعلاميّو الثورة المستقلون الشرفاء ويؤلفوا وفداً يذهب إلى جنيف… ولا ريب أن في حرائر سوريا من ذوات الدين والخلق والانتماء الوطني الصادق مَن يفوق “نساء ديمستورا” في العدد ويتفوق عليهنّ في الكفاءة، فليذهبنَ أيضاً إلى جنيف. ليتصل هؤلاء جميعاً بالهيئة العليا فينسّقوا معها ويرتّبوا الذهاب إلى جنيف لإفشال خطة الإغراق الخبيثة وتثقيل وزن الثورة على طاولة المفاوضات.

 

*   *   *

 

قولوا للسيد ديمستورا: اصنع ما شئت وسوف نصنع ما نريد. إن كان في القُدور التي تطبخ فيها حَلّك السياسي مزيد من الحساء فإن لدينا من الملح الصافي قَدْرَ براميل، ولسوف ننثرُ منها فوق طبختك المزيدَ والمزيد.

 

Posted in رسائل الثورة | Tagged , , , | أضف تعليقاً

تحديات جنيف (2)

تحديات جنيف

(2) معركة الدستور

 

عندما صدر إعلان فيينّا في منتصف تشرين الثاني الماضي فوجئنا بالأهمية الكبيرة التي علّقها الإعلان على الدستور، فقد بدا أنه ركيزة أساسية ونقطة انطلاق في الحل السياسي الذي تدفع أمريكا وروسيا باتجاهه، برعاية دولية شكلية ظاهرية يقودها المبعوث الأممي المنحاز ستيفان ديمستورا.

 

بعد ذلك تكرر التأكيد على أهمية الدستور في قرار مجلس الأمن رقم 2254 الذي صدر في الثامن عشر من الشهر التالي، ثم عقد الروس من أجله مسرحية رديئة سيّئة الإعداد والإخراج في حميميم بعد ذلك بعدة أسابيع، وأخيراً نقل موقع “بلومبيرغ” الأمريكي عن مسؤولين روس وأمريكيين أن الدولتين تعملان معاً على إعداد مشروع دستور جديد لسوريا، وأنهما حريصتان على إنهائه خلال ستة أشهر!

 

*   *   *

 

لا ريب أن معركة الدستور هي معركة الوقت، فإنها بوّابة يريدون فتحها ليَلِجوا منها إلى التحكم بمستقبل سوريا الدستوري والقانوني والسياسي والسيادي. إنهم يعلمون أن الدستور التي سيفرضونه علينا في ستة أشهر سيقيّدنا في ستة وستين عاماً آتية لا قدّر الله، لذلك جعلوه واحدة من الركائز الكبرى للحل السياسي وجعلوه مقدمة لازمة لكل ما بعده من تفصيلات، بما فيها الانتخابات البرلمانية والرئاسية وكيان الحكم الانتقالي، وشكل الدولة السورية القادمة بأنظمتها وهياكلها ومؤسساتها المختلفة.

 

لقد عشنا نصف قرن بدستور وهمي، وعشنا دهراً بلا قانون سوى قانون الطوارئ الذي حوّل سوريا إلى مزرعة لآل الأسد (كما وصفها الأستاذ عبد الله الدهامشة في كتابه القيّم الذي حمل هذا العنوان) ويمكننا قطعاً أن نعيش بلا دستور سنةً أخرى أو سنتين ريثما تستقلّ سوريا استقلالاً حقيقياً وتتخلص من الحكم الطائفي، ويصبح السوريون أحراراً قادرين على انتخاب جمعية تأسيسية والتصويت على الدستور الجديد.

 

حتى ذلك الحين يمكن الاكتفاء بالإعلان الدستوري الذي دعا إليه الأستاذ أنور البنّي، إعلان مؤقت بصلاحية زمنية محددة يستمر خلال الفترة الانتقالية القصيرة، فيحدد صلاحيات هيئة الحكم الانتقالية ويمهّد لانتخاب جمعية تأسيسية وصياغة دستور جديد دائم للبلاد. فإنْ تعذّرَ ذلك لأي سبب فإن دستور 1950 هو البديل حتى كتابة الدستور الدائم، أمّا أن يُفرَض على سوريا دستورٌ ارتجالي وهي ما تزال تحت الوصاية الدولية وما تزال مكبلة بالقيود والأغلال فإنه خيانة لهذا الجيل وما بعده من أجيال.

 

*   *   *

 

لقد سمعنا من هيئة المفاوضات العليا ومن رئيسها الدكتور رياض حجاب ما يطمئننا ويؤكد لنا أن الهيئة واعية لهذا الخطر وحريصة على تجنّبه، ولكنّ الوعي الشخصي لأفراد المفاوضين لا يكفي؛ إننا نحتاج إلى وعي عام وإلى موقف جَمْعي شعبي ضاغط يقوّي ويدعم موقف الوفد التفاوضي، فيا ليت ناشطي الثورة يُطلقون حملة منظمة بوسم محدد، مثلاً “لا دستور قبل التحرير”، وليت جمهور الثورة يختار اسماً لجمعته القادمة بهذا المضمون، وليطلق حملة غضب شعبية عارمة تدعو اللاعبين الدوليين إلى الكفّ عن اللعب بنا والعبث بمستقبل بلادنا.

 

ليكن الجواب بالصوت الثوري العالي في الميادين والساحات قبل أن يكون بالصوت الفردي الخافت في أروقة المفاوضات.

 

Posted in رسائل الثورة | Tagged , , , , , | أضف تعليقاً

تحديات جنيف (1)

تحديات جنيف

(1) مقدمة

 

-1-

 

للحرب الطويلة بيننا وبين عدوّنا ميدانان واسعان تجري فيهما المعارك الحاسمة: ميدان عسكري تدور معاركه في ساحات القتال، وميدان سياسي تدور معاركه في أروقة المفاوضات. ومهما بلغت انتصارات المقاتلين فإنها لن تَحسم الثورةَ ما لم تستثمرْها إنجازاتٌ محترفة في المفاوضات، ومهما بلغت مهارة المفاوضين فإنها لن تغني شيئاً ما لم تدعمها انتصاراتُ المقاتلين في الميادين والساحات.

 

إنهما معركتان متكاملتان، وينبغي أن يتحرك القادة العسكريون والسياسيون بتناغم وانسجام لتحقيق المصالح وحصد الإنجازات والانتصارات بأمر الله.

 

-2-

 

لم يستطع النظام أن يهزم الثورة لأنها ثورة شعب، ولو كانت معركةَ فصائل مسلحة فحسب لهزمها النظام، فهو يستطيع أن ينتصر على مجموعات من المقاتلين مهما بلغ أولئك المقاتلون، لكنه لا يستطع أن يقاتل الشعب ويهزمه، لأن الشعوب أبداً لا تُهزَم إذا ملكت العزيمة والإصرار.

 

لذلك حرص النظام وحلفاؤه على استهداف المدنيين لإنهاك جمهور الثورة، فلم يَنْجُ منهم التلاميذُ في المدارس ولا المصلّون في المساجد ولا المشترون في الأسواق ولا المرضى في المستشفيات، فقد علموا أن هذه الثورة ستنكسر في اللحظة التي يستسلم فيها جمهورها، فأرادوا أن يدفعوه دفعاً إلى اليأس والاستسلام.

 

لكن هذا الشعب الأبيّ الكريم العظيم لم ينكسر ولم يستسلم. إنه ما يزال ملتحماً بثورته وحاضناً لها ومدافعاً عنها، ولن تُهزَم هذه الثورة -بأمر الله- ما بقي هذا الالتحامُ الرائع بين قُوى الثورة العسكرية والسياسية وجمهورها الصامد الصابر رغم الجراح والآلام.

 

-3-

 

إن عدونا أقوى منا عسكرياً بما يملكه من سلاح ثقيل وطيران، وأقوى منا سياسياً بما يملكه من خبرة طويلة وعلاقات، وهو أقوى بالتواطؤ الدولي المنحاز الذي خذل الثورة ودعم النظام. لكن عدونا لم يستطع -رغم ذلك- أن ينهي الثورة عسكرياً، ونرجو أنه لن يستطيع أن يهزمها سياسياً ما نجح مفاوضونا في إدارة ملف المفاوضات بوعي واقتدار.

 

إن التحدي الأكبر الذي تواجهه هيئة المفاوضات هو استمرارها في الالتحام بجمهور الثورة، والتناغم الكامل بينها وبينه، والشفافية المطلقة في التعامل معه، واستشعار مزاجه الثوري والتحرك في ضوئه، والحفاظ على ثوابت الثورة وعدم المساس بخطوطها الحمراء.

 

هذه هي التحديات التي تواجه الهيئة في علاقتها بجمهورها الثوري، أما في المسار التفاوضي الصعب فإنها تواجه مجموعة من التحديات، أهمها ثلاثة: معركة الدستور، وخطر الإغراق، وفصل المسار السياسي عن المسار الإنساني. وهي الأخطار والتحديات التي سنناقشها فيما يأتي من أجزاء هذه المقالة إن شاء الله.

 

Posted in رسائل الثورة | Tagged , , , , | أضف تعليقاً