هل نريد دولة مدنية أم إسلامية؟

هل نريد دولة مدنية أم إسلامية؟

مجاهد مأمون ديرانية

أثار هذا السؤال جدلاً طويلاً في سوريا بدأ منذ عدة سنين ولمّا يَنْتَهِ إلى جواب حاسم. ولعل سبب اختلاف مناقشيه هو الالتباس الذي وقع أكثرهم فيه، فإنهم يتصورون أن إسلامية الدولة ومَدَنية الدولة خياران مختلفان لا بد من اختيار أحدهما، أي أنهما -بتعبير المَناطقة- ضدّان. والضدّان “لا يجتمعان، وقد يرتفعان”، أي أنهما قد ينعدمان فلا يوجدان أصلاً، لكنهما إنْ وُجِدا استحال وجودُهما معاً، كالبياض والسواد، فإن الشيء لا يكون أبيض وأسود في الوقت نفسه، لكنه يمكن أن يكون لا هذا ولا ذاك، فيكون أحمر أو أصفر أو غير ذلك من الألوان. وهذا غير النقيضين، فالنقيضان “لا يجتمعان ولا يرتفعان”، كالحق والباطل، فإما أن يكون الأمر حقاً أو باطلاً ولا يكون شيئاً ثالثاً بأي حال.

 

*   *   *

 

بدأت بهذه المقدمة لأقرر حقيقة مهمة جداً: إن إسلامية الدولة ومدنية الدولة ليستا ضدَّين (ولا هما نقيضان حتماً) لأن الدولة يمكن أن تكون “مدنية إسلامية”، فهما صفتان تجتمعان إن شئنا لهما الاجتماع. لماذا؟ لأننا عندما نتحدث عن “شكل الدولة” و”نظام الحكم” نتحدث عن أمرين مختلفين: وعاء ومحتوى. مثلاً الإسلام يحارب الخمر، لكنه لا يحارب القوارير، لأن القارورة “كيان محايد” يمكن أن نملأها خمراً أو عصيراً، أحدهما حلال والآخر حرام. وكذلك نقول: إن نظام الحكم الإسلامي أو النظام العلماني أو البعثي محتوى، أما الدولة المدنية فإنها وعاء، شكل من أشكال التنظيم وبناء الأجهزة وتحديد توصيفها الوظيفي وكيفية تشكيلها والعلاقات البينية التي تحكمها. إذن فإن مشكلة أعداء الدولة المدنية ليست في الدولة المدنية ذاتها، بل في نظام الحكم العلماني الذي يظنون -وهم واهمون- أنه نتيجة حتمية لازمة لها.

 

سأضرب مثالاً يوضح المسألة أكثر، نظراً لأهمية هذه النقطة التي هي جوهر الخلاف بين الفريقين: لو تقدم تاجر من التجّار إلى وزارة التجارة لتسجيل شركة فإنهم يسألونه عن نوع الشركة التي يريدها، فإن قال: أريد تسجيل شركة إسلامية، فإنهم يقولون: لا يوجد في تصنيف وتعريف الوزارة شركة بهذا الاسم. اختَرْ نوعاً معروفاً من أنواع الشركات (شركة محاصصة أو مضاربة أو شركة ذات مسؤولية محدودة) ثم اترك الاقتراض من البنوك بالربا وتجنّب الغش والاحتكار والاتّجار بالمحرمات، وأوفِ بالعقود وامنح موظفيك وعمالك ما يستحقون ولا تأكل رواتبهم ومستحقاتهم بالباطل، فإن فعلت ذلك كله صارت شركتك إسلامية، سواء أكانت شركةَ محاصصة أم مضاربة أم شركة ذات مسؤولية محدودة.

 

*   *   *

 

إن “الدولة المدنية” شكل من أشكال التنظيم والإدارة، إنها دولة المؤسسات والقوانين وفصل السلطات وتداولها بأسلوب منظم مقنّن، وهي بهذا الوصف لا أيديلوجيةَ لها ولا دينَ إلا ما يُضاف إليها، فيمكن أن يكون نظام الحكم إسلامياً فتصبح دولة مدنية إسلامية، أو علمانياً فتصبح دولة مدنية علمانية، أو اشتراكياً فتصبح دولة مدنية اشتراكية.

 

بالمقابل: يمكن تطبيق الحكم الإسلامي عبر أي شكل من أشكال الدول، فقد تكون الدولة الإسلامية مدنية (وهو أقرب وصف لشكل الدولة الراشدية، ولا سيما في العهد العُمَري) أو أوتوقراطية وراثية (كما كان الحال في الدولتين الأموية والعباسية وفي أكثر الدول الإسلامية عبر التاريخ) أو أوتوقراطية شبه وراثية (كدولتَي الأيوبيين والسلاجقة) أو ثيوقراطية (كدولتَي الموحدين والعبيديين الفاطميين)، وقد تكون أقرب إلى الدولة العسكرية (كما كانت دولة المماليك)، إلى غير ذلك من النماذج والأشكال.

 

*   *   *

 

إذا عرفنا ما سبق لن نضيّع الوقت في الجدال ولن نشتت قُوانا في نزاعات عبثية. لن نستمر في التنازع على شكل الدولة ونوعها ونحن نظنّ أننا نختلف على دينها وهويتها. سوف نحرص على إسلامية سوريا كما نحرص على عربيتها، فالإسلام والعربية هما هويتنا الدينية واللغوية، ولكننا سنحرص أيضاً على “مدنية” الدولة المنشودة، سنحرص على أن تكون سوريا الغد هي دولة قانون ومؤسسات، دولة تفصل بين السلطات وتكرّس تداول السلطة والرقابة على الحكام، دولة تمنع الظلم والفساد والاستبداد، لأن دولة هذه صفتها تحقق هدف الثورة وتوافق أحلام السوريين في الحرية والكرامة والاستقلال.

نُشِرت في في الدعوة والإصلاح | الوسوم: , , , , , , | أضف تعليق

جبهة النصرة بين المَغارم والمغانم

جبهة النصرة بين المَغارم والمغانم

مجاهد مأمون ديرانية

قال محدّثي: لقد خسرت هيئة فتح الشام المناطق التي حررتها في حماة. قلت: وما الغريب؟ هل كنتَ تتوقع غير ذلك؟ ومن أين يأتيك التفاؤل وسجلّ جبهة النصرة مليء بالإخفاقات والمغامرات الفاشلة؟

 

قال: كيف تقول هذا عن أقوى وأهم فصيل في الثورة؟ قلت: أدرك نفسك يا صاحبي، لقد خدعوك كما خدعوا غيرك كثيرين. إنه أسلوب غوبلز المشهور: اكذب ثم اكذب حتى يصدقك الناس! نعم، ما زالوا يروّجون هذا الوهم الكاذب (أكبر وأقوى فصيل في الثورة) حتى صدّقوا أنفسهم وصدقهم كثيرون. ولولا طائفة من “المستقلين” الذين ما فتئوا يلمّعون النصرة ولولا بعض الفضائيات التي تعمدت تصديرها في نشرات الأخبار لما فاقت سمعةُ النصرة سمعةَ أي فصيل ثوري من الفصائل الكبار، ولكنه الإعلام يا صاحبي، الإعلام!

 

قال: لماذا تخذّل وتقلّل من قيمة جبهة النصرة؟ قلت: ما هذا أردت، بل أردت أن يعلم الناس الحقيقة حتى لا يطالبوا الثورة باحتمال غُرْم النصرة مقابل غُنْمها المزعوم. أردت أن يعلموا أنها لا مغانمَ تأتينا منها تستحق كل هذا التطبيل والتهويل، وأن مغارمها تفوق مغانمها بكثير. وإلا فخبّرني: ما هو النصر العظيم الذي حققته النصرة في أي يوم قط؟ هذه خريطة سوريا أمامك، أرني المناطق التي حررتها جبهة النصرة بمفردها، ما هي؟ وأركز على كلمة “بمفردها” لأن النصرة كانت دائماً (وما تزال) عبقرية في استغلال دماء وتضحيات الفصائل الأخرى ونسبة النصر إليها. ألا تتذكر معبر نصيب؟ إنها قصة تكررت في الثورة على الدوام.

 

*   *   *

 

نعم، إن تاريخ جبهة النصرة هو سلسلة من الإخفاقات والمغامرات الفاشلة، فهي التي سلّمت دير الزور لداعش وسلّمت القلمون الغربي للنظام وأهدرت دماء شبابنا في مغامرات حمقاء لم تثمر شيئاً، في مغامرتَي حماة الأولى والثانية وفي مغامرات حلب والساحل. آلاف الأرواح قُدِّمت مجاناً لأن مغامراً أحمق وضع نفسه في موضع القيادة وهو أقل الناس جدارة بها، ولأنه “الأحمق المطاع” فقد تبعه أولياؤه بلا سؤال ولا تفكير فقادهم إلى المهالك.

 

فكّر جيداً وسوف تكتشف هذه الحقيقة المؤلمة: إن المعارك الوحيدة التي انتصر فيها الجولاني هي غزواته على فصائل الجيش الحر، فقد نجح فيما فشل فيه النظام واستطاع تفكيك عشرين فصيلاً وتهجير آلاف المجاهدين خارج الحدود. يا له من إنجاز عسكري عظيم!

 

لو كان الأمر إليّ لحاكمت الجولاني محاكمة عسكرية بسبب هذه الخسائر والإخفاقات والمغامرات والاعتداءات، ولئن أنقذه شبيحته ومريدوه من سؤالنا في هذه الدنيا فمَن ينجّيه يوم القيامة من سؤال العزيز الجبار؟

 

*   *   *

 

الخلاصة: إن جبهة النصرة (باسمها القديم أو باسمها الجديد) فصيل من حجم ووزن سائر الفصائل الكبرى في سوريا، ليس أكثر، وإذا استثنينا قادتها الخونة (وعلى رأسهم الجولاني المجرم الذي أنهك الثورة وقاتل الفصائل واعتقل الأبرياء، عليه من الله ما يستحق) إذا استثنينا هؤلاء سنجد في صفوفها كثيراً من المجاهدين المخلصين الصادقين كما نجد في كل فصيل آخر.

 

بهذا المقياس فإننا نحتمل من النصرة ما نحتمله من سائر الفصائل من تقصير وأخطاء مقابل ما تقدمه للثورة من تَقْدِمات وتضحيات، لكننا لا نحتمل أبداً ما يصدر عن النصرة من بغي وظلم وإفساد ولا نحتمل غُرم ارتباطها الفكري والمنهجي بالقاعدة (وما كلمة “سفيه الأمة” الأخيرة إلا دليل على أن هذا الارتباط كان وما يزال). إن مطالبتنا بأن نحتمل ذلك كله من النصرة وهي لا تقدم للثورة أكثرَ مما يقدمه أي فصيل آخر في الميدان أمر لا يرضاه عاقل، ولا يمكن أن يقترحه شخص يريد الخير لسوريا والسوريين.

نُشِرت في رسائل الثورة | الوسوم: , , , , , , , , | أضف تعليق

معجزة صمود الثورة: إلى متى؟

 

إنما يتحقق قدر الله في الكون بالأسباب التي قدرها الله فيه، فإذا أراد -عزّ وجل- أمراً فإنه يهيئ أسبابه ولو كانت بخلاف الراجح المألوف، فإذا رأينا الأسباب تتكاثر وتتراكم لترجيح احتمالٍ هو في أصله مرجوح علمنا أن هذا الأمر داخل في التيسير الرباني وأنه اختيار الله لعباده الضعفاء العاجزين.

 

هذا هو حال الثورة السورية ومثالُها، فإن القدرات الذاتية والموارد المتاحة والعوامل المادية المجرّدة كانت تدل في أول الثورة على نهاية محتومة، وهي أنها لن تكمل شهرها الأول، فإذا نجت منه فقد لا تكمل الثاني، فإنْ عاشت بضعة أشهر فلن تكمل عاماً، ولو بلغته فإن بلوغ الثاني مُحال.

 

هذا ما كان منتظَراً بالمقاييس المادية الدنيوية، لكن الثورة مضت ونجت وعاشت شهراً بعد شهر وعاماً بعد عام. نعم، بضَنْك شديد لا يُنكَر، وبصعوبة هائلة وتضحيات عِظام جِسام، ولكنها عاشت، فهي كالمريض المُدْنف (الضعيف المشرف على الهلاك) الذي أقّتَ له الطبيبُ شهراً فعاش ستّ سنين وما زال يبدو قابلاً للحياة. الطبيب ينظر إلى مريضه حائراً ويقول: إنها معجزة غريبة، ونحن ننظر إلى ثورتنا حَيارى ونقول: إنها معجزة من أعجب المعجزات!

 

*   *   *

 

لقد مدّ الله ثورتَنا حتى اليوم بأسباب الصمود والبقاء، لكنْ هل سيستمر هذا المدد إلى آخر الطريق؟ لا نعلم. ثقتنا بالله كبيرة ولكن خوفنا من تقصيرنا وأخطائنا أيضاً كبير، فنخشى أن يكِلَنا الله إلى أنفسنا فنفشل وننتهي إلى إخفاق، لأننا بغير معونة الله لا طاقة لنا بعدونا، والله تبارك وتعالى أكرم وأنزه من أن ينصر خطّائين عن الخطيئة لا يتوبون وظَلَمةً عن الظلم لا يَرْعَوون.

 

من أجل ذلك وجب علينا أن نجمع مع التفاؤل والاتكال على الله محاسبةَ النفس ونقدَ الذات، لأن ما يصيبنا من ضُرّ وسوء أكثرُه بما كسبت أيدينا، ولولا الكثير الذي يعفو عنه الله لهلكنا منذ زمن. من أجل ذلك علينا أن نشخّص الداء الذي أصاب ثورتنا وأن نكشف الأخطاء والأخطار التي صنعناها بأيدينا، فأضعفنا بها أنفسَنا وأوشكنا أن نعرّض بسببها ثورتَنا للهلاك لا قدّر الله.

 

مَن ظلم وبغى وطغى وأكل حقوق الناس فقد خرق السفينة، ومن سكت عن جناية أو تغاضى عن جريمة خوفاً من أحد أو مجاملة لأحد فقد سكت عن الخرق ويوشك أن يغرق مع الغارقين. إلاّ ينهضْ أهلُ الثورة لتنقية ثورتهم من هذه العلل والآفات فأخشى أن لا تعيش عاماً آخر وأن لا ينصرها الله، لأن الله يساعد الذين يساعدون أنفسهم، أما الكسالى القاعدون والجبناء والعاجزون فلا مساعدةَ لهم ولا بواكيَ عليهم إذا سقطوا في الطريق.

 

نسأل الله أن يحفظ الثورة ويحميها من الانهيار والانكسار، وأن يوصلها ويوصلنا معها إلى برّ الأمان ومحطة الانتصار.

نُشِرت في خواطر ومشاعر | الوسوم: , , , , , , , | أضف تعليق

التحولات الإستراتيجية بعد خان شيخون

بعد كيماوي خان شيخون:
قراءة في التحولات الإستراتيجية

مجاهد مأمون ديرانية

مقدمة

 

من الأخطاء الكبرى في الممارسة السياسية اعتبار العلاقات والسياسات الدولية حالة ستاتيكية جامدة، فيما هي -في الحقيقة- حالة ديناميكية دائمة الحركة والتبدل، ومَن لا يلاحظ حركتها ويدرك تغيّرها فإنه سيعجز عن مواكبتها، وسوف يخسر كثيراً بالتأكيد.

 

على أن من المهم -في هذا السياق- التمييز بين نوعين من التحولات: التحولات الإستراتيجية الكبرى، أو ما يسمّى في الأدبيات السياسية “تغيير الأهداف” (Goal Change) والتحولات الإستراتيجية الصغرى التي تسمى “تغيير البرامج” (Program Change). النوع الثاني ليس تحولاً حاسماً ويقتصر على تغيير أدوات المشروع السياسي ووسائله، أما الأول فإنه يصل إلى درجة تغيير أهداف وغايات المشروع السياسي برمّته. فأيّهما الذي يحصل في الملف السوري حالياً؟

 

لو تابعنا الفضاء الثوري في الأسبوع الأخير سنلاحظ أن الانطباع السائد عن اللحظة الراهنة هو أنها لحظة تغيّرات إستراتيجية كبرى، وهو انطباع يحمل في ثناياه الكثير من التفاؤل والارتياح، وقد يتسبب في ردود أفعال مغرقة في الخطأ أو يقود إلى الاسترخاء والتواكل المذموم. من هنا يجب علينا أن نفحص التطورات الأخيرة بدقّة لنعرف حجم التغير الإستراتيجي واتجاهاته الجديدة.

 

لنبدأ بتفكيك الملف السوري إلى عناصره الرئيسية، وهي خمسة ملفات فرعية بالغة الأهمية، ثم لنفحصْ كلاً منها لنتعرفَ على ما جَدّ فيه من تغيرات على المستوى الإستراتيجي. هذه الملفات -من وجهة نظر الإدارة الأمريكية- هي: الحرب على الإرهاب، ومستقبل النظام، والعلاقة بالفصائل الثورية، ومشروع الإقليم الكردي، والنفوذ الإيراني في سوريا.

 

(1)
الحرب على الإرهاب

 

استطاعت إدارة أوباما أن تغيّر عنوان الملف السوري من “ثورة شعبية على نظام مستبد” إلى “حرب على الإرهاب”، وكانت داعش هي الحامل الرئيسي للمشروع الأمريكي والدولي الذي فرّغ الثورة الشعبية من مضمونها وأفقد العالَم الاهتمام بها والتعاطف معها، حيث تصدّرت داعش وجرائمُها اهتمامَ المجتمع الدولي وأنسته همومَ الشعب السوري ومعاناته الهائلة.

 

ما تزال الحرب على الإرهاب على رأس سلّم الأهداف الإستراتيجية الأمريكية في سوريا والعراق، ولم يحصل أي تغيير لا في مضمون الهدف ولا في ترتيبه ضمن أولويات الإدارة الأمريكية الجديدة.

 

(2)
الفصائل الثورية

 

اتخذت الإدارة الأمريكية السابقة في أوائل عام 2012 قراراً إستراتيجياً بالمساواة بين طرفَي الصراع والعمل على استنزافهما ومنع أي منهما من تحقيق انتصار حاسم، واستطاعت أن تصنع ذلك فعلاً من خلال التحكم بالسلاح، فقد ازداد تدفقه كلما تقدم النظام وشَحّ كلما تقدمت الفصائل، مع منع دائم وصارم لمضادات الطيران التي كان من شأنها -لو امتلكها الثوار- أن تقصّر أمد الصراع وتقلل حجم الخسائر البشرية بشكل كبير.

 

لم تكن الفصائل خياراً مفضَّلاً لإدارة أوباما ولا هي خيار مفضَّل لإدارة ترامب، ويبدو أن الإدارتين اشتركتا بالنظر إليها كأدوات مرحلية، لها دور محدود في “مرحلة الاستنزاف” وليس لها أي دور حقيقي في مستقبل سوريا. لا جديد في هذا الملف على المستوى الإستراتيجي.

 

(3)
الإقليم الكردي

 

من المثير للانتباه أن أولى القرارات الميدانية التي اتخذتها إدارة ترامب الجديدة في سوريا كانت دعم الوحدات الكردية وتزويدها بعربات مدرعة وأسلحة ثقيلة، والإصرار على دورها المحوري في الحملة الدولية على داعش في الرقة، رغم الرفض الجازم والاعتراض المتكرر الذي تبديه تركيا بهذا الخصوص.

 

طوال عهد أوباما وخلال ستّ سنوات من المد والجزر وتبادل الأراضي بين الثورة وداعش والنظام بقي استقرار وتوسع المشروع الكردي أحدَ الثوابت الإستراتيجية في السياسة الأمريكية، ويبدو أنه ما يزال كذلك في عهد ترامب. لا جديد في هذا الملف.

 

(4)
الملف الإيراني

 

لعل هذا هو الملف الوحيد الذي خضع لمراجعة جذرية وتحوّل إستراتيجي كبير منذ اليوم الأول في عهد ترامب الجديد، وهو يشمل الاتفاق النووي وتمدد إيران في سوريا ونشر المليشيات الشيعية قريباً من حدود إسرائيل.

 

هذا الملف عظيم الأهمية والخطورة بالنسبة لسوريا والمنطقة، وهو أكبر من حجم الفصائل والقوى الثورية في سوريا ويحتاج إلى قدر كبير من التنسيق وتكامل المواقف والأدوار مع حلفاء الثورة الإقليميين، فعسى أن تدرك القوى الثورية السياسية والعسكرية أبعاده وتستفيد من تحولاته الخطيرة.

 

(5)
مستقبل النظام

 

هذا هو أهم ملفات القضية السورية على الإطلاق، فماذا جَدّ فيه؟ لقد دعمت الإدارةُ الأمريكية السابقة الأسدَ في مواجهة الثورة خلال أشهرها الأولى، ثم ضغطت عليه لإجراء إصلاحات شكلية بهدف امتصاص الغضب الشعبي ووقف الثورة في وقت مبكر، فلما أخفقت في ذلك تبنّت إستراتيجية واقعية من شأنها تحييده وتكريس نظامه. وبدا منذ مؤتمر جنيف الأول في أواسط عام 2012 أن أمريكا تسعى إلى إعادة إنتاج النظام برموز جديدة، ربما مع نقل السلطة إلى عائلة علوية أخرى أكثر قبولاً من عائلة الأسد (في ذلك الوقت طُرح اسم عائلة حبيب).

 

كانت هذه هي الإستراتيجية الأمريكية في التعامل مع النظام السوري أيام أوباما، فهل تغيرت في عهد ترامب؟

 

يبدو أن الموقف الأمريكي الحالي هو إخراج بشار الأسد من الصراع وإنهاء علاقة عائلته بمستقبل سوريا، وهو موقف حصل على تأييد مجموعة السبع وعلى دعم كامل من حلفاء أمريكا في الإقليم. لكن ماذا عن النظام نفسه؟ وما هو البديل؟ وما هو مستقبل سوريا؟ هذه هي الأسئلة الكبرى التي تهم الثورة السورية.

 

افترضَ كثيرون -بحماسة كبيرة- أن الإدارة الأمريكية الجديدة جادّة في اقتلاع النظام السوري الحاكم من الجذور. وأنا أرى أن في هذا الافتراض قدراً كبيراً من المجازفة، فهو يعني أن الإدارة الأمريكية الجديدة انقلبت انقلاباً جذرياً وغيرت أهداف اللعبة كلها ولم تغير قواعدها فحسب، وهو يعني أيضاً -ضمنياً- أن إسرائيل غيرت إستراتيجيتها في التعامل مع المشكلة السورية بصورة جذرية، ويعني أيضاً أن أمريكا عثرت على بديل مناسب تثق به وتطمئن إليه.

 

نعم، حصل في الأيام الماضية تغيّر واضح في طريقة تعامل الإدارة الأمريكية مع المشكلة السورية، ولكنه -لو أمعنّا النظر- تغيّرٌ في الشكل والأسلوب، تغيّرٌ يقتصر على الأدوات ولا يصل إلى الأهداف؛ بإيجاز: لقد استبدل ترامب بالقوة الناعمة التي كانت تناسب أوباما قوّةً خشنة تناسبه، وهذا كل شيء.

 

الخلاصة

 

ما تزال الحرب على الإرهاب واستئصال داعش على رأس هرم الإستراتيجية الأمريكية في سوريا، ومن بين ملفات الثورة السورية الخمسة الكبرى لا يمكننا الجزم بأن أياً منها سيخضع لتحول على المستوى الإستراتيجي الكبير (تغيير الأهداف) باستثناء الملف الإيراني الذي يبدو مرشحاً بقوة لمثل هذا التحول، ولو حصل فعلاً فإن نتائجه ستكون إيجابية بالنسبة لسوريا وللدول الأخرى في الإقليم.

 

أما مستقبل النظام السوري فمن المبكر الحكم على الموقف الأمريكي الجديد بشأنه، ومن الصعب الجزم بأي تحول إستراتيجي كبير اعتماداً على تصريحات ترامب ومسؤولي إدارته حتى الآن، بل يغلب أن يقتصر التغيير -بعد كل هذا الضجيج- على البرامج والأدوات دون تغيير هدف أمريكا القديم، وهو إعادة إنتاج النظام بوجوه مختلفة ومظهر جديد.

 

إن التحدي الذي تواجهه الثورة السورية اليوم كبير كما كان كبيراً على الدوام، وأعتقد أن الثورة سترتكب خطأ هائلاً لو علّقت مصيرها بخطط ترامب وقراراته، فمهما يكن موقع الأسد ونظامه في سياسة الرجل فإن الفصائل الثورية ليست في موقع أفضل، أما المراهنة على “إنسانية ترامب” فإنها أكثر المضحكات إثارة للرثاء، فهو لن يهتم بسلامة السوريين وحريتهم كما لم يهتم سلفُه بذلك، وهذا أمر أدركه حتى الأمريكيون أنفسهم، فقد قرأت عشرات الردود الغاضبة على تغريدات مندوبة أمريكا في الأمم المتحدة، نيكي هيلي، وكان أكثرها تعبيراً التعليق الذي قال صاحبه: صحيح أن نظام الأسد المجرم قتل مئة سوري بالسلاح الكيماوي، لكننا نحن قتلنا أضعاف هذا العدد من الأبرياء في سوريا والعراق، فكفّوا عن النفاق.

 

نُشِرت في رسائل الثورة | الوسوم: , , , , , , , , , , | أضف تعليق

هل سيخلعون الأسد؟

هل سيخلعون الأسد؟

مجاهد مأمون ديرانية


هما أسدان، الرجل والنظام، فإذا ذكروا الاسم قصدوا صاحبه فحسب، وإذا ذكرناه قصدناه ونظامَه معاً. إنّ لنا قاموسَنا ولهم قاموسَهم ولنا هدفنا الذي نسعى إليه ولهم هدفهم الذي يحرصون عليه. في قاموسهم توجد كلمة “رحيل الأسد” وفي قاموسنا توجد كلمة “سقوط النظام”، شتّان بين رحيلِ رجلٍ وسقوطِ نظام!

 

إنهم يعلمون ونحن نعلم أن الرجل لم تعد له قيمة في سوريا منذ وقت طويل، وأن الذي يحكم البلاد على المستوى الميداني هم الإيرانيون والذي يتحكم فيها على المستوى الإستراتيجي هم الروس، وأن كل ما بقي من بشار الأسد هو رمزيته التي تمدّ ما بقي من نظامه بالقدرة على التماسك والبقاء، فهم يريدون تماسك وبقاء ما بقي من النظام ولا يعنيهم بقاء رأسه، وعندما يجدون أو يوجدون من يقوم بهذه المهمة فلن يبقى بشار بعدها يوماً ولن يبقى بعدها بعض يوم.

 

*   *   *

 

لعلهم يفكرون في خلع الأسد بشخصه، ولكنهم لن يفكروا بإسقاط نظامه أبداً. وكيف يفعلون وهم ما يزالون يوفرون له الحماية ويمدونه بأسباب البقاء منذ أشرف على السقوط قبل بضع سنين، حينما بلغت الثورةُ أوجَ قوّتها وذروة انتصاراتها وبدا أن الباقي في عمر هذا النظام المجرم ليس سوى أيام معدودات؟

 

إن نظام الأسد هو الزَّرْعة التي زرعوها في أرضنا لرعاية مصالحهم وحماية ربيبتهم إسرائيل، وقد تعهدوا هذه الزرعة بالرعاية والعناية منذ أن كانت شتلة هشّة ضعيفة حتى غدت دوحة عملاقة مدَّت جذورها في عمق الأرض، ولن يضحوا بالزرع الذي زرعوه والنظام الذي صنعوه.

 

قد يقصّون رأس الدَّوحة وقد يقلّمون بعض الأغصان، لكنهم أبداً لن يضحّوا بالساق والجذور. إن جوهر النظام الذي صنعوه هو ما يحرصون على بقائه، وهو نفسه ما نحرص نحن على زواله، فما قيمةُ تغيير الرجل أو خلعه إذا بقي النظام الذي عانينا منها الضر والشر على مدى نصف قرن من الزمان؟ أمَا ذهب الطاغية الأكبر حافظ الأسد من قبل؟ أما فرح بموته الملايين؟ فهل ذهب بذهابه النظامُ وهل انتهت معاناةُ السوريين أو تحرروا من القيود والأغلال؟

 

*   *   *

 

كما فرحنا برحيل الطاغية السابق سنفرح برحيل الطاغية اللاحق، وسنفرح كذلك بكل ضربة يتلقاها هذا النظام من أي طرف كان، ولكن لا ينبغي لنا أن نذهب أبعد من ذلك فنظن أن الثورة ستنتصر بضربة هنا وضربة هناك، ولا يقعنّ في وَهْمنا أن رحيل المجرم الكبير وحده هو هدفنا الذي نسعى إليه، فإن الثورة لن تنجح ولن تتحرر سوريا من الظلم والاستبداد إلا بإسقاط النظام وتفكيك مؤسسته الأمنية التي بلغت الغايةَ في القتل والقمع الإجرام.

 

لا يزال الطريق إلى الحرية طويلاً شاقاً كما كان، ولا تزال إدلب والغوطة في خطر شديد، حمى الله إدلب والغوطة من كل شر وبلاء. فالأَولى بنا أن نترك الأمل الكاذب ونتوقف عن الثقة بمن لا يوثَق به ولا يُرجَى منه خير، وأن نشمّر عن السوق والسواعد ونشرع بالعمل المخلص الدؤوب معتمدين على أنفسنا بعد اعتمادنا على الله.

 

نُشِرت في رسائل الثورة | الوسوم: , , , , , , , , | أضف تعليق

الرقة تُباد برعاية دولية

الرقة تُباد برعاية دولية

مجاهد مأمون ديرانية

هذا هو الاسم الذي اختاره السوريون لجمعتهم الأخيرة، ليؤكدوا الحقيقة القبيحة التي لن تخفيها تصريحات كاذبة ولا ستجملّها دعايات مضلّلة. نعم، إنها الحقيقة، فكلهم شركاء في إبادة الرقة: داعش والنظام وإيران وروسيا وأمريكا وبقية دول التحالف، كل واحد من هؤلاء له يدٌ في المجزرة والإبادة التي تتعرض لها الرقة الآن.

 

ولماذا لا يفعلون؟ هل ستكون الرقة أغلى عندهم من حلب؟ أما تواطأت القوى الدولية على حلب حتى سقطت حلب وتشرد أهل حلب؟ وقبلها حمص؟ وعشرات وعشرات من المناطق والمدن والبلدات؟ وهل حلب والرقة وحمص وسائر المناطق السورية المنكوبة أغلى من سوريا كلها التي حوّلوها إلى كتلة من الدمار والأنقاض؟

 

أمَا دُمِّرَت سوريا وشُرِّدَ نصف سكانها وقُتل مئات الآلاف من خيرة رجالها ونسائها على عين العالم وبرضاه؟ ألم يكن ذلك كله ثمناً لبقاء نظام الأسد الذي صنعوه ودعموه وآزروه وأجاروه ليكون راعياً لمصالحهم وحامياً لربيبتهم الغالية إسرائيل؟

 

نعم، لم يُبالوا بذلك كله ليبقى هذا النظام وليُحرَم أهل سوريا من الحرية والاستقلال. لكن الأحرار دفعوه وما عادوا يبالون بالمزيد، فلن يَهنوا ولن يستسلموا، ولن يتوقفوا حتى يحققوا النصر والاستقلال بإذن الله.

 

حمى الله الرقة ودير الزور وإدلب والغوطة ممّا يكيدون وممّا يمكرون، وسلّم هذه المناطق وأهلها الكرام وسوريا كلها من الدسائس والمكائد والمؤامرات.

 

نُشِرت في خواطر ومشاعر | الوسوم: , , , , , , , , , | أضف تعليق

الذين باعوا الفوعة وكفريا

الذين باعوا الفوعة وكفريا: لماذا صنعوا ذلك؟

مجاهد مأمون ديرانية

لم يبقَ قريبٌ ولا بعيد ولا عدوّ ولا صديق إلا وأيقنَ أن إدلب مُقبلةٌ على مَحرقة كبيرة ستروي أخبارَها كتبُ التاريخ، وأن تصدّر جبهة النصرة وتصديرها وصبغ الشمال بالسواد سيكون مبدأ الحريق، وأن هذه السنة هي سنة قلع الزرع الذي زرعته القاعدة في سوريا والعراق، داعش والنصرة، وأن النصرة وحلفاءها لا طاقة لهم بالصمود في سوريا أكثر مما صمدت داعش في العراق، وأن الفوعة وكفريا هما الورقة الأخيرة التي تملكها الثورة للمساومة والضغط فراراً من المصير المحتوم، وأن بقاء عشرات الآلاف من سكان البلدتين رهائنَ تحت نيران الثوار سيعوق مشروع الحريق المشؤوم، ولو إلى حين.

 

إذا كان ذلك كله مما عرفه الناس وعرفته جبهة النصرة وعرفته سائر الفصائل، فلماذا أصرّت جبهة النصرة (في إصدارها القديم وإصدارها الجديد) على تفكيك الفصائل وتشريد الثوار وابتلاع الثورة وصبغ الشمال بالسواد؟ ولماذا رضيت الفصائل بأن تُساق ويُساق معها الشمال المحرر بما فيه ومَن فيه إلى المحرقة؟ ولماذا فرّطوا بالورقة الأخيرة التي لو تشبّثوا بها ورفعوها أمام النار لَوَقَتْ وجوهَهم لفحَ النار؟ ولماذا تفاوضوا مع العدو في الظلام؟ لماذا سلكوا طريق التفاوض والتنازل والتفريط الذي عابوه -قبلُ- وخوّنوا سالكيه؟

*   *   *

اليوم خرست ألسنةٌ طالما تسابقت للمشاغبة والمزايدة على أهل الثورة والترويج لمشاريع الغلاة، وإذا نطقت قريباً فلن تفعل سوى ما فعله علماء السلاطين على مَرّ الزمان: تسويغ الجريمة وتسويقها باسم الدين، فإنّ دين القوم يسع أكبرَ الكبائر إذا كانوا هم أصحابها، ويضيق بأصغر الصغائر إذا كان أصحابها غيرهم من الناس.

 

عوضنا على الله في ثورة ساقها في طريق الضياع “مستقلّون” باعوا ضمائرهم للهوى والسلطان والشيطان، ثورة عظيمة سطا عليها الغلاة بالحديد والنار، ثم باعوها بأبخس الأثمان في سبيل مطامع وأهواء شخصية، أو خدمةً لمشاريع الوهم والسراب.

نُشِرت في رسائل الثورة, عِبَر وفِكَر | الوسوم: , , , , , , , , , | تعليق واحد