قائد الثورة المفقود

قائد الثورة المفقود

مجاهد مأمون ديرانية

ابتُليت الثورة السورية بابتلاءات لا تُحصى، غيرَ أن قادتها هم أكبر ابتلاءاتها على الإطلاق. هذه حقيقةٌ ما عاد يختلف فيها اثنان من أحرار سوريا، فقد علم الجميع أن قادةَ الثورة عالةٌ على الثورة وأنهم أهم أسباب ضعفها وتشرذمها وتراجعها، فمنهم التقيّ الضعيف ومنهم القوي الفاجر، وأكثرهم طُلاّب دنيا وباحثون عن المكاسب والمناصب والجاه والسلطان.

فمَن هو القائد الذي نبحثُ عنه ولمّا نعثرْ عليه؟

إنه التقيّ القوي الذي يجمع بين المقدرة والنزاهة، الصادق الذي لا يغشّ والأمين الذي لا يخون، الشجاع الذي لا يخشى في الحق أحداً ولا يجامل مخلوقاً على حساب الشعب والثورة، العاقل الجريء الذي لا تغرّه الشعارات ولا تغلّه المزايدات، المتواضع الأصيل الذي لا يستبد برأي ولا يُفسده منصب ولا تُطغيه سلطة، العاقل البصير الذي يحسن التفكير والتقدير.

إنه القائد النبيل الرحيم الذي يحسّ بآلامنا ويشاركنا آمالنا، القائد الذي يعلم أن حريتنا وكرامتنا واستقلالنا أصول وجواهر لا مساومةَ عليها ولا تراجعَ عنها، القائد الذي يستخرج الصبر من وسط اليأس وينتزع النصر من فم الهزيمة، القائد الذي يُبصر النور في الظلام الحالك ويشقّ الطريق في الدغل المتشابك، القائد الذي يقود الثورة إلى الانتصار.

إننا نريد قائداً عظيماً يليق بثورة عظيمة، فهل نبحث عن كائن خرافي ليس له وجود؟ أعَقِمَ شعبٌ عريق عظيم أن ينتج قائداً له مثل هذه الصفات؟

 

Posted in خواطر ومشاعر | Tagged , , , , , | أضف تعليقاً

هذه الحياة الصّعبة المتعِبة!

هذه الحياة الصّعبة المتعِبة!

مجاهد مأمون ديرانية

لا يكاد يخلو أحدٌ في الحياة من هَمّ وكدر، فلا توجد فيها أفراح بلا أتراح ولا مسرّات بلا أحزان، لا توجد لَذاذات بلا آلام ولا عافية بلا أسقام، كل راحة فيها بعدَها تعبٌ وكل سعادة بعدها شقاء، وكل حياة بعدها موت وكل لقاء بعده فراق.

لكل شيء إذا ما تَمَّ نقصانُ   ***   فلا يُغَرَّ بطيب العيش إنسانُ
هي الأمورُ كما شاهدتَها دولٌ   ***   مَن سَرّهُ زمنٌ ساءته أزمانُ
وهذه الدار لا تُبقي على أحد   ***   ولا يدوم على حال لها شانُ
فجائعُ الدهر أنواعٌ منوّعةٌ   ***   وللزمان مَسَرّاتٌ وأحزانُ

*   *   *

ما فينا أحدٌ إلا سافر براً ذات يوم فقطع المسافات الطوال. هل تذكرون طريقاً قطعتموه في أي يوم فكان نزولاً بلا صعود أو صعوداً بلا نزول؟ إن هذا لا يكون، فكل طريق على الأرض يمشي نزولاً مرة وصعوداً مرة، وكذلك الدنيا التي يعيش فيها الناس.

إن أرزاق العباد بيد الله، الله يقبضها ويبسطها، وأنت لم تسأل الله يوم بسط الرزق لك: يا ربّ لِمَ بسطت؟ فلا تسأله حين قَدَر الرزق عليك: يا ربّ لِمَ قَدَرْت؟ بل اشكر واصبر، اشكرْ وأعطِ إذا أقبلت عليك الدنيا، واصبِرْ وارضَ إذا أدبرت، فإنّ خير عباد الله الصَّبور الشَّكور.

وكذلك العافية والمرض: إنك لم تسأل الربّ حين عافاك لِمَ عافاك، فلا تسأله حين أمرضك لِمَ أمرضك، فإنك لن تعرف السر ولن تدرك السبب، ولكن اصبر واشكر في الحالتين. وكذلك إذا أعطاك الله الولد وإذا أخذ منك الولد، وإذا رزقكِ الله الزوج وإذا قبضه، وإذا أصبحتم يوماً في المسرّات وأمسيتم يوماً في الأحزان.

*   *   *

هذه الحياة دار كدر وشقاء: {لقد خلقنا الإنسان في كبد}، والكبَد هو جماع ما في الحياة من عناء وبلاء. وما استقبل عبدٌ بلاءَ الدنيا بأفضل من الصبر والرضا، فإنْ رضي عن الله وقضاء الله رضيَ عنه الله وأرضاه: “مَن رضي فله الرضا ومن سخط فله السخط”، ومَن صبر فله البُشرى من الله وله منه الأجر بغير حساب: {ولنبلونّكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات، وبشّرِ الصابرين}، {إنّما يُوفَّى الصابرون أجرَهم بغير حساب}.

اللهم لا تحمّلْنا ما لا طاقة لنا بحمله. اللهمّ إنّا نعوذ بك من البلاء ونسألك العافية، وإذا ابتليتنا فنسألك أن تجعلنا من الراضين الصابرين الشاكرين.

Posted in رسائل الثورة | Tagged , , , , , | أضف تعليقاً

إحياء الدين وقتال الطواحين

إحياء الدين وقتال الطواحين

مجاهد مأمون ديرانية

إنّ إثارةَ المعارك التي تدور على المظاهر والشعارات والمسمَّيات وشَغْلَ المسلمين بها إنما هو مرضٌ من أمراض العقل المسلم المزمنة التي كان لها أثر كبير في هزيمة الأمة، وهو مرض يستنزف جزءاً كبيراً من طاقة الإسلاميين في قتال الطواحين ولا يدّخر للمعركة الحقيقية الفاصلة إلا الفُضول.

*   *   *

جلس أردوغان على مقعد الحكم وفوق رأسه صورة كبيرة لصنم تركيا الأكبر، مصطفى كمال (أتاتورك)، فلم يُثِرْ معركة لإنزال الصورة، ولا هو لاحق تماثيل الطاغية في الشوارع والميادين، بل ترك ذلك كله واشتغل بنقض البنيان “الكمالي”، فما زال ينقضه حجراً بعد حجر حتى ليوشك أن يأتي يوم قريب فإذا بهذا المشروع الظالم الآثم قد سُوِّي بالأرض وصار خبراً من أخبار التاريخ.

لقد ذبح أردوغان مشروع أتاتورك العلماني التغريبي بصمت، وبعضنا يملأ الدنيا صخباً وضجيجاً ثم لا يخرج بشيء. لا نقول لأولئك الصاخبين: اقتدوا بأردوغان، إنما نقول: ليكن قدوتَكم سيّدُ الأنام وأعظم الدعاة على مرّ التاريخ، محمد عليه الصلاة والسلام، الذي لبث يصلّي في المسجد الحرام ويطوف بالكعبة المشرفة ثلاثة عشر عاماً وحولها مئات الأصنام، وكذلك طاف بها هو وأصحابه في عمرة القضاء، فلم يَمَسّها ولا اعترض عليها ولا أرهق نفسه بمعارك استنزافية مع أصحابها، بل أنفق وقته وجهده كله في إصلاح الأنفس وتغيير الناس، حتى إذا ظهر الدين وكان الفتح تفتت تلك الأصنام كلها وسقطت بأدنى جهد، تحطمت على الأرض بعدما تحطمت في القلوب.

*   *   *

يا شباب الأمة وعقلاءها: لا تشغلوا أنفسكم وتشغلوا الناس بالمزايدات والشعارات. اتركوا المظاهر واهتمّوا بالجواهر، اهدموا الباطل في قلوب الناس ينهدم الباطل على الأرض، وأحْيوا الدين في نفوس الناس يصبح الدين هو مشروع الناس في الحياة. أيها العقلاء المخلصون: كُفّوا عن قتال الطواحين.

 

Posted in في الدعوة والإصلاح, خواطر ومشاعر | Tagged , , , , , , , | أضف تعليقاً

لكيلا نكون “نعاجيّين”

13-02-17-22

لكيلا نكون “نعاجيّين”

مجاهد مأمون ديرانية

-1-

دعوت من نحو سبعة عشر شهراً إلى استئصال عصابة جند الأقصى وتشريد عناصرها لكسر شوكتهم وكفّ شرهم ولوقفهم عن البغي والغدر والعدوان، وكتبت بعدها في التحذير من هذه العصابة والدعوة إلى استئصالها مرات كثيرات، فاتُّهِمت في ديني وأمانتي ولقيت عنتاً كبيراً من الشبيحة والحمقى والمشاغبين. ثم ظهر من ضرر هذه العصابة وإثمها وبغيها ما كشف أمرها وأثبت شرّها، حتى إذا همّت بعض الفصائل بقتالها (وعلى رأسها أحرار الشام) بادرت جبهة النصرة إلى احتوائها وقدمت لها الحماية والحضن الرؤوم.

ولمّا نشر أبو يحيى الحموي (أمير الأحرار حينها) كلمته المشهورة في هذه العصابة الآثمة ووصفَها بالشرذمة النجسة ردّ عليه حسام الشافعي، المتحدث الرسمي باسم جبهة النصرة، ردّ بعشرات التغريدات التي أسبغ فيها على عصابة الجند من كريم الأوصاف ما جعلها في رتبة الصحابة والأولياء، وكان مما قاله في تلك التغريدات: “عذراً أيها الشيخ الكريم، فإننا لم نقبل بيعة شرذمة نجسة، بل مجاهدين أطهار سمع الجميع بصولاتهم في معركة تحرير إدلب”.

ثم دار الزمان نصفَ دورة فصار الأطهارُ خوارجَ وأعلنت جبهة النصرة الحرب عليهم وبدأت بقتالهم قتال الإفناء والاستئصال.

-2-

لن أخاطب جبهة النصرة ولن أسألها، فإنني أعلم أن قتالها للجند إنما هو قتال مصلحة ونفوذ ليس فيه شيء لله، ولا تهمني نتيجة القتال، فإنه وسيلة ينتقم الله بها من الطرفين، وهو من باب ضرب الظالمين بالظالمين، إنما أوجّه خطابي وسؤالي لمَن دافع عن عصابة جند الأقصى يومَها واتهم من قاتلها أو دعا إلى قتالها بالعمالة والخيانة والتحريش والإفساد، سؤالي لهؤلاء الناس: ماذا أنتم اليوم قائلون؟

إنْ قلتم إن الجند مجاهدون أطهار لزم من قولكم أن النصرة (هيئة تحرير الشام) بغاة معتدون آثمون، وإنّا -إذن- بانتظار إدانتكم واستنكاركم لهذا البغي والعدوان. وإن قلتم إن الجند مجرمون آثمون يستحقون القتال والاستئصال فأين تذهبون برأيكم القديم؟ وبأيّ شيء تختلفون عن الذين سُئلوا ذات يوم: ما تقولون في عبد الله بن سلام؟ كيف تكون جماعة الجند يوماً خِياراً من خيار ثم تغدو في يوم آخر شِراراً من شرار؟

سوف تسمعون من النصرة أنواعاً من الأعذار والتبريرات، ولعلهم يقولون: اختلفت الظروف وصار قتال الجند اليوم فريضة ومصلحة بعدما كان بالأمس حراماً ومفسدة. عندما تسمعون منهم هذه التبريرات ستقفون أمام لحظة من لحظات الحقيقة: إما أن تَؤوبوا إلى عقولكم فتنفضوا عنها الغبار وتبدؤوا باستعمالها بعد التعطيل الطويل (وأرجو أنها ما زالت تعمل) أو ستصدقون وتبدؤون بترديد ما تسمعون، فنقول لكم عندها: لكل داء دواء يُستطَبّ به إلا الغفلة والهوى، فاستجيبوا لنداء الهوى والعصبية إن شئتم، أو ابقوا -إن شئتم- نعاجيين.

-3-

وُلدت في اللغة الإنكليزية بعد الحرب العالمية الثانية كلمة جديدة لم تكن من قبل: (Sheeple)، وهي منحوتة من كلمتَي الناس والنعاج (sheep+people) وتصف الذين ينقادون طواعيةً للتوجيه الخارجي. ربما كانت كلمة “نعاجيّين” مناسبة لوصف هؤلاء الأشخاص الذين تخلّوا عن نعمة العقل وزهدوا في التفكير الحرّ وآثروا أن يمشوا مع القطيع كالنعاج بلا تساؤل ولا تفكير، أجّروا عقولهم لغيرهم وقبلوا راضين بأن يكونوا أبواقاً يرددون ما يقوله الآخرون.

يا أيها المؤيدون لجبهة النصرة والمدافعون عنها في كل واد وناد وفي كل حال وحين، ويا من دافعتم بالأمس عن جند الأقصى وخوّنتم مَن قاتلهم قتال الدفاع ودَرْء الشر ودَفْع العدوان: أعيذكم بالله أن تكونوا نعاجيين! افتحوا أعينكم المغلّقة وشغّلوا عقولكم المعطلة ولو مرة واحدة، وعندها ستبصرون الحقيقة: إن جند الأقصى كانوا خوارج على الدوام، وإن جبهة النصرة آوتهم وهم معتدون مُحْدثون، فتحقق فيها وعيد الصادق المصدوق: “لعن الله من آوى محدثاً”، وسوف تلقى وعيدها ولو بعد حين.

افتحوا أعينكم وشغّلوا عقولكم وسوف تكتشفون الحقيقة، وستدركون أن الدفاع عن المجرمين جريمة تعادل في وزرها وقبحها الجريمةَ التي ارتكبها المجرمون، فلا تكونوا -منذ اليوم- ظهيراً ونصيراً للظلَمة والمعتدين.

 

Posted in رسائل الثورة, عِبَر وفِكَر | Tagged , , , , , , , , , , | أضف تعليقاً

ضحايا الثورة المجهولات

فتيات زواج الاضطرار: ضحايا الثورة المجهولات

مجاهد مأمون ديرانية

-1-

أخرج ابن أبي حاتم في “المراسيل” عن أبي زُرعة أن عمر رضي الله عنه كان لا يجيز نكاحاً عامَ سَنَة (أي في السنة المُجْدبة التي انقطع مطرُها فيبست أرضُها ومات زرعها وهَزُلت ماشيتها) وكان يقول: لعل الضيق يحملهم على أن يُنكحوا غيرَ الأكفاء.

لقد بلغ عمرُ الغايةَ في الحكمة وبعد النظر حينما منع عقد الزواج تحت الاضطرار، فالعلّة في المنع ليست القحط نفسه، بل هي الحاجة الناشئة عنه، فإنّ الحاجة تكسر النفس وتُلجئ المضطر إلى ركوب المركب الصعب والإقدام على ما يكره. وهذا هو ما نراه في سوريا اليوم، في كثير من المناطق المحاصرة والمحررة وفي مخيمات اللجوء وفي بلاد النزوح والشتات.

-2-

لولا أن المشكلة انتقلت من حالات فردية إلى ظاهرة عامة لما تجرأت على الكتابة فيها، لكنها بلغت درجة صار السكوت عنها جريمة شرعية وأخلاقية، فإن الضحايا اللائي يَدفعنَ ثمن زواج الاضطرار قد يبلغن عشرات ألوف من فتيات سوريا الصغيرات، كثيراتٌ منهنّ حَمَلهنّ أولياؤهن على زواج قسري وربَطْنَهنّ بأزواج لم يوافقنَ على الزواج بهم، وفي حالات كثيرة كانوا غيرَ مناسبين لهنّ أصلاً، لفرق في العمر أو لتفاوت في الثقافة والبيئة والتكافؤ الاجتماعي أو لعيوب في السجايا والصفات.

لقد استغلّ كثيرون -من أهل سوريا ومن غيرهم- فقرَ الأسر وحالة الفاقة والتشرد التي تعيشها، واستغلوا عجز المُعيلين عن إعالة أسرهم، استغلّوا ذلك كله استغلالاً جشعاً بشعاً، فأُكرِهَت بناتٌ صغيرات على الزواج بكهول لا يصلحون لهنّ، و”بيعت” بنات كثيرات لغرباء دفعوا فيهنّ المهور المغرية، فاستمتعوا بهنّ زماناً ثم رموهنّ بطلاق شرعي أو فارقوهنّ بغير طلاق واختفت آثارهم، فغدت مئات ومئات من الفتيات معلّقات لا يعرفن: أأزواجُهنّ مَوتى أم أحياء؟ وعادت مئات ومئات من الفتيات إلى بيوت آبائهن مطلقات وأرامل ولمّا يبلغنَ السادسة عشرة أو السابعة عشرة من العمر، وبقيت آلاف البنات مع أزواج لم يتآلفنَ معهم قط، فعاش أكثرهنّ في بؤس وشقاء.

-3-

يا لَهذه الجريمة التي ارتكبها آباء فرّطوا ببناتهن من أجل حفنة من مال، أو استثقالاً لنفقتهنّ وتخفّفاً من عبئهنّ، وما علموا أن رزق المرء آتيه في أي مكان كان وفي كل حال، ولو في بطون الأودية أو في رؤوس الجبال! ويا لهذه الجريمة التي ارتكبها رجال فقدوا أدنى مقومات الرحمة والإنسانية، فاستغلوا الفاقة والحاجة لإشباع نزوات أنانية، وحطموا حَيَواتِ زهراتٍ صغيرات وصادروا مستقبلهنّ وأحلامهنّ، ثم مضوا يزيّنون لأنفسهم ذلك الفعل الآثم ويقنعون أنفسهم بأنهم ما صنعوه إلا من باب الخير والإحسان.

من كان محسناً فليَجُدْ على الأسر المحتاجة بالمال، يعطيه بيمناه ويخفيه عن الشمال، فيكون عطاؤه غيرُ المشروط عملاً خالصاً وقربة إلى الله، أما شراء البنات بحجة التخفيف عن الآباء فإنه استغلال قبيح وليس فيه شيء من الإحسان، ومن خدع بعض الناس فإنه لن يستطيع أن يخدع رب الناس، لن يخفي نيّته عن الذي يسمع حديث النفس ويعلم ما تخفي الصدور.

-4-

الكلمة الأخيرة للآباء والأمهات: إن بناتكم أمانة استأمنكم عليها الله، وأنتم وكلاء محاسَبون على الأمانة، فلا تضيّعوها ولا تَجْنوا على البنات. إن من حق كل بنت أن تحصل على فرصة عادلة للزواج بمن يلائمها في السن ويناسبها في الشخصية والصفات، وإنّ رضاها شرط لصحة الزواج على الصحيح من مذاهب العلماء، لقوله صلى الله عليه وسلم في حديث أبي هريرة الذي أخرجه البخاري: “لا تُنكَح الأيّم حتى تُستأمَر ولا تنكح البكر حتى تُستأذن”، وقوله في الحديث الذي أخرجه مسلم عن ابن عباس: “الأيّم أحق بنفسها من وليها، والبكر تستأذن في نفسها، وإذنها صماتها”.

إن رضا البنت بشريك حياتها أصل في عقد الزواج في الإسلام، حتى إن الإمام البخاري ترجم لأحاديث الباب بقوله: “لا يُنكِحُ الأبُ وغيرُه البكرَ والثيّبَ إلا برضاها”. وقال ابن القيّم في “زاد المعاد”: “وموجب هذا الحكم أنه لا تُجبَر البالغ على النكاح ولا تُزوَّج إلا برضاها. هذا قول جمهور السلف وهو القول الذي ندين الله به ولا نعتقد سواه، وهو الموافق لحكم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمْره ونهيه وقواعد شريعته ومصالح أمته”.

يا أيها الآباء: اتقوا الله في بناتكم، لا تَئِدوهنّ في الحياة فتُسأَلوا عنهنّ يوم الحساب.

 

Posted in في الدعوة والإصلاح, رسائل الثورة | Tagged , , , , , , | أضف تعليقاً

سنحكمكم رغم أنوفكم

سنحكمكم رغم أنوفكم

مجاهد مأمون ديرانية

هذا هو منطق الطغاة. أليس كذلك؟ بلى. ولكنهم ليسوا الوحيدين، بل تشترك معهم في هذا المنطق الاستبدادي طائفةٌ من “الإسلاميين” الذين يرون أن لهم الحق في فرض “فهمهم للإسلام” على المسلمين.

ناقشت ذات يوم واحداً من مفكّري “التيار الجهادي” الذي يُعرَف -اصطلاحاً- باسم “السلفية الجهادية”. والمنتمون إلى هذا التيار لا يرون أن مهمتهم هي تحرير بلدان المسلمين من السيطرة الأجنبية فحسب، بل يرون أن من حقهم الاستئثار بحكم البلاد بعد تحريرها، ويعتقدون أنهم يملكون الحق في فرض الإسلام على أهلها بالإكراه إن لم يختاروه راضين (وهم يقصدون حتماً فهمَهم الخاص للإسلام، لأن الإسلام يتنوع فهمُه وتتعدد مذاهبُه كما هو معروف).

قال الرجل: لن نسمح لغيرنا بأن يحكم البلاد التي قاتلنا لتحريرها؛ سوف نحكمها بقوانينا ونفرض الإسلام على الناس، شاء مَن شاء وأبى مَن أبى. قلت: لكن ألا ترى أن فرض أنفسكم بالقوة على الناس وحكمهم رغم أنوفهم فيه استبداد؟ قال: بلى، هذا صحيح، لكنه مثل تسلّط الأب على أولاده، إنه استبداد لمصلحة الأولاد، فهو استبدادٌ حَميد.

قلت: لنقل إنني وافقتك، ألا ترى أننا سنواجه مشكلة أخرى؟ مَن سيقرر أن هذا هو الأب وأن هؤلاء هم الأولاد؟ في النظام الطبيعي يكون الأب سبباً في وجود أولاده، ثم هو يرعاهم وينفق عليهم حتى يصبحوا كباراً راشدين قادرين على الاعتماد على أنفسهم. لكنّ أحداً لا يستطيع الزعم أنه أبٌ لولد فقير لو نفَحَه درهماً من المال أو منَحَه شيئاً من الاهتمام. لو كان إثباتُ الأبوّة بهذه البساطة لادّعاها كل إنسان!

ولو قلتم: “نحن نملك الحق في حكم الناس لأننا أقوياء وفي يدنا الكثير من السلاح” فاعلموا أن القوة دَوّارة وأن السلاح لا يدوم، فهو في أيديكم اليوم وفي أيدي غيركم غداً، فهل ترضون أن تكونوا -إذا ضعفتم- الأولادَ ويكون القويّ الجديد هو الأب الذي يفرض عليكم الرأي الذي يرى والمشروع الذي يريد؟

ولو أنكم قلتم: “سنمنح أنفسنا حق الوصاية على الأمة لأننا نفهم الإسلام حق الفهم ونحرص على تطبيقه أحسن تطبيق” فسوف تأتي جماعة أخرى فتقول: “أنا أحسن منكم فهماً للدين وأحرص على تطبيق الشريعة، وكما منحتم أنفسَكم حق حكم الناس وفرض الإسلام عليهم فإنني أمنح نفسي الحق نفسَه، فسوف أحكمهم وأحكمكم وأفرض الإسلام عليهم وعليكم معاً”. ثم تقتتلون! وقد رأينا ذلك عياناً ولسنا نتخيّله خَيالاً، رأيناه بين الجماعات الجهادية في أفغانستان والصومال والجزائر وفي العراق والشام.

*   *   *

يا مَن ترددون تلك المقالة: معذرة، إنما أنتم طغاة مستبدّون ولو تلبستم بلباس الإسلام وزعمتم أنكم مسلمون.

Posted in عِبَر وفِكَر | Tagged , , , , , , | أضف تعليقاً

الظلم يدمّر الظالمين

الظلم يدمّر الظالمين
ويُهلك الراضين عنه والسّاكتين

مجاهد مأمون ديرانية

كما رأينا ارتفاع خرافة داعش قبل بضع سنين نرى اليوم انهيارها وتمزّق مُلْكها الزائف، وما مزّقها سلاحُ العدو بقَدْر ما مزقها بغيُها وظلمها الذي ارتفعت بسببه إلى السماء ألفُ ألفِ كفّ تدعو عليها وتستمطر عليها اللعنات.

إن دماء أبي ريان وآلاف الأبرياء الذين قتلتهم داعش ظلماً هي التي قتلت داعش، لم تقتلها طياراتُ ومدافع وصواريخ الأعداء. فهل تنتظرون أن يضيع دم مازن قسوم ودماء مئات الأبرياء الذين قتلهم الغلاة الآخرون؟ لا والله، بل إنها ستكون سبباً في هلاكهم وهلاك مَن أيّدهم ودافع عنهم وشاركهم في ظلمهم وسكت عمّا اقترفته أيديهم من بغي وإجرام.

الظالمون جميعاً إلى هلاك قريب، لن تدفع عنهم قوّتُهم وأسلحتهم قدرَ الله ولن تنجّيهم من سوء المصير، فإن سهام الأسحار أقوى من كل السلاح الذي يملكون. لقد نافست سجونُ بعض الفصائل سجونَ النظام في الظلم والتغييب والتعذيب، فأين يذهب الظالمون من دعاء المظلومين؟ حتى كرامُ المجاهدين لم يَسْلموا من الظلم. أين الرجل الشهم أبو عبد الله الخولي الذي خُطف غدراً وسُجن ظلماً وهو من السابقين المشهود لهم في ساحات الجهاد؟ لو نجوتَ من سؤالنا اليوم يا جولاني فلن تنجو غداً من سؤال العزيز الجبار. إنّ كل يوم ينقضي من نعيمك ينقصُ من بؤسه، والموعد الصراط، والحَكَم هو الله.

*   *   *

إن الظلم يُسقط الدول ويفتك بالجماعات، وإنها ليفتك بها أيضاً استمراءُ الظلم وسكوتُ الأغلبية عن الظالمين والدفاعُ عنهم والتبرير لظلمهم وتشجيعهم على الاستمرار في الظلم والبغي والعدوان.

سوف تنتصر ثورتنا عندما نتحرك بشجاعة لردع الظالم عن ظلمه وإجباره على سلوك طريق العدل والحق، فإن ديننا العظيم يعلّمنا أن وقف الظالم عن ظلمه وقَسْره على الحق وردّه إليه ليس ترفاً اختيارياً، بل هو فرض لازم وتكليف واجب، فمَن لم يفعل فمصيره هو التنازع والخلاف في الدنيا واللعنة في الآخرة: “لتَأمُرُنّ بالمعروف ولَتَنْهَوُنّ عن المنكر، ولَتَأخُذُنّ على يد الظالم ولتَأطُرُنّه على الحق أطْراً ولَتَقصُرُنّه على الحق قَصْراً، أو لَيَضربَنّ الله بقلوب بعضكم على بعض، ثم لَيَلعنكم كما لعنهم”.

فأما الخلاف وتفرّق القلوب فقد رأيناه، فلا يُرجى تآلفٌ بين الساكتين عن الظلم، الذين جاملوا الظالمين أو هابوهم فتركوهم وظلمَهم ولم يأخذوا على أيديهم ولم يَقْصروهم على الحق. نعم، رأينا كيف ضرب الله بقلوب بعضهم على بعض فلا يتآلفون أبداً، وبقيت اللعنة التي وعدهم بها الله، وإنها آتيةٌ لا ريب وسوف تلاحقهم إلى قبورهم، فإن وعد الله حق، لا يخلف الله الميعاد.

 

Posted in عِبَر وفِكَر | Tagged , , , , , , , , , | أضف تعليقاً