وصفةٌ للسعادة والحياة

وصفةٌ للسعادة والحياة

مجاهد مأمون ديرانيّة

في أيامنا الماضية لحظات حُلوة ولحظات مُرّة، فاستمدّ سعادتك ورضاك من اللحظات الحلوة واستَعِدْها كل يوم، ودع الذكريات المزعجة بلا تفكُّر ولا تذكّر ولا استحضار، فلا تلبثُ أن تذوي كما تذوي الأزهار تُرِكت بغير ماء، وتبهتُ كما تبهت الصورة وُضِعَت معرَّضةً للشمس والضياء.

*   *   *

في كل صباح افتح عينيك على يوم جديد جميل واحمد الله على نعمائه، واملأ قلبك بالتفاؤل من الغد الآتي، ولا تعقد غاية آمال الحياة على أحد من العباد بل على رب العباد، فما أكثرَ ما يَصدم الناسُ الناسَ. كل الناس ينشغلون بأنفسهم ويتيهون في دروب الحياة، فإن الحياة شغّالة، فلا تتوقع منهم إلا القدر الذي تسمح به قوانين الحياة من العطاء، ولسوف يُفرح قلبَك كلُّ قَدْر يزيد عن توقعك مهما بلغ من الضآلة والهوان.

*   *   *

لا تعاشر أهل الكآبة الذين يبحثون عن الأحزان ويجمعونها كما يجمع الطوابعَ هواةُ الطوابع والفراشاتِ هواةُ الفراشات، فإن الاكتئاب مرضٌ مُعْدٍ، ومَن عاشر المكتئبين أوشك أن تمتلئ نفسُه بالاكتئاب.

افتح نوافذ نفسك على حدائق الأمل تدخل شُعاعاتُ الضياء لتنير زوايا النفس المكتحلة بالظلمة، فلا شيءَ في الدنيا بأسرها يمكن أن يرغم المرء على الحياة ما لم يُرِد هو الحياة.

Advertisements
نُشِرت في خواطر ومشاعر | الوسوم: , , , , , | أضف تعليق

هُموم السوريّين

هُموم السوريّين

مجاهد مأمون ديرانيّة

تمزق الجسد السوري وتبعثر السوريّون في الأرض. ملايين صاروا نازحين في المناطق المحررة، وملايين باتوا لاجئين في دول الجوار، وملايين تفرقوا في بلدان الشتات البعيدة… ولكلٍّ همومه ومشكلاته.

لقد أثبت تاريخٌ عريق يضرب بجذوره في أعماق الزمن أن السوريين قادرون على التأقلم والنجاح والإبداع وأنهم يعملون بأنفسهم لأنفسهم الكثير، ولكنهم يحتاجون إلى المساعدة، على الأقل للبقاء أحياء والإقلاع الناجح في الأيام الصعبة الأولى التي تعقب الهجرة والنزوح والتهجير.

*   *   *

إن من شأن الصدور الحانية والقلوب الرحيمة أن تخفف وَحشة المهجَّرين الذين غادروا مناطقهم إلى الشمال المحرر في السنة الأخيرة. وكذلك الشأن في كل النازحين داخل الوطن والمهاجرين خارجه، في دول الجوار وفي بلدان الشتات. إنهم الغرباء في الأرض الغريبة، فما أحوجَهم إلى يد رفيقة تمتد إليهم لتدلهم على الطريق، “وكل غريب للغريب نَسيبُ”.

هؤلاء جميعاً يحتاجون إلى المأوى والعناية في الشهور الأولى على الأقل، فإن الغريب يستوحش إذا حل بأرض جديدة ويَحار في أول أمره: ماذا يعمل وأين يعيش؟ وربما عَجَز عن دفع إيجار الدار وربما حُرم رضيعُه من الحليب وقُطع عن مريضه الدواء، فإذا وجد من يساعده لتجاوز صعوبات الأيام الأولى صار أقدرَ على الاستغناء عن العون وأقربَ إلى الإبداع والإنتاج.

*   *   *

لا ريب أن الحمل ثقيل وأن قدرة الناس على العون المادي محدودة، فليس الحاملُ بأحسن حالاً وأوسع يداً من المحمول، ولا المقيم والوافدُ القديم أقلَّ حاجةً إلى الدعم المادي من الوافد الجديد، ولكنّ للقديم على الجديد أفضليةَ الاستقرارِ المعيشي والنفسي، فلو عجَز عن المساعدة بالمال فلن يُعجزه أن يُفيض على المهجَّرين اهتماماً ومحبة تزدهر بها أنفسهم وينسَون فيها مرارة الفقد والتهجير.

ثم إن المال ليس كل ما يريده الغريب الوافد على الأرض الجديدة. إنه يريد مَن يدله على بيت جيّد يعيش فيه، ومدرسة مناسبة يتعلم فيها الأولاد، وفرصة للوظيفة أو مجال صالح للعمل الحر. أما المهاجر خارج الوطن فإنه يحتاج إلى من يعرّفه بقوانين البلاد الجديدة ويهوّن عليه غربة اللغة والثقافة ويقوده في المسالك المجهولة. إنهم كلهم، هؤلاء وأولئك، بحاجة إلى الأصدقاء والداعمين والمحبّين.

*   *   *

طوبى لمن كان عوناً لأخيه، ومَن لم يكن سبباً للمساعدة فلا يكن سبباً للشقاء ولا يكن عثرة في الطريق.

اللهمّ بارك في أصحاب القلوب الرحيمة الذين فتحوا للمكروبين والمنكوبين أبوابَ الدور وأبواب القلوب. ألا وبُعداً وسحقاً للذين يستغلون آلام الناس ويتاجرون بالدموع والدماء، بُعداً وسحقاً لمَن رقص على الجراح واغتذى بالآلام وأثرى على حساب المشردين والمنكوبين والمكروبين.

 

 

نُشِرت في خواطر ومشاعر, رسائل الثورة | الوسوم: , , , , , , , , | أضف تعليق

من أكل بصلاً وثوماً فصَلاتُه في بيته

من أكل بصلاً وثوماً فصَلاتُه في بيته

مجاهد مأمون ديرانيّة

دعاني صديقٌ مرّةً مع عدد من الأصدقاء إلى وليمة غداء. وكما هو متوقَّع في مائدة شاميّة تقليدية فقد كان الثوم حاضراً في الطعام بقوّة، والطبقُ الذي نجا من الثوم لم يَنجُ من البصل، ومَن لم يكفِه ما اختلط بأطباق الطعام من هاتين البقلتين فأمامَه أعوادٌ من البصل الأخضر يأخذ منها ما يشاء.

فلما فرغنا وشربنا الشاي أذّن العصر، وكان المسجد قريباً من بيته، فقال: هيا بنا. قلت: إلى أين؟ قال: نصلي العصر في المسجد. قلت: والبصل والثوم الذي أكلناه؟! فضحك وقال: لقد مضغتُ عرقين من النعنع، فاصنعْ مثلي تذهَبْ رائحةُ البصل والثوم.

قلت: يا رجل! لو أني أكلت رطلاً من النعنع لن يغلب ريحَ بصلة! ولعلك تعلم أن الرائحة الكريهة للبصل والثوم لا تقتصر على الفم وحده، بل يفرزها الجلد أيضاً مع العرق فضلاً عن خروجها مع النفَس، أفنذهب إذن لنؤذي المصلين؟ ثم إنك فيما أعلم حنفي، والأحناف (كالمالكية وبعض الشافعية) يرَون أن جماعة المسجد سنّة مؤكدة، أما إيذاء المصلين بالثوم والبصل فإنه محرَّم مَنهيّ عنه بنص الحديث الصحيح. أفنَقترفُ حراماً من أجل سنّة؟

*   *   *

قال صاحبي: إنك تكبّر أمراً هيناً، ولا أظنه يبلغ هذه الدرجة من الأهمية والخطورة.

قلت: أما التكبير والتصغير فليس مني، بل هو أمر صريح ممّن هو خير مني ومنك. في حديث جابر عند البخاري ومسلم وغيرهما من أصحاب السنن: “من أكل ثوماً أو بصلاً فليعتزل مسجدنا وليقعد في بيته”. كذا بصيغة الأمر الجازم. ثم إنك لا تدري كم يزعج آكلُ البصل والثوم غيرَه من المصلين وينفّرهم من الجماعة! أقسم بالله لقد هممت مرات أن أقطع صلاتي وأترك الصف بسبب بَصَليّ أو ثوميّ صلّى إلى جواري.

وإني ما أكلتهما في وليمة لم يشاركني فيها أهل بيتي إلا حرصت على تجنب إيذاء أهل البيت برائحة فمي، فأحافظ على “مسافة أمان” لا تقل عن متر بيني وبين أولادي وبيني وبين زوجتى ستاً وثلاثين ساعة على الأقل، بقيّةَ اليوم الذي أكلت فيه الطعام المبصَّل المثوَّم ويوماً بعده. وكذا أجتنبُ المساجدَ هذا الوقت، فإني جرّبت وتبادلت الخبرات مع غيري مرات ومرات حتى أيقنت أن هذا الأكل لا يزول أثرُه في أقل من هذه المدة، وأحَبُّ الناس إلى رب الناس مَن لم يؤذِ غيرَه من الناس، القريبين والبعيدين منهم على السواء.

*   *   *

ويلحق بهذا الباب مَن غلبت على جسمه أو ملابسه رائحةُ العرق، من العمال والحِرَفيّين الذين يُمضون أكثر يومهم في العمل الشاق، أعانهم الله. وما أزدري أعمالهم ولا أقلل من شأنهم، بل إنهم لَيستحقون الاحترام والتقدير لأنهم يكسبون رزقهم بشرَف ولا يتكفّفون الناس، ولكن الذوق والدين يقتضيان أن يفارقوا المصلى العام إذا غلب على ظنهم أنهم يؤذون المصلين بقذارة الملابس وروائح الأبدان.

والمدخنون! أولئك الأسوأ بين الجميع، ولا سيما المُدْمنون المُكْثرون. ولا أذكر أنني قطعت صلاة في مسجد إلا مرة واحدة في هذا العمر الطويل، وقف إلى جانبي رجل لم أعرف أهو مدخّن أم مِدْخَنة، أصابني من رائحته –أقسم بالله- غَثَيان ما عدت أقدر معه على البقاء في الصف، فقطعت صلاتي وبحثت عن موضع بعيد عنه فأحرمت بالصلاة من جديد (ولو ابتعدت عنه عشرَ خطوات ولم أخرج من الصلاة فصلاتي صحيحة على بعض المذاهب، وفي أدلّة أصحاب هذا الرأي قوة ووجاهة).

*   *   *

فيا أيها المؤمنون: كُلوا ما شئتم واصنعوا ما تريدون، ولكن فكروا بالآخرين وقدّروا ما يزعج الناس فاجتنبوه، والتزموا بالتوجيه النبوي ولا تنسَوه بحال: “من أكل ثوماً أو بصلاً فليعتزل مسجدنا وليقعد في بيته”. تقبل الله صلاتكم في بيوتكم، وصحّةً وهناءةً فيما تأكلون وتشربون.

 

نُشِرت في في الدعوة والإصلاح | الوسوم: , , , , , , , , | أضف تعليق

المولد الذي حضرته، والميزان الضائع

المولد الذي حضرته، والميزان الضائع

مجاهد مأمون ديرانيّة

القصة عجيبة، أتذكرها من وراء حجاب السنين الصفيق، أربعين سنة، فلا أملك إلا أن أَعجب منها. ليس من حضوري “المولد”، فما أكثرَ الذين يحضرون الموالد في كل مكان وآن، ولكن لأنني لم أحضر في حياتي إلا هذا المولد في ذلك الموضع وفي ذلك الوقت، ويا له من اختيار غريب في المكان والزمان!

كان ذلك يومَ الوقفة في عرفات، وكنت في سنتي الثانية في جامعة الملك عبد العزيز بجدّة، وقد انتسبت إلى جَوّالة الجامعة (أي الكشافة، وبالاصطلاح يسمى كبارُهم جَوّالة وأوساطهم كَشّافة وصغارهم أشبالاً. هذا هو التصنيف المبسط، وهو في حقيقته أكثر تعقيداً بقليل). وكان استنفارُ كَشّافة المدارس وجَوّالة الجامعات في كل “موسم” أمراً شائعاً، ولا أدري ما حاله الآن. فكنا نذهب إلى المشاعر فنحجّ ونُمضي أيام عَرَفة ومِنى في مساعدة الحجاج، بإعانة المسنّين وإرشاد التائهين. وما أكثرَ ما يضلّ الحجاج فيخرجون من مخيّماتهم ثم لا يُحسنون الاستدلال عليها ويفشلون في العودة إليها فيتهيون في أرض الحج الواسعة.

كنا في عرفات، بُعَيد العصر على ما أذكر، وقد أنفقت بعض الوقت في مساعدة مجموعة من الحجاج المغاربة في الوصول إلى مخيمهم، فلما وصلنا أصرّوا على مكافأتي بتذوق الحلوى المغربية وشرب الشاي المغربي المشهور. ودخلت معهم بعد تمنّع، فثَمّ رأيت المولد. كان القوم متحلقين في حلقة كبيرة ينشدون المدائح ويضربون الدفوف ويهزون الرؤوس قعوداً أو يتمايلون وقوفاً مع النغمات، ويقرؤون نصوصاً فيها مبالغة بالإطراء الذي نهانا النبي نفسُه عنه وغزل لا يليق بمقامه عليه الصلاة والسلام، وقد بلغ الطرب بهم مبلغاً كبيراً شعرتُ أنه غيّبهم عن الوعي بالمكان والزمان.

كان منظراً فولكلورياً طريفاً لم أشاهد له مثيلاً من قبل، فلبثت أشاهده مدة، نحو عشر دقائق أو أكثر قليلاً، وشربت الشاي وأكلت الحلوى، ثم قلت لنفسي: حسبي ما رأيت. فأما أصحاب هذه الموالد والحلقات والحضرات فهم وما يشاؤون، وأما أنا فقد اكتفيت منها إلى آخر العمر، وخيرٌ لي أن أسثمر ما بقي من ساعات اليوم في مساعدة العجزة وإرشاد التائهين، فإني أحتسب هذا العمل وأحسب أنه أرضى لله ورسوله من جلوسي مع القوم ومشاركتهم بالهز والإنشاد.

*   *   *

الذي خرجت به من تلك الحادثة ومما رأيته في السنين اللاحقة من حرب على أصحاب الموالد هو أن ما يبدو في ظاهره خلافاً على مسألة شرعية ليس في حقيقته سوى اضطراب في الميزان أحياناً، أو تضييع له بالكلّية في أغلب الأحيان.

ليست المشكلة في معرفة الحلال والحرام والسنّة والبدعة ولا في معرفة ما يُرضي الله وما لا يرضيه، بقدر ما هي في معرفة أوزان الواجبات والمحرَّمات والسنن والبدع والقربات والطاعات. إنك تجد أولئك الناس بلا ميزان، فلمّا فقدوا الميزان لم يعرفوا وزن هذا ووزن ذاك وحسبوا أن الكل سواء، فاضطربوا بالترتيب والإقدام والإحجام والإنكار.

وإلاّ فمَن الذي يفرّط بيوم العمر الذهبي، اليوم الذي لا يكاد يتكرر في الحياة، فلا يأتي إلاّ مرة (وقد لا يأتي على الإطلاق)، اليوم العظيم في البقعة المباركة، اليوم الذي يغمر الله فيه عبادَه بالرحمات ويستجيب منهم الدعوات، الذي يتمنى المرء لو تتسع ساعاته وتطول ليستغلها بالدعاء والاستغفار، فكيف تطيب نفسه بإهدار ساعة وساعتين منه في غناء وهز وطرب وقيام وقعود؟ وإن يكن في هذا الأمر ثواب (كما ظن الذين صنعوه، وليس كذلك) أهو خير أم الدعاء والاستغفار؟

وما الذي يدفع غَيوراً على السنّة إلى محاربة هذا الاحتفال بالشدّة التي يحارب بها الانحلالَ والفجور والفساد والإلحاد، أو أشد وأعتى؟ إني أرى بعض ما يبلغه أولئك المنكرون من قسوة وشدة وعنف فأتصورهم كمَن يطلق الصواريخ البالستية على الذباب والعصافير!

يا قوم وفّروا أسلحتكم لما هو أبشع وأنكى! شبابُ الإسلام يتفلّتون من بين أيدينا ونحن نصرف الوقت في معارك هامشية عبثية لا ينبني عليها كبير خطر ولا بليغ أثر. نختلف على الاحتفال بمولد النبي والذين ينكرون نبوّة النبي يزدادون يوماً بعد يوم، ونفرّق الأمة بالبحث في يد الله واستواء الله وكثيرون من شبابنا يكفرون بالله وينكرون وجود الله! أهذا عمل العقلاء الذين يفهمون دين الله ورسالة الإسلام؟!

*   *   *

بعد نشر المقالة الماضية طالبني أحد القراء الكرام بأن أنكر على أصحاب الموالد بالشدة التي أنكرتها على الغلاة، فساوى بين انحرافٍ استباحَ أصحابُه دماء المسلمين وبدعةٍ هيّنة لا تؤثر في الدين. ودعا لي قارئ كريم آخر بأن يرزقني الله حب نبيه حتى أُسَرّ بسماع المدائح النبوية، فجعل الاستمتاع بالموالد دليلاً على محبة النبي عليه الصلاة والسلام.

عندما أفكر في هذين التعليقين أصبح أكثر ثقة من التشخيص: إنها مشكلة الميزان المفقود.

 

 

نُشِرت في في الدعوة والإصلاح | الوسوم: , , , , , , | أضف تعليق

معركة الاحتفال بالمولد

معركة الاحتفال بالمولد

مجاهد مأمون ديرانيّة

لاحظت أمراً غريباً في الاحتفال بذكرى المولد النبوي، فالذين يُحْيونه بالموالد والمدائح وحلقات الذكر والنشيد يبدؤون بالاستعداد له والتواصي به قبله بأيام، وفي وقت مشابه يبدأ الفريق الآخر بالاستنفار والاستعداد للإنكار. فكأن الأمر صار عند الطرفين عادة: الاحتفال به على تلك الصورة عند أصحابه صار أقرب إلى العادة الاجتماعية، والمبالغة في محاربته وإنكاره عند خصومهم صار أقرب إلى العادة الثقافية! فالعادة تدفع هذا الطرف للعمل وذاك للإنكار، من غير أن يَزِنَ أيٌّ منهما الأمرَ بالميزان الشرعي الدقيق.

ولو حاكم الأوَّلون عملهم لوجدوه إضافة إلى الدين، لم يُسمَع عن صحابة النبي صلى الله عليه وسلم وتابعيهم ولا صنعوه ولا دعَوا إليه، فهو عمل صالح في أصله يدل على محبة النبي عليه الصلاة والسلام، إلا أن عمله بتلك الصورة وكسوته بكساء الدين فيه نوع من الابتداع، والابتداع في الدين يُذَمّ ولا يُشكَر، فلَيْتَهم تركوه.

ولو حاكم الآخرون عمل الأولين لوجدوه أمراً هيناً لا يحتاج إلى أكثر من نصح رقيق وتذكير رفيق، وهو أقل وأهون من أن يستدعي ذلك الضجيج الهائل والإنكار الواسع. ولا ريب أن التفرق والتباغض والخصومة بين المسلمين من المحرمات، بل هي من الشرور الكبيرة، فهل من الحكمة دفع بدعة هيّنة بشر كبير؟

فيا ليت الطرفين يسمعان، ولن يفعلا! ليت المحتفلين يتركون شعائر الاحتفال الموروثة المذمومة ويجعلونه -لو شاؤوا- مناسبة دعوية ثقافية يذكّرون الناس فيها بسيرة نبيّهم ويدعونهم إلى التأسّي بها في الحياة، وهذا عمل صالح يُمدَح ولا يُعاب، وليت المنكرين يتركون حملاتهم الشعواء على الموالد والاحتفالات ويصرفون جهدهم في الدعوة والتعليم والإصلاح.

هدانا الله لما يجب ويرضى، وصلّى الله على خير الخلق وخاتم الأنبياء المبعوث رحمةً وهدى للعالمين.

 

نُشِرت في في الدعوة والإصلاح | الوسوم: , , , , , | أضف تعليق

بابا يَنسَى

بابا يَنسَى

مجاهد مأمون ديرانيّة

لست أنا كاتبَ هذه المقالة، أنا ناقلُها فحسب، وإن كنت أجريت عليها قلمي بالتحرير والتحبير (تَحبيرُ الكتابة هو تحسينها). أما أصلها فقد نُشر قبل تسعين سنة، نشرها أبٌ صادقُ العاطفة في مجلة أمريكية متواضعة، فتلقفَتها وأعادت نشرَها مئاتُ المجلات وأذاعَتها مئات الإذاعات على مدى عشرات السنين وتُرجمت إلى لغات كثيرة، ونشرتها بالعربية مجلةُ “المختار من ريدرز دايجست” في عدد نيسان 1944. وأحسب أنها ما تزال لها جِدّتها وفائدتها بعد كل هاتيك السنين، فمن أجل ذلك اخترت نقلها للقراء الكرام، وكلّي يقين أن الذين سيستفيدون منها من الآباء الصالحين والأمهات الصالحات كثيرون وكثيرات بإذن الله.

بُنَيّ العزيز: أنا أتحدّث إليك الآن وأنت مستغرق في النوم وإحدى كفَّيك الصغيرتين تحت خدّك وخصلات شعرك تتهدل على جبينك النديّ. لقد تسلّلتُ إلى غرفتك بعدما استولت عليّ -منذ دقائق قليلة- موجةٌ طاغية من وخز الضمير وأنا قاعد في مكتبتي أقرأ جريدتي، فأتيت شاعراً بالذنب والندم.

هذا ما كنت أفكر فيه للتوّ يا بُنَي: لقد كنتُ فظاً معك فوبّختك وأنت ترتدي ملابسك لتذهب إلى مدرستك لأنك اكتفيتَ من تنظيف وجهك بمسحه بالمنشفة، ووجّهت إليك اللوم لأنك لم تنظف حذاءك بشكل جيد، ونهرتك بغضب عندنا ألقيتَ بأشيائك على الأرض. وأحصيت عليك أخطاءك وأنت تتناول فطورك، حينما نثرت بقايا الطعام حولك، وبلعتَ الطعام قبل أن تمضغه مضغاً كافياً، وبالغت في وضع الزبد على الخبز. ولمّا ذهبتَ لتلعب ونهضتُ أنا لأدرك القطار الذي يحملني إلى مكان عملي التفَتّ نحوي ولوّحتَ بيدك هاتفاً: “مع السلامة يا أبي”، فعبستُ في وجهك وأجبتك قائلاً: ارفع كتفَيك وامشِ باعتدال.

ثم تكرر الأمر على هذا النحو بعد الظهر، فبينما كنتُ عائداً إلى البيت وجدتك في الطريق راكعاً على ركبتيك تلعب البلى وفي جوربيك بعض الثقوب، فقلّلت من شأنك أمام رفاقك وسقتك أمامي إلى البيت، وقلت لك إن الجوارب غالية، ولو كنتَ مضطراً لشرائها لكنتَ أحرصَ عليها. تصوّرْ ذلك يا ولدي، تصور أن يكون هذا هو تفكير أب يحب ولده!

وتذكرتُ أنني كنت أطالع في المكتبة عندما دخلتَ عليّ متهيباً وقد بدت في عينيك نظرات حزينة، وحينما نظرت إليك من فوق صحيفتي (وقد أزعجتني هذه المقاطعة) إذا بك تتردّد أمام الباب، فسألتك بحدّة: ماذا تريد؟ فلم تقل أي شيء، واندفعت تعدو إليّ فطوّقتَ عنقي بذراعيك وقبّلتَني، وشَدَّت عليّ ذراعاك الصغيرتان شَدّة الحب الذي غرسه الله في قلبك البريء لينمو ويُزهر غيرَ مُبال بما يلقاه من إهمال، ثم انصرفت لغرفة نومك.

حسناً يا ولدي. لقد انزلقَت الصحيفة من بين يديّ بعد ذلك بقليل وانتابني ندم شديد وألم فظيع، وسألت نفسي: ماذا فعلَت بي العادة، عادة التماس الأخطاء في الآخرين، عادة الزجر والتعنيف؟ أهذه هي مكافأتي لك لأنك صغير؟! ليس السبب أنني لا أحبك، بل لأنني توقعت منك أكثر من طاقتك وطالبتُك بأكثر مما تطيق. لقد كنتُ أقيسك بمقياسي أنا، بمقياس سنّي وتجربتي، ويا له من قياس جائر!

ولكنك مفطور على الخير ومروءة النفس وصفاء السريرة، وإن القلب الصغير الذي ينطوي عليه صدرك لَكبيرٌ كالفجر الذي يغمر التلال الواسعة الأرجاء بالضياء، وهذا ما دفعك لأن تُهرع فتقبّلني قبلة المساء قبل النوم. لا شيء حصلتُ عليه هذا اليوم يفوق قبلتك قيمةً وغِنى، من أجل ذلك جئت إلى غرفتك الآن وجثوت بجوار فراشك في الظلام شاعراً بالخجل من نفسي والندم لإساءتي إليك، ويا له من اعتذار ضعيف!

أنا أعلم أنك لن تفهم هذه الأشياء لو قلتها لك في ساعات يقظتك، ولكني سأكون غداً أباً حقيقياً صالحاً. سأكون صديقك فأتألّم حينما تتألّم وأضحك عندما تضحك، وسأعضّ لساني عندما يهمّ بكلمات الغضب وقلّة الصبر، وسأظل أقول إذ ذاك وأكررها مرات ومرات: إنه ليس إلا غلاماً، ليس سوى طفل صغير.

أجل، لقد كنت أعتبرك رجلاً يا ولدي، ولكني -كما أراك الآن وأنت مُنطَوٍ في مهدك وقد بدا عليك التعب- أدرك أنك ما تزال طفلاً، وأذكر أنك كنت ترقد في حضن أمك بالأمس القريب. ألا لقد طلبت منك الكثير، أكثر كثيراً مما تستطيع يا ولدي الصغير.

 

نُشِرت في مشكلات اجتماعية وتربوية وأسرية | الوسوم: , , , , , , , | أضف تعليق

الإسلام دين خيالي غير قابل للتطبيق؟!

الإسلام دين خيالي غير قابل للتطبيق؟!

مجاهد مأمون ديرانيّة

هذا جملة قرأتها في مقالة لم أعرف كاتبها، قال: إن “المجتمع المسلم المثالي” كيان خرافي لم يوجد في أي عصر من العصور بعد محمد (صلى الله على محمد)، وإذن فإن الإسلام دين خيالي غير قابل للتطبيق وليس ملائماً لحياة الناس.

أحَقٌّ ما زعم كاتب المقالة؟ هذا هو الجواب.

-1-

نحن نتخيل “المجتمع” كياناً ستاتيكياً جامداً فنتصور أنه يمكن أن يبلغ درجة الكمال كما يمكن لبعض الجمادات التي يصنعها الإنسان، وهو ليس كذلك في الحقيقة؛ إنه كيان عضوي حيّ يتكون من عدد لامحدود من الكيانات العضوية الحية التي هي نحن، الناس: أنا وأنت وهو وهي وهم وهنّ والباقون.

لقد قدّم الإسلامُ الصورةَ النموذجية الكاملة التي ينبغي أن يسعى إلى بلوغها أفرادُ الناس وأن تجتهد في تطبيقها المجتمعاتُ المسلمة، لكنّ نقص وعجز وضعف الإنسان يَحول بينه وبين الكمال المطلق، فلا بد أن يقع منه النقص في ناحية ما، فهذا يبخل بماله، وذاك ينقر صلاته، والثالث مُبتلَى بالغيبة، والرابع يظلم زوجته وأولاده، والخامس يفقد أعصابه وتسوء أخلاقه، والسادس يكذب ويغش المسلمين… فلا بدّ أن تجد نقصاً ما في أي إنسان. وكذلك المجتمعات التي هي تراكم أفراد، لا بد أن يعتريها النقص بصور كثيرة.

يقول لنا الإسلام: اسعوا إلى الكمال، ولن تستطيعوه، فعسى أن تقتربوا منه بقدر المستطاع. ولأن الله الذي خلقكم يعلم ما فيكم من ضعف فإنه لا يحاسبكم على بُعدكم عن الكمال وعجزكم عن بلوغه، بل إنه يحاسبكم على قدر الوسع ومبلغ الاستطاعة فحسب: {لا يكلف الله نفساً إلا وسعها}.

-2-

قد يقول قائل: لماذا إذن قدّم الإسلامُ “النموذجَ الكامل” إذا كان الناس لا يطيقونه؟ الجواب: لأن الهدف ينبغي أن يكون عالياً لكي تكون النتيجة مُرْضية. مثلاً: يجتهد التلميذ ليحصل على نتيجة 100% فيصل إلى 90 أو 80، ولو أن هدفه الأعلى كان 70 فإنه سيحقق 60 أو 50، وقد ينزل دونها فيرسب في الامتحان.

الأمر الثاني: إنه سيقصر حتماً، ولكنّ تقصيره لن يكون في كل المواد، فهذا التلميذ سينال علامة كاملة في الفيزياء ودرجة متواضعة في التاريخ، وذاك الآخَر سيحقق نتيجة عالية في النحو ويخفق في الرياضيات.

إن “العلامة الكاملة في كل المواد” هي النموذج الأعلى الذي يندر أن يصل إليه التلاميذ، فهل نقول إن وزارة المعارف تطالبهم بالمستحيل وإن نموذجها خيالي غير قابل للتطبيق؟ لا، أبداً، بل نقول إنه نموذج واقعي، ولكن التقصير فيه وعدم بلوغ الكمال متوقَّع ومقبول، والنجاح مضمون لكل من حقق درجة خمسين، وفي بلوغ الدرجات العُلى يتنافس المتنافسون.

-3-

الخلاصة: إن الكمال يصحّ في الخيال، ولكنه في الدنيا مُحال. إننا نرجو -نحن آحادَ الناس وأفرادَهم- أن يكون الواحد منا مسلماً كاملاً، ولكننا لا نطيق ولا نستطيع، ولو كُلِّفنا بالكمال وحوسبنا على النقص لما نجا منا أحد ولبقيت الجنة بلا سكّان! والمجتمع المسلم ليس سوى تراكم لآحاد وأفراد المسلمين، فإذا كانت الأجزاء ناقصة بعيدة عن الكمال فلا بد أن يكون الكل الذي ينشأ من اجتماع الأجزاء ناقصاً بعيداً عن الكمال. ولكنّ أحداً لا يقول إن الإسلام دين خيالي لأن الفرد لا يستطيع أن يكون مسلماً كاملاً الوقتَ كله، وكذلك لا يقال إن الإسلام دين خيالي لأن المجتمع المثالي المسلم لم يتحقق بصورته النموذجية الكاملة في ألفٍ وأربعمئة عام.

إن الإسلام ليس ديناً خيالياً، بل هو -ببساطة- دين واقعي يراعي قدرات الناس، أفراداً وجماعات ومجتمعات، فيقدم لهم النموذج القياسي الكامل ثم يَقبل منهم قدر الوسع من الالتزام به والمحافظة عليه، فيقول: {لا يكلف الله نفساً إلا وسعها}، ثم يلقّنهم هذا الدعاء الجميل ويقول لهم: ادعوا به ربَّكم الرحيمَ الكريم: {ربَّنا لا تؤاخذنا إنْ نَسينا أو أخطأنا، ربنا ولا تَحْمِل علينا إصْراً كما حملته على الذين من قبلنا} والإصرُ هو العبء الثقيل والعهد الشديد. {ربَّنا ولا تُحَمّلنا ما لا طاقةَ لنا به، واعفُ عنا واغفِرْ لنا وارحمنا}.

فهل بعد هذه الواقعية من واقعية؟ وهل فوق هذا الجمال من جمال؟

 

نُشِرت في في الدعوة والإصلاح | الوسوم: , , , , , , | أضف تعليق