فصائلنا ونهر الجنون

فصائلنا ونهر الجنون

مجاهد مأمون ديرانية

شرب أهل المدينة كلهم من نهر الجنون فلم يبقَ فيهم عاقل، ما عدا اثنين، الملك والوزير. سأل الملك وزيرَه: بماذا ينفعني عقلي الآن؟ قال الوزير: لا ينفعك بشيء، إنه يجعلك منبوذاً فحسب، لقد صرتَ مجنوناً في نظر الجميع. قال الملك: إذن فمن الجنون أن لا أختار الجنون.

 

هذا الحوار الغريب جزء من خاتمة مسرحية توفيق الحكيم الشهيرة “نهر الجنون”، وهو يذكّرنا بحال الفصائل السورية اليوم. فمنذ أن شقت التنظيماتُ القاعدية (داعش والنصرة) النهرَ في أرضنا بدأ وباء الجنون بالانتشار، الجنون الذي يبيح لإخوة السلاح التغلب على إخوة السلاح بقوة السلاح!

 

غرَفَت الفصائلُ من النهر وشربت، فصيلاً بعد فصيل، حتى جاء يومٌ نظر فيه مَن بقي من العقلاء بعضُهم إلى بعض وسألوا كما سأل الملك في المسرحية: بأي شيء تنفعنا عقولنا ونحن نعيش بين المجانين؟ ثم كرر قائلهم الجملةَ التي تلفظ بها الملك في الختام: عليّ بكأس من ماء النهر!

 

*   *   *

 

في كل يوم جديد يسأل أهل سوريا: مَن الفصيل الباغي اليوم ومَن الفصيل المغدور؟

 

هذه الفصائل صارت عاراً وعبئاً على الثورة، فقد ضيّعت البوصلةَ ونسيت الهدفَ الذي نشأت من أجله، وانحرف سلاحها من قتال العدو إلى قتال الأخ الشقيق. قد يحقق قادتُها بعض المكاسب في يومهم، لكنهم في غدٍ خاسرون، ثم أنّى لهم النجاةُ من غضب الله ومن لعنات الناس؟

 

كل مَن شرب مِن نهر الجنون فبغى على إخوانه واستحلّ الدم الحرام مجرم آثم، وأكبر الآثمين إثماً وأعظم المجرمين إجراماً هو الذي شق النهر في الأرض أول مرة. قسَماً لن ننسى، لن ننسى أنّ مَن جاء -بزعمه- لنصرتنا هو الذي شق في أرضنا نهر الجنون وهو مَن بذر في أرضنا بذرة الغلوّ والبغي والغدر والإجرام.

نُشِرت في عِبَر وفِكَر | الوسوم: , , , , , , | أضف تعليق

أطفئوا نار الغوطة قبل أن تأكلها النار

أطفئوا نار الغوطة قبل أن تأكلها النار

مجاهد مأمون ديرانية

إني أسمع قرع طبول الحرب في الغوطة وأشم ريح البارود، وأرى رجالاً يسعون بالفتنة والتحريش بين جيش الإسلام وفيلق الرحمن ليعيدوا مأساة السنة الماضية، أعشَتْهم العصبيةُ وأعماهم الهوى، فما عادوا يبالون بأن تتسعّر الحرب بين الفريقين وتغرق الغوطة بالدماء.

 

كفّوا عن النفخ في نار الفتنة يا أيها الحمقى، فأن أي قتال بين الطرفين جنونٌ وإجرام وانتحار لهما ونحرٌ لما بقي من غوطة دمشق، ولو حصل -لا سمح الله- فسوف تنتهي الغوطة المباركة ويُسدَل الستار سريعاً على الفصل الأخير من فصول صمودها الأسطوري وجهادها الطويل.

 

*   *   *

 

سيقول بعض المعاتبين: ما لك أيّدت بالأمس قتالاً وتنهى اليوم عن قتال؟ أليس أيُّ قتال بين فصائل الغوطة كأي قتال؟

 

لا، ليسا سواء، فإن أحدهما قتال مشروع والآخر اقتتال ممنوع. ليس هذا رأيي، بل هو رأي المجلس الإسلامي الذي صدّرت به مقالتي الماضية، وهو أيضاً رأي عشرات العُدول الذين أثق بدينهم وبعقلهم ووعيهم الكبير؛ هؤلاء جميعاً اطّلعت على رأيهم في إخراج جبهة النصرة من الغوطة (بمعنى استئصال الفصيل باسمه وتنظيمه وراياته ومقراته وقادته وأمنيّيه، وليس بمعنى استئصال أفراده الذين لا خلافَ في أن كثيرين منهم من المجاهدين الصادقين المغرَّرين)، اطلعتُ على آرائهم فوجدت أغلبَهم متفقين على ضرورة تطهير الغوطة من النصرة وعلى تصويب التوقيت، ورأى بعضُهم أن العمل صحيح غيرَ أن توقيته خطأ، وقلّةٌ منهم، قليلون جداً كان رأيهم أن الحملة لا ضرورةَ لها وأن ضررها أكبر من نفعها، لأن نصرة الغوطة ضعيفة قليلة العدد ولا يُتوقَّع أن تحاكي نصرة الشمال في البغي والعدوان.

 

هؤلاء الأخيرون قاسُوا أذى جبهة النصرة بحجمها ولم يدركوا أنها ستضيّع الغوطة ولو كانت ضعيفةً قليلةَ العدد، وهو أمر صنعته في حلب والقلمون والتل وقدسيّا وخان الشيح بغض النظر عن عددها وقوتها في تلك المناطق، بل إنها ما زالت ماضية -منذ ثلاث سنين- في طعن الثورة وإضعافها والبغي على الفصائل كلها، ولولا أنها صنعت ذلك كله وعادَتْنا لما عاديناها، ولو أنها وجّهت قوتها لقتال النظام وليس لقتال وتفكيك الفصائل الثورية لما أصدر المجلس الإسلامي فتواه الشجاعة بقتالها قتالَ تفكيك واستئصال.

 

*   *   *

 

أولئك الأفاضل الثقات اختلفوا في توقيت وضرورة قتال جبهة النصرة، لكنهم متفقون كلهم بلا استثناء على تحريم وتجريم أي اقتتال بين فيلق الرحمن وجيش الإسلام، وهم يرون جميعاً أن أي قتال بين الطرفين إنما هو شر مطلق وجنون ووأدٌ لثورة الغوطة وتضييعٌ لها من أقرب طريق.

 

إن الجيش والفيلق يتحملان المسؤولية الكبرى في حماية الغوطة، ولا ريب أن قوة أحدهما قوة للآخر وأنّ ضَعف أحدهما ضعف لصاحبه، فلو أن أحدهما بدأ بقتال الآخر فسوف يرتكب جريمة من أعظم الجرائم وأبشعها على الإطلاق، ولن يكون مجرماً بحق الآخر فحسب، بل هو أيضاً مجرم بحق نفسه وبحق الغوطة والثورة، ومجرمٌ أيضاً مَن حرّش بين الفريقين، ومجرمٌ مَن سعى لإسقاط أي منهما أو تخوينه بتهمة الارتباط بدولة أو داعم. وهل خلا أيٌّ من فصائل الثورة من الدعم والارتباط؟ لو فتحنا هذا الباب فلن ينجو فصيل من التخوين والاتهام والإسقاط.

 

*   *   *

 

إن الغوطة بكل ما فيها وكل من فيها سفينة واحدة، وما رأينا قَطّ سفينة نجا نصفُها وغرق نصفها أو غرق الربع ونجت ثلاثة الأرباع، فإما أن يعيش الجيش والفيلق بتفاهم وتعاون وينجو الاثنان، أو يوقد هذا النارَ من طرفه ويوقد ذاك النار، فتمتدّ النار وتلتهم الاثنين وتحرق الغوطةَ كلها بأهلها وفصائلها ومؤسساتها جميعاً لا قدّر الله.

 

يا قادة جيش الإسلام وفيلق الرحمن: إياكم أن تقعوا في خطيئة الاقتتال المجنون فتضيّعوا الغوطة وتخسروا الدنيا والآخرة. ويا أيها المجاهدون الصادقون في الفصيلين وفي فصائل الغوطة جميعاً: لا تطيعوا مخلوقاً في معصية الخالق، لا تحرفوا بنادقكم ولا توجهوها إلى إخوانكم مهما تكن المبررات، لا تتحركوا في عمليات داخلية واعتصموا بالرباط والقتال في الجبهات. إنْ فعلتم نجوتم ونجت الغوطة، وإن لم تفعلوا ضعتم وضاعت وصرتم وصارت ثورتُها خبراً من أخبار التاريخ.

نُشِرت في رسائل الثورة | الوسوم: , , , , , , , , , | أضف تعليق

تعليق على حوادث الغوطة

تعليق على حوادث الغوطة

مجاهد مأمون ديرانية

(1)

المسألة الأولى: الحكم على أصل الفعل، وهو سعي جيش الإسلام لتفكيك جبهة النصرة وإنهاء وجودها في الغوطة الشرقية، هل هو خطأ أم صواب؟

 

أما أنا فلا أشك أنه عمل صائب، بل إنه ضرورة ثورية وشرعية، وهذا هو الرأي الذي تبناه وأعلنه المجلسُ الإسلامي الذي يُعتبَر -بحق- الممثلَ الشرعي الأعلى للثورة، حينما قرر في بيانه الجريء (الذي نشره تعليقاً على بغي جبهة النصرة على فصائل الشمال قبل ثلاثة أشهر) أن النصرة “بغاة صائلون معتدون استحلوا الدماء والحرمات”، ودعا إلى “وجوب قتالهم وردهم عن بغيهم”، قائلاً إن “على جميع الفصائل الاجتماع على ذلك، فقتالهم شرعي مبرور، والإعراض عن قتالهم يُعَدّ نصرةً للظلم والظالمين وشراكةً للبغاة والمعتدين، ولا يوقَف قتالُهم إلا باستئصالهم أو توبتهم ورجوعهم عن بغيهم وإعلانهم حل أنفسهم”.

 

هذا هو رأي المجلس بنصّه، وليس لي ولا أمثالي زيادة عليه ولا مقالَ لنا بعده. ولا عبرة بقول من يقول إن نصرة الغوطة ليست كنصرة الشمال، فإن هذا الزعم هراء محض، ولو كان بين نصرة الغوطة وغيرها فرقٌ فهو أن نصرة الغوطة أقرب لداعش من بقية فروع النصرة، بل هي تنظيم داعشي مستتر يمثل قنبلة موقوتة من شأنها أن تنفجر ذات يوم فتدمر الغوطة كلها لا قدّر الله.

 

(2)

المسألة الثانية: توقيت العملية، هل هو خطأ أم صواب؟

 

لا جوابَ قطعياً عن هذا السؤال، فمَن عارض توقيت الحملة خشي من آثارها السلبية على الغوطة المحاصَرة، ومن أيده رأى أن بقاء النصرة في الغوطة هو أكبر السلبيات، وأن غوطةً بلا نصرة أبعدُ عن الخطر وأقدَرُ على الصمود. وهذا رأيي، فإنني صرت على يقين أن وجود النصرة في أي منطقة هو نقمة لا نعمة، وأنها لا تتمكن في ساحة إلا وتقودها إلى البوار والدمار، وما درس حلب القاسي عنا ببعيد.

 

(3)

المسألة الثالثة: توسع حملة جيش الإسلام وخروجها عن هدفها المرسوم.

 

تواترت الأخبار عن تجاوز العملية لهدفها المعلن في حالات كثيرة وعن تجاوزات خطيرة قام بها جيش الإسلام، كقنص المدنيين وإطلاق النار على المتظاهرين والاعتقالات العشوائية وملاحقة أقارب عناصر النصرة والتعرض لمقرات وعناصر فيلق الرحمن. لو حصل أي مما سبق سهواً فإنه خطأ كبير يستحق الاعتذار ومحاسبة الفاعلين، ولو حصل عمداً فإنه جريمة لا يجوز أن ينجو مرتكبوها من الحساب والعقاب.

 

إن حملة الجيش على النصرة تشبه عملية جراحية في بؤبؤ العين كما وصفها أخي الفاضل الشيخ حسن الدغيم، وإن من شأن أي خطأ في مثل هذه العملية أن يتسبّب في نتائج كارثية لا قدّر الله، لذلك أقول: لو كان ثمن تخليص الغوطة من النصرة هو ارتكاب مثل هذه الأخطاء والتجاوزات فالأَولى تركها وعدم دفع مفسدة بمفسدة قد تفوقها حجماً وخطراً بكثير.

 

(4)

المسألة الرابعة: تعاطف فيلق الرحمن مع النصرة ودفاعه عنها.

 

تواترت الأنباء عن مؤازرة فيلق الرحمن ودعمه لجبهة النصرة واحتضان قادتها وفلولها وتزويدها بالذخيرة والسلاح. وأنا أفهم السبب الذي يدفع الفيلق لمثل هذا الموقف ويدعوه إلى الحذر والتوجس من عملية جيش الإسلام، أفهمه ولكني لا أقبله، فمهما يكن السبب يبقى التحالف مع جبهة النصرة ودعمها ومدّها بأسباب القوة جريمة ثورية وأخلاقية. لقد تجلبَبَت النصرة بالظلم والبغي والغدر حتى صارت خصماً للشعب السوري وعدواً لثورته، فمن تحالف معها أو دافع عنها أو أمدّها بالسلاح والذخيرة فإنه شريك لها في الظلم والبغي والغدر والعدوان.

 

(5)

المسألة الخامسة: ماذا الآن؟

 

إذا كان دفاع الفيلق عن النصرة جريمة (وهو كذلك) فإن قتال الجيش للفيلق جريمة أكبر، لأنه سوف يدمّر القوتين معاً ويتسبب في سقوط الغوطة وضياعها إلى الأبد لا قدّر الله. كان الواجب على الجيش أن يقتصر على قتال النصرة ويتجنب فيلق الرحمن وبقية فصائل الغوطة وأن يحيّد المدنيين عن الصراع، وكان الواجب على الفيلق أن يُخْلص لغوطته ويساهم في تخليصها من جبهة النصرة، فإن أبى فليقف على الحياد ويترك الجيش ليكمل مهمته.

 

أمَا وقد حصل ما حصل وبدأت النار بالانتشار في الغوطة فلا سبيل سوى إطفائها قبل أن تحرق الجميع، وعليه فإنني أضمّ صوتي الضعيف إلى الأصوات التي سبقتني بمطالبة الجيش بإنهاء الحملة بعدما حققت أربعةَ أخماس أهدافها (كما قال الجيش في بيانه المنشور)، ومع وقف العمل العسكري يجب على الطرفين التوقف الفوري عن حرب الفتاوى والبيانات والصور والتسجيلات التي لا تُحِقّ حقاً ولا تُبطل باطلاً كما علّمتنا التجارب المؤلمة الماضية.

 

همسة الختام

 

الثورة تُباع اليوم في الأستانة، ولو مضت خطط الأعداء إلى غايتها فلن يبقى شيء نقتتل عليه، فوفّروا الذخيرة والسلاح ليوم آتٍ ستصبح فيه طلقة الرصاص التي تدافع عن النفس والعرض والأرض أهمَّ من الماء والهواء.

يا جيش الإسلام ويا فيلق الرحمن: كفّوا عن الاقتتال قبل فوات الأوان.

نُشِرت في رسائل الثورة | الوسوم: , , , , , , , | أضف تعليق

هل نريد دولة مدنية أم إسلامية؟

هل نريد دولة مدنية أم إسلامية؟

مجاهد مأمون ديرانية

أثار هذا السؤال جدلاً طويلاً في سوريا بدأ منذ عدة سنين ولمّا يَنْتَهِ إلى جواب حاسم. ولعل سبب اختلاف مناقشيه هو الالتباس الذي وقع أكثرهم فيه، فإنهم يتصورون أن إسلامية الدولة ومَدَنية الدولة خياران مختلفان لا بد من اختيار أحدهما، أي أنهما -بتعبير المَناطقة- ضدّان. والضدّان “لا يجتمعان، وقد يرتفعان”، أي أنهما قد ينعدمان فلا يوجدان أصلاً، لكنهما إنْ وُجِدا استحال وجودُهما معاً، كالبياض والسواد، فإن الشيء لا يكون أبيض وأسود في الوقت نفسه، لكنه يمكن أن يكون لا هذا ولا ذاك، فيكون أحمر أو أصفر أو غير ذلك من الألوان. وهذا غير النقيضين، فالنقيضان “لا يجتمعان ولا يرتفعان”، كالحق والباطل، فإما أن يكون الأمر حقاً أو باطلاً ولا يكون شيئاً ثالثاً بأي حال.

 

*   *   *

 

بدأت بهذه المقدمة لأقرر حقيقة مهمة جداً: إن إسلامية الدولة ومدنية الدولة ليستا ضدَّين (ولا هما نقيضان حتماً) لأن الدولة يمكن أن تكون “مدنية إسلامية”، فهما صفتان تجتمعان إن شئنا لهما الاجتماع. لماذا؟ لأننا عندما نتحدث عن “شكل الدولة” و”نظام الحكم” نتحدث عن أمرين مختلفين: وعاء ومحتوى. مثلاً الإسلام يحارب الخمر، لكنه لا يحارب القوارير، لأن القارورة “كيان محايد” يمكن أن نملأها خمراً أو عصيراً، أحدهما حلال والآخر حرام. وكذلك نقول: إن نظام الحكم الإسلامي أو النظام العلماني أو البعثي محتوى، أما الدولة المدنية فإنها وعاء، شكل من أشكال التنظيم وبناء الأجهزة وتحديد توصيفها الوظيفي وكيفية تشكيلها والعلاقات البينية التي تحكمها. إذن فإن مشكلة أعداء الدولة المدنية ليست في الدولة المدنية ذاتها، بل في نظام الحكم العلماني الذي يظنون -وهم واهمون- أنه نتيجة حتمية لازمة لها.

 

سأضرب مثالاً يوضح المسألة أكثر، نظراً لأهمية هذه النقطة التي هي جوهر الخلاف بين الفريقين: لو تقدم تاجر من التجّار إلى وزارة التجارة لتسجيل شركة فإنهم يسألونه عن نوع الشركة التي يريدها، فإن قال: أريد تسجيل شركة إسلامية، فإنهم يقولون: لا يوجد في تصنيف وتعريف الوزارة شركة بهذا الاسم. اختَرْ نوعاً معروفاً من أنواع الشركات (شركة محاصصة أو مضاربة أو شركة ذات مسؤولية محدودة) ثم اترك الاقتراض من البنوك بالربا وتجنّب الغش والاحتكار والاتّجار بالمحرمات، وأوفِ بالعقود وامنح موظفيك وعمالك ما يستحقون ولا تأكل رواتبهم ومستحقاتهم بالباطل، فإن فعلت ذلك كله صارت شركتك إسلامية، سواء أكانت شركةَ محاصصة أم مضاربة أم شركة ذات مسؤولية محدودة.

 

*   *   *

 

إن “الدولة المدنية” شكل من أشكال التنظيم والإدارة، إنها دولة المؤسسات والقوانين وفصل السلطات وتداولها بأسلوب منظم مقنّن، وهي بهذا الوصف لا أيديلوجيةَ لها ولا دينَ إلا ما يُضاف إليها، فيمكن أن يكون نظام الحكم إسلامياً فتصبح دولة مدنية إسلامية، أو علمانياً فتصبح دولة مدنية علمانية، أو اشتراكياً فتصبح دولة مدنية اشتراكية.

 

بالمقابل: يمكن تطبيق الحكم الإسلامي عبر أي شكل من أشكال الدول، فقد تكون الدولة الإسلامية مدنية (وهو أقرب وصف لشكل الدولة الراشدية، ولا سيما في العهد العُمَري) أو أوتوقراطية وراثية (كما كان الحال في الدولتين الأموية والعباسية وفي أكثر الدول الإسلامية عبر التاريخ) أو أوتوقراطية شبه وراثية (كدولتَي الأيوبيين والسلاجقة) أو ثيوقراطية (كدولتَي الموحدين والعبيديين الفاطميين)، وقد تكون أقرب إلى الدولة العسكرية (كما كانت دولة المماليك)، إلى غير ذلك من النماذج والأشكال.

 

*   *   *

 

إذا عرفنا ما سبق لن نضيّع الوقت في الجدال ولن نشتت قُوانا في نزاعات عبثية. لن نستمر في التنازع على شكل الدولة ونوعها ونحن نظنّ أننا نختلف على دينها وهويتها. سوف نحرص على إسلامية سوريا كما نحرص على عربيتها، فالإسلام والعربية هما هويتنا الدينية واللغوية، ولكننا سنحرص أيضاً على “مدنية” الدولة المنشودة، سنحرص على أن تكون سوريا الغد هي دولة قانون ومؤسسات، دولة تفصل بين السلطات وتكرّس تداول السلطة والرقابة على الحكام، دولة تمنع الظلم والفساد والاستبداد، لأن دولة هذه صفتها تحقق هدف الثورة وتوافق أحلام السوريين في الحرية والكرامة والاستقلال.

نُشِرت في في الدعوة والإصلاح | الوسوم: , , , , , , | أضف تعليق

جبهة النصرة بين المَغارم والمغانم

جبهة النصرة بين المَغارم والمغانم

مجاهد مأمون ديرانية

قال محدّثي: لقد خسرت هيئة فتح الشام المناطق التي حررتها في حماة. قلت: وما الغريب؟ هل كنتَ تتوقع غير ذلك؟ ومن أين يأتيك التفاؤل وسجلّ جبهة النصرة مليء بالإخفاقات والمغامرات الفاشلة؟

 

قال: كيف تقول هذا عن أقوى وأهم فصيل في الثورة؟ قلت: أدرك نفسك يا صاحبي، لقد خدعوك كما خدعوا غيرك كثيرين. إنه أسلوب غوبلز المشهور: اكذب ثم اكذب حتى يصدقك الناس! نعم، ما زالوا يروّجون هذا الوهم الكاذب (أكبر وأقوى فصيل في الثورة) حتى صدّقوا أنفسهم وصدقهم كثيرون. ولولا طائفة من “المستقلين” الذين ما فتئوا يلمّعون النصرة ولولا بعض الفضائيات التي تعمدت تصديرها في نشرات الأخبار لما فاقت سمعةُ النصرة سمعةَ أي فصيل ثوري من الفصائل الكبار، ولكنه الإعلام يا صاحبي، الإعلام!

 

قال: لماذا تخذّل وتقلّل من قيمة جبهة النصرة؟ قلت: ما هذا أردت، بل أردت أن يعلم الناس الحقيقة حتى لا يطالبوا الثورة باحتمال غُرْم النصرة مقابل غُنْمها المزعوم. أردت أن يعلموا أنها لا مغانمَ تأتينا منها تستحق كل هذا التطبيل والتهويل، وأن مغارمها تفوق مغانمها بكثير. وإلا فخبّرني: ما هو النصر العظيم الذي حققته النصرة في أي يوم قط؟ هذه خريطة سوريا أمامك، أرني المناطق التي حررتها جبهة النصرة بمفردها، ما هي؟ وأركز على كلمة “بمفردها” لأن النصرة كانت دائماً (وما تزال) عبقرية في استغلال دماء وتضحيات الفصائل الأخرى ونسبة النصر إليها. ألا تتذكر معبر نصيب؟ إنها قصة تكررت في الثورة على الدوام.

 

*   *   *

 

نعم، إن تاريخ جبهة النصرة هو سلسلة من الإخفاقات والمغامرات الفاشلة، فهي التي سلّمت دير الزور لداعش وسلّمت القلمون الغربي للنظام وأهدرت دماء شبابنا في مغامرات حمقاء لم تثمر شيئاً، في مغامرتَي حماة الأولى والثانية وفي مغامرات حلب والساحل. آلاف الأرواح قُدِّمت مجاناً لأن مغامراً أحمق وضع نفسه في موضع القيادة وهو أقل الناس جدارة بها، ولأنه “الأحمق المطاع” فقد تبعه أولياؤه بلا سؤال ولا تفكير فقادهم إلى المهالك.

 

فكّر جيداً وسوف تكتشف هذه الحقيقة المؤلمة: إن المعارك الوحيدة التي انتصر فيها الجولاني هي غزواته على فصائل الجيش الحر، فقد نجح فيما فشل فيه النظام واستطاع تفكيك عشرين فصيلاً وتهجير آلاف المجاهدين خارج الحدود. يا له من إنجاز عسكري عظيم!

 

لو كان الأمر إليّ لحاكمت الجولاني محاكمة عسكرية بسبب هذه الخسائر والإخفاقات والمغامرات والاعتداءات، ولئن أنقذه شبيحته ومريدوه من سؤالنا في هذه الدنيا فمَن ينجّيه يوم القيامة من سؤال العزيز الجبار؟

 

*   *   *

 

الخلاصة: إن جبهة النصرة (باسمها القديم أو باسمها الجديد) فصيل من حجم ووزن سائر الفصائل الكبرى في سوريا، ليس أكثر، وإذا استثنينا قادتها الخونة (وعلى رأسهم الجولاني المجرم الذي أنهك الثورة وقاتل الفصائل واعتقل الأبرياء، عليه من الله ما يستحق) إذا استثنينا هؤلاء سنجد في صفوفها كثيراً من المجاهدين المخلصين الصادقين كما نجد في كل فصيل آخر.

 

بهذا المقياس فإننا نحتمل من النصرة ما نحتمله من سائر الفصائل من تقصير وأخطاء مقابل ما تقدمه للثورة من تَقْدِمات وتضحيات، لكننا لا نحتمل أبداً ما يصدر عن النصرة من بغي وظلم وإفساد ولا نحتمل غُرم ارتباطها الفكري والمنهجي بالقاعدة (وما كلمة “سفيه الأمة” الأخيرة إلا دليل على أن هذا الارتباط كان وما يزال). إن مطالبتنا بأن نحتمل ذلك كله من النصرة وهي لا تقدم للثورة أكثرَ مما يقدمه أي فصيل آخر في الميدان أمر لا يرضاه عاقل، ولا يمكن أن يقترحه شخص يريد الخير لسوريا والسوريين.

نُشِرت في رسائل الثورة | الوسوم: , , , , , , , , | أضف تعليق

معجزة صمود الثورة: إلى متى؟

 

إنما يتحقق قدر الله في الكون بالأسباب التي قدرها الله فيه، فإذا أراد -عزّ وجل- أمراً فإنه يهيئ أسبابه ولو كانت بخلاف الراجح المألوف، فإذا رأينا الأسباب تتكاثر وتتراكم لترجيح احتمالٍ هو في أصله مرجوح علمنا أن هذا الأمر داخل في التيسير الرباني وأنه اختيار الله لعباده الضعفاء العاجزين.

 

هذا هو حال الثورة السورية ومثالُها، فإن القدرات الذاتية والموارد المتاحة والعوامل المادية المجرّدة كانت تدل في أول الثورة على نهاية محتومة، وهي أنها لن تكمل شهرها الأول، فإذا نجت منه فقد لا تكمل الثاني، فإنْ عاشت بضعة أشهر فلن تكمل عاماً، ولو بلغته فإن بلوغ الثاني مُحال.

 

هذا ما كان منتظَراً بالمقاييس المادية الدنيوية، لكن الثورة مضت ونجت وعاشت شهراً بعد شهر وعاماً بعد عام. نعم، بضَنْك شديد لا يُنكَر، وبصعوبة هائلة وتضحيات عِظام جِسام، ولكنها عاشت، فهي كالمريض المُدْنف (الضعيف المشرف على الهلاك) الذي أقّتَ له الطبيبُ شهراً فعاش ستّ سنين وما زال يبدو قابلاً للحياة. الطبيب ينظر إلى مريضه حائراً ويقول: إنها معجزة غريبة، ونحن ننظر إلى ثورتنا حَيارى ونقول: إنها معجزة من أعجب المعجزات!

 

*   *   *

 

لقد مدّ الله ثورتَنا حتى اليوم بأسباب الصمود والبقاء، لكنْ هل سيستمر هذا المدد إلى آخر الطريق؟ لا نعلم. ثقتنا بالله كبيرة ولكن خوفنا من تقصيرنا وأخطائنا أيضاً كبير، فنخشى أن يكِلَنا الله إلى أنفسنا فنفشل وننتهي إلى إخفاق، لأننا بغير معونة الله لا طاقة لنا بعدونا، والله تبارك وتعالى أكرم وأنزه من أن ينصر خطّائين عن الخطيئة لا يتوبون وظَلَمةً عن الظلم لا يَرْعَوون.

 

من أجل ذلك وجب علينا أن نجمع مع التفاؤل والاتكال على الله محاسبةَ النفس ونقدَ الذات، لأن ما يصيبنا من ضُرّ وسوء أكثرُه بما كسبت أيدينا، ولولا الكثير الذي يعفو عنه الله لهلكنا منذ زمن. من أجل ذلك علينا أن نشخّص الداء الذي أصاب ثورتنا وأن نكشف الأخطاء والأخطار التي صنعناها بأيدينا، فأضعفنا بها أنفسَنا وأوشكنا أن نعرّض بسببها ثورتَنا للهلاك لا قدّر الله.

 

مَن ظلم وبغى وطغى وأكل حقوق الناس فقد خرق السفينة، ومن سكت عن جناية أو تغاضى عن جريمة خوفاً من أحد أو مجاملة لأحد فقد سكت عن الخرق ويوشك أن يغرق مع الغارقين. إلاّ ينهضْ أهلُ الثورة لتنقية ثورتهم من هذه العلل والآفات فأخشى أن لا تعيش عاماً آخر وأن لا ينصرها الله، لأن الله يساعد الذين يساعدون أنفسهم، أما الكسالى القاعدون والجبناء والعاجزون فلا مساعدةَ لهم ولا بواكيَ عليهم إذا سقطوا في الطريق.

 

نسأل الله أن يحفظ الثورة ويحميها من الانهيار والانكسار، وأن يوصلها ويوصلنا معها إلى برّ الأمان ومحطة الانتصار.

نُشِرت في خواطر ومشاعر | الوسوم: , , , , , , , | أضف تعليق

التحولات الإستراتيجية بعد خان شيخون

بعد كيماوي خان شيخون:
قراءة في التحولات الإستراتيجية

مجاهد مأمون ديرانية

مقدمة

 

من الأخطاء الكبرى في الممارسة السياسية اعتبار العلاقات والسياسات الدولية حالة ستاتيكية جامدة، فيما هي -في الحقيقة- حالة ديناميكية دائمة الحركة والتبدل، ومَن لا يلاحظ حركتها ويدرك تغيّرها فإنه سيعجز عن مواكبتها، وسوف يخسر كثيراً بالتأكيد.

 

على أن من المهم -في هذا السياق- التمييز بين نوعين من التحولات: التحولات الإستراتيجية الكبرى، أو ما يسمّى في الأدبيات السياسية “تغيير الأهداف” (Goal Change) والتحولات الإستراتيجية الصغرى التي تسمى “تغيير البرامج” (Program Change). النوع الثاني ليس تحولاً حاسماً ويقتصر على تغيير أدوات المشروع السياسي ووسائله، أما الأول فإنه يصل إلى درجة تغيير أهداف وغايات المشروع السياسي برمّته. فأيّهما الذي يحصل في الملف السوري حالياً؟

 

لو تابعنا الفضاء الثوري في الأسبوع الأخير سنلاحظ أن الانطباع السائد عن اللحظة الراهنة هو أنها لحظة تغيّرات إستراتيجية كبرى، وهو انطباع يحمل في ثناياه الكثير من التفاؤل والارتياح، وقد يتسبب في ردود أفعال مغرقة في الخطأ أو يقود إلى الاسترخاء والتواكل المذموم. من هنا يجب علينا أن نفحص التطورات الأخيرة بدقّة لنعرف حجم التغير الإستراتيجي واتجاهاته الجديدة.

 

لنبدأ بتفكيك الملف السوري إلى عناصره الرئيسية، وهي خمسة ملفات فرعية بالغة الأهمية، ثم لنفحصْ كلاً منها لنتعرفَ على ما جَدّ فيه من تغيرات على المستوى الإستراتيجي. هذه الملفات -من وجهة نظر الإدارة الأمريكية- هي: الحرب على الإرهاب، ومستقبل النظام، والعلاقة بالفصائل الثورية، ومشروع الإقليم الكردي، والنفوذ الإيراني في سوريا.

 

(1)
الحرب على الإرهاب

 

استطاعت إدارة أوباما أن تغيّر عنوان الملف السوري من “ثورة شعبية على نظام مستبد” إلى “حرب على الإرهاب”، وكانت داعش هي الحامل الرئيسي للمشروع الأمريكي والدولي الذي فرّغ الثورة الشعبية من مضمونها وأفقد العالَم الاهتمام بها والتعاطف معها، حيث تصدّرت داعش وجرائمُها اهتمامَ المجتمع الدولي وأنسته همومَ الشعب السوري ومعاناته الهائلة.

 

ما تزال الحرب على الإرهاب على رأس سلّم الأهداف الإستراتيجية الأمريكية في سوريا والعراق، ولم يحصل أي تغيير لا في مضمون الهدف ولا في ترتيبه ضمن أولويات الإدارة الأمريكية الجديدة.

 

(2)
الفصائل الثورية

 

اتخذت الإدارة الأمريكية السابقة في أوائل عام 2012 قراراً إستراتيجياً بالمساواة بين طرفَي الصراع والعمل على استنزافهما ومنع أي منهما من تحقيق انتصار حاسم، واستطاعت أن تصنع ذلك فعلاً من خلال التحكم بالسلاح، فقد ازداد تدفقه كلما تقدم النظام وشَحّ كلما تقدمت الفصائل، مع منع دائم وصارم لمضادات الطيران التي كان من شأنها -لو امتلكها الثوار- أن تقصّر أمد الصراع وتقلل حجم الخسائر البشرية بشكل كبير.

 

لم تكن الفصائل خياراً مفضَّلاً لإدارة أوباما ولا هي خيار مفضَّل لإدارة ترامب، ويبدو أن الإدارتين اشتركتا بالنظر إليها كأدوات مرحلية، لها دور محدود في “مرحلة الاستنزاف” وليس لها أي دور حقيقي في مستقبل سوريا. لا جديد في هذا الملف على المستوى الإستراتيجي.

 

(3)
الإقليم الكردي

 

من المثير للانتباه أن أولى القرارات الميدانية التي اتخذتها إدارة ترامب الجديدة في سوريا كانت دعم الوحدات الكردية وتزويدها بعربات مدرعة وأسلحة ثقيلة، والإصرار على دورها المحوري في الحملة الدولية على داعش في الرقة، رغم الرفض الجازم والاعتراض المتكرر الذي تبديه تركيا بهذا الخصوص.

 

طوال عهد أوباما وخلال ستّ سنوات من المد والجزر وتبادل الأراضي بين الثورة وداعش والنظام بقي استقرار وتوسع المشروع الكردي أحدَ الثوابت الإستراتيجية في السياسة الأمريكية، ويبدو أنه ما يزال كذلك في عهد ترامب. لا جديد في هذا الملف.

 

(4)
الملف الإيراني

 

لعل هذا هو الملف الوحيد الذي خضع لمراجعة جذرية وتحوّل إستراتيجي كبير منذ اليوم الأول في عهد ترامب الجديد، وهو يشمل الاتفاق النووي وتمدد إيران في سوريا ونشر المليشيات الشيعية قريباً من حدود إسرائيل.

 

هذا الملف عظيم الأهمية والخطورة بالنسبة لسوريا والمنطقة، وهو أكبر من حجم الفصائل والقوى الثورية في سوريا ويحتاج إلى قدر كبير من التنسيق وتكامل المواقف والأدوار مع حلفاء الثورة الإقليميين، فعسى أن تدرك القوى الثورية السياسية والعسكرية أبعاده وتستفيد من تحولاته الخطيرة.

 

(5)
مستقبل النظام

 

هذا هو أهم ملفات القضية السورية على الإطلاق، فماذا جَدّ فيه؟ لقد دعمت الإدارةُ الأمريكية السابقة الأسدَ في مواجهة الثورة خلال أشهرها الأولى، ثم ضغطت عليه لإجراء إصلاحات شكلية بهدف امتصاص الغضب الشعبي ووقف الثورة في وقت مبكر، فلما أخفقت في ذلك تبنّت إستراتيجية واقعية من شأنها تحييده وتكريس نظامه. وبدا منذ مؤتمر جنيف الأول في أواسط عام 2012 أن أمريكا تسعى إلى إعادة إنتاج النظام برموز جديدة، ربما مع نقل السلطة إلى عائلة علوية أخرى أكثر قبولاً من عائلة الأسد (في ذلك الوقت طُرح اسم عائلة حبيب).

 

كانت هذه هي الإستراتيجية الأمريكية في التعامل مع النظام السوري أيام أوباما، فهل تغيرت في عهد ترامب؟

 

يبدو أن الموقف الأمريكي الحالي هو إخراج بشار الأسد من الصراع وإنهاء علاقة عائلته بمستقبل سوريا، وهو موقف حصل على تأييد مجموعة السبع وعلى دعم كامل من حلفاء أمريكا في الإقليم. لكن ماذا عن النظام نفسه؟ وما هو البديل؟ وما هو مستقبل سوريا؟ هذه هي الأسئلة الكبرى التي تهم الثورة السورية.

 

افترضَ كثيرون -بحماسة كبيرة- أن الإدارة الأمريكية الجديدة جادّة في اقتلاع النظام السوري الحاكم من الجذور. وأنا أرى أن في هذا الافتراض قدراً كبيراً من المجازفة، فهو يعني أن الإدارة الأمريكية الجديدة انقلبت انقلاباً جذرياً وغيرت أهداف اللعبة كلها ولم تغير قواعدها فحسب، وهو يعني أيضاً -ضمنياً- أن إسرائيل غيرت إستراتيجيتها في التعامل مع المشكلة السورية بصورة جذرية، ويعني أيضاً أن أمريكا عثرت على بديل مناسب تثق به وتطمئن إليه.

 

نعم، حصل في الأيام الماضية تغيّر واضح في طريقة تعامل الإدارة الأمريكية مع المشكلة السورية، ولكنه -لو أمعنّا النظر- تغيّرٌ في الشكل والأسلوب، تغيّرٌ يقتصر على الأدوات ولا يصل إلى الأهداف؛ بإيجاز: لقد استبدل ترامب بالقوة الناعمة التي كانت تناسب أوباما قوّةً خشنة تناسبه، وهذا كل شيء.

 

الخلاصة

 

ما تزال الحرب على الإرهاب واستئصال داعش على رأس هرم الإستراتيجية الأمريكية في سوريا، ومن بين ملفات الثورة السورية الخمسة الكبرى لا يمكننا الجزم بأن أياً منها سيخضع لتحول على المستوى الإستراتيجي الكبير (تغيير الأهداف) باستثناء الملف الإيراني الذي يبدو مرشحاً بقوة لمثل هذا التحول، ولو حصل فعلاً فإن نتائجه ستكون إيجابية بالنسبة لسوريا وللدول الأخرى في الإقليم.

 

أما مستقبل النظام السوري فمن المبكر الحكم على الموقف الأمريكي الجديد بشأنه، ومن الصعب الجزم بأي تحول إستراتيجي كبير اعتماداً على تصريحات ترامب ومسؤولي إدارته حتى الآن، بل يغلب أن يقتصر التغيير -بعد كل هذا الضجيج- على البرامج والأدوات دون تغيير هدف أمريكا القديم، وهو إعادة إنتاج النظام بوجوه مختلفة ومظهر جديد.

 

إن التحدي الذي تواجهه الثورة السورية اليوم كبير كما كان كبيراً على الدوام، وأعتقد أن الثورة سترتكب خطأ هائلاً لو علّقت مصيرها بخطط ترامب وقراراته، فمهما يكن موقع الأسد ونظامه في سياسة الرجل فإن الفصائل الثورية ليست في موقع أفضل، أما المراهنة على “إنسانية ترامب” فإنها أكثر المضحكات إثارة للرثاء، فهو لن يهتم بسلامة السوريين وحريتهم كما لم يهتم سلفُه بذلك، وهذا أمر أدركه حتى الأمريكيون أنفسهم، فقد قرأت عشرات الردود الغاضبة على تغريدات مندوبة أمريكا في الأمم المتحدة، نيكي هيلي، وكان أكثرها تعبيراً التعليق الذي قال صاحبه: صحيح أن نظام الأسد المجرم قتل مئة سوري بالسلاح الكيماوي، لكننا نحن قتلنا أضعاف هذا العدد من الأبرياء في سوريا والعراق، فكفّوا عن النفاق.

 

نُشِرت في رسائل الثورة | الوسوم: , , , , , , , , , , | أضف تعليق