هل نكفّر الدواعش؟

توضيح وبيان: هل نكفّر الدواعش؟

 

مجاهد ديرانية

 

اضطررت إلى حذف منشوري الأخير (هل الدواعش مسلمون؟) لأنني لم أوفَّق في كتابته، فقد دلَّتْني ردودٌ وتعليقاتٌ كثيرة على أن قراء كثيرين فهموا منه أنني أكفّر الدواعش! وهذا فهمٌ بعيد لم أُرِدْه ومعنى غريب لا يُعقَل أن أقصده، فهو يخالف فهمي للدين ويناقض منهجي في التفكير، وكل من يقرأ لي منذ سنوات يدرك بداهةً أنني أبعد الناس عن التكفير.

 

لقد كتبت عن داعش عشرات المقالات فوصفتها بكل النعوت السيئة التي تليق بها، من إجرام وإفساد وكذب وغدر وخيانة وتشويه للإسلام وإيذاء للمسلمين، ولكني لم أكفّر الدواعش قَطّ. وما كنت لأوافقهم في هذه اللعبة الخطيرة أو أسمح لهم بجَرّي إليها، التكفير والرد على التكفير بالتكفير، فما أسوأها من لعبة وما أخطرَه من منهج!

 

بل إن ما أردته بمقالتي السابقة هو العكس تماماً؛ هو تنفيرهم وتنفير عامة المسلمين من المجازفة بالتكفير والحكم بالرّدة على جماعات المسلمين، لذلك حرصت على تصوير الأمر بهذه الصورة، قلت لهم: إنكم عندما تحكمون على جماعات المجاهدين بأنهم على دين غير دينكم وتستبيحون -بناء على هذا الحكم- دماءهم وأموالهم فإنكم تُخرجون أنفسكم من الإسلام وأنتم لا تشعرون، لأننا نشهد لعامة المجاهدين بالإسلام، فبماذا سنشهد لكم عندما تقولون: لنا دين ولهم دين؟

 

هذا ما أردته فحسب، التنفير من التكفير والتحذير من الاجتراء عليه. فأرجو أن لا ينقل عني أحدٌ في أي يوم من الأيام أنني أوزع أحكام الكفر والإيمان على الناس، بل إنني أبعدُ الناس عن هذا المنهج، بل إنني من أعدى أعدائه، وعندي أن عدم تكفير آلافٍ يستحقون التكفير أهونُ من تكفير فردٍ واحد لا يستحقه.

 

هذا هو ديني الذي أدين به الله وأعلنه على رؤوس الناس ولو رماني من يشاء بالإرجاء، وفي هذا المعنى الجليل يقول حجّة الإسلام الإمام الغزالي في كتاب “الاقتصاد في الاعتقاد”: “ينبغي الاحتراز من التكفير ما وجد الإنسان إلى ذلك سبيلاً، فإن استباحة الدماء والأموال من المصلّين إلى القبلة المصرّحين بقول “لا إله إلا الله محمد رسول الله” خطأ، والخطأ في ترك ألف كافر في الحياة أهون من الخطأ في سفك مِحْجَمة من دم مسلم”.

 

وهذا كله لا علاقة له بقتال الدواعش، فإننا لا نحتاج إلى الخوض في مَخاضة التكفير المُخيفة لنتوصّل إلى فتوى بدفع بغيهم وشرّهم وإفسادهم وعدوانهم، فإن قتالهم من هذا الباب من أوجب الواجبات، قتال البغاة الأشرار والمعتدين والمفسدين.

 

Posted in داعشيات | أضف تعليقاً

سقوط تدمر: كارثة ثورية وفتنة داعشية

سقوط تدمر: كارثة ثورية وفتنة داعشية

 

مجاهد ديرانية

أوصي إخواني الكرام من أهل الشام بعدم قراءة هذه المقالة القصيرة، فإني أضنّ بأوقاتهم الثمينة أن يضيّعوها فيما هو معلوم عندهم من الثورة بالضرورة، وإنما كتبتها لغير السوريين الذين لم يعرفوا حقيقة داعش إلى اليوم، الذين ما يزالون يَقومون من فتنة من فِتَن داعش ليسقطوا في أخرى، فهي عندهم دولة الإسلام التي لا ريب في صدقها وإخلاصها إذا ضربها التحالف الصليبي، وهي كذلك إذا قاتلت الأحزاب الكردية، وإذا استخلصت من النظام معسكراً أو حقلاً نفطياً أو بلدة أو مطاراً من المطارت.

 

ولن يعتصم المسلمون من السقوط في هذه الفِتَن جميعاً إلا إذا أعادوا معايرة النظارات التي ينظرون بها إلى داعش، ليروها على حقيقتها: تنظيماً غادراً مهمته نقض الإسلام وإذلال المسلمين، لا جماعةً تعمل لنصرة المسلمين ورفع راية الإسلام.

 

*   *   *

 

أيها المسلمون الذين لا تعلمون: اسمعوا واعرفوا حقيقة داعش من أهل الشام، فقد تعبنا من جهلكم بها ومن إصراركم على تجاهل جرائمها في حق أهل الشام. كفاكم غفلة؛ آن لكم أن تعلموا أن داعش عدو للمسلمين كالنظام النصيري سواء بسواء، وأن ما أصاب مجاهدي الشام من بلاء بسببها لا تكفي لبيانه المجلداتُ الطوال.

 

اعلموا أن نصر داعش المزعوم في تدمر ليس سوى خنجر لطعن الثورة وضرب المجاهدين، وأن داعش ما حققت نصراً إلا كان أهل الشام ومجاهدو الشام أكبرَ ضحاياه، وأنها عدو لسوريا وأهلها ومجاهديها، وأنها رمح مسموم ما يزال يطعنها في الظهر مُنذ ولدت داعش ومنذ نبتت نبتتها الخبيثة في أرض الشام.

 

لا يستخنّفكم نصرٌ مزعوم على النظام في تدمر، بل انظروا إلى غدر داعش بالمجاهدين وحربها السافرة عليهم في القلمون وريف حمص وغوطة دمشق وفي حلب وحوران، وعُدّوا -لو استطعتم أن تعدّوا- ضحايا داعش الذين تنحرهم كل يوم بدعوى الردة، وهم من أهل القبلة ومن كرام المجاهدين.

 

*   *   *

 

يا أيها المسلمون: كفاكم غفلة، كفاكم تيهاً عن الحق وانتصاراً للباطل الخدّاع. لا تصفقوا لداعش ولا تنخدعوا بها كلما حققت إنجازاً على الأرض، فليس التصفيق لها والانخداع بها من صنع العقلاء العلماء الذين يعقلون ويعلمون.

 

أمَا إنكم لو علمتم ما نعلم لاستأجرتم النوّاحات كلما حققت داعش نصراً مزعوماً على النظام، لأنها لا يُسمح لها بتحقيق نصر على النظام إلا لتستخدمه في طعن المجاهدين وضرب الجهاد في أرض الشام.

 

أمَا والله لو أن داعش قبضت على بشار وأخرجت أباه من قبره فنفخت فيه الروح ثم وضعتهما في قفص وأوقدت فيهما النار ما آمنت بها ولا ازددت بها إلا كفراً. لعنة الله على داعش وعلى من اتخذ داعش إلهاً معبوداً من دون الله، لعنة الله على من ترك دين الإسلام الصافي والتحق بالديانة الداعشية المسخ، التي خدعوا بها مغفَّلي الأمة حتى يظنوا أنها هي دين الإسلام.

 

اللهمّ من أيّد الخوارج القَتَلة الذين يكفّرون مسلمي الشام وينحرون مجاهدي الشام فألحقه بهم في قعر الجحيم وامسخه مثلهم كلباً من كلاب النار.

 

Posted in خواطر ومشاعر | أضف تعليقاً

من معركة الإرادة إلى معركة الوعي

من معركة الإرادة إلى معركة الوعي

 

مجاهد ديرانية

هل تذكرون الشراسة الفظيعة التي قابل النظامُ بها المظاهرات المبكرةَ في سنة الثورة الأولى؟ لقد أراد أن يكسر إرادة الثوار ليقتل في قلوبهم الرغبةَ في الثورة وليقنعهم بأنّ ثمنَ الحرية أعظمُ ممّا يستطيعون دفعه، فبطش البطشة الكبرى وظن أنها القاضية، ولكن الثوار صبروا وصمدوا، ونجحت الثورة في الامتحان.

 

ثم حمل الثوارُ السلاحَ لمّا لم يجدوا سبيلاً غيره لرد العدوان ووقف الطغيان، ولإنقاذ الكرامة المسفوحة وانتزاع الحق المهدور. وكانوا قلّة لا يملكون من السلاح إلا القليل، فساق النظام إليهم الجيشَ العرمرم وقاتلهم بالطيارات والدبابات والمدافع والصواريخ. أطلق عليهم الحملة الكبرى وظن أنها القاضية، ولكن الثوار صبروا وصمدوا، ونجحت الثورة في الامتحان.

 

هذا ما كان بتوفيق من الله وفضل منه: نجحت الثورة في اجتياز الامتحانات الثقيلة الطويلة، امتحانات الصبر والإرادة والثبات، حتى وصلت اليومَ إلى الامتحان الكبير العسير، امتحان الوعي والحكمة والتفكير والتدبير.

 

*   *   *

 

عندما كانت المعركةُ معركةَ بندقية ومدفع كنا بحاجة إلى الشجاعة والثبات، وكان لدى مجاهدينا الكثير منهما بفضل الله، فعجز العدو عن كسرنا وفشل في حسم المعركة، على كثرة ما مُنِحَه من فرص وما قُدِّم له من عون ودعم وتأييد. ويئس العالم الذي طالما تمنى أن تنتهي ثورتنا المباركة بلا نصر، بل وسعى لتحقيق هذه الأمنية الشريرة بخبث ودهاء، يئس من قدرة النظام على إنهاء الثورة بالحرب، فقرر أن يتدخل أخيراً لإنهائها بالسياسة، فهو يأمُل أن يحقق في أروقة المؤتمرات وعلى طاولات المفاوضات ما عجز النظام عن تحقيقه في ميادين الحرب وساحات النزال.

 

إن المعارك التي تجري على الأرض في هذه الأيام ليست سوى الجزء الأسهل من الحرب التي فُرضت علينا، أما الجزء الأصعب والأخطر فهو الذي يُطبَخ في المبادرات والمشروعات والمؤتمرات الدولية. لقد كنا بحاجة إلى الإرادة والشجاعة والصبر والثبات لنعبر المراحل السابقة العصيبة كلها، ونحن اليوم بحاجة إلى الكثير من الحكمة والوعي لنعبر هذه المرحلة الأخيرة الخطيرة المتبقية من الطريق.

 

وإنا لمطمئنون بحمد الله، فكما امتلك ثوارنا على الدوام الإرادة والشجاعة فنجحت الثورة في الامتحان، فكذلك هم يملكون اليوم الوعيَ والحكمة وبُعد النظر. فلا بد أن تنجح الثورة في هذا الامتحان الجديد، بإذن الله وبالاعتماد عليه أولاً، ثم بالاجتهاد في التخطيط والتفكير والتدبير.

 

*   *   *

 

كان الصف المرصوص فاتحةَ النصر العسكري على الأرض، وهو كذلك في عالم السياسة: لن تنجح الثورة ولن تنتصر إلا بصفّ سياسي مرصوص، وها قد رأينا أولى ثمرات هذا التراصّ المبارك في الموقف الحازم العاقل الذي وقفته الفصائل من لقاءات جنيف التشاورية الخائبة. فما على فصائل المجاهدين إلا الاستمساك بالجماعة، ومن شَذّ فهو خائن للثورة، وهو غَنَمة قاصية ستأكلها الذئاب.

 

يا أيها المجاهدون الكرام: لا انتصار لثورتنا إلا باجتماع الكلمة في المعركة العسكرية واجتماعها في المعركة السياسية، وإذا كان تفرق الفصائل على الأرض قد طوّل طريق التحرير فإن تفرّقها في أروقة السياسة سيضيع الثورة كلها لا قدّر الله. الثورة أمانة في أعناقكم، لا تضيعوها بالفُرقة واحفظوها بالوحدة السياسية يحفظكم الله.

 

Posted in رسائل الثورة | Tagged , , | تعليق واحد

الثورة إلى خير

الثورة إلى خير

بشائر وانطباعات يحملها رجلٌ عادَ من سفر طويل

مجاهد ديرانية

الثورة إلى خير:

لأن الإرادة لم تنكسر رغم ضراوة المعركة، والهمّة لم تضعف رغم طول الطريق، والوعي يرتقي في كل يوم جديد، فالمحصلة لا تنقص بل تزيد.

الثورة إلى خير:

لأن آلافاً وآلافاً من الأخيار الصادقين المخلصين يعملون بصمت بعيداً عن الضوء، وما كان لله فهو أبقى، ولا يحبط الله عمل المؤمنين.

الثورة إلى خير:

لأن الصالحين المصلحين في الثورة أكثر من الفاسدين والمخطئين، ولأن الثورة تراجع مسارها وتصحح أخطاءها وتطور أداءها على الدوام.

الثورة إلى خير:

لأن منهج الدين السويّ الرشيد غلب مناهج الغلوّ الفاسدة، ولأن عقل الثورة الواعي السديد كشف فكر الضلالة ونبذَ الغلاة والمغامرين.

الثورة إلى خير:

لأن أهل السلاح والفكر والعلم الشرعي أدركوا خطورة المرحلة، وهم يستعدون لمعركة سياسية علموا أنها أخطر وأصعب من المعركة العسكرية.

الثورة إلى خير:

لأن المجاهدين أدركوا أخيراً أنهم يحملون مشروعاً كلياً لسوريا لا مشاريع جزئية لفصائل وجماعات، فرَصّوا الصفوف ورتبوا الأولويات.

الثورة إلى خير:

لأن الثوار أقسموا ألاّ يقف قطارُ الثورة إلا في محطة الانتصار: سقوط النظام كاملاً مع مؤسسته الأمنية التي هي أصل الشر والإجرام.

#الثورة_إلى_خير

Posted in خواطر ومشاعر | 2 تعليقات

المجاهدون والسياسة: الخاتمة

المجاهدون والسياسة: الأسئلة الكبرى
الخاتمة: عقلية الثورة وعقلية الدعوة

 

مجاهد ديرانية

 

ختاماً نصل إلى أهمّ أسباب الضعف السياسي الذي تعاني منه جماعات المجاهدين، لعل الله يعينها على معالجته إذا أرادت فعلاً أن تقوم بالدور الذي نرجوه لها ونعلّق عليه الآمال.

 

إن أغلبية الجماعات الجهادية لا تزال تشارك في الثورة بعقلية الجماعة، أو ما أسمّيه “عقلية الدعوة”، وهي عقلية مناسبة لما قبلَ الثورة ولما بعدَها، ولكنها في زمن الثورات أقربُ إلى الضرر والإعاقة وتأخير الانتصار. أرجو أن ينتبه إخواننا المجاهدون إلى ما بين الدعوات والثورات من فروق لعلهم يعملون على تداركها، وأهمها ثلاثة.

 

الأول أن الدعوات لا تترخّص ولا تتنازل ولا تلين، فهي تدعو إلى الحق الكامل وتتشبث به وتدافع عنه ولو كان الثمنُ الموتَ والاعتقال والتنكيل. هذه التضحية الثقيلة التي تُطلَب من الدعوات لا تُطلَب من الثورات، لأن الثورة تقود الأمةَ بكبيرها وصغيرها وقويّها وضعيفها وعالِمها وعاميّها، فلا يسعها ولا يحق لها أن تَحمل الناس جميعاً على الشدة وتحمّلهم ما لا يطيقون. لذلك رأينا من النبي عليه الصلاة والسلام في الحديبية مرونةً لم نَرَ مثلها في حصار الشِّعْب، رغم أن حالة المسلمين في تلك الأيام كانت أكثرَ حرجاً ومشقةً من حالتهم يوم الحديبية بما لا يُقاس. إنه الفرق بين قرار “الدعوة” التي انضمّ إليها أوائلُ المسلمين مختارين، وقرار “الدولة” التي صارت مظلة عامة لسكان البلد جميعاً، والثورة مثل الدولة بهذا المقياس.

 

الفرق الثاني بين الدعوة والثورة هو أن الثورة تهدم والدعوة تبني؛ الثورة تنقض بنيان الظلم والاستبداد والفساد فتقيم الدعوةُ محلَّه بنيانَ الحق والعدل والصلاح. الثورة هدفها عام أما الدعوة فلها هدف خاص، فكل أعداء الاستبداد يشتركون في عدائه واستهدافه ويتعاونون على نقضه وإسقاطه، وبعد ذلك يختلفون في تصوّرهم للبديل الجديد، فيدعو كلٌّ منهم إلى مشروعه وتصوره بالكلمة والحكمة والموعظة الحسنة، وكلما أحسن استثمارَ هذه الأدوات كان أقربَ إلى التأثير والنجاح.

 

الثالث هو أن جماعات الدعوة اصطفائيةٌ انتقائية في عضويتها، فهي لا تضم إلا مَن وافقها على فكرتها واستعدّ لاحتمال ضريبة الثبات على المبدأ والصبر على تكاليفه العالية. أما فصائل الثورة فإن عملها هو الجهاد لتحرير البلاد من الاستعباد والاستبداد، ومن خصائص الجهاد أنه رابطة عامة تجمع المتديّنين وغيرَ المتدينين، بل إن شيخ الإسلام ابن تيميّة اعتبر ذلك أصلاً عاماً، فقال في الفتاوى: “من أصول أهل السنة والجماعة الغزو مع كل بَرّ وفاجر، فإن الله يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر وبأقوام لا خلاق لهم كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم”.

 

*   *   *

 

إننا بحاجة لاستحضار هذه المعاني في الثورة السورية اليوم، فقد أعاق الحرصُ على المناهج والأفكار والتحزبُ للفصائل والجماعات كلَّ جهود الوحدة والائتلاف حتى الآن، وتسبب في عجز بعض الجماعات عن استيعاب المتطوعين للجهاد لاختلاف المستوى وقلّة التديّن، فلم يخسر الجهادُ جنوداً فحسب، بل خسرت الدعوة فرصة تاريخية لنشرها بين الناس، لأن الحاضنة الجهادية تربّي كما تربي الحواضنُ العلمية والدعوية.

 

المشكلتان السابقتان نشأتا بسبب العجز عن إدراك ما بين الدعوات والثورات من فروق، والثالثة الأكبر والأخطر هي تحميل الثورة حملاً ثقيلاً لا طاقة لها بحمله، ممّا أعجزها عن الحركة والمناورة اللازمة للبقاء.

 

إن كثيرين في الجماعات الجهادية يرهقون الثورة عندما يطالبونها بما صنعه الإسلام في أول أمره، حينما تحدى العالمَ وحارب قُوى الكفر جميعاً لتثبيت أساسه ورفع بنيانه. وهذا صحيح، لأنه دين فإنه لا يستطيع أن يصنع غير ذلك، فإما أن يظهر وينتصر ويبقى، وهو ما كان، أو يُهزَم وينحسر ويموت كما حصل في دعوات أكثر الانبياء السابقين. أما الدول الإسلامية التي حملت هذا الدينَ من بعد فقد ناورت وحالفت وحاربت وصالحت، ومرّت بقوةٍ أعانتها على تحقيق الأفضل وبضعفٍ ألجأها إلى التنازل والرضا بالمفضول.

 

إن الدول جزء من واقع دولي معقد لا تملك إلا أن تخضع له جزئياً وتعيش معه ثم تحاول -إذا امتلكت القوةَ الكافية- أن تغيّر قواعده من داخله، أما التغيير من الخارج فلا يكون إلا بحروب هائلة بحجم الحربين الكونيتين الأولى والثانية، وليس هذا في طاقة أقوى الدول وكُبراها فضلاً عن أضعفها وصُغراها.

 

إن أي ثورة -مهما بلغت من القوة- تبقى أضعفَ من أضعف الدول وأقلها شأناً، فلا قدرةَ لها على تحدّي النظام الدولي الراسخ ولا مصادمته بالقوة الخشنة، بل هي مضطرة إلى استعمال “القوة الناعمة” لتحقيق مصالحها وبلوغ غاياتها بالذكاء والدهاء والمرونة والحكمة والحنكة السياسية، ومن ذلك توسيع مساحة المصالح المشترَكة مع القُوى الحليفة والمحايدة، واستغلال التناقضات بين القوى المتنافسة، وتحييد من يمكن تحييده من الخصوم، والتعامل مع القوى الدولية بحكمة ومرونة تتيح تحقيق أكبر قدر من المصالح ودفع أكبر قدر من المضارّ.

 

*   *   *

 

إن القوى الإقليمية والدولية المعنية بملف الثورة السورية لا تهمها كثيراً (ولا قليلاً) معاناةُ أهل سوريا طالما حفظ النظامُ الذي يحكمها مصالحَ تلك القوى ولم يشكل لها أي إزعاج. وحيث إن نظام الأسد حقق هذه الشروط فقد عاش آمناً في كنف تلك القوى منذ أربعة وأربعين عاماً، ولم يضطر النظام الدولي للتدخل إلا مرة واحدة خرج فيها نظام الأسد الابن عن النص (لقلّة خبرته في أول عهده) فأدّبوه بالمحكمة الدولية حتى عاد ذليلاً مستسلماً إلى بيت الطاعة.

 

لقد برهن نظام الأسد على الدوام أنه قادر على تحقيق مصالح القوى الدولية وأنه لا يشكل أي تهديد حقيقي لها، وحينما نسعى لإسقاط هذا النظام ووراثته فإننا نواجه خيارين علينا أن نختار أحدَهما: إما أن نحارب النظام الدولي الذي توافقت عليه القُوى الكبرى في العالم واستقرّ بصورته الحالية مع نهاية الحرب العالمية الثانية، فإذا حاربناه وغلبناه استطعنا أن نفرض عليه الواقعَ الجديد الذي نريد، أو نعترف بأننا نعيش في زمن الاستضعاف الذي يَحلّ لنا فيه ما لا يحل في زمن القوة. اسمحوا لي هنا أن أعيد التذكير بفتوى أبي حفص الموريتاني مفتي القاعدة السابق: “إذا كان الإسلام يجيز للفرد أن يأكل ميتة اللحم ليحافظ على حياته عند الاضطرار فإنه يجيز للجماعة أن تأكل الميتة السياسية عند الاضطرار لتحافظ على نفسها”.

 

إذا كان الخيار الثاني هو الأكثر واقعيةً فإنه يعني أن على الثورة التي تريد إسقاط النظام أن تُقنع دولَ الإقليم بأنها بديل مناسب، وأن تقنع المجتمع الدولي بأنها خيار آمن قادر على توفير الحد الأدنى من مصالحه في سوريا. ما هذا الحد الأدنى؟ إنه القَدْر الذي ليست فيه خيانة للأمة ولا تضييع للدين ولا تجاوز لخط الثورة الأحمر، ولكي نحقق تلك المهمةَ الصعبةَ فإننا بحاجة إلى كثير من المرونة وكثير من “البراغماتية” المنضبطة بالضوابط الشرعية (في أوسع اختياراتها وليس في أضيقها).

 

أعترفُ مقدماً بأن تحقيق هذه المعادلة المعقدة أمر عسير، ولكني لا أراه مستحيلاً، وقد لا يقدر عليه كثيرون (وأنا منهم)، ولكنْ لا بد أن يوجد في أحرار سوريا ومجاهديها من يَجمع بين التقوى والأمانة والنباهة والعلم الشرعي والواقعية السياسية والحرص على البلاد والعباد، فعسى أن يوكَل إليهم تنفيذ هذه المهمة العسيرة. إنها المهمة الصعبة التي ستكلل بالنجاح -إن شاء الله- ثورةً قدّمت تضحيات لن ينساها التاريخ.

 

 

Posted in رسائل الثورة | Tagged , , , , | تعليق واحد

المجاهدون والسياسة: الأسئلة الكبرى (8)

المجاهدون والسياسة: الأسئلة الكبرى

 

(8)

هل يشارك المجاهدون في الحل السياسي؟

 

مجاهد ديرانية

ليس بعد. سوف نضطر في آخر الأمر إلى المشاركة في المسار السياسي، لأن الحل النهائي سيخرج من أروقة السياسة ولن يتحقق في ميادين القتال. من أجل ذلك ينبغي على المجاهدين أن يؤسسوا هيئة سياسية قوية لكي يكملوا طريقَ التحرير الصعب الذي بدؤوه (وقد اقترحَت مقالةٌ سابقة أن تكون هي نفسها الهيئة السياسية لمجلس قيادة الثورة)، ولكن علينا أن لا ننسى قاعدة القواعد في هذه المسألة المصيرية:

 

إن الحرب هي التي تقرر نتيجة المفاوضات السياسية، فهي إما أن تصنع ظروف النصر أو تصنع ظروف الهزيمة. إن المشاركة في المسار السياسي قبل امتلاك شروطه وأدواته انتحار، وأهم هذه الشروط ثلاثة: الأول مشروع سياسي واضح ناضج، والثاني جبهة موحدة عسكرياً وسياسياً قادرة على حمل المشروع والدفاع عنه، وقد ناقشت هذين الشرطين في الحلقات السابقة.

 

الشرط الثالث والأهم على الإطلاق هو القوة. لو اتحدت الأطراف الثورية كلها في كيان واحد وتوافقت على أعظم مشروع سياسي، ولكنها كانت ضعيفة عاجزة عن تحقيق أي إنجاز يُذكَر على الأرض، فلن تكون لها قيمة في أي مفاوضات وسوف يَفرض عليها الطرفُ القوي مشروعَه ورؤيته. إن الطرف الضعيف في أي مفاوضات سياسية مأكولٌ حتماً، ولا يكون المفاوض على الطاولة قوياً إلا إذا كان جزءاً من كيان عسكري قوي على الأرض، كيان يستطيع التأثير في الصراع وإعاقة مخططات الآخرين والصمود في المعركة.

 

*   *   *

 

لا بد من الاعتراف بأن صمود الثورة حتى اليوم غيّرَ قواعد اللعبة واضطَرّ القُوى الدوليةَ إلى إدخال المجاهدين طرفاً في المفاوضات النهائية لحل الصراع. لا بد من الإقرار بأن القوى الإقليمية والدولية حاولت لوقت طويل احتواءَ الثورة والسيطرةَ الكاملة عليها ولكنها فشلت في تحقيق هذا الهدف، وإن استطاعت في كثير من الأوقات التحكمَ في زخمها واندفاعها عندما ضيّقت الخناقَ على المجاهدين وحرمتهم من السلاح. حتى في أسوأ الأوقات استمر المجاهدون بالمعركة بقدرات ذاتية متواضعة وبما يحصلون عليه من غنائم في معارك التحرير، وهو قَدْرٌ كافٍ للصمود ولكنه لا يكفي لحسم المعركة.

 

لقد عجز المجاهدون عن حسم المعركة حتى الآن، هذا صحيح، إلا أنهم استطاعوا حرمان الخصم من هذا الإنجاز رغم أن كل الظروف الموضوعية كانت في خدمته: دعم مفتوح من حلفائه بغير حدود، وتضييق وحصار على المجاهدين، وكارثة إنسانية هي الأضخم في القرن الجديد، ومساعدة أخرى مجانية قدمها الثوار للنظام بتفرقهم وعجزهم عن تكوين تحالف حقيقي وهيئة أركان موحدة تدير المعركة على كامل التراب السوري.

 

سوف تستمر الثورة ما بقي الثوار قادرين على الصمود هم وحاضنتُهم الشعبية، وهذا الصمود مكلف ومنهك بالتأكيد، ولكنه يهون إذا ما قورن بكارثة بقاء الاحتلال الطائفي النصيري أو بقاء النظام الحالي أو جزء منه في الحكم. إذا اتفقنا أن هذا هو “خط الثورة الأحمر” (وأرجو أن نكون متفقين) فإن على الثورة أن لا تلقي السلاح قبل تحقيقه بالكامل، وأن تقاوم كل الضغوط الخارجية وتضع الخطط العملية التي تضمن الصمود والاستمرار.

 

*   *   *

 

الخلاصة: سوف يكون الحل النهائي في سوريا سياسياً بالتأكيد، على أن الخلاف بيننا وبين أعداء سوريا هو أنهم سيحاولون تمريره عن طريق معارضة مفصولة عن الجسم الثوري ومنحازة إليهم بشكل أو بآخر، ونحن نريده من داخل “المنظومة الثورية”. بأبسط تصوير: على طريقة “حماس” التي يقوم فيها العسكريون بعملهم في الداخل ثم يكمل السياسيون المهمة في الخارج.

 

سيزداد الضغط الدولي على المجاهدين للقبول بحل سياسي مُجحف، وسوف يكونون قادرين على مقاومة هذا الضغط إذا استطاعوا الصمود في الميدان. ولكن الصمود وحده لن يحسم الصراع لأنه لم يعد صراعاً محلياً كما رأينا في الحلقات الأولى؛ لقد صار صراعاً إقليمياً ودولياً أكثرُ مفاتيحه موجودةٌ خارجَ سوريا، لذلك يحتاج المجاهدون إلى جهاز سياسي ناضج، فإذا كان جهازاً قوياً محترفاً واستمدّ قوته التفاوضية من صمود المجاهدين في الميدان فإنه سيحقق الحد الأدنى من أهداف الثورة ويحميها من تجاوز خطها الأحمر بإذن الله.

 

إن المجاهدين ما يزالون غيرَ مهيئين للدخول في المسار السياسي، وأرجو أن لايستعجلوا الدخول -مهما تكن الضغوط- حتى يستوفوا الشروط الثلاثة الأساسية: المشروع السياسي، والكيان الموحد الحامل للمشروع، والوضع العسكري القوي الذي يستطيع أن يفرض شروطَه بالحد الأدنى. وبعد ذلك كله لا بد من فريق تفاوضي محترف تتحقق في كل أفراده صفة “القوي الأمين”.

 

Posted in رسائل الثورة | Tagged , , , , | أضف تعليقاً

المجاهدون والسياسة: الأسئلة الكبرى (7)

المجاهدون والسياسة: الأسئلة الكبرى

 

(7)

ما هو المشروع السياسيّ للثورة؟

 

مجاهد ديرانية

الجواب أكبر من حجم كاتب هذه السطور، فهو أمر جلل ينبغي على المكاتب السياسية للفصائل الكبرى أن تتصدر لتنفيذه، ولا أرى له أفضلَ من الهيئة السياسية لمجلس قيادة الثورة، الذي صار تفعيلُه ودخولُ كل الفصائل المهمة فيه واجبَ الوقت، فإن استثمار هذه المظلّة الجامعة التي بُذلت فيها جهودٌ هائلة وأوقاتٌ طويلة أفضل من البدء بأي محاولة جديدة، كما أن حالة الثورة اليوم لا تسمح بالمزيد من المغامرات.

 

لا أستطيع أن أقرر مشروع الثورة السياسي، ولكني أعلم أنه يجب أن يحقق الحدَّ الأدنى من الأهداف التي قامت الثورة من أجلها، فلا أتوقع أن يسمَّى مشروعاً سياسياً ثورياً أيُّ مشروع يتجاوز “خط الثورة الأحمر”، فيقبل باستمرار سيطرة الطائفة النصيرية على مفاصل الحكم في سوريا، لا سيما الجيش والأمن، أو باشتراك أي جزء من النظام المجرم، صغيراً كان أو كبيراً، في أي مرحلة سياسية قادمة، انتقاليةً كانت أو نهائية.

 

وأعلمُ أيضاً أن المشروع السياسي قابلٌ للتجزئة والتنفيذ على مراحل، فيمكن أن يُقتصَر منه في مرحلة الثورة المسلّحة على ما لا يمكن تداركُه بعدَها، ويمكن أن نقبل فيه بانتصارات وإنجازات جزئية على أمل استكمالها في مراحل لاحقة بعد سقوط النظام، بخلاف المشروع العسكري الذي لا يحتمل إلا نتيجة واحدة: نصراً كاملاً (نسأل الله أن يكرمنا به) أو هزيمة كاملة (أبعدَها الله).

 

وأعلمُ أيضاً أن مشروعنا السياسي الثوري ينبغي أن يكون عملياً قابلاً للتحقيق في عالم الواقع، فالمشروعات تختلف عن الأحلام والآمال التي نَبنيها في عالم الخيال. لكل واحد من الناس أحلام يحلّق معها في خياله، ولكنْ كم منها يتحقق في العالم الواقعي؟ في حياة الأفراد وفي حياة الأمم توجد دائماً فجوات بين الممكن والمأمول، وعندما يرفع المرءُ سقفَ أحلامه عالياً فإنه قد يُصاب بالإحباط ويفشل في تحقيق القدر الأدنى من تلك الأحلام. ولا يكاد يوجد فرق بين الأمم والأفراد في هذا الباب.

 

*   *   *

 

كما أعلمُ أخيراً أن المشروع السياسي الجيد ينبغي أن يُصاغ بمفردات يفهمها المجتمع الدولي، وأن يقدم إجابات صريحة واضحة عن جملة من المسائل الشائكة، كالمواطنة والأقليات الدينية والعرقية، والعلاقة مع الدول المختلفة والاتفاقيات الدولية، والديمقراطية والتعددية السياسية والحريات العامة.

 

إن الحديث العام المبهَم عن الشورى وعدالة الإسلام وتاريخه الناصع مع الأقليات الدينية لا يفيد، لأن العالم ينتظر منا إجابات صريحة واضحة. مثلاً: هل ستملك الثورةُ الجرأةَ على التصريح بأن الدستور لن يفرّق بين أهل سوريا بحسب دياناتهم ومذاهبهم وأجناسهم، وأن الجميع سيكونون متساوين في حق المواطنة الكاملة، باستثناء رئاسة الدولة التي ستكون من حق الأغلبية (وهو مبدأ مطّرد تنص عليه كثير من دساتير دول العالم)؟ هل ستعترف الثورة بحق السوريين في اختيار حكامهم وتُقرّ التعددية السياسية وتداول السلطة ضمن الأطر السلمية والأعراف السياسية ودون استخدام القوة لفرض أي رأي على الشعب؟

 

مهما كان موقف العالم سيّئاً من ثورتنا (وهو كذلك) فإنه يستطيع دائماً أن يكون أسوأ. حتى لو أردنا أن نتجاهل المجتمع الدولي (وهذه ليست نصيحة جيدة، رغم أننا لم نرَ منه خيراً يُذكَر) فإن المجتمع المحلي، وهو وعاء الثورة وحاملها الأكبر، يحتاج إلى التحام وطمأنة. فلماذا اندرسَتْ منذ زمن بعيد الصورةُ الزاهية لثورة شعبية عامة؟ وكيف انحسرت رايةُ الثورة التي مشى تحتها ذات يوم ثلاثةُ ملايين إنسان في كتلة بشرية واحدة غطت التراب السوري كله، انحسرت لصالح رايات لا تكاد تختلف في شكلها ولونها كثيراً عن رايات خوارج العصر الذين حوّلوا ثورة الشام إلى إرهاب دولي؟

 

*   *   *

 

إن الثورة لم تنتج بعدُ مشروعَها السياسي، ليس لأن المجاهدين الذين يقدّمون التضحيات الهائلة في الميدان عاجزون عن إنتاج هذا المشروع، فإن فيهم عقولاً كبيرة قادرة على إبداعه بالتأكيد، بل يغلب على الظن أنهم أخّروه لأنهم لم يدركوا حتى الآن قيمتَه ودورَه في “المعركة الكلّية” التي لا تقلّ فيها أهميةً قوةُ السياسة عن قوة السلاح. لقد بذل المجاهدون جهوداً هائلة في المشروع العسكري، وآن لهم أن يبذلوا بعض الجهد في المشروع السياسي لكيلا تضيع التضحيات ويقطف غيرُهم ثمرةَ الانتصارات.

 

Posted in رسائل الثورة | Tagged , , , , | أضف تعليقاً