الذين باعوا الفوعة وكفريا

الذين باعوا الفوعة وكفريا: لماذا صنعوا ذلك؟

مجاهد مأمون ديرانية

لم يبقَ قريبٌ ولا بعيد ولا عدوّ ولا صديق إلا وأيقنَ أن إدلب مُقبلةٌ على مَحرقة كبيرة ستروي أخبارَها كتبُ التاريخ، وأن تصدّر جبهة النصرة وتصديرها وصبغ الشمال بالسواد سيكون مبدأ الحريق، وأن هذه السنة هي سنة قلع الزرع الذي زرعته القاعدة في سوريا والعراق، داعش والنصرة، وأن النصرة وحلفاءها لا طاقة لهم بالصمود في سوريا أكثر مما صمدت داعش في العراق، وأن الفوعة وكفريا هما الورقة الأخيرة التي تملكها الثورة للمساومة والضغط فراراً من المصير المحتوم، وأن بقاء عشرات الآلاف من سكان البلدتين رهائنَ تحت نيران الثوار سيعوق مشروع الحريق المشؤوم، ولو إلى حين.

 

إذا كان ذلك كله مما عرفه الناس وعرفته جبهة النصرة وعرفته سائر الفصائل، فلماذا أصرّت جبهة النصرة (في إصدارها القديم وإصدارها الجديد) على تفكيك الفصائل وتشريد الثوار وابتلاع الثورة وصبغ الشمال بالسواد؟ ولماذا رضيت الفصائل بأن تُساق ويُساق معها الشمال المحرر بما فيه ومَن فيه إلى المحرقة؟ ولماذا فرّطوا بالورقة الأخيرة التي لو تشبّثوا بها ورفعوها أمام النار لَوَقَتْ وجوهَهم لفحَ النار؟ ولماذا تفاوضوا مع العدو في الظلام؟ لماذا سلكوا طريق التفاوض والتنازل والتفريط الذي عابوه -قبلُ- وخوّنوا سالكيه؟

*   *   *

اليوم خرست ألسنةٌ طالما تسابقت للمشاغبة والمزايدة على أهل الثورة والترويج لمشاريع الغلاة، وإذا نطقت قريباً فلن تفعل سوى ما فعله علماء السلاطين على مَرّ الزمان: تسويغ الجريمة وتسويقها باسم الدين، فإنّ دين القوم يسع أكبرَ الكبائر إذا كانوا هم أصحابها، ويضيق بأصغر الصغائر إذا كان أصحابها غيرهم من الناس.

 

عوضنا على الله في ثورة ساقها في طريق الضياع “مستقلّون” باعوا ضمائرهم للهوى والسلطان والشيطان، ثورة عظيمة سطا عليها الغلاة بالحديد والنار، ثم باعوها بأبخس الأثمان في سبيل مطامع وأهواء شخصية، أو خدمةً لمشاريع الوهم والسراب.

نُشِرت في رسائل الثورة, عِبَر وفِكَر | الوسوم: , , , , , , , , , | أضف تعليق

المشروع الإسلامي ومنهج القاعدة

المشروع الإسلامي ومنهج القاعدة

مجاهد مأمون ديرانية

من الأفكار المضلّلة التي ينشرها أصحاب الفكر القاعدي بين الناس أن مشروع الدعوة الإسلامية المعاصر انتهى إلى الفشل لأنه لم يستطع إنشاء دولة إسلامية.

 

يمكننا أن نسألهم: وهل أنتج مشروعكم دولة إسلامية، بغضّ النظر عن حجم الكوارث التي تسبّبَ بها والدماء التي أهدرها مقارَنةً بمشروع الدعوة؟ لكننا لن نسأل هذا السؤال أصلاً لأنه ليس السؤالَ الصحيح، فهو يجعل إنشاء الدولة مقياساً لنجاح المشروع الإسلامي، رغم أن المنهج القرآني والنبوي يعلّمنا أن مقياس النجاح هو إنشاء “المجتمع المسلم”، لأنه هو الأصل وهو الأبقى، فالدين يبقى حياً في الأرض ما بقي حياً في قلوب أتباعه، أما السلطان السياسي فإنه يأتي ويذهب ويتغير ويتقلب، لذلك كان همّ الأنبياء جميعاً هو الدعوة قبل الدولة.

 

وإنّا لنجد باستقراء المنهج النبوي أن الدولة لا تقام إلا بالدعوة وأنه ليس للقوة دور فيها، وأنها إذا قامت صارت القوةُ ضروريةً للدفاع عنها والمحافظة عليها فحسب، ولهذه القاعدة النبوية المهمة تفسير مفهوم: لأن القوة لا تصنع الحق بل تحمي الحق، ولأن أي فكرة تعتمد على القوة فقط دون الرضا القلبي والاقتناع الفكري الكامل فإنها لا تبقى، بل تزول مع زوال القوة.

 

إذا علمنا هذه الحقيقة ثم تأملنا حالة مجتمعاتنا المعاصرة والتمسنا أثر الدعوة في إصلاحها وتقويم عيوبها أدركنا -عندئذ- أن القرن الأخير شهد إنجازاً هائلاً لمشروع الدعوة الإسلامية، بأطيافه ومكوّناته كلها، من أقصى طرف السلفية إلى أقصى طرف الصوفية وما بينهما من مدارس وتيّارات، وأن التيار الفاشل الوحيد الذي أنهك الأمة واستهلك طاقتها في معارك عبثية دونكشيتية هو تيار القاعدة (الذي اصطُلِح على تسميته بالسلفية الجهادية).

 

فمتى يعقل القوم ومتى يراجعون أنفسهم وأفكارهم؟ متى يدركون أن منهجهم المقلوب الذي استنزف الأمة على مدى ثلاثة عقود ليس من المنهج النبوي في شيء، وأن الأنبياء بُعثوا لدعوة الناس لا لقتال الناس، وأن الدولة المسلمة ثمرة من ثمرات المجتمع المسلم وليست سبباً لوجوده، فهو الأصل وهي الفرع وإنشاؤه هو الواجب الذي ينبغي أن نحرص عليه ونسعى إليه، وأن نجاحنا يُقاس بالقدر الذي نحققه من هذا الهدف العظيم؟ متى؟

 

نُشِرت في في الدعوة والإصلاح, عِبَر وفِكَر | الوسوم: , , , , , , , , | أضف تعليق

كيف نرضى عن الله؟

كيف نرضى عن الله؟

مجاهد مأمون ديرانية

من الناس مَن يبالغ في تعظيم البلاء حتى يُخرجه من الإيمان إلى النكران، ولو أنصف لرأى أنه مهما ابتُلي فإن ابتلاءه يَقْصُر ويتضاءل في جنب السلامة الطويلة والنّعَم الوفيرة الكثيرة التي أنعم الله بها عليه.

 

كل واحد من الناس يُبتلى بالمرض، لكنه لو حسب أيام مرضه لوجدها أياماً معدودة في العام، وسائر الأيام يمضيها في عافية وأمان. كل واحد ينقبض صدره في الحين بعد الحين، لكن كم يبلغ ذلك الانقباض العارض مقابل الانشراح الدائم الذي يوفره الإيمان بالله وذكر الله؟ كل واحد فقدَ في بعض الأوقات أحبّة اختطفهم الموت وهو أشد ما يكون شوقاً لملازمتهم، لكن كم من الأحبّة ما يزالون يحيطون به ويضيئون حياته بنور الأنس والحنان؟

 

لو فكر المرء بأقسى الابتلاءات وأطولها فسوف يكتشف أنها جزء هيّنٌ يسيرٌ مقارَنةً بأضعاف أضعافها من السلامة والسعادة والاطمئنان والأمان، وعندئذ لن يملك إلا أن يقول: “الحمد لله على قضائه مهما يكن، ولا يُحمَد على المكروه سواه”، يقولها راضياً من أعماق قلبه بالقضاء، بخيره وشره وسرّائه وضرّائه، ولعل هذا هو معنى قوله تبارك وتعالى: {رضي الله عنهم ورضوا عنه}.

 

وكيف يرضى المخلوق عن الخالق؟ إن الرضا عن الله هو الرضا بقضاء الله، وهو من صفات المؤمنين الصادقين، أمّا غير المؤمنين فلا يرضَون، بل يسخطون ويتذمرون ويقولون: لماذا أصابني ما أصابني؟ لماذا أنا من دون الناس؟

 

ثم بأي شيء يفيدهم تذمّرهم وسخطهم بعدما كان الذي كان؟ إنهم لا يستفيدون إلا سخط الله. في الحديث: “إن الله يقضي بالقضاء، فمَن رضي فله الرضا ومن سَخِط فله السُّخْط” وفي رواية: “إن عِظَم الجزاء مع عظم البلاء وإن الله إذا أحب قوماً ابتلاهم، فمن رضي فله الرضا ومن سخط فله السخط”.

 

اللهم أعنّا على تذكّر نعمك التي لا تُحصَى. اللهمّ ارضَ عنّا، واجعلنا أبداً من الراضين الصابرين الحامدين.

 

 

نُشِرت في في الدعوة والإصلاح, خواطر ومشاعر | الوسوم: , , , | أضف تعليق

6 سنوات، ومستمرّون

مستمرون

6 سنوات، ومستمرّون

مجاهد مأمون ديرانية

بالطبع مستمرون، ولو بلغت ثورتنا من عمرها عشراً وبلغت عشرين.

 

ليس لأن الباقي أمامنا من رحلتنا إلى الحرية قصير يسير، بل هو طويل عسير. وليس لأننا نعيش في سعة ورخاء، بل نحن في شدة وعناء وبأساء، ولقد اشتدّ الكرب وثَقُل الحِمل وطالت المحنة حتى أوشك بعض الناس على رفع الراية البيضاء.

 

كل هذا نعرفه ولا ننكره، ونحن رغم هذا كله مستمرون، مستمرون لأن طريق العودة أشقّ وأطول، ولأننا على يقين أن ما ينتظرنا -لو رجعنا إلى حيث كنّا- أصعبُ من كل الصعوبات التي تكتنف الجزء الباقي من الرحلة بما لا يُقاس.

 

يا أيها الناس، يا أيها الصابرون المرابطون في أرض الشام:

 

إن الثورةَ سفينةٌ أقلعت بركّابها من ميناء العبودية والذل والأغلال إلى ميناء الحرية والكرامة والاستقلال، وإنها اليومَ في عُرض البحر تغالب الأمواج العاتية، فلو يئس أهل السفينة وتركوها للموج ابتلعها الموجُ وهلكوا جميعاً، ولو ردّوها على أعقابها عادوا إلى ما كانوا فيه من الذل والهوان، فليس لهم إلا الاستمرار في الإبحار وسط الموج والإعصار حتى يصلوا إلى ميناء الظفر والانتصار.

 

فامضوا واصبروا واثبتوا، واسألوا الله العون والصبر والعزيمة مهما اشتد الكرب وطال الطريق.

نُشِرت في خواطر ومشاعر | الوسوم: , , , , , , | أضف تعليق

لماذا كره الناس الثورة؟

لماذا كره الناس الثورة؟

مجاهد مأمون ديرانية

أو: لماذا كرهها كثيرون؟ هذه حقيقة، لا هي خيالات ولا فَرْضيات، مَن لم يرَها كان بلا بصر ومن لم يدركها فهو بلا بصيرة، ومَن أنكرها مكابَرةً وهو موقن بها فإنه يكرّس بقاء المشكلة ويساعد على استفحالها، لأن أُولى خطوات حلها هي الاعتراف بها. وكيف يحل المشكلةَ من ينكرها ولا يعترف بها؟

 

لم يكره الناس الثورة لأنهم أصيبوا بسببها في أنفسهم وأولادهم وأموالهم وممتلكاتهم، هذه هي أمّ الحقائق التي ينبغي أن نبدأ منها، فقد صبر السوريون رغم ضراوة المحنة ودفعوا ثمن الحرية راضين مختارين، فحملوا عبء الثورة وقد علموا أنه حمل ثقيل، ومشوا في طريقها وقد علموا أنه طريق طويل. لا والله ما ضعف الشعب السوري الأبيّ ولا استسلم، وإنه ليستحق أن يتصدر سجلات المجد في صحائف التاريخ.

 

لقد كان أحرار سوريا مستعدين للمضيّ في الطريق مهما بلغ طول الطريق، كانوا مستعدين لاحتمال الإصابات والجراحات والآلام، إلا أنهم وصلوا أخيراً إلى رفض الثورة وكراهيتها، أو وصل كثيرون منهم إلى هذه النتيجة المحزنة، فندم بعضهم على المشاركة في الثورة، وبات آخرون يشتاقون إلى عهد النظام وأيامه الماضيات. ألا ينبغي أن نبحث عن سبب هذه الكارثة فنعالجه قبل فوات الأوان؟

 

*   *   *

 

لقد كره كثيرون الثورة لسببين، أولهما أنهم لم يجدوا في الفصائل التي حررت المناطق وحكمتها البديلَ الذي كانوا يرجونه ويطمحون إليه، فقد مارس كثير منها ظلماً واستبداداً ذكّر الناسَ بظلم نظام الأسد واستبداده، ووصل الكبت في بعض المناطق إلى محاربة علم الثورة ومعاقبة من يرفعه في المظاهرات، لو سُمِح أصلاً بالمظاهرات، فقد حرّمها أحد الفصائل وحاربها كما حرّمها وحاربها النظام!

 

الفصائل كلها أو جلّها مارست شيئاً من الظلم وشيئاً من الاستبداد، لكنها لم تبلغ مجتمعةً ما بلغَته جبهة النصرة وحدَها -في إصداراتها الثلاثة- من ظلم واستبداد. والفصائل كلها أنشأت سجوناً مارست فيها التعذيب والتغييب بلا قضاء ولا قانون، لكن كل معتقَلي كل الفصائل لا يبلغون عدد الذين اعتقلتهم جبهة النصرة خارج القضاء ومات كثير منهم تحت التعذيب. أما محاربة علم الثورة وملاحقة رافعيه فلم يجرؤ على صنعه أي فصيل سوى جبهة النصرة، لأنها جريمة فظيعة يعلم أي فصيل أنه سيسقط لو أقدم عليها ويلفظه الناس.

 

*   *   *

 

السبب الثاني الذي كره الناسُ الثورةَ بسببه، ولعله السبب الأهم، هو ما رأوه بين فصائلها من خصام واقتتال.

 

كثيرون لم يميّزوا بين المعتدي والمعتدَى عليه، إمّا لأنهم لم يحبّوا أن يُجهدوا أنفسهم بالبحث والتحقيق، أو لأنهم لا يستطيعون التمييز بين الحق والباطل وبين الخطأ والصواب. هل تذكرون نموذج المدرّس الجاهل الذي كان إذا رأى نزاعاً بين التلاميذ عاقب الجميع؟ إنه الحل الأسهل للكسالى والحمقى ومعدومي الضمير. هذا المدرّس يعلم أن النزاع لا يبدأ إلا باعتداء تلميذ ظالم على بريء مظلوم، لكنه لا يبالي بإحقاق الحق ولا يهتم بإنصاف المظلوم بقدر اهتمامه بمنع الشغب ووقف النزاع.

 

وهذا ما صنعه المجتمع الدولي بالثورة السورية، فإنه لم يميّز بين النظام الأسدي الذي بدأ بالظلم والقتل والشعب الذي اضطر لحمل السلاح دفاعاً عن نفسه وثورته، لقد ساوى بين الطرفين وسمّى الثورة “حرباً أهلية”! وكذلك صنع المغفلون الذين عجزوا عن التمييز بين البادئ بالقتال بغياً والمضطر إليه دفاعاً، فخلطوا بين الجاني والضحية ولم يروا في الساحة سوى “اقتتال داخلي” ونزاع فصائلي، وإذن فعلى الثورة السلام!

 

*   *   *

 

عندما بدأت الثورة تمشي في طريق العسكرة حذّر كثيرون من مشكلات وأخطار حمل السلاح، وشاركت بقلمي الضعيف في التحذير فنشرت -في آخر الشهر الأول من عام 2012- سلسلة من خمس مقالات عنوانها “العمل المسلح: الوحدة أو إجهاض الثورة”، كانت الثالثة منها بعنوان “أخلاق السلاح قبل حمل السلاح”، قلت في أولها:

 

إذا انتشر السلاح في أيدي الناس ولم تجمعهم جامعةٌ واحدة تنظّم أمرَهم وتضع لهم القوانين فلا مفرّ من الوقوع في هاوية “فوضى السلاح”، وإنها لَهاوية بعيدة القرار، جرّبَها غيرُنا فدفع للخروج منها الثمنَ الثمين ولبث يتجرع مُرّها العددَ من السنين، فاحذروها؛ إياكم والوقوع فيها فإنكم إذا وقعتم فيها لا تعرفون كم تدفعون ولا تعرفون متى تخرجون.

 

وقلت في آخرها: لقد أنذرتكم، وإنما أنا نذير ليس لي من الأمر شيء؛ عالجوا هذا الأمر اليوم ولا تتركوه حتى يستفحل ويستعصي على العلاج، إياكم أن تتهاونوا أو تتأخّروا فتفلت الأمور وتسود بيننا فوضى السلاح لا سمح الله. إني أحذّركم يوماً يأتي على الناس يقولون فيه: ألا ليت عهد الأسود يعود! إياكم أن توصلوا الناس إلى نطق هذه الكلمة، لو فعلتم وفعلوا فلن يسامحكم الناس ولن يسامحكم التاريخ. هذا نداء لكل عاقل ولكل شخص حمل السلاح، أرجو أن يُسمَع وأن يُعمَل به قبل فوات الأوان. اللهمّ إني قد بلّغت.

 

*   *   *

 

حينما كتبت ذلك التحذير قبل خمس سنين لم يصل خيالي -حتى في أقصى درجاته تشاؤماً وجموحاً- إلى تصوّر الحالة التي وصلت الثورة إليها اليوم. لم أتصور أن يأتي يوم يُبيح فيه فصيلٌ من الفصائل لنفسه استباحةَ واسئصال غيره من الفصائل التي تقاتل النظام، ثم يجد في جمهور الثورة مَن يؤيده ويصفق له ويعينه على بغيه وظلمه وباطله.

 

والآن بعد الذي كان: كيف سنحمي الثورة من الضياع؟ كيف سنعيد لجمهور الثورة ثقته في ثورته؟ كيف والتنظيمات القاعدية المسلّحة ما زالت تسرح بلا رقيب وتمارس البغي والظلم والعدوان بلا حسيب؟

 

كم جَنَت القاعدة على سوريا! كم أجرمت جبهة النصرة بحق السوريين وكم أساءت إلى ثورتهم العظيمة!

نُشِرت في رسائل الثورة | الوسوم: , , , , , , , , , | أضف تعليق

علي الطنطاوي وموقفه من الغلوّ والغلاة

علي الطنطاوي 42

علي الطنطاوي
وموقفه من الغلوّ والغلاة

مجاهد مأمون ديرانية

نشرت ذات يوم مقالة انتقدت فيها الجرائم التي يرتكبها غُلاةٌ يَنسبون أنفسهم إلى الجهاد، فعلّق أحدهم عليها قائلاً: لو كان جدك حياً لأنّبك وأدّبك على هذه المقالة! وكتب غيرُه تعليقاً على مقالة غيرها: لو قرأ جدك ما تكتبه عن المجاهدين لصفعك عشر صفعات! وفي بعض الأوقات سألني آخرون: ماذا كان رأي الشيخ علي الطنطاوي في الغلوّ والغلاة؟ لكل أولئك: هذا هو الجواب.

كان جدي -رحمه الله- من أكثر الناس بغضاً للتشدد والغلوّ وأشدّهم نفوراً من المتنطّعين والمتشددين، وقد قال في بعض كتبه: “لا يأتينا الضرر ولا يقع بيننا الخلاف إلاّ من أصحاب الغلوّ والتشدّد” (الذكريات ج5/195). وقال في موضع آخر: “من مداخل الشيطان الابتعاد عن قصد السبيل وترك أوساط الأمور والميل إلى جانبَيها والغلو في كل شيء. وفي الغلو الهلاك، كالماشي على القنطرة الضيقة، إنْ سارَ في وسطها سَلِمَ، وإن غلا في التيامُن أو التياسُر بلغ حافتها، فزلَّت به قدمه فسقط” (صور وخواطر: مقالة “يوم مع الشيطان”).

وكان ينهانا عن العزيمة في موضع الرخصة ويقاوم أي ميل إلى التشدد ولا يحب الإفراط في التطوع لدرجة الإثقال والإملال، ويرى ذلك كله من التنطع والغلو المَنهيّ عنه. وقد أرشدني مرة -وأنا شاب- إلى قراءة ما كتبه الشُرّاح في حديث أبي هريرة الذي أخرجه البخاري في الصحيح: “إن الدين يُسْرٌ، ولن يُشادّ الدينَ أحدٌ إلا غلبه، فسدِّدوا وقاربوا وأبشروا، واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدُّلجة”، فوجدت عجباً من المعاني التي يغفل عنها كثير من المتدينين والمتعبّدين.

*   *   *

لمّا كنت طالباً في كلية الهندسة بجامعة الملك عبد العزيز في جدة كنت أذهب إلى مكة آخرَ الأسبوع فأمضي مع جدي يومَي الخميس والجمعة، وكنت أصوم يوم الخميس نفلاً في كثير من الأسابيع، ولم تكن المكيفات قد انتشرت في البيوت آنذاك (قبل أربعين سنة) فإذا اقترب الصيف وطال النهار واشتد الحر نهكني الصوم، فإذا رآني كذلك نهاني عنه وأرغمني على الفطر وقال: إنّ تعذيب النفس عمل مكروه غير محمود.

وسافرت مرة في رمضان صيفاً في سيارة ليس فيها تكييف، ولا أذكر أنني تعبت في عمري كما تعبت في تلك السفرة: عشر ساعات وريحُ الصحراء الحارة تلفح وجهي وبدني كلفح النار حتى تشقق جوفي من العطش، فلما وصلت إلى مكة وعرف ما صنعت لامني أشدّ اللوم وبالغ في الإنكار وقال: لقد عذّبت نفسك بلا طائل وتركت الأفضل وعملت بالمفضول، ولو فقهت لعلمت أن فطرك في مثل هذا السفر أحب إلى الله، فلا تصنع ذلك بعد اليوم. ثم كبرت وفقهت فلم أصنعه من بعد.

على أن ذلك لم يكن أهمَّ درس تلقيته منه رحمه الله؛ لقد جاء الدرس الأهمّ في يوم متأخر من شهر محرّم عام 1400، وكان درساً مرتبطاً بحادثة كبرى ختمت القرن الهجري المنصرم.

في فجر اليوم الأول من آخر سنوات القرن الهجري الرابع عشر دخل إلى الحرم المكي نحو مئتَي مسلّح، وقد أخفوا أسلحتهم في نعوش زعموا أنها لموتى أرادوا أن يُصلَّى عليهم في الحرم، فلما انقضت الصلاة أخرجوا الأسلحة وأوصدوا أبواب الحرم، وعلَوا المآذنَ والسطوح فقنصوا الحرّاس ورجال الأمن بالبواريد، ثم أعلنوا ظهور المهدي وأرغموا أهل الحرم على مبايعته.

استمرت فتنة جهيمان وأصحابه أربعة عشر يوماً بقي الحرم فيها مغلقاً، فلم يدخله أحد ولم يخرج منه إلا الأطفال والنساء، ثم انتهت أخيراً بعدما أُريقت فيها دماء بريئة وهزَّت العالم الإسلامي كله من أدناه إلى أقصاه.

*   *   *

في تلك الأيام كان من دأب لجنة التوعية الإسلامية في الجامعة أن تنظم محاضرة عامة مساء كل أربعاء، واتفق أن الضيف الذي دُعي لأولى المحاضرات بعد الحادثة كان هو الشيخ علي الطنطاوي رحمه الله. ولما كنت أحد أعضاء لجنة التوعية فقد تطوعت لاصطحاب جدي بسيارتي من مكة إلى جدة، وخبّرني في الطريق أنه سيعلّق على الحادثة في أول المحاضرة، وكان رأيه في مرتكبيها شديداً حديداً صارماً قاسياً، فرجوته أن لا يفعل.

كنت يومها في الثانية والعشرين، ومَن كانت هذه سِنّه غلبت عاطفتُه عقلَه، فناقشته فقلت: لقد أخطأ القوم بلا ريب، لكنهم -فيما يظهر- ديّنون مخلصون، ألا نعتذر لهم بنيّتهم الصالحة؟ قال: الخوارج كانوا أصدق نيّةً وأكثر إخلاصاً، ولم ينقذهم الدين والإخلاص من أن يكون مآلهم إلى النار. إن من ارتكب مثل هذا الجرم الفظيع في الحرم لا يُعذَر، فإن ربنا لا يحاسب المرء على ما لم يفعله ويعفو عن نيّة السوء بفضله وكرمه، إلا في الحرم، فإن نيّة الأذى والظلم والعدوان فيه تستجلب غضب الله، لذلك قال في الآية الكريمة: {ومن يُرِدْ فيه بإلحادٍ بظلم نُذِقْه من عذاب أليم}، فرتّب العذابَ على إرادة الإلحاد بالظلم لا عليه نفسه، والإلحاد هو استحلال ما حرّم الله من الظلم والقتل في الحرم، وهو كل شر وإيذاء وترويع لأهله الآمنين.

قلت أخيراً: أما أنا فقد اقتنعت، لكنْ هل أنت مضطر إلى إعلان رأيك على الناس؟ ألا يكفي أن تعرف الصواب ثم تسكت عنه؟ قال: لو سكتُّ أثمت، لأن الواجب على العالم ليس أن يَعلم فحسب، بل أن يُعْلم الناس بما علم. لو أني لم أبيّن ما أعلمه وأعتقده لكنت شيطاناً أخرس، وأنا لا أرضى أن أكون شيطاناً ناطقاً فضلاً عن أن أكون شيطاناً أخرس (كان ذلك من أهم المبادئ التي ثبت عليها علي الطنطاوي عمرَه كله، وقد تكرر هذا المعنى في أحاديثه وكتاباته ما لا يُحصى من المرات، عليه رحمة الله).

*   *   *

ربما أحبّ بعض القراء أن يعرفوا ما قاله في المحاضرة، ولئن كتبت حواري معه من الذاكرة (والذاكرة قد تبلَى مع الأيام) فإنني سأنقل كلامه عن مرتكبي جريمة الحرم بنصّه من الشريط الذي بقي عندي منذ ذلك اليوم، لكيلا أقوّله ما لم يقل أو أغيّر صفة وصف بها القوم.

بدأ المحاضرة باعتذار عن التأخير قائلاً: هؤلاء المجرمون الذين عملوا فتنة الحرم هم سبب تأخيري عنكم، فقد تسببوا في نصب حواجز وحراسات على الطرق التي بقيت دهراً آمنةً بلا حواجز ولا حراسات.

ثم قال: إنهم مجرمون في نظر الشرع لأنهم أراقوا الدم الحرام في البيت الحرام في البلد الحرام في الشهر الحرام، ليس في المسلمين اثنان يختلفان على أن ما قاموا به جريمة، مهما كان الدافع الذي دفعهم إلى الفعل الذي فعلوه. ربما أرادوا الخير، أنا لا أعرفهم ولا أعرف دوافعهم، لكنني أحكم على الفعل نفسه، وهو جريمة فظيعة ما كان يخطر في البال أن تقع، ولم يقع مثلها منذ أكثر من ألف سنة، من يوم احتلّ القرامطةُ الحرمَ وذبحوا الناس في المطاف. إن إزهاق النفس البشرية من غير وجه مشروع من الكبائر، بل إن إزهاق نفس مسلمة واحدة أكبرُ من هدم الكعبة كما بَيّنَ النبي صلى الله عليه وسلم لمّا تكلم عن حرمة الكعبة، لأن الكعبة لو هُدِمت تُبنَى، وقد هُدمت وبُنِيَت مرات، أما الروح التي تُزهَق فلا يقدر على إرجاعها إلاّ الله.

*   *   *

وبعد، لقد صرّح علي الطنطاوي بما اعتقدَه حقاً وإنْ خالف هوى بعض الناس، وأجزم أنه لو عاش إلى اليوم ورأى ما يصنعه الغلاة في سوريا باسم الجهاد لكان من أشدّ المنكرين عليهم وعلى جرائمهم، ولكان بيانُه فيهم أجلى وأقسى من كل ما كتبته أنا وكتبه غيري إلى اليوم.

إنّ الرجل الذي دعا قَتَلة المسلمين في الحرم “مجرمين” لن يتردد في استخدام الاسم نفسه لوصف من يعتدون في سوريا على الفصائل ويقاتلون المسلمين؛ لم تضلّله لحى القوم الأوّلين وشعاراتهم الإسلامية ولن تخدعه لحى الآخرين وشعاراتهم الإسلامية، وكما سمّى البغيَ الأول جريمة سوف يسمّي بهذه التسمية كلَّ بغيٍ جديد وكل عدوان.

على أنني ما كنت لأغيّر ما أنا عليه ولا كنت لأسكت عن جرائم الغلاة وأترك ذمّ الغلو ولو مدحه علي الطنطاوي (وما كان ليفعل) فإنّ أعظم ما تعلمته منه هو أن أحاكم الأمور بعقل مستقل وأن أزن الأفعال بميزان الشرع وأن لا أخاف إلا الله، فما عرفته حقاً قلته وما عرفته صواباً صنعته، لا أهاب الناس في الأولى ولا أجاملهم في الثانية، ولا أكون إمّعة أساير الناس في الخطأ كما أسايرهم في الصواب. وهو كان كذلك حياتَه كلها وعلى هذا الموقف لقي الله، عليه رحمة الله.

 

نُشِرت في في الدعوة والإصلاح | الوسوم: , , , , , , , , , , | أضف تعليق

كلمة عن جمال عبد الناصر

كلمة عن جمال عبد الناصر

مجاهد مأمون ديرانية

قرأت قبل يومين منشوراً غريباً تمنّى كاتبُه أن تُرزَق سوريا بمثل جمال عبد الناصر، لينقذها من الفساد والاستبداد كما أنقذ عبدُ الناصر مصرَ من فساد فاروق واستبداده.

فقلت في نفسي: سبحان الله! أهكذا يزوَّر التاريخ وما يزال شهودُه أحياء؟ لو شاء الكاتب أن يمدح عبد الناصر فقال إنه لم يبلغ الدرك الأسفل في الفساد المالي والأخلاقي الذي بلغه غيرُه من الرؤساء لسكتنا، أمّا أن يصفه بمنقذ مصر من الاستبداد فلا، إنّ هذا كثير، فالرجل لم يكن طاغية مستبداً فحسب، بل يصح أن نقول إنه “عميد الطغاة العرب”، وإنه كبيرهم الذي علمهم السحر وتقدّمهم في طريق الطغيان والاستبداد.

*   *   *

لعل أحداً لم يُنصف عبد الناصر أكثر من الأستاذ أحمد أبو الفتح في كتابه الكبير الذي كتبه عنه بعنوان “جمال عبد الناصر”. باختصار: الرجل كان نظيفاً من الناحية المالية والأخلاقية، فلم يُعرَف عنه فساد أو سرقات كالتي رأيناها في أكثر الطغاة قبلَه وبعده، وباستثناء ذلك كان طاغية من أسوأ الطغاة. وما فائدة أن لا تكون للرئيس مغامرات نسائية ولا يعاقر المسكر ولا يسكن القصور إذا كان يحارب الدين ويغتال الكرامة ويحاصر الحرية ويعتقل ويعذب ويقتل مئات الآلاف من الأبرياء ويحبس الشعب كله في سجن كبير؟

لقد أراد عبد الناصر شيئاً واحداً وحصل عليه: “النفوذ المطلق”. أو بكلماته التي نقلها عنه صديقه الذي بطش به بعد ذلك، حسن العشماوي، كما رواها في كتابه “الأيام الحاسمة وحصادها”، قال جمال: “أريد أن يكون على مكتبي زرّان، أضغط على أحدهما فيقوم الشعب كله، وأضغط على الآخر فيجلس الشعب كله. لا أريد في مصر عُصاة”.

أراد عبد الناصر السلطان المطلق، وفي سبيله كذب وعذّب واعتقل وقتل ونفى وغدر بأقرب الناس إليه، فلم يَسْلم منه أصحابُه في مجلس الثورة ولا الرئيس محمد نجيب ولا الأحزاب ولا الشيوعيون ولا الإخوان… كل مَن وقف في طريقه راح بين قتيل ومغيَّب وراء القضبان. وقد صَحّتْ فيه كلمة أنور السادات لخالد محيي الدين بعد الانقلاب (الذي يسمونه ثورة يوليو، وهو في الحقيقة انقلابٌ عسكري كامل الأركان) قال له: عبد الناصر سيأكل الكل، ولن ينجو إلا الذي “سيَلْبد بين سنانه”. وصيّة فهمهما السادات وطبقها بدهاء، فبقي هو وحده، وذهب أصحابُه جميعاً فلم يبقَ منهم أحد.

*   *   *

ثم يقول كاتب المقالة إن عبد الناصر أنقذ مصر من الباشوات ومن العسكري أبي سوط! أحقاً فعل؟ إمّا أنّ مَن كتب هذه المقالة لم يقرأ صفحة من تاريخ مصر الحديث أو أنه مغرم برواية الخرافات.

مَن أراد أن يعرف ماذا صنع عبد الناصر بالباشوات وبالعسكري أبي السوط فليقرأ كتاب المؤرخ المصري الكبير الدكتور حسين مؤنس، “باشوات وسوبر باشوات”، وسوف يرى كيف ذهبت طبقة الباشوات القديمة لتأتي طبقة باشوات جديدة من جماعة الثورة، كانت أسوأ من القديمة بألف مرة. أمّا العسكري أبو السوط فحل محلّه باستيل مصر، السجن الحربي، وليمان طرة وأبو زعبل وغيرها من الباستيلات التي غاب فيها خيرُ رجال مصر كما غاب في باستيلات سوريا خير رجال سوريا… نوع واحد من الضحايا ونوع واحد من الطغاة.

باختصار: قد تكون فترة حكم عبد الناصر في مصر هي أسوأ ما مَرّ عليها في خمسة قرون بلا مبالغة، فكيف جاز أن يصنَّف بطلاً بعد ذلك كله؟ أمَا إن هذا من أعاجيب وألغاز الزمان!

 

 

نُشِرت في في الدعوة والإصلاح, مصر وثورة مصر | الوسوم: , , , , , , , , | أضف تعليق