مسائل رمضانية (3)

الإبر العلاجية والمغذّية

مجاهد مأمون ديرانيّة

لا خلاف في أن “الإبر العلاجية” لا تفطر، سواء منها ما يُحقَن تحت الجلد أو في العضل أو الوريد، وقد نص على جوازها للصائم وعدم تأثيرها في صحة صيامه أكثرُ فقهاء العصر المعتبَرين، وبهذا صدر قرار مجمع الفقه الإسلامي الدولي في دورته العاشرة سنة 1997، وفيه: “من الأمور التي لا تعتبر من المفطرات: الحقن العلاجية الجلدية أو العضلية أو الوريدية، باستثناء السوائل والحقن المغذية”.

بقيت الإبر المغذّية: هل تفطر أو لا تفطر؟ اختار المجمعُ الرأيَ الأول كما اتضح في قراره المذكور، وهو رأي اللجنة الدائمة في السعودية وعدد من كبار علماء العصر، وحجتهم أن هذه الإبر تقوم مقام الطعام والشراب، والشرع لم يفرق بين متماثلَين. ولم يفرق بعض الفقهاء بين نوعَي الإبر، فهي كلها عندهم لا تفسد الصيام. إلى هذا الرأي ذهب محمد بخيت المطيعي ومحمود شلتوت، وهو ما أفتت به لجنة الفتوى في الأزهر عام 1948.

والذي يطمئن إليه القلبُ أن الإبر المغذية مفطرة، لأن الغرض من الصيام ليس مجرد حرمان الصائم من لذة تذوق الأكل في فمه، بل من الغذاء نفسه، وهذه الإبر تغني المرءَ عن الطعام والشراب.

على أن الإبر المغذية لا يعالَج بها إلا من ثبتت حاجتُه الطبية إليها، فلا خلافَ في جواز استعمالها أو وجوبه، والطبيب الحاذق هو من يقرر: هل الإبرة “جائزة” لتحصيل منفعة للمريض والمسارعة في شفائه، أو “واجبة” لدفع الضرر والخطر عنه؟ وتبقى مسألة القضاء، فما على المريض لو أنه شكر الله بعد الشفاء فقضى الأيام التي أفطرها بتلك الإبر إن كان شاباً قوياً، أو أطعم المساكين إن كان هَرِماً عاجزاً أو مريضاً مزمناً؟ ألا ما أجملَ شكرَ الله على نعمة الشفاء.

Advertisements
نُشِرت في في الدعوة والإصلاح | الوسوم: , , , , , , | أضف تعليق

مسائل رمضانية (2)

أقراص تحت اللسان

مجاهد مأمون ديرانيّة

أصيب أبي رحمه الله بذبحة صدرية في وقت مبكر نسبياً من حياته، وعاش بعدها سنوات طويلة وفي جيبه علبة أقراص لا تفارقه في حلّه وترحاله، فكلما أحس بألم في صدره أخرج من العلبة قرصاً صغيراً وضعه تحت لسانه فيزول الألم ويحس بالارتياح.

تتسبب الذبحة الصدرية بألم في الصدر منشؤه نقص كمية الدم المتدفق إلى عضلة القلب نتيجة لانسداد أو تضيّق بعض الشرايين التاجيّة، فإذا شعر المريض بهذا الألم وضع تحت لسانه حبّة “نيترو غلسرين” فتذوب في ثوان قليلة، وتُمتَصّ المادة الدوائية على الفور عبر الأوعية الدموية التي تنتشر تحت اللسان بكثافة فتصل إلى الأوردة والشرايين وتوسعها، فيزداد تدفق الدم إلى عضلة القلب وتحصل على حاجتها من الأكسجين.

يتضح من ذلك أن الأقراص التي توضع تحت اللسان لا تعبر الحلق ولا تصل إلى الجوف، لذلك فإنها لا تفطر الصائم، إلا إذا بلع بقايا الدواء التي تبقى بعد امتصاص المادة العلاجية. فإذا تمضمض المريض بعد استعمال القرص ولم يدخل جوفَه شيء من بقاياه فهو في أمان، وصيامُه صحيحٌ إن شاء الله.

وقد أفتى بذلك مجمع الفقه الإسلامي الدولي (التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي) في دورته العاشرة التي عقدها في جدة سنة 1997، حيث صدر القرار بالإجماع، ولا أعلم مخالفاً له بين فقهاء العصر المعتبَرين.

نُشِرت في في الدعوة والإصلاح | الوسوم: , , , , , | أضف تعليق

مسائل رمضانية (1)

بخّاخ الربو

مجاهد مأمون ديرانيّة

هل يَفسد الصوم باستعمال بخاخ الربو؟ هذه مسألة حادثة لم يبحثها القدماء لأنها لم تكن في زمانهم، وقد اختلف فيها أهل العصر على رأيين، أصحّهما -لتأييده بالأدلة الطبية والشرعية- أن هذا البخاخ لا يُفطر.

هذا هو رأي أبي زهرة والقرضاوي وابن باز وابن عثيمين، واختارته اللجنةُ الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في السعودية، جاء في فتواها المنشورة: “دواء الربو الذي يستعمله المريض استنشاقاً يصل عن طريق القصبة الهوائية إلى الرئتين لا إلى المعدة… والذي يظهر عدم الفطر باستعمال هذا الدواء استنشاقاً، لما تقدم من أنه ليس في حكم الأكل والشرب بوجه من الوجوه“.

وهو الرأي الذي اعتمدته “الندوة الفقهية الطبية التاسعة” التي عقدتها المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية في الكويت سنة 1997، وجاء في قرارها المعلَّل ما يلي:

إن الرذاذ الذي ينفثه بخاخ الربو عبارة عن هواء حدوده الرئتان ومهمته توسيع شرايينهما وشُعَبهما الهوائية التي تضيق بالربو. والأصل في هذا الرذاذ أنه لا يصل إلى المعدة، فليس أكلاً ولا شرباً ولا هو في معناهما. ولأنه لو دخل شيء من بخاخ الربو إلى المريء ثم إلى المعدة فهو قليل جداً، فالعبوة الصغيرة التي أعدت لمئتَي بَخّة تحتوي على عشرة مليلترات من الدواء السائل، أي أن البخة الواحدة تستغرق نصف عشر مليلتر، وهذا شيء يسير جداً. ولأنه لمّا أبيح للصائم المضمضة والاستنشاق مع بقاء شيء من أثر الماء يدخل المعدة مع بلع الريق فكذلك لا يضر الداخل إلى المعدة من بخاخ الربو قياساً على المتبقي من المضمضة.

وبالقياس على استعمال السواك، فقد ذكر الأطباء أن السواك يحتوي على ثمانية مواد كيميائية، تقي الأسنان واللثة من الأمراض، وهي تَنْحَلّ باللعاب وتدخل البلعوم، وقد جاء في صحيح البخاري معلقاً (ووصله عبد الرزاق عن عامر بن ربيعة) قال: “رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يستاك وهو صائم ما لا أحصي”. فإذا كان قد عُفي عن هذه المواد التي تدخل إلى المعدة لكونها قليلة وغير مقصودة فكذلك ما يدخل من بخاخ الربو، يعفى عنه للسبب ذاته. كما أن دخول شيء إلى المعدة من بخاخ الربو ليس أمراً قطعياً بل هو مشكوك فيه، فقد يدخل وقد لا يدخل، والأصل صحة الصيام وهو اليقين فلا يزول بالشك.

نُشِرت في في الدعوة والإصلاح | الوسوم: , , , , , | أضف تعليق

ما أبشعَ الضعفَ في دنيا القُساة!

ما أبشعَ الضعفَ في دنيا القُساة!

 

يرى بعض النقّاد أن أنطون تشيخوف هو أعظم مؤلفي القصص القصيرة في التاريخ، وهو معدودٌ في الطبقة العالية من الأدباء الروس، مات سنة 1904 تاركاً وراءه مئات القصص والمسرحيات، منها قصة “المغفلة” الشهيرة التي نشرها سنة 1883، وقد أُدرجت ضمن المقررات الدراسية في كثير من الدول بلغات شتّى.

هذه القصة ذات المغزى العميق قرأ ترجمتَها العربيةَ كثيرون من القراء العرب ولم يقرأها كثيرون، فلهؤلاء الآخَرين أحببت تقديمها هنا (وقد اقتصر عملي فيها على تحرير النص العربي ومراجعته على الأصل الأجنبي) أنشرها بلا تعليق، فإن في جملة الختام ما يغني عن أي تعليق.

 

منذ أيام دعوتُ الى غرفة مكتبي مربّيةَ أولادي “يوليا فاسيليفنا” لكي أدفع لها حسابها. قلت لها: اجلسي يا يوليا، هيّا نتحاسب. أنت بحاجة إلى النقود، ولكنك خجولة لدرجة أنك لن تطلبيها بنفسك. حسناً، لقد اتفقنا على أن أدفع لك ثلاثين روبلاً في الشهر.

قالت: أربعين.

قلت: لا، بل ثلاثين، هذا مسجل عندي. لقد كنت أدفع دائماً ثلاثين روبلاً للمربّيات.

قالت: حسناً.

قلت: لقد عملتِ لدينا شهرين.

قالت: شهرين وخمسة أيام.

قلت: شهرين بالضبط، هذا مسجل عندي. إذن تستحقين ستين روبلاً. نخصم منها تسعة أيام آحاد، فأنت لم تعلّمي “كوليا” في أيام الآحاد بل كنت تتنزهين معه فقط، ثم ثلاثة أيام أعياد…

تضرّج وجه يوليا فاسيليفنا وعبثت أصابعها بأهداب ثوبها، ولكنها لم تنبس بكلمة.

واصلتُ قائلاً: نخصم ثلاثة أعياد، المجموع اثنا عشر روبلاً. وكان كوليا مريضاً أربعة أيام فلم يدرس، كنت تدرّسين “فاريا” فقط. وثلاثة أيام كانت أسنانك تؤلمك فسمحتْ لك زوجتي بعدم التدريس بعد الغداء. إذن اثنا عشر زائد سبعة، المجموع تسعة عشر. نخصمها فيبقى واحد وأربعون روبلاً. صحيح؟

احمرّت عينا يوليا فاسيليفنا وامتلأت بالدموع وارتعش ذقنها وسعلت بعصبية، ولكنها لم تنبس بكلمة.

قلت: قُبَيل رأس السنة كسرتِ فنجاناً وطبقاً، فسوف نخصم روبلّين. الفنجان أغلى من ذلك، فهو من إرث العائلة، ولكن فليسامحك الله. وبسبب تقصيرك تسلّق كوليا الشجرة ومزق سترته، نخصم عشرة. وبسبب تقصيرك أيضاً سرقت الخادمة حذاء فاريا، وكان من واجبك أن ترعي كل شيء، فأنت تتقاضين راتبك من أجل ذلك. وهكذا نخصم خمسة روبلات. وفي الشهر الماضي أخذت مني عشرة روبلات…

همست يوليا فاسيليفنا بصوت خافت: لم آخذ!

قلت: لكن هذا مسجَّل عندي.

قالت: حسناً، كما تشاء.

قلت: من واحد وأربعين نخصم سبعة وعشرين، الباقي أربعة عشر روبلاً.

فاضت عيناها بالدموع، يا للفتاة المسكينة! قالت بصوت متهدج: أخذتُ مرة واحدة، أخذت من زوجتك ثلاثة روبلات، لم آخذ غيرها.

قلت: حقاً؟ تصوري أنني لم أسجل ذلك! نخصم ثلاثة من الأربعة عشر، الباقي أحد عشر. ها هي نقودك يا عزيزتي، تفضلي.

قدمت لها أحد عشر روبلاً، فتناولتها ووضعتها في جيبها بأصابع مرتعشة وهمست: شكراً.

انتفضتُ واقفاً وأخذت أروح وأجيء في الغرفة وقد بلغ بي الغضب والانفعال أقصاه. سألتها: شكراً على ماذا؟

قالت: على النقود.

قلت: ولكني نهَبْتك، سلبتك! لقد سرقت مالك، فعلامَ تشكرينني؟

قالت: في أماكن أخرى لم يعطوني شيئاً.

قلت بانفعال: لم يعطوكِ؟! أليس هذا غريباً؟ لقد أردت أن ألقّنك درساً ولم أكن جاداً. والآن سأعطيك نقودك كاملة، ثمانين روبلاً، ها هي هنا في الظرف، لقد جهزتها لك. ولكن هل يمكن أن تكوني عاجزة لهذه الدرجة؟ لماذا لا تحتجّين؟ لماذا تسكتين؟ هل يمكن أن لا تكوني حادّة الأنياب في هذه الدنيا القاسية؟ هل يمكن أن تكوني مغفلة لهذه الدرجة؟

ابتسمَت بعجز، فقرأتُ في تعابير وجهها: نعم، يمكن!

اعتذرتُ عن الخدعة القاسية التي عرّضتها لها، وسلّمتها -وهي في غاية الدهشة- الروبلات الثمانين، فشكرتني بخجل وانصرفت.

نظرتُ إليها مُدْبرةً وفكّرتُ: ما أبشعَ أن تكون ضعيفاً في هذه الدنيا القاسية!

نُشِرت في في الدعوة والإصلاح, عِبَر وفِكَر | الوسوم: , , , , , , , | أضف تعليق

الهزيمة والسِّواك

الهزيمة والسِّواك

مجاهد مأمون ديرانيّة

كلما تأخر علينا نصرٌ أو تعرضنا لهزيمةٍ بُعِثت من مرقدها تلك الأسطورةُ العجيبة، قصة الجيش الذي حُرم من النصر لأنه عطّل سنّة السواك! وهي “قصة موسميّة”، لها مواسم تنتشر فيها حتى تنافس وصية الشيخ أحمد، خادم الحجرة النبوية المزعوم، وما أدري أيُّهما أكثر إساءة للدين واستهانة بعقول المسلمين!

نعم، السواك سُنّة يثاب فاعلها، ولكنّ تارك السنّة لا يعاقَب، بل إن تعريف الرغائب والسنن والمندوبات عند الأصوليين هو “ما يُثاب فاعله ولا يعاقَب تاركه”. وهَبُوا أن المجاهدين تركوا السواك ثم عوقبوا على تركه، فبأيّ شيء تكون العقوبة؟ سوف يعاقَبون بتسوّس أسنانهم وحسب، لأن الجزاء من جنس العمل. أمّا أن يُهزَم الجيش كله بسبب التقصير في أداء بعض السنن فإنها خرافة عجيبة لا يقبلها عقل ولا دين!

وإن من أعجب العجب أن نترك كتاب ربنا وآياته المحكمات ثم نركض وراء الخرافات والموضوعات! ما لنا وللبحث عن أسباب هزيمتنا في تلك الأخبار الواهية، وفي كتاب الله آياتٌ محكمات تبيّنها لنا بأوضح عبارة وأبيَن أسلوب؟

*   *   *

لو بحثنا في كتاب الله سنجد أن “قانون الهزيمة” يدور في القرآن على معنيَين كبيرين: التنازع والظلم. فأما التنازع فنستخرجه من قوله تعالى: {ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم}، وأما الظلم فمن قوله: {والظالمون ما لهم من وليّ ولا نصير}.

فإذا ابتعد عنّا النصر وطرقت الهزيمةُ بابَنا فلا تبحثوا عن الفروع والمندوبات، ابحثوا عن الأصول والفرائض الكبرى. فكّروا: ألم يتنازع قادةُ الثورة ويتفرّقوا شَذَرَ مَذَر في سبيل النفوذ والسلطان؟ أمَا انتشر الظلم في الأراضي المحررة حتى صارت بعض الفصائل نُسَخاً رديئة من النظام؟ أليس في جمهور الثورة كثيرون، كثيرون جداً يستهينون بالظلم ويدافعون عن الظالمين؟

لقد عُرف الجواب، ففيمَ البحث ولِمَ الاستغراب؟ ليس ترك السواك هو سبب الهزيمة؛ إن سببها هو الظلم والفساد والفُرقة والتنازع، سببها فاسدون وظَلَمة كثيرون يملؤون الأرض، ومِن ورائهم أنصار ومُريدون لا يحصيهم العَدّ، رضوا عن الظلم والفساد ومضوا يصفّقون للفاسدين والظالمين.

نُشِرت في في الدعوة والإصلاح, خواطر ومشاعر | الوسوم: , , , , , , , , | أضف تعليق

بين المنهج النبوي ومنهج القاعدة

بين منهج القاعدة السقيم
والمنهج النبوي القويم

مجاهد مأمون ديرانيّة

الفروق بين “منهج القاعدة” و”منهج النبوّة” كثيرة، كثيرة جداً، غير أن أهمها على الإطلاق هو أن القاعدة تقلب “هرم الدعوة النبوية” رأساً على عقب، فتبدأ من حيث انتهى النبي عليه الصلاة والسلام ثم تمشي بعكس الطريق لتنتهي (لو انتهت، ولم تفعل قط) إلى حيث بدأ.

كيف نشر النبي دعوته وكيف أسّس دولة الإسلام؟ هذه سيرتُه بين أيدينا، اقرؤوها تجدوا فيها دعوةً متّصلةً صبرَ عليها صاحبُها السنينَ الطوال حتى أثمرت جماعةً مؤمنة، ثم اتسعت الجماعة (بالدعوة والدعوة وحدَها) حتى نشأ منها مجتمع مؤمن أسَّسَ حياتَه على الإسلام باختياره ورضاه، لم يجبره على اعتناقه أحد قط ولم يحاربه للالتزام بأحكامه أحدٌ أبداً.

لقد بنى النبيُّ الحكيمُ الإنسانَ المسلم وصنع الجماعةَ المؤمنة فصنعت هي دولة الإسلام؛ أقنع الناس بالإسلام، فلما اقتنعوا به تحاكموا إليه -راضين- في حياتهم ومعاشهم وعبادتهم وأخلاقهم ومعاملاتهم وسياستهم وحربهم وسلمهم، وخضعوا له في كل أمر وفي كل حال.

هذا هو المنهج النبوي القويم: بدأ بالدعوة وانتهى بالدولة، وبدأ بالجوهر فتبعه المظهر والمخبر، وأصلح نفوس الناس فاستقامت أعمال الناس. أما “القاعدة” فإن لها منهجاً مقلوباً منكوساً، فإنها تبدأ بالسيطرة على الأرض بقوة السلاح ثم تفرض الدين على الناس بالإكراه، ولأنها أبعد الناس قاطبة عن فهم “فقه الدعوة النبوية” فإنها تهمل الجوهر وتنشغل بتغيير ظواهر الأعمال والأشكال!

وأهم من ذلك كله: إن المنهج النبوي يحفظ للأمة حريتها ولا يسلّط عليها أفراداً مستبدّين يتحكمون في حياتها وثروتها وإرادتها، أما القاعدة فإنها تسلب الأمة حريتها وتتسلط عليها بقوة السلاح الذي لا تعرف لغة سواه، فتكون النتيجة النهائية أن الناس يخرجون من جَور وتسلّط إلى جور وتسلط ويستبدلون استبداداً باستبداد، لا فرق سوى أن الاستبداد القديم ملوَّن بالألوان الزاهية والاستبداد الجديد مُسَربَل بالسواد.

نُشِرت في في الدعوة والإصلاح | الوسوم: , , , , , , , | أضف تعليق

جبهة النصرة واستغباء المُريدين

جبهة النصرة واستغباء المُريدين

مجاهد مأمون ديرانيّة

ما هو رقم التهجير الجديد؟ ليس مخيّمُ اليرموك أولَ المناطق استسلاماً وخروجاً في تاريخ الثورة، فقد سبقته مناطق كثيرة، حمص القديمة والزبداني والمعضمية وداريا وحلب ووادي بردى والوعر والتل وخان الشيح والقدم والغوطة الشرقية والقلمون… في هذه المناطق وفي غيرها من المدن التي هُجِّر سكانها كانت الصفقة مختصرة واضحة: الخروج مع ما يمكن حمله من متاع شخصي وسلاح فردي بلا أي مقابل، المقابل الوحيد هو إخلاء المنطقة وتسليمها للنظام.

كيف صار مخيم اليرموك استثناء من تلك القاعدة حتى تضطر جبهة النصرة لتقديم ذلك الثمن الباهظ مقابل الخروج؟ لماذا تَسْتغبون الناس يا قادة النصرة؟ فكوا الحصار عن الضَّيعتين إن شئتم أن تفكوا الحصار وأطلقوا سراح الرهائن المحاصَرين إن شئتم أن تطلقوا سراح الرهائن المحاصرين، اصنعوا ذلك كله بصمت، ولكن لا تحاولوا استغباءنا فتزعموا أن ذلك جزء من صفقةٍ اضطُررتم إليها ولم يكن لكم فيها خيار!

على أننا نعلم أن النصرة لم تحاول استغباءنا، فهي تدرك أننا لن نبلع لقمة كبيرة بهذا الحجم، فلماذا أعلنت أن إطلاق رافضة الفوعة وكفريا كان ضرورياً لإتمام الصفقة؟ لقد كان الإعلان من أجل عناصر النصرة ومريديها الذين يحتاجون إلى “جرعة تخدير” تساعدهم على امتصاص الصدمة! ومرة أخرى يصفق البلهاء والأغبياء هاتفين: لجبهتنا العبقرية كل الشكر لأنها نجحت في إنقاذ مقاتلينا المحتجَزين في مخيم اليرموك!

بل أكثر من ذلك: إنه نصر عظيم من حيث لا تعلمون! إنْ لم تصدقوا فهاكم “تخريجة” أحد مرقعة وكهنة الجولاني، أبي شعيب المصري: إن تحرير كفريا والفوعة من سلطان الكافرين فتحٌ من الله ونصر للمؤمنين. “ما ظننتم أن يخرجوا وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم من الله، فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا وقذف في قلوبهم الرعب يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين”، فالحمد لله حمداً كثيراً.

الله أكبر، شكراً يا مرقِّع! بفضلك سينام “المريدون” هذه الليلة مطمئنين فرحين بالنصر العظيم… وفي هذه الأثناء يستمرّ مسلسل العَمالة والتسليم، ولا عزاء للمغفلين!

 

نُشِرت في عِبَر وفِكَر | الوسوم: , , , , , , , , , , , | أضف تعليق