تحديات الأستانة

تحديات الأستانة

مجاهد مأمون ديرانيّة

ذهب مَن ذهب إلى الأستانة -منذ الجولة الأولى وفيما بعدها- تحت الضغط والاضطرار وليس من باب السعة والاختيار، فمَن شارك تأوّلَ لمشاركته ومَن قاطع تأوّلَ لمقاطعته، ومع كلٍّ من الفريقين قَدْرٌ من الخطأ وقدر من الصواب، وأرجو أنهم جميعاً صادقون مخلصون استنفدوا الجهد لرفع البلاء عن الناس وتحصيل ما يمكن تحصيله من مصالح، فإنهم يستحقون الشكر الصادق كما يستحقون النصح الصادق، بلا لوم ولا تخوين وبلا تسليم مطلق ومتابعة عمياء.

*   *   *

فلنتذكر أمراً في غاية الأهمية ونحن نقترب من جولة جديدة خطيرة من جولات الأستانة: لقد كانت الأستانة خيار الاضطرار كما أسلفت قبل قليل، وإنّ مِن لوازم وتبعات الاضطرارِ الاقتصارُ والاختصار.

فلو أن امرءاً شارف على الموت حَلَّت له الميتة بلا خلاف، بل وجب عليه الأكل منها وجوباً ويأثم لو لم يفعل لأنه مكلَّف بحفظ النفس ما استطاع، لكنه لو وجد جيفةَ عجلٍ لم يَجُزْ له أن يقطّعها ويفرّمها ويتبّلها ويبهّرها ثم يجهّز منها وليمة عظيمة يأكل منها عامةَ يومه ويدعو إليها الجيران والأصحاب! إنما يأكل منها لُقَيمات يُنقِذْنَه من الموت ريثما يتيسر له المأكل الطيب الحلال.

هذه القاعدة هي ذاتها التي ينبغي علينا استصحابها ونحن ننتقل من جولة إلى جولة من تلك المفاوضات التي يعرف عدونا إلى أين تمضي، فيما يبدو أننا نذهب إليها كل مرة بلا مطالب ولا أهداف، وبلا سقف نثبته فلا ننزل دونه. النتيجة أقرب إلى المأساة: مع كل جولة من الجولات نقدم بعض التنازلات أو نسكت عن خروقات فاحشة لاتفاقات سابقة، فينزل سقفنا درجة، فما يزال السقف ينزل مع كل جولة درجةً حتى كاد ينطبق السقف على الأرض فنخسر كل شيء لا قدّر الله.

*   *   *

إن أكبر مخاطر وتحديات هذا المسار الذي سلكناه مضطرين هو أن نقبل بتحويله من علاج مؤقت إلى حل دائم، أو إلى بوابة لحل دائم يُنهي الثورة لمصلحة نظام الاحتلال الأسدي الطائفي. ومن مخاطره وتحدياته الكبيرة أن نقبل بتجزئة العلاج، فتعقد كل منطقة اتفاقاً منفرداً بمعزل عن المناطق الأخرى. ومن مخاطره وتحدياته الكبيرة أن ترضى أي منطقة بعقد اتفاق منفرد مع الروس بغياب الحضور والضمان التركي.

ذلك أن لروسيا مشروعها في سوريا كما أن لإيران مشروعها، ولن نقول إن كل واحدة منهما تقدّم مشروعها على مشروع الثورة، بل إنها تقدمه على مشروع النظام نفسه. وقد رأينا كيف غدرت روسيا بتركيا بعد الجولة الخامسة من مباحثات الأستانة وأبرمت صفقات مباشرة مع أمريكا، فإذا لم تكن روسيا وفيّة لاتفاقها مع تركيا القوية فمن أين نرجو أن تكون وفية لاتفاقها مع ثورتنا الضعيفة المنهَكة؟

*   *   *

على أنّ أكبر المخاطر وأسوأها على الإطلاق هو تحوّلُ مؤتمرات الأستانة من بوابة حل عسكري ميداني مؤقت محدود إلى بوابة حل سياسي دائم شامل، بعيداً عن مسار جنيف وبديلاً له، وتحت المظلة الروسية الإيرانية بدلاً من المظلة الدولية الأممية. ليس لأن مقررات جنيف هي الحل الأمثل الذي كنا نتمناه لثورتنا، بل لأنها تقدم الحد الأدنى الذي لا يمكن اعتبار الثورة ناجحة دونه.

الذي فهمناه أن أستانة تقتصر على تثبيت وقف إطلاق النار وتحديد “مناطق خفض التوتر” وتأمين وصول المساعدات الإنسانية إلى المناطق المحاصَرة، وهذه الإجراءات تدخل في باب “الهدنة المؤقتة” لا في باب المصالحة الدائمة مع نظام الأسد، ولا ينبغي أن تحتكر المسار التفاوضي وتعزل عنه مكونات الثورة السياسية الأخرى، ولا يجوز أن تتطور إلى مشروع كامل يفرض دستوراً جديداً ومصالحة وطنية وتسوية سياسية شاملة.

*   *   *

يا أيها المفاوضون في الأستانة وفي جنيف: اعلموا أن الطريق طويل وأن العدو مَكيث خبيث، فواجهوه بسلاحه، بالصبر والأناة والرأي وحسن التدبير. وفقكم الله إلى ما فيه الخير لسوريا وشعبها الصابر وثورتها العظيمة.

Advertisements
نُشِرت في رسائل الثورة | الوسوم: , , , , , , , , , , , | أضف تعليق

رسالة جديدة إلى المحيسني

رسالة جديدة إلى المحيسني

مجاهد مأمون ديرانيّة

مضى وقت طويل على الرسالة الأولى التي وجهتها إليك، ولم تستجب لها، فلم تنصر حقاً ولم تقف في وجه باطل ولم تَكُفّ عن الدعاية والترويج للجولاني ومشروعه القاعدي الخبيث الذي دمر الثورة. هذه المرة لن أطيل ولن أطالبك بالكثير، إنما هي ثلاثة أمور:

 

1- نرحب بموقفك الأخير وانسحابك من “هيئة تدمير الشام” التي يقودها الخبيث الجولاني أهلكه الله، لكنْ نرجو أن لا ترجو أن نغفر لك ما سلف، فإن جنايتك على الثورة لا تمحوها سبع توبات وسبعة انشقاقات ولا يغفرها ألف بيان، وإنما نكفّ عنك منذ اليوم ونتركك للديّان، فيوم العرض نطلب القصاص ونطالب بالعدالة. يومها سنسألك عن آلاف الضحايا الذين سالت دماؤهم على أرض سوريا بسبب موقفك الداعم لداعش أولاً وللجولاني آخِراً، ونسألك عن دورك في تدمير أعظم ثورة في الزمن الأخير بما بثَثْتَه فيها وفي شبابها من فكر القاعدة المدمّر الخبيث.

 

2- لا نريد منك شيئاً منذ اليوم، فقد بلوناك فعرفنا أنك لن تبرأ من داء القاعدة ما حييت، فقد لبثتَ زماناً تدعو لداعش وتجمع لها الأموال والرجال، ثم بذلت الجهد الجهيد للإصلاح بين النصرة والدولة أعزها الله (كما كنت تقول، ونقول: بل أخزاها الله ودمرها الله هي وعصابة الجولاني)، ثم انحزت إلى النصرة فصرت بُوقَها وداعيتها ولعبت معها الدور الذي لعبه مع السلاطين أبواقُ السلاطين وعلماءُ السلاطين، ولو انحزتَ اليوم إلى غيرها فلن يكون انحيازك إلاّ إلى فصيل قاعدي جديد، فاترك سوريا وثورتها، وكما نقول بالشامية: لتكن هذه ثورتَك وبلدك، فبِعْنا إياها ومع السلامة.

 

3- النقطة الأخيرة: سؤال بريء إن شئت أجبت عنه وإن شئت تركت الجواب: لقد علمتَ أن في سجون النصرة أبرياء يقاسون ألوان العذاب، وسكتّ. وعلمت أن النصرة بغت على الفصائل ظلماً وسفكَت الدم الحرام، وسكتّ. وعلمت أن النصرة افترت واختلقت الأكاذيب لتهاجم صقور الشام، وسكتّ. وعلمت أن النصرة اعتدت على أحرار الشام بغير حق، وسكتّ. ثم علمت أن النصرة سعت لاعتقالك وإهانتك فانتفضتَ انتفاضة الأسد الهصور وما عدت تطيق السكوت، فثَمّ نطقت. فهل كرامتُك وسلامتك أهمّ عندك من عشرين فصيلاً ثورياً فيها أحرارُ الشام؟ هل جنابك الكريم أكرم عليك من الدم الحرام الذي أهرقَته مغامراتُ الجولاني الطائشة في سعيه المجنون إلى المُلك والسلطان؟

*   *   *

سيقول لي قائلون: ألم تكن الحكمة أن تسكت عن المحيسني وقد أربكت استقالته الجولانيَّ وهزّت ثقة عناصره فيه وفي عصابته؟ أقول: لا، لن أتركه لينتقل من تخريب إلى تخريب إلى تخريب، فقد كان هذا هو الاجتهادَ يوم ترك داعش (بعدما انكشف مشروعُها المدمّر حتى للصبيان) فكان ذلك الرأي إذناً له ليعيث في ثورتنا الخراب، وإنّ التوبة بعد الغرغرة ليست كالتوبة قبلها، وليس مَن آمَنَ من آل فرعون وهو في قصر فرعون كفرعون الذي آمن في الساعة التي التهمَه فيها ماءُ البحر الزخّار.

 

إن شئتَ أن يغفر الله لك بعض ما أجرمتَ وأن يغفر لك الشعب السوري بعض ما جَنَتْه على الثورة يداك فعليك أن تعتذر علانية عن خداعك وتضليلك أيام داعش، وعن خداعك وتضليلك مع النصرة، وأن تعلن البراءة على رؤوس الأشهاد من منهج القاعدة ومن فكرها المدمّر ومشروعها الخبيث، وبعد ذلك اعتزل ثورتنا وفصائلنا والزم بيتك وأكثر من الاستغفار، لعل الله يرحمك بعدما أهرقَت مواقفُك وأعمالك السابقة الدمَ الحرام أنهاراً في أرض الشام. والسلام.

 

نُشِرت في رسائل الثورة | الوسوم: , , , , , , , | أضف تعليق

إنها التسريبات الفاضحة

إنها التسريبات الفاضحة

مجاهد مأمون ديرانيّة

-1-

الحمد لله الذي فضح الجولاني وعصابته وكشف مشروع الغلاة في أرض الشام المباركة، الحمد لله الذي فضح أولئك الباطنية الغلاة وأظهر خَبيئهم الخبيث.

-2-

ما كشفته التسريبات حتى الآن:

(1) النصرة تدمر الثورة وتحتل المحرر.
(2) الجولاني الميكافيلي هو القائد الفعلي.
(3) أبو جابر طرطور والشرعيون مرقعون.

-3-

مع كل تسريب جديد عن فضائح قادة النصرة يتسع الرقع على الراقعين أكثر وأكثر، وما أتوقعه هو أن التسريبات ما زالت في أولها وأن الآتي أكبر بكثير.

 

-4-

مشكلة قادة النصرة والهيئة ليست في إنكار التسريبات، بل في تبريرها، ليس للعامة، بل للنعاج التي تتبعهم فحسب، لأن العقلاء عرفوا الحقيقة منذ دهر.

-5-

أكبر ضحايا التسريبات هم النعاج الذين تبعوا الجولاني بلا عقل وباتوا اليوم في موقف أخلاقي عصيب: كيف يستجيبون لنداء العقل بعدما باعوه وضيّعوه؟

الحمد لله على نعمة العقل والإيمان، ولا عزاء للحمقى والمغيَّبين.

 

 

نُشِرت في عِبَر وفِكَر | الوسوم: , , , , , | أضف تعليق

وَقْف تَفريح الأطفال

وَقْف تَفريح الأطفال

مجاهد مأمون ديرانيّة

-1-

روى ابن بطوطة في “رحلته” قصة عجيبة عَدّها من مفاخر دمشق، قال: “مررت يوماً ببعض أزقّة دمشق فرأيت مملوكاً صغيراً سقطت من يده صَحْفة من الفخّار الصيني (وهم يسمونها الصَّحْن) فتكسرت. واجتمع عليه الناس فقال له بعضهم: اجمَعْ شُقَفَها واحملها لصاحب “أوقاف الأواني”. فجمعها، وذهب الرجل معه إليه فأراه إياها، فدفع له ما اشترى به مثل ذلك الصحن! وهذا من أحسن الأعمال، فإن سيد الغلام قد يضربه على كسر الصحن أو ينهره، وهو أيضاً ينكسر قلبه لأجل ذلك، فكان هذا الوقف جبراً للقلوب، جزى الله خيراً مَن تَسامَتْ هِمّته في الخير إليه”.

ثم تحدث عن أوقاف دمشق بإعجاب وانبهار، قال: “والأوقاف بدمشق لا تُحصَر أنواعها ومصارفها لكثرتها، فمنها أوقاف على العاجزين عن الحج، ومنها أوقاف على تجهيز البنات إلى أزواجهن، وهن اللواتي لا قدرةَ لأهلهنّ على تجهيزهنّ. ومنها أوقاف لفكاك الأسارى، ومنها أوقاف لأبناء السبيل، يُعطَون منها ما يأكلون ويلبسون ويتزودون لبلادهم. ومنها أوقاف على تعديل الطرق ورصفها، لأن أزقة دمشق لكل واحد منها رصيفان في جنبَيه يمرّ عليهما المترجّلون ويمرّ الركبان بين ذلك، ومنها أوقاف لسوى ذلك من أفعال الخير”.

وروى ابن جُبَير في “رحلته” أن في دمشق وقفاً للأيتام يُصرف ريعه لرعايتهم وتعليمهم وتزويجهم، قال: “وهذا من أغرب ما يحدَّث به من مفاخر هذه البلاد”. وفي كتاب مصطفى السباعي “من روائع حضارتنا” أخبار عن أوقاف دمشقية بلغت درجة من الرفاهية لم تعرفها البلدان الغربية المتقدمة إلا في العصور الأخيرة، فقد كان فيها وقف للقطط تأكل فيه وتنام، وكان المرج الأخضر (الأرض التي صارت موقعاً لمعرض دمشق الدولي منذ سنة 1954) وقفاً للحيوانات والخيول المسنّة العاجزة التي تركها أصحابها لعدم الانتفاع بها، فكانت تُترَك لترعى في المرج حتى تموت. وقرأت في “ذكريات” جدي علي الطنطاوي أن الدمشقيين أنشؤوا وقفاً للكلاب الشاردة المريضة يداويها ويؤويها، كان في حيّ العمارة، ويسمّونه “محكمة الكلاب”. وغير ذلك من أعاجيب الأوقاف التي استغرقت كل ما يخطر بالبال من رعاية للإنسان والحيوان.

-2-

كنت أسمع وأنا صغير أن في الجنة باباً يقال له “باب الفرح” لا يدخل منه إلا من فرّح الصبيان، ثم كبرت وتعلمت فعلمت أنه ليس بحديث، لكني علمت ما هو خير من ذلك، علمت أنّ مَن كفل يتيماً صاحَبَ النبيَّ في الجنة ولازمَه ملازمةَ الأصبعين المتجاورين من أصابع اليد الواحدة، وعلمت أن “من أحب الأعمال إلى الله إدخال السرور على قلب المؤمن” كما أخبر رسولُ الله صلى الله عليه وسلم.

إذا كان تفريح الأطفال من أعظم المكرمات وأجلبها للأجر وأرفعها للدرجات، وإذا كان من مفاخر السوريين في مواضي الأيام أن يقفوا الأوقافَ العجيبة على كل محتاج، حتى شمل عطفُهم البهائمَ والدواب، فهل يعجزون اليوم عن إنشاء أوقاف من شأنها تفريج كرب الأيّم وتفريح قلب اليتيم في هذا الزمن العصيب؟

لقد تسبب نظام الاحتلال الأسدي المجرم في كارثة هائلة يعجز عن وصفها الواصفون، ولعل أسوأ ما في هذه الكارثة وأكثره إثارة للشّجَن هو ما أصاب الأطفال والنساء من بلاء، فقد أمست مئات الآلاف من نساء سوريا أيامَى بلا أزواج، فلا مُعين ولا مُعيل، واليتامى ألفُ ألفٍ أو يزيدون، وها هو عيدٌ جديد يأتي، فيفرح كل طفل له أب ويبقى هؤلاء محرومين من الفرحة. ومما يزيد القلبَ وجعاً أن فرحة الصغار تُشترَى بالثمن اليسير، فإن دمية (عروسة) تُفرح اليتيمة الصغيرة وإن سيارة (لعبة) تُفرح اليتيم الصغير، وربما طار الواحد منهم والواحدة منهنّ فرحاً بكيس من الحلوى فيه بضع قطع ثمنها دُرَهيمات، فهل هذا الحملُ ثقيلٌ على من رُزق الكفاية من آحاد الناس؟!

-3-

لا يقتصر هذا النداء على أهل سوريا وحدهم، بل هو نداء عام للمسلمين جميعاً، فإن في العراق من الأطفال ما يفوق أطفالَ سوريا كرباً وحاجة، ولهم أمثال في اليمن وبورما وفلسطين. لقد ضربت هذه الأمة الحية الأمثالَ على الدوام بالتراحم والتكافل، ولكن يبدو أنها مقبلة على أعوامِ عسرةٍ جديدة أخشى أن تعمّ وأخشى أن تطول، والنقص الشديد في الضرورات وفي أساسيات الحياة يجعل الاهتمام بأفراح الطفولة في ذيل الاهتمامات.

ولا يُعاب من يصنع ذلك، فإن المأوى والغذاء والكساء والدواء ضروريات يُضحَّى من أجلها بالكماليات، ولكن اعلموا -يا أهل الخير- أن الطفولة فترة عابرة لا تتكرر في عمر الإنسان، فهو يكون طفلاً بضع سنين ثم يكون راشداً بقيةَ عمره، فلا تفوّتوا فرصة لا تتكرر لإسعاد هذه الكائنات الصغيرة. ثم إن ما يلقاه الطفل يبقى أثره لآخر حياته، وكل ما نستثمره في الطفولة نحصده أجيالاً متعافية قادرة على البناء والعطاء.

فهذا نداء أطلقه اليوم وقد أقبل على سوريا والمسلمين عيدٌ جديد مثقل بالأحزان والآلام: اتركوا للمنظمات الكبرى مهمة توفير ضرورات الحياة لملايين المكروبين في سوريا والعراق وغيرهما من بلدان المسلمين، ولتنفر طائفة من الأخيار في كل بلد لإنشاء وقف خاص يكون اسمه “وقف تفريح الأطفال”، يقتصر عمله على العناية بالأطفال الذين ابتُلوا باليتم والفاقة، فيقدم لهم ما يخفف بؤسهم ويرسم البسمة على شفاههم ويُفرح قلوبهم الصغيرة الحزينة. ويا له من عمل خفيف بميزان أهل الأرض، ثقيل في ميزان ربّ العالمين.

وكل عام وأنتم بخير.

 

نُشِرت في في الدعوة والإصلاح | الوسوم: , , , , , , , , , , , | أضف تعليق

الجولاني على خُطى عبد الناصر

الجولاني على خُطى عبد الناصر

مجاهد مأمون ديرانيّة

عندما نتأمل شخصية الجولاني ومشروعه وشخصية عبد الناصر ومشروعه نجد بينهما تشابهاً مدهشاً يكاد يصل إلى درجة التطابق الكامل، فهما يشتركان بأهم الصفات التي تميز الطغاة والمستبدين، كالميكيافيلية والوصولية والانتهازية والقسوة والغدر وانعدام المبدأ، وعلى رأسها “جنون السلطة”، فقد كان نَهَم عبد الناصر للسلطة حالةً مَرَضية، أو كما يصفه المؤرخ المصري الشهير محمد جلال كشك: كان لديه “شبق نادر إلى السلطة”، وهي صفة جوهرية في الجولاني يُجمع عليها كل من عرفه بلا استثناء.

إذا كان الجولاني شبيهاً بعبد الناصر في صفاته الشخصية وميله إلى الاستبداد فلن يكون مستغرَباً أن يمشي على خطاه وأن يُنتج مشروعاً مشابهاً لمشروعه باستعمال الأساليب نفسها، وهذا ما نكتشفه بلا عناء عندما نقارن بين ما صنعه عبد الناصر في مصر قبل ستة عقود وما يصنعه الجولاني في سوريا اليوم. هذه سبعة أساليب حاكى بها الجولاني أستاذَه واقتفى فيها خطاه.

(1) تصفية المنافسين

أراد جمال عبد الناصر الاستئثار بالسلطة المطلقة، ولم يكن تحقيق هذا الهدف ممكناً إلا بضرب جميع القوى المنافِسة وتصفيتها، ولأنه لم يكن قادراً على ضربها كلها معاً في وقت واحد فقد عزل بعضها عن بعض وحاربها مشتّتةً، فأسقطها واحدة بعد واحدة. الجولاني نفذ خطته بطريقة مشابهة، فحارب قوى الثورة العسكرية مشتّتةً وأسقطها واحدة بعد واحدة، ابتداء بفصائل الجيش الحر وانتهاء بأحرار الشام.

(2) المحرك العاطفي

كان عبد الناصر بحاجة إلى “محرك عاطفي” يحرك به الجماهير ويصرف انتباهَ الناس عن حكمه الاستبدادي، وقد وجد ضالته في “المشروع القومي” المزعوم وصراعه الموهوم مع الإمبريالية العالمية، فانقاد الغوغاء وراءه واستسلموا لمشروعه وهم يحسبون أنه يقودهم إلى الوحدة العربية والاستقلال والانتصار على أعداء الأمة. بطريقة مشابهة استغل الجولاني العاطفةَ الدينية وأوهم أتباعه ومواليه بأنه يقودهم لتحقيق حلم “الدولة الإسلامية”، فتبعوه غافلين مستسلمين.

(3) التسويق الإعلامي

لكي ينجح مشروع عبد الناصر كان بحاجة إلى دعم وتسويق إعلامي يحشد به الغوغاء ويخدع العامة، لأن الطغاة يحتاجون دائماً إلى أبواق تسوّق مشروعاتهم الاستبدادية. وهذا ما صنعه هيكل الذي قدم لعبد الناصر ما قدمه غوبلز لهتلر، وهو يشبه ما صنعه المحيسني في سوريا مع الجولاني، فقد أنفق سنوات في تلميع الجولاني وتسويق مشروعه، واستطاع اختراق معظم الفصائل والتأثير في عناصرها فصارت عاجزة عن مقاومة بغي النصرة واستسلمت له بلا مقاومة.

(4) الاختباء وراء مشروع

استأصل عبد الناصر الأحزاب السياسية وهيمن على المجتمع المدني، ولكي يتجنب الكشف عن مشروعه الاستبدادي ابتدع مظلّة وهمية تظلّلَ بها، فاخترع كياناً سياسياً سمّاه “هيئة التحرير” سيطر بواسطته على النشاط السياسي والنقابي والاجتماعي في البلاد. عندما أراد الجولاني الهيمنة على المناطق المحررة اخترع كياناً وهمياً يتيح له السيطرة الكاملة على الحياة السياسية والاجتماعية فيها وسماه “الإدارة المدنية”.

(5) الغطاء الجماهيري

أدرك عبد الناصر أنه يحتاج إلى “شخصية جماهيرية” توفر لمشروعه غطاء خدّاعاً، فتُطَمْئن المترددين وتجمع المؤيدين ريثما ينجح في إقصاء الخصوم وجمع خيوط السلطة في يده، فاختار اللواء محمد نجيب الذي كان يتمتع بقبول واسع وشعبية كبيرة في الأوساط العسكرية والمدنية. بطريقة مشابهة استعان الجولاني بالعقيد رياض الأسعد (صاحب الشخصية الرمزية) لامتصاص الرفض الذي قوبل به مشروعه (وكما غدر عبد الناصر بمحمد نجيب بعدما انتهى دوره سيغدر الجولاني بالأسعد ويصفّيه بعد انتهاء دوره).

(6) السيطرة بالقمع والترهيب

أطلق عبد الناصر العنان للأجهزة الأمنية، تعتقل من تشاء وتعذب من تشاء وتقتل من تشاء، فنشر الرعب وسيطر على الناس بالإرهاب. وهذا يشبه ما يصنعه الجولاني حالياً، فما هي غيرُ أيام بعد سيطرته على إدلب حتى بدأت أجهزته الأمنية بالمداهمات والاعتقالات، حتى نازحو داريّا ومضايا والزبداني لم يَسلموا من شَرّه. وكما غيّبَ عبد الناصر أحرارَ مصر في السجن الحربي غيّب الجولاني أحرار الثورة في باستيل العقاب.

(7) شيخ السلطان

بقيت مشكلة أخيرة أمام عبد الناصر، وهي استغلال الدين لخدمة مشروعه الاستبدادي. وعندما فشل في احتواء وشراء شيخ الأزهر، العالم الرباني الكبير الشيخ محمد الخضر حسين، عندها أقدم على جريمة “تأميم” الأزهر وجعل ولايته بالتعيين لا بالانتخاب، ثم جاء بالشيخ المأجور بائع الدنيا بالدين، عبد الرحمن تاج، الذي أفتاه بقتل الدعاة والمسلمين الصادقين. وهي الجريمة ذاتها التي ارتكبها مفتي الدم والسلطان أبو اليقظان، عندما أفتى عناصرَ النصرة بقتل خيار المجاهدين قتلاً عمداً إرضاء لسيده الجولاني، عليه وعلى سيده غضبُ الله.

*   *   *

هذه سبعُ خطواتٍ خَطاهنّ الجولاني متابعاً فيهنّ أستاذَه الكبير عبد الناصر، فهل نرجو منه بعدها مشروعاً يختلف عن مشروعه؟ هل ثار السوريون وقدّموا مئات الآلاف من الشهداء ليخرجوا من تحت الدلف لتحت المزراب؟

كلا ولا كرامة، قولوها بالصوت العالي، قولوا “لا” لمشروع الجولاني الجديد، “لا” لإدارته المدنية الكاذبة، “لا” لمشروع البغي والتغلب والقهر والاستبداد.

 

نُشِرت في رسائل الثورة | الوسوم: , , , , , , , , , | أضف تعليق

مشروع الجولاني الجديد

مشروع الجولاني الجديد

مجاهد مأمون ديرانيّة

قال: ما رأيك بمشروع هيئة تحرير الشام الجديد؟ قلت: أي مشروع؟ قال: مشروع الإدارة المدنية في إدلب.

قلت: السؤال خطأ من أصله، فهذا ليس مشروع الهيئة ولا هو مشروع النصرة، إنه مشروع الجولاني حصراً، الجولاني الذي سيطرت عليه شهوةُ السلطان وأعشت بصرَه، فما عاد يرى في الدنيا شيئاً غيرَ السلطة ولا يبالي بما يصنع في سبيل الوصول إليها، فهو يدمّر من أجلها آخرتَه ويدمّر دنيا الناس. إن للجولاني سَلَفاً في تاريخنا المعاصر يقتفي خطاه خطوة خطوة، أتعرف مَن هو؟

قال: لا، خبّرْني.

قلت: إنه نسخة جديدة من جمال عبد الناصر. إنهما شخصيتان متطابقتان بصورة عجيبة، إلاّ أن الجولاني أقل ذكاء من سَلَفه، لذلك سيكون عمره أقصرَ بكثير. سوف يؤدّي دورَه المرسوم كما أدّى عبد الناصر دوره ثم يرحل كما رحل، وأرجو أن يجتمعا معاً في قعر الجحيم.

سأنشر -بإذن الله- مقالة أبيّن فيها ما بين الاثنين من تطابق في الشخصية والأسلوب، وسوف ترى أن الجولاني هو أسوأ أعداء الثورة على الإطلاق. أما هذا المشروع الزائف (الإدارة المدنية) فإنه مشروعه الذي يسعى إلى السلطة من خلاله، فإنه لا يعمل عملاً إلاّ من أجل نفسه فحسب، وما النصرة والهيئة إلاّ سلالم يرتقي عليها إلى مجده وسلطانه الشخصي وما عناصرُهما سوى حطب يحرقه في سبيل مشروعه الخبيث.

إنه خائن للدين والثورة والشعب والوطن، وهو ليس سوى طاغية ومستبد صغير سينضم إلى قائمة الطغاة والمستبدين الذين يلعنهم التاريخ ويلعنهم اللاعنون.

 

 

نُشِرت في عِبَر وفِكَر | الوسوم: , , , , , , | أضف تعليق

ألا ما أهونَ الدنيا!

ألا ما أهونَ الدنيا!

مجاهد مأمون ديرانيّة

يعيش المرء ما شاء الله له أن يعيش فيصرف أكثرَ وقته في العمل لدنياه وأقلَّه لآخرته، يرى ما في الدار الآخرة بعيداً وما في الدنيا قريباً، فيشغله القريبُ عن البعيد والعاجلُ عن الآجل. ومن الناس من يبيع آخرتَه من أجل دنياه، فيغشّ ويسرق ليزيد مالَه أو يستبد ويبطش ليزيد سلطانَه، ولو عرف هذا وهذا والناسُ جميعاً قيمةَ الدنيا وحقيقتَها لهانت في أعينهم، فلم يضيّعوا قيراطاً من آخرتهم من أجل أطنان منها وقناطير.

لن ندرك أبداً حجم الدنيا وحقيقتها حتى نبتعد عنها، ولن نبتعد عنها حتى نفارقها بالموت. ولكنْ ألا يَسعُنا أن نمنح أنفسَنا فرصةً في الحياة لعلنا ندرك ما فات قبل الممات؟

بلى. لو سافر المرء يوماً بالطيّارة لأدرك حجم الدنيا وحقيقتها، عندما ينظر من شبّاك الطيارة فيرى البيوتَ كحبّات الفول والسيارات كحبات العدس وأفرادَ الناس كذرّات التراب. هذا ما يراه الرائي من طيارة لا ترتفع سوى عشرة أكيال، فكيف لو أتيح له أن يركب مركبة فضائية فيحلّق في الفضاء حتى يفارق الأرض كلها؟ سوف يراها كرة بحجم البطيخة، ثم يبتعد عنها فتغدو بحجم حبة جوز، ثم يبتعد فتصبح نقطة في الفضاء، ثم تتلاشى النقطة ويبلعها الفراغ. ألا ما أهونَ الدنيا!

عندما يقبض ملَكُ الموت نفسَك وينطلق بها بعيداً عن جسدك الفاني ستنظر خلفك، فترى دنياك وهي تبتعد وتتضاءل حتى لا تبقى منها إلا نقطة في ملكوت الله، ثم تَفنَى النقطة وتزول ولا يبقى من الدنيا شيء، ولا أيُّ شيء، هنالك تقول: يا حسرتا على ما فرّطتُ وما أضعت في سبيل ذلك الوهم الزائل!

يا أيها الناس، ستكون أمنيّة كل واحد فينا ذات يوم أن يُرَدّ إلى الدنيا ليتوب عن ذنب ارتكبه ويستزيد من العمل الصالح، وأنَّى؟ لا عودةَ بعد الرحيل، فلماذا لا نتخيل ذلك الفراق الأبدي والرحلة التي لا رجعة منها ونحن في سعة وعافية وقدرة على التوبة والاستزادة؟ تخيّلوا رحلة الموت مرة في اليوم أو مرة في الأسبوع أو في الشهر، تَهُن الدنيا في أعينكم فتعملوا لدار البقاء.

أسأل الله لي ولكم النجاة في الآخرة والفوز بجنّات النعيم.

 

نُشِرت في في الدعوة والإصلاح, خواطر ومشاعر | الوسوم: , , , , , | أضف تعليق