المجاهدون والسياسة: الأسئلة الكبرى (8)

المجاهدون والسياسة: الأسئلة الكبرى

 

(8)

هل يشارك المجاهدون في الحل السياسي؟

 

مجاهد ديرانية

ليس بعد. سوف نضطر في آخر الأمر إلى المشاركة في المسار السياسي، لأن الحل النهائي سيخرج من أروقة السياسة ولن يتحقق في ميادين القتال. من أجل ذلك ينبغي على المجاهدين أن يؤسسوا هيئة سياسية قوية لكي يكملوا طريقَ التحرير الصعب الذي بدؤوه (وقد اقترحَت مقالةٌ سابقة أن تكون هي نفسها الهيئة السياسية لمجلس قيادة الثورة)، ولكن علينا أن لا ننسى قاعدة القواعد في هذه المسألة المصيرية:

 

إن الحرب هي التي تقرر نتيجة المفاوضات السياسية، فهي إما أن تصنع ظروف النصر أو تصنع ظروف الهزيمة. إن المشاركة في المسار السياسي قبل امتلاك شروطه وأدواته انتحار، وأهم هذه الشروط ثلاثة: الأول مشروع سياسي واضح ناضج، والثاني جبهة موحدة عسكرياً وسياسياً قادرة على حمل المشروع والدفاع عنه، وقد ناقشت هذين الشرطين في الحلقات السابقة.

 

الشرط الثالث والأهم على الإطلاق هو القوة. لو اتحدت الأطراف الثورية كلها في كيان واحد وتوافقت على أعظم مشروع سياسي، ولكنها كانت ضعيفة عاجزة عن تحقيق أي إنجاز يُذكَر على الأرض، فلن تكون لها قيمة في أي مفاوضات وسوف يَفرض عليها الطرفُ القوي مشروعَه ورؤيته. إن الطرف الضعيف في أي مفاوضات سياسية مأكولٌ حتماً، ولا يكون المفاوض على الطاولة قوياً إلا إذا كان جزءاً من كيان عسكري قوي على الأرض، كيان يستطيع التأثير في الصراع وإعاقة مخططات الآخرين والصمود في المعركة.

 

*   *   *

 

لا بد من الاعتراف بأن صمود الثورة حتى اليوم غيّرَ قواعد اللعبة واضطَرّ القُوى الدوليةَ إلى إدخال المجاهدين طرفاً في المفاوضات النهائية لحل الصراع. لا بد من الإقرار بأن القوى الإقليمية والدولية حاولت لوقت طويل احتواءَ الثورة والسيطرةَ الكاملة عليها ولكنها فشلت في تحقيق هذا الهدف، وإن استطاعت في كثير من الأوقات التحكمَ في زخمها واندفاعها عندما ضيّقت الخناقَ على المجاهدين وحرمتهم من السلاح. حتى في أسوأ الأوقات استمر المجاهدون بالمعركة بقدرات ذاتية متواضعة وبما يحصلون عليه من غنائم في معارك التحرير، وهو قَدْرٌ كافٍ للصمود ولكنه لا يكفي لحسم المعركة.

 

لقد عجز المجاهدون عن حسم المعركة حتى الآن، هذا صحيح، إلا أنهم استطاعوا حرمان الخصم من هذا الإنجاز رغم أن كل الظروف الموضوعية كانت في خدمته: دعم مفتوح من حلفائه بغير حدود، وتضييق وحصار على المجاهدين، وكارثة إنسانية هي الأضخم في القرن الجديد، ومساعدة أخرى مجانية قدمها الثوار للنظام بتفرقهم وعجزهم عن تكوين تحالف حقيقي وهيئة أركان موحدة تدير المعركة على كامل التراب السوري.

 

سوف تستمر الثورة ما بقي الثوار قادرين على الصمود هم وحاضنتُهم الشعبية، وهذا الصمود مكلف ومنهك بالتأكيد، ولكنه يهون إذا ما قورن بكارثة بقاء الاحتلال الطائفي النصيري أو بقاء النظام الحالي أو جزء منه في الحكم. إذا اتفقنا أن هذا هو “خط الثورة الأحمر” (وأرجو أن نكون متفقين) فإن على الثورة أن لا تلقي السلاح قبل تحقيقه بالكامل، وأن تقاوم كل الضغوط الخارجية وتضع الخطط العملية التي تضمن الصمود والاستمرار.

 

*   *   *

 

الخلاصة: سوف يكون الحل النهائي في سوريا سياسياً بالتأكيد، على أن الخلاف بيننا وبين أعداء سوريا هو أنهم سيحاولون تمريره عن طريق معارضة مفصولة عن الجسم الثوري ومنحازة إليهم بشكل أو بآخر، ونحن نريده من داخل “المنظومة الثورية”. بأبسط تصوير: على طريقة “حماس” التي يقوم فيها العسكريون بعملهم في الداخل ثم يكمل السياسيون المهمة في الخارج.

 

سيزداد الضغط الدولي على المجاهدين للقبول بحل سياسي مُجحف، وسوف يكونون قادرين على مقاومة هذا الضغط إذا استطاعوا الصمود في الميدان. ولكن الصمود وحده لن يحسم الصراع لأنه لم يعد صراعاً محلياً كما رأينا في الحلقات الأولى؛ لقد صار صراعاً إقليمياً ودولياً أكثرُ مفاتيحه موجودةٌ خارجَ سوريا، لذلك يحتاج المجاهدون إلى جهاز سياسي ناضج، فإذا كان جهازاً قوياً محترفاً واستمدّ قوته التفاوضية من صمود المجاهدين في الميدان فإنه سيحقق الحد الأدنى من أهداف الثورة ويحميها من تجاوز خطها الأحمر بإذن الله.

 

إن المجاهدين ما يزالون غيرَ مهيئين للدخول في المسار السياسي، وأرجو أن لايستعجلوا الدخول -مهما تكن الضغوط- حتى يستوفوا الشروط الثلاثة الأساسية: المشروع السياسي، والكيان الموحد الحامل للمشروع، والوضع العسكري القوي الذي يستطيع أن يفرض شروطَه بالحد الأدنى. وبعد ذلك كله لا بد من فريق تفاوضي محترف تتحقق في كل أفراده صفة “القوي الأمين”.

 

Posted in رسائل الثورة | Tagged , , , , | أضف تعليقاً

المجاهدون والسياسة: الأسئلة الكبرى (7)

المجاهدون والسياسة: الأسئلة الكبرى

 

(7)

ما هو المشروع السياسيّ للثورة؟

 

مجاهد ديرانية

الجواب أكبر من حجم كاتب هذه السطور، فهو أمر جلل ينبغي على المكاتب السياسية للفصائل الكبرى أن تتصدر لتنفيذه، ولا أرى له أفضلَ من الهيئة السياسية لمجلس قيادة الثورة، الذي صار تفعيلُه ودخولُ كل الفصائل المهمة فيه واجبَ الوقت، فإن استثمار هذه المظلّة الجامعة التي بُذلت فيها جهودٌ هائلة وأوقاتٌ طويلة أفضل من البدء بأي محاولة جديدة، كما أن حالة الثورة اليوم لا تسمح بالمزيد من المغامرات.

 

لا أستطيع أن أقرر مشروع الثورة السياسي، ولكني أعلم أنه يجب أن يحقق الحدَّ الأدنى من الأهداف التي قامت الثورة من أجلها، فلا أتوقع أن يسمَّى مشروعاً سياسياً ثورياً أيُّ مشروع يتجاوز “خط الثورة الأحمر”، فيقبل باستمرار سيطرة الطائفة النصيرية على مفاصل الحكم في سوريا، لا سيما الجيش والأمن، أو باشتراك أي جزء من النظام المجرم، صغيراً كان أو كبيراً، في أي مرحلة سياسية قادمة، انتقاليةً كانت أو نهائية.

 

وأعلمُ أيضاً أن المشروع السياسي قابلٌ للتجزئة والتنفيذ على مراحل، فيمكن أن يُقتصَر منه في مرحلة الثورة المسلّحة على ما لا يمكن تداركُه بعدَها، ويمكن أن نقبل فيه بانتصارات وإنجازات جزئية على أمل استكمالها في مراحل لاحقة بعد سقوط النظام، بخلاف المشروع العسكري الذي لا يحتمل إلا نتيجة واحدة: نصراً كاملاً (نسأل الله أن يكرمنا به) أو هزيمة كاملة (أبعدَها الله).

 

وأعلمُ أيضاً أن مشروعنا السياسي الثوري ينبغي أن يكون عملياً قابلاً للتحقيق في عالم الواقع، فالمشروعات تختلف عن الأحلام والآمال التي نَبنيها في عالم الخيال. لكل واحد من الناس أحلام يحلّق معها في خياله، ولكنْ كم منها يتحقق في العالم الواقعي؟ في حياة الأفراد وفي حياة الأمم توجد دائماً فجوات بين الممكن والمأمول، وعندما يرفع المرءُ سقفَ أحلامه عالياً فإنه قد يُصاب بالإحباط ويفشل في تحقيق القدر الأدنى من تلك الأحلام. ولا يكاد يوجد فرق بين الأمم والأفراد في هذا الباب.

 

*   *   *

 

كما أعلمُ أخيراً أن المشروع السياسي الجيد ينبغي أن يُصاغ بمفردات يفهمها المجتمع الدولي، وأن يقدم إجابات صريحة واضحة عن جملة من المسائل الشائكة، كالمواطنة والأقليات الدينية والعرقية، والعلاقة مع الدول المختلفة والاتفاقيات الدولية، والديمقراطية والتعددية السياسية والحريات العامة.

 

إن الحديث العام المبهَم عن الشورى وعدالة الإسلام وتاريخه الناصع مع الأقليات الدينية لا يفيد، لأن العالم ينتظر منا إجابات صريحة واضحة. مثلاً: هل ستملك الثورةُ الجرأةَ على التصريح بأن الدستور لن يفرّق بين أهل سوريا بحسب دياناتهم ومذاهبهم وأجناسهم، وأن الجميع سيكونون متساوين في حق المواطنة الكاملة، باستثناء رئاسة الدولة التي ستكون من حق الأغلبية (وهو مبدأ مطّرد تنص عليه كثير من دساتير دول العالم)؟ هل ستعترف الثورة بحق السوريين في اختيار حكامهم وتُقرّ التعددية السياسية وتداول السلطة ضمن الأطر السلمية والأعراف السياسية ودون استخدام القوة لفرض أي رأي على الشعب؟

 

مهما كان موقف العالم سيّئاً من ثورتنا (وهو كذلك) فإنه يستطيع دائماً أن يكون أسوأ. حتى لو أردنا أن نتجاهل المجتمع الدولي (وهذه ليست نصيحة جيدة، رغم أننا لم نرَ منه خيراً يُذكَر) فإن المجتمع المحلي، وهو وعاء الثورة وحاملها الأكبر، يحتاج إلى التحام وطمأنة. فلماذا اندرسَتْ منذ زمن بعيد الصورةُ الزاهية لثورة شعبية عامة؟ وكيف انحسرت رايةُ الثورة التي مشى تحتها ذات يوم ثلاثةُ ملايين إنسان في كتلة بشرية واحدة غطت التراب السوري كله، انحسرت لصالح رايات لا تكاد تختلف في شكلها ولونها كثيراً عن رايات خوارج العصر الذين حوّلوا ثورة الشام إلى إرهاب دولي؟

 

*   *   *

 

إن الثورة لم تنتج بعدُ مشروعَها السياسي، ليس لأن المجاهدين الذين يقدّمون التضحيات الهائلة في الميدان عاجزون عن إنتاج هذا المشروع، فإن فيهم عقولاً كبيرة قادرة على إبداعه بالتأكيد، بل يغلب على الظن أنهم أخّروه لأنهم لم يدركوا حتى الآن قيمتَه ودورَه في “المعركة الكلّية” التي لا تقلّ فيها أهميةً قوةُ السياسة عن قوة السلاح. لقد بذل المجاهدون جهوداً هائلة في المشروع العسكري، وآن لهم أن يبذلوا بعض الجهد في المشروع السياسي لكيلا تضيع التضحيات ويقطف غيرُهم ثمرةَ الانتصارات.

 

Posted in رسائل الثورة | Tagged , , , , | أضف تعليقاً

المجاهدون والسياسة: الأسئلة الكبرى (6)

المجاهدون والسياسة: الأسئلة الكبرى

 

(6)

من يحمل المشروعَ السياسيَّ للثورة؟

 

مجاهد ديرانية

تمخضت أربعُ سنوات من الثورة المسلحة عن تكتّل الجزء الأكبر من القُوى العسكرية في كيانات كبرى. هذه الكيانات لم يعد ممكناً تجاوزُها في أي حل للمشكلة السورية، فهي جزء من هذا الحل بحكم الأمر الواقع، ولكن القوى الدولية التي أطالت عمرَ الثورة وضاعفت معاناة الأبرياء في سبيل فرض حل سياسي يحقق مصالحها في سوريا لا يسرّها وجود قوة تفاوضية صُلبة مستقلة، فماذا تفعل؟

 

صحيحٌ أن تحييد الفصائل الرئيسية ليس ممكناً، لكن وجودها لم يعد مشكلة طالما أنها متفرقة عسكرياً وسياسياً، فمهما بلغ أيُّ فصيل منها من القوة والتأثير فإنه لن يقترب من القوة والتأثير اللذين يملكهما المحور الآخر، العدو الذي اجتمعت مكوناتُه كلها تحت قيادة عسكرية وسياسية واحدة برؤية موحدة ومشروع واحد.

 

إنها مشكلة خطيرة، ولكنها ليست الأخطر؛ المشكلة الأخطر هي تضاؤل حجم الفصائل قياساً إلى الجسم الكبير المتوقَّع إنشاؤه لتمثيل المعارضة في جنيف وغير جنيف من المؤتمرات السياسية. إن رعاة الحل السياسي يَبْنون مبادراتهم على مشاركة واسعة لأطياف المعارضة (كما يسمّونها)، وهم يعتبرون المعارضةَ المسلحة كلها نوعاً واحداً من مكونات المعارضة أو لوناً واحداً من ألوان الطيف، وعندما ينظمون المؤتمرات الكبرى التي يُنتظَر أن تحدد مصير الثورة ومستقبل سوريا فسوف يَدْعون بقيةَ الطيف مع الفصائل المسلحة: الائتلاف الوطني ومنظمات المجتمع المدني والأقليات والمرأة ورجال الأعمال والمستقلين.

 

الخبر السيئ هو أن المنظمات الدولية (التي بدأت بالعمل مع بداية الثورة) نجحت مع الوقت في تكوين شبكة واسعة من العلاقات مع هيئات ومنظمات وناشطين مستقلين من كل الأنواع، وفيما تتحرك “المعارضة المسلحة” تحت الضوء الساطع في الميدان فإن عشرات الكيانات غير العسكرية تولد وتنمو في الظلام وتُهيَّأ للظهور على المسرح في الوقت المناسب. وفيما بقيت الفصائل مشتّتةً مفرّقةً لا جامعةَ تجمعها ولا مشروعَ يوحدها فإن المظنون (بل الراجح، إن لم يكن المؤكَّد) هو أن المنظمات الدولية التي تتحرك وراء الستار (بروكنغز وكارتر وأمثالهما) قد نجحت أخيراً في جمع شريحة واسعة من المعارضة غير العسكرية على رؤية واحدة ومشروع واحد.

 

لم يعد تحييد الفصائل وإبعادُها مشكلةً عند القوى الدولية الراعية للحل السياسي طالما أن احتواءها وتقزيمَها سهلٌ متاح، وهو الأمر الذي تساعد الفصائلُ نفسُها على تحقيقه عندما تدخل إلى المسرح السياسي متفرقة في الرأي والمشروع، فضلاً عن التفرق العضوي في الكيانات. إن كل فصيل منها قط كبير، ولكن القط يبقى كبيراً طالما بقي محاطاً بفئران صغار، وهو حتماً سيغدو صغيراً عندما يوضع بين الدببة الكبار.

 

*   *   *

 

ما الحل لهذه المعضلة؟ إنه قريب موجود، ولكن الفصائل الكبرى مصمّمة على تجاهله وكأنه ما كان. إنه المشروع الذي أُنفق فيه من الجهود والأوقات ما لو أنفق في الأمة الإسلامية كلها لجمعها في كيان واحد ودولة واحدة، ولكن السوريين أشدُّ استعصاءً على الاتفاق من الشعوب المسلمة المتعددة اللغات والأعراق.

 

إنه مجلس قيادة الثورة الذي أنشئ ليضم الفصائل الثورية كلها، صغيرَها وكبيرها وما يُسمّى منها إسلامياً وما يسمى جيشاً حراً (وهي التسميات والتصنيفات التي ساهمت في تفتيت الجسم الثوري بلا طائل). إن مجلس قيادة الثورة هو الأمل الأخير لاجتماع كلمة الفصائل عسكرياً في الميدان، وهيئته السياسية هي الأمل الكبير لصياغة وحمل المشروع الثوري السياسي الجامع.

 

لقد آن لمجلس قيادة الثورة أن يصحوَ من الرُّقاد، وأن يستقطب خيرة الكفاءات السياسية من الثوريين المستقلين، وهم كثيرون، وأن يمد جسور التفاهم مع المنظمات الثورية المدنية ومع مجالس الإدارة المحلية، وأن يسعى إلى التصالح مع الائتلاف الوطني والالتقاء معه على المشترَكات الكبرى، فإن الائتلاف مؤسسة سياسية ثورية عامة وليس ملكاً لأفراد أو تكتلات، وهو ما يزال إلى الآن الممثلَ الرسميَّ الوحيد للثورة في الخارج وسوف يكون جزءاً من أي حل سياسي قادم، وفيه خَيّرون صالحون كثيرون (وفيه كثيرون من غيرهم). فإذا فشل مجلس قيادة الثورة في التصالح مع الائتلاف فلا أقلَّ من استقطاب أفضل أعضائه ليكونوا جزءاً في محور الخير وسنداً للتجمّع السياسي الوطني المخلص الذي يضمّ جماعات المجاهدين.

 

Posted in رسائل الثورة | Tagged , , , , | أضف تعليقاً

المجاهدون والسياسة: الأسئلة الكبرى (5)

المجاهدون والسياسة: الأسئلة الكبرى

 

(5)

ما موقفنا من حل مؤسَّس على المحاصَصة؟

 

مجاهد ديرانية

لم أكتب هذه الحلقات لافتراض ما لا يُتوقَّع وقوعه، فهي ليست من باب فقه “الأرأيتيّين” الذين يفترضون المسألة ثم يبحثون عن حكمها: أرأيتَ لو كان كذا؟ لقد كتبتها وفي نيّتي أن أقتصر فقط على الأفكار والمشروعات التي تُطرَح في الساحة، ولو على سبيل الاختبار، ومنها هذا المشروع الخطير: حل سياسي للمشكلة السورية يُبنى على المحاصصة، تُقتسَم فيه السلطة وتوزَّع المناصب السيادية -كرئاسة الدولة ورئاسة الحكومة ورئاسة البرلمان وقيادة الجيش- توزع كلها على الطوائف بحصَص يُنَصّ عليها في دستور البلاد.

 

فهل نقبل بحل سياسي يقوم على المحاصصة للخروج من الأزمة وإنهاء الصراع؟

 

لو اقترح الأطباء على أحد المرضى إجراءَ عملية جديدة لم يسبقه إليها أحد فإنه يفكر ويستشير ويستخير ويقلّب المسألةَ على وجوهها الشهرَ والشهرين ثم لا يطمئن إلى قرار، ولكن لو كانت العملية المقترَحة من نوع معروف وقد خضع لها كثيرون قبلَه فإنه لا يحتاج إلى أكثر من سؤالهم وفحص حالتهم، فإذا كان نجاحُها هو الغالب أقدم عليها متوكلاً على الله، وإذا كانت إلى الفشل أقربَ تجنّبَها وبحث عن غيرها، وصبر على ألم المرض ولو طال.

 

فماذا عن حل سياسي على أساس المحاصصة؟ أليست له سوابق؟ بلى. وماذا تقول تلك السوابق؟ إنها تقول -يا سادة- إن الذين قبلوا بها حلاً لنزاعاتهم وطبقوها في بلدانهم خرجوا من تحت الدلف إلى تحت المزراب.

 

*   *   *

 

لقد طبق الفرنسيون هذا النظام السقيم العقيم في لبنان عندما منحوه الاستقلال، فلم يصبح لبنان دولة بل صار “كانتونات” طائفية تنطوي على خطر الانفجار الكامن على الدوام، حتى كان الانفجار الكبير في الحرب الأهلية. لعل أكثر قراء هذه المقالة لا يعرفون ما جرى في تلك الحرب من فظائع لأنهم وُلدوا قريباً من نهايتها قبل خمسة وعشرين عاماً. لقد بدأت بحادثة تافهة ولكنها استعرَت بنيران الجحيم لأن الأرضية كانت مهيأة لها بسبب البناء الطائفي الهشّ للبلاد، فاستمرت خمس عشرة سنة وحصدت مئتين وثلاثين ألف إنسان.

 

ولم يستطع أحدٌ من اللبنانيين أن ينهي تلك الحرب المجنونة التي كانت حرباً طائفية بامتياز، القتلُ فيها على الهوية الدينية والعرقية وليس بأي معيار آخر، حتى تدخلت الدول القريبة لإنهائها. ولمّا أرادوا حل المشكلة حلّوها بالأسلوب نفسه الذي صدّعَ البلاد وسبب الانفجار أول مرة؛ جمعوا أطراف الحرب وفرضوا عليهم حلاً سياسياً على أساس المحاصصة الطائفية، فلم يصبح لبنان دولة مستقلة مستقرة قط وبقي إلى اليوم تحت سيطرة المليشيات الطائفية، وفوق ذلك كله: عاد مجرمو الحرب الكبار قادةً سياسيين وكأن شيئاً ما كان!

 

لقد صار هذا الحل هو الوصفة الأمريكية المفضلة لحل الصراعات في بلدان المسلمين (حلها في الظاهر وزرع بذور الصراع والفوضى والاضطراب على الحقيقة)، فقد طبقوه في أفغانستان والعراق بعد غزو البلدين، فمزّق أفغانستان ومزّق العراق ونشرَ الفوضى وفتح الباب العريض لتدخل إيران وسيطرتها على القرار الداخلي، لأن الطائفة الضعيفة التي تحس بغربتها في البحر السنّي بحثت عن امتدادها خارج الحدود ولم تتردد في تسليم القرار الوطني ورهن الإرادة المحلية لإيران، مقابل الدعم والحماية واستجابةً للدافع الطائفي. هذا هو أيضاً ما حصل في لبنان، وهو ما ستؤول إليه اليمن لا محالة إذا تحول الحوثيون إلى حزب سياسي بعدما تجذّروا في البلاد.

 

*   *   *

 

إن هذا المشروع الخطير هو التجلّي النموذجي للأفكار التي خرجت من مؤتمر جنيف الأول والتي صارت أرضية مشتركة وإطاراً جامعاً لكل مبادرات الحل السياسي في سوريا. ألم يقترح مؤتمر جنيف إنشاء كيان انتقالي يجمع المعارضة بالنظام؟ وحيث إن الثورة قسمت سوريا طائفياً فإن هذا الاقتراح يمكن فهمه حرفياً في إطار المحاصصة الطائفية: “كيان سياسي توافقي بصلاحيات كاملة يتكون من المعارضة السنّية والنظام النصيري”.

 

ولا بد أن يكون للأكراد أيضاً تمثيل (لا تنسوا العراق) فإن التصنيف الغربي محيّرٌ تماماً: هل يقوم على العِرْق أم على الدين؟ عندما يتعلق الأمر بالمسلمين فإنهم يُفرَزون أولاً عن غيرهم دينياً، ثم يُفصَل عن الكتلة السنّية الكبيرة مَن ليس عربياً، فيصبح “الكوكتيل العجيب”: سنّة، علويون، دروز، إسماعيليون، مسيحيون، أكراد، تركمان، آشوريون. ولو استطاعوا أن يفتّتوا العرب السنّة إلى سلفية وأشاعرة لما قصّروا، ولكن يبدو أنهم لم يهتدوا إلى طريقة فعّالة لمثل هذا الفرز حتى الآن.

 

أعوذ بالله أن نقبل في سوريا بحل سياسي مبني على المحاصصة الطائفية، فإنه واحد من أسوأ الحلول التي يمكن اللجوء إليها لإنهاء الصراع، وهو طوق نجاة للطائفة النصيرية التي ستخرج من الباب ثم تعود من الشبّاك. إنه تكريس لسيطرة الطائفة، ووبال على سوريا وعلى أهلها في مستقبل الأيام.

 

Posted in رسائل الثورة | Tagged , , , , | أضف تعليقاً

المجاهدون والسياسة: الأسئلة الكبرى (4)

المجاهدون والسياسة: الأسئلة الكبرى

 

(4)

ما هو موقفنا من مؤتمر جنيف؟

 

مجاهد ديرانية

قبل الجواب عن هذا السؤال علينا أن نتذكر أمراً مهماً جداً، وأن نتذكره جيداً: إن المبادرات السياسية التي قُدِّمت لحل ما يسمونه “الأزمة السورية”، منذ منتصف عام 2012 وحتى الآن، مَبنيّةٌ كلها -بشكل أو بآخر- على نتائج مؤتمر جنيف الأول. فإذا أردنا أن نحدد موقفنا من جنيف الثالث فعلينا أولاً أن نتعرف على مُخرَجات الأول الذي ما يزال يظلل طريقَ الحل السياسي المفترَض بظلاله الكئيبة حتى اليوم.

 

للتذكير: في الثلاثين من حزيران عام 2012 التقت في جنيف بدعوة من المبعوث الأممي لسوريا، كوفي عنان، “مجموعة العمل” التي ضمت وزيرة الخارجية الأمريكية كلنتون ووزيرَي الخارجية الروسي لافروف والبريطاني هيغ ومندوباً عن الحكومة الصينية. هذا اللقاء عُرف لاحقاً باسم “مؤتمر جنيف الأول”، وصارت قراراته قاعدةً لكل المبادرات السياسية اللاحقة، وقد طالب بإنشاء “كيان حكم انتقالي يتمتع بسلطات تنفيذية كاملة، ويتكون من أعضاء في النظام الحاكم والمعارضة يجتمعون على أساس القبول المتبادَل”.

 

للتذكير أيضاً: هذا اللقاء الذي يُراد له أن يحدد مستقبل سوريا لم يُدعَ إليه ولم يشارك فيه سوري واحد. أي أن “الأقوياء” يكررون مرة أخرى ما فعلوه قبل تسعة وتسعين عاماً، إلا أن الإعلام كان أضعفَ في ذلك الوقت فلم يسمع أحدٌ بما جرى إلا بعد عدة سنوات، وعندها أدرك العرب -الذين ظنوا أنهم يقاتلون من أجل أنفسهم- أنهم إنما كانوا يقاتلون من أجل المشروع الاستعماري الفرنسي البريطاني الذي قسّم واقتسم بلاد الشام والعراق.

 

للتذكير أيضاً (منقول بالنص): كشفت مصادر في المعارضة السورية لوكالة رويترز (18/12/2013) أن الدول الغربية نقلت إليها رسالة تفيد بأن محادثات جنيف2 قد لا تؤدي إلى خروج الأسد من السلطة وأن الأقلية العلوية ستبقى طرفاً أساسياً في أي حكومة انتقالية. وقال دبلوماسي من الشرق الأوسط إن زعماء المعارضة يجب أن يتبنَّوا أفكاراً خلاقة فيما يتعلق بقبول المشاركة في ترتيبات خاصة بمرحلة انتقالية يبقى فيها العلويون في مواقع حيوية. وقال مصدر في المعارضة السورية على صلة بالمسؤولين الأمريكيين إن أمريكا وروسيا تعملان لوضع إطار انتقالي يحتفظ فيه العلويون بدورهم المهيمن في الجيش وأجهزة الأمن، وقال: “حتى اذا هُمِّش الأسد وترأس سنّيٌّ سلطةً انتقاليةً فلن يكون له سلطان، فلا واشنطن ولا موسكو ترغبان في إنهاء هيمنة العلويين على الجيش وأجهزة الأمن”.

 

*   *   *

 

عندما تحدث وزير الخارجية الأمريكي الشهرَ الماضي عن دور للأسد في مستقبل سوريا أثار ضجة عارمة، وسرعان ما حاول الناطق باسم البيت الأبيض رتقَ الفتق وتداركَ الزلّة بالقول إن الإدارة الأمريكية لم تغير موقفها من الأسد. هل يطمئننا هذا الاستدراك؟ أيَسُرّنا أن أمريكا راغبةٌ في عزل الأسد وإخراجه من المشكلة؟ لا والله لا يسرّني، بل لعله من أخوَف ما أخافه على ثورة سوريا وجهادها المبارك.

 

إنني لا أكاد أرى أخطرَ على الثورة السورية من عزل الأسد أو قتله أو هربه قبل سقوط النظام الطائفي العسكري الأمني كله واقتلاعه من الجذور، لأن الثورة ستواجه عندها فتنة كبيرة، وقد ينقسم جمهورُها المنهَك إلى فريقين: فريق ينادي بوقف القتال وإنهاء الثورة لأنها حققت هدفها، وفريق آخر ينادي بالاستمرار لأن الأسد ليس سوى جزء شرير من كل شرير، ولأن الثورة لن تحقق نصرها الحقيقي إلا بسقوط النظام كاملاً من الأساس إلى الراس.

 

*   *   *

 

بعد ذلك كله: ما موقفنا من مؤتمر جنيف؟ هل نوافق على المشاركة فيه؟ أحسب أن الجواب صار واضحاً. إذا كان خط الثورة الأحمر ومحرَّمها الأكبر هو بقاء النظام واستمرار سيطرة الطائفة النصيرية على مفاصل الحكم، وإذا كان الخط الأحمر لأمريكا وروسيا والأساس الذي قامت عليه سلسلة مؤتمرات جنيف هو بقاء النظام واستمرار سيطرة الطائفة النصيرية على المؤسستين الأمنية والعسكرية، فما الفائدة من المشاركة؟ شخصان على ضفتين حجَزَ بينهما النهر، لا هذا يرضى بعبوره ولا ذاك، أنّى يلتقيان؟

 

إن موقفنا الطبيعي الذي ينسجم مع ثورتنا ومع حرصنا على دولة حرة وحياة كريمة لأنفسنا ولأولادنا هو قطعاً: لا للمشاركة في جنيف، حتى يتغير موقف القوى الدولية من النظام ومن الطائفة، وحتى يتخلى الغرب الظالم عن دعم الطائفة النصيرية التي ما زال يتكئ عليها للسيطرة على سوريا منذ خمسة عقود، وحتى يعترف بحق الأغلبية السنّية في قيادة وإدارة البلاد.

 

إذا كانوا قد وضعوا في جنيف الأول قبل ثلاث سنوات أساساً لحل المشكلة كما يحبون فقد آن لنا، نحن أيضاً، بعد كل هذا الوقت الطويل، أن نضع أساساً للحل نلتقي عليه ونتوافق على مكوناته. نحن بحاجة إلى “مشروع سياسي” للثورة وإلى حامل يحمل هذا المشروع. إن الوقت يمضي والمسار السياسي يزدحم بمبادرات متسارعة محمومة، فإما أن نكون على مستوى التحدي أو سنخرج من المعادلة كلها لا سمح الله.

Posted in رسائل الثورة | Tagged , , , | أضف تعليقاً

المجاهدون والسياسة: الأسئلة الكبرى (3)

المجاهدون والسياسة: الأسئلة الكبرى

 

(3)

ما هو خط الثورة الأحمر؟

 

مجاهد ديرانية

 

علمنا أن أحداً لا يقدّم معونة لأحد في عالم السياسة إلا بثمن، وأن الثورة لا بد لها من تقديم بعض التنازلات إذا أخذت دعماً ومساعدة من الدول. وقد قيّدنا حكمَ تلقي الدعم وتقديم التنازلات بالقدرة على إسقاط النظام، فإذا لم يمكن إسقاطُه إلا بتقديم تنازلات فإنها تصبح واجبة وليست جائزة فحسب، لأن بقاء النظام مفسدة عظمى تهون في جنبها سائرُ المفاسد ما لم يكن فيها ذهاب الدين. وليس المقصود بذهاب الدين العجزُ عن الحكم به كاملاً أو حالاً، فإن هذا مما يُتدارَك إذا تحررت البلاد وسَلِم العباد، بل يُقصَد ضياعُه ضياعاً كلياً كما حصل لمسلمي الأندلس (المورسكيين)، فقد كانت عاقبةُ بقائهم في الأندلس بعد سقوطها ضياعَ دينهم ودين ذراريهم إلى الأبد.

 

هذه المفسدة العظمى لا تقارَن بالتخلي عن بعض أهداف الثورة أو تأخير تنفيذها أو التضحية بجزء من القرار الحرّ المستقل، ولنا في رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة، حينما همّ (بمعنى أنه رضي وأراد) بالتنازل عن جزء من واردات المدينة وثروتها للكفار، في سبيل حماية الأصل الأكبر الذي هو الدين وجماعة المسلمين.

 

*   *   *

 

لقد قامت الثورة لدفع الشر والفساد ولتحقيق المصالح التي صادرها نظام الاحتلال الأسدي الطائفي، وهي مصالح دينية ودنيوية، فصار لها هدفان: دفع الشر وتحصيل الخير. فإذا أمكن الجمع بينهما لم يَجُزْ التفريط بأي منهما، وإذا لم يمكن فلا مناصَ من الموازنة والترجيح وفق الميزان الشرعي في تحقيق المصالح ودفع المفاسد.

 

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: “إن الشريعة جاءت بتحصيل المصالح وتكميلها وتعطيل المفاسد وتقليلها بقدر الإمكان، ومطلوبُها ترجيح خير الخيرَين إذا لم يمكن أن يجتمعا جميعاً ودفع شرّ الشرين إذا لم يندفعا جميعاً”. ومنه قول سلطان العلماء العز بن عبد السلام في “القواعد الصغرى”: “إذا اجتمعت مصالح ومفاسد فإن أمكن دفع المفاسد وتحصيل المصالح فعلنا ذلك، وإن تعذّر الجمع فإنْ رجحت المصالحُ حصلناها ولا نبالي بارتكاب المفاسد، وإنْ رجحت المفاسد دفعناها ولا نبالي بفوات المصالح“.

 

من هذه القواعد الكلية يأتي جواب السؤال الذي طرحَته المقالة. إن الدول الداعمة يمكن أن تصادر جزءاً من قرارنا الوطني المستقل، ولكن بقاء النظام يصادر هذا الحق كله. قد نعجز عن تطبيق الشريعة كاملة في الحال، ولكن بقاء النظام سيحرمنا منها كاملة في كل حال. ربما فُرضت على جيش سوريا المستقلة قيود في التسليح والأعداد، ولكن جيشاً وطنياً ضعيفاً أفضل من جيش احتلال. وحتى لو ضغط علينا المجتمع الدولي لعقد هدنة طويلة مع اليهود الذين يحتلون أراضي المسلمين، فإن أي هدنة مهما طالت لن تبلغ في السوء الهدنةَ الأبدية التي طبقها النظام مع اليهود.

 

*   *   *

 

إذن فإن الشر المطلق والمفسدة العظمى هي بقاء النظام. وبقاء أي جزء من النظام كبقاء النظام كله لأنه نظام حكم شمولي، والأنظمة الشمولية غيرُ قابلة للتجزئة ولا للتغيير ولا للإصلاح، ولا يفيد معها إلا الاقتلاع من الجذور. ليس هذا كل شيء، فإن للنظام الذي يحتل سوريا ويحكمها صفةً أخرى. إنه ليس نظاماً شمولياً فحسب، على ما في مثل هذا النوع من الأنظمة من شر كبير، بل هو أسوأ بكثير؛ إنه نظام حكم طائفي، حيث تحتل طائفةٌ قليلةُ العدد البلادَ كلها وتسيطر على مقدراتها وتتحكم في سكانها جميعاً، من الأكثرية السنية ومن سائر الأقليات.

 

هنا نصل إلى خط الثورة الأحمر الكبير. إنه بقاء أي جزء من النظام الأسدي الطائفي في الحكم، ولو حتى لمرحلة انتقالية قصيرة، واستمرار هيمنة الطائفة النصيرية على السلطة ومفاصل الحكم في سوريا بعد الثورة.

 

إنّ إسقاطَ النظام كاملاً (كاملاً غيرَ منقوص) وتحريرَ سوريا من الاحتلال الطائفي النصيري هو هدف الثورة الأكبر الذي يُبنى كلُّ ما بعدَه عليه، وأي تنازل عن هذا الهدف يعني التضحيةَ بكل ما بعده. لو تنازلنا عنه -لا قدّر الله- فسوف تنهار كل الأحلام بدولة الحرية والعدالة والإسلام التي سالت من أجلها أنهارُ الدم وقُدِّمت لتحقيقها كرائم التضحيات. إنه خط الثورة الأحمر الذي لا يجوز التفاوض عليه ولا الاقتراب منه ولا التفكير فيه، ولو استمرت الثورةُ مئة عام.

 

Posted in رسائل الثورة | تعليق واحد

المجاهدون والسياسة: الأسئلة الكبرى (2)

المجاهدون والسياسة: الأسئلة الكبرى

 

(2)

هل نقبل الدعم الخارجي أم نمتنع عنه؟

وهل يجوز تقديم تنازلات في سبيل الحصول عليه؟

 

مجاهد ديرانية

 

لا توجد هدايا مجانية في عالم السياسة، فكل مساعدة تقدمها دولة من الدول لدولة أخرى هي قَيد يقيّدها ويحد من حريتها، وكل دَين هو باب للتدخل حتى يُرَدّ الدَّين. لذلك نقول إن الدول الضعيفة التي تتلقى المساعدات والقروض من الدول الغنية القوية إنما تَجني على شعوبها وتضحي بحريتها وكرامتها، فهي محرّمة قطعاً، إلا لو كانت مسألة حياة أو موت، كقوتٍ بعد جفاف ومجاعة أو دواءٍ لوباء فتّاك.

 

رأينا في الحلقة الماضية أن الثورة هي مشروع تحت التنفيذ للدولة القادمة، أو أنها جَنينُ دولةٍ في طور التكوين، فما يقال عن الدول يقال عن الثورات، وبهذا الاعتبار نقول إن الأصل في الدعم الخارجي هو المنع، لأن أي دعم يأخذه الثوار من أي دولة سيمنح تلك الدولةَ تلقائياً حقَّ التدخل والوصاية، فتفقد الثورة استقلالها وتتدخل القُوى الخارجية في قرارها، وغالباً ستطلب منها جملة من التنازلات ثمناً للدعم الذي قدمته.

 

يبدو -إذن- أن الجواب هيّن قريب يعرفه العوام فضلاً عن المتعلمين: “لا يجوز أن تأخذ الثورة دعماً من أي دولة”. لكنه في الحقيقة ليس كذلك، بل أكاد أقول إنه جائز أو واجب في حالة الثورة السورية، والذي يقرّر جوازَه أو وجوبه ليس أنا ولا الفقهاء والمُفتون، بل الثوار أنفسهم. إذا قالوا: “نستطيع إسقاط النظام بلا مساعدة ولا دعم من أحد” فإن تلقي الدعم وأخذ المساعدة من الآخرين حرام، وإذا قالوا: “لا نستطيع، لقد حاولنا في أربع سنين ولم نستطع لأن عدونا تمدّه دول قوية بكل أنواع السلاح ولا بد لنا من سلاح قوي كسلاحه، ولا نستطيع الحصول على هذا السلاح إلا من الخارج”، فعندئذ يصبح تلقي الدعم واجباً ولو كان ثمنُه تقديمَ بعض التنازلات والتضحية بجزء من استقلالية القرار الثوري السوري.

 

*   *   *

 

الحكم السابق يأتي من الموازنة بين الشرَّين، شَرّ بقاء النظام وشرّ تدخل الآخرين في الثورة. إن مصادرة جزء من القرار الثوري شرٌّ أدنى وبقاء النظام شرّ أعلى بلا جدال، لأنه يمارس عدواناً سافراً على أعظم الأصول: الدين والنفس والعرض والمال، فضلاً عن الكرامة والحرية وإنسانية الإنسان. لو كان ثمن تدخل الدول الداعمة في ثورتنا أسوأ فإن أخذ الدعم منها ممنوع، ولو كان بقاء النظام أسوأ فإن أخذه واجب بمقدار رفع الضرر ودفع الشرّ الأكبر.

 

هذا هو الحكم الذي نأخذه من ثلاث قواعد مهمة هي من رؤوس القواعد الفقهية التي اتفق عليها أهل العلم: “الضرورات تبيح المحظورات”، و”ما أبيح للضرورة يقدَّر بقدرها”، و”الضرر الأشد يُزال بالضرر الأخف”. ولهذه القاعدة المهمة لفظ آخر مشهور: “إذا اجتمع ضرران ولم يمكن الخروجُ عنهما وجبَ ارتكابُ أخفّهما”، كذا وردت بصيغة الوجوب: “وجب”، أي أن ارتكاب الضرر الأخف في هذه الحالة واجبٌ لا مندوب.

 

*   *   *

 

الخلاصة: إن أحكام الاضطرار ليست هي نفسها أحكام الاختيار، فالميتة في الأصل حرام، هذا الحكم يعرفه تلاميذ المدارس، لكنْ لو أن رجلاً ضَلّ طريقه في البرّية ثم عثر على دابة ميتة، فتذكر هذا الحكم فلم يقربها حتى مات، ما حكمه؟ حكمه أنه آثم مسيء وأن الله سائله عن الروح التي ضيّعها. هذا وهي روح واحدة قتلها اجتهادُ صاحبها، فكيف بأرواح الملايين يقتلهم اجتهادُ القاعدين على الأرائك في النعيم؟ لم أجد جواباً لهؤلاء المانعين أبلغَ من الكلمة التي سمعتها من مفتي القاعدة السابق أبي حفص الموريتاني، قال: إن الفرد إذا خاف على نفسه الهلاك أبيحت له ميتة اللحم، فكيف لا تُباح للأمة ميتة السياسة إذا أوشكت الأمة على الهلاك؟

 

لكن هل يمكن أن يرضى الثوار بأي قدر ونوع من التنازل في سبيل الحصول على الدعم الخارجي؟ قطعاً لا يمكن. فما هو التنازل الذي لا يجوز؟ أو بصيغة أخرى للسؤال: ما هو خط الثورة الأحمر الذي لا يجوز للثورة تجاوزه بأي حال من الأحوال؟ الجواب في الحلقة الآتية إن شاء الله.

Posted in رسائل الثورة | Tagged , , , | أضف تعليقاً