إنه يوم كيوم الجمل

إنه يوم كيوم الجمل، ومَن نجا بدينه فقد نجا

مجاهد ديرانية

 

-1-

 

روى الطبريّ في تاريخه أن علياً وطلحة والزبير اجتمعوا ليلةَ الجمل، فتوافقوا وتكلموا فيما اختلفوا فيه فلم يجدوا أمراً هو أمثل من الصلح. فافترقوا على ذلك واطمأنت النفوس، وباتوا بخير ليلة لم يبيتوا بمثلها للعافية. وبات الذين أثاروا أمرَ عثمان بشَرّ ليلة باتوها قط، قد أشرفوا على الهلكة، وجعلوا يتشاورون ليلتَهم كلها، حتى اجتمعوا على إنشاب الحرب في السرّ. ثم غَدَوا مع الغَلَس (أي مع ظلمة آخر الليل) وانسلّوا إلى ذلك الأمر انسلالاً، فخرج مُضَريُّهم إلى مُضَريِّهم ويمانيُّهم إلى يمانيِّهم فوضعوا فيهم السلاح، فثار كل قوم في وجوه أصحابهم الذين بَهَتوهم، وبدأت الحرب.

 

قال الشيخ محب الدين الخطيب في تعليقه على “عواصم” القاضي ابن العربي: “وهكذا أنشبوا الحربَ بين علي وأخويه الزبير وطلحة، فظنّ أصحابُ الجمل أن عليّاً غدر بهم وظنّ علي أن إخوانه غدروا به، وكلٌّ منهم أتقى لله من أن يفعل ذلك في الجاهلية، فكيف بعد أن بلغوا أعلى المنازل من أخلاق القرآن؟”

 

-2-

 

إننا نعيش في سوريا اليوم فتنةً كيوم الجمل، فكلّما أوشكت نارُ الفتنة أن تخبوَ بجهود المصلحين جاء مَن يصبّ على النار زيتاً ويغذيها بالوَقود والبارود. إن الحالة التي عشناها في الأيام الماضية هي حالة هستيرية جاهلية نموذجية، خرج فيها كثيرون من إسلامهم إلى جاهليتهم وراحوا يهتفون بثارات أبي عيسى كما يهتف الرافضة بثارات الحسين! لا أشك أن أكثر أولئك المجانين الذين ملؤوا العالم الافتراضي صخباً وضجيجاً هم من المخابرات وأعداء الأمة والثورة، ولكنهم ما كان لنفخهم أن يزيد الضِّرام لولا أن النار كانت قد اشتعلت ابتداء، ولا أراها اشتعلت إلا بأيدي عملاء يخترقون الجماعات على الأرض.

 

إن جبهة النصرة وحركة حزم مخترَقتان بالعملاء قطعاً، وليس هذا غريباً، فإننا نعلم أن الفصائل والجماعات كلها مخترَقة، إما بواسطة النظام الأسدي أو بواسطة داعش أو بواسطة أجهزة المخابرات الإقليمية والدولية التي غزتها كغزو السوس للطعام. هذا أمرٌ لا يمكن الاحتراز منه في ظروف الحرب التي نعيشها في الشام في هذه الأيام.

 

لا أشك أن أولئك العملاء المدسوسين في النصرة وحزم هم المسؤولون عن إشعال النار. إذا نجح أسلافُهم في جَرّ أكرم أجيال البشر إلى الاقتتال فكيف سيمتلك ثوار اليوم في سوريا الحصانةَ من الفتنة؟ هل من طريق لدفعها واجتناب الاقتتال؟ لحسن الحظ: نعم، إذا صدقت النيّات.

 

-3-

 

لا يكون الانفجار إلا إذا اجتمع البارود بالنار، فإذا بقي برميل البارود بعيداً عن شعلة النار أمِنّا الانفجار. لو بقيت النصرة حيث النصرة وبقيت حزم حيث حزم لما وقع الاقتتال الأخير، وهو اقتتال سنراه في صور متكررة إذا لم نعالج الجذور والأسباب. إذا اختلفت طائفتان فتحركت هذه إلى تلك أو تلك إلى هذه كان التقاء البارود بالنار وكان الانفجار، فلا أمانَ إلا بالفصل بين المختلفَين وبأن لا يمشي أحدُهما إلى الآخر. مَن حافظ على موقعه سَلِمَ وسلم منه الآخرون، ومن تحرك إلى الآخر وتسبب في الاقتتال فعليه غضب الله.

 

الحكم الشرعي الذي أراه هو أنّ مَن مشى إلى الآخر فقاتله فقتله فهو قاتل متعمّد مخلَّد في النار، وفيه وفي أمثاله نزل قولُ الله تبارك وتعالى: {ومن يَقتُلْ مؤمناً متعمّداً فجزاؤه جهنم خالداً فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذاباً أليماً}. أخرج البخاري عن ابن عباس، قال في الآية: هي آخر ما نزل، لم ينسخها شيء.

 

يا أيها المجاهدون في الشام: إننا مقبلون على فِتَن عمياء سيَحار فيها العقلاء، وإنّ عاصمَكم من الحيرة ومن التلبّس بخطيئة قتل النفس البريئة هو الثبات في الأرض وعدم التحرك بالسلاح على فصيل آخر. إن الساعي إلى موقع الطرف الآخر هو البادئ بالقتال، فإذا أمرك قادتُك بالتحرك لقتال مسلم فاعصِ الأمر ولا تطِعْهم في معصية، بل في كبيرة من أكبر الكبائر. اعتزل القتال وألقِ السلاح، وإذا ألزموك وهدّدوك بالقتل فلا تكن عبدَ الله القاتل وكن عبدَ الله المقتول.

 

-4-

 

أما إذا بغى عليك فصيل آخر فهاجمك في أرضك فلا جناح عليك أن تدافع عن نفسك وأرضك بالحق، ففيك -عندئذ- يتحقق حديث أبي هريرة الذي أخرجه مسلم في صحيحه، أن رجلاً سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، أرأيتَ إن جاء رجلٌ يريد أخذ مالي؟ قال: لا تُعطِه مالك. قال: أرأيتَ إن قاتلني؟ قال: قاتلْه. قال: أرأيت إن قتلني؟ قال: فأنت شهيد. قال: أرأيت إن قتلته؟ قال: هو في النار.

 

إن قتال المسلم وقتله من أعظم الذنوب ومن أكبر الكبائر، فلا يَحِلّ قتالُه إلا لردّ العدوان الصريح كما جاء في الحديث الصحيح السابق، أو لردّ البغي الموصوف في آية الحجرات. أما استيفاء الحقوق الفردية والقصاص في الدماء فلا يكون بالقتال، بل يكون بالتقاضي إلى القضاء الشرعي. واعلموا أن العفو مقدَّم على القصاص وأن الصلح خير، فليصبر أصحابُ الحق ولو طال التقاضي وماطل الخصوم، ولا يتسببوا في قتال بين المسلمين بذريعة القصاص للقتيل من قاتليه.

 

ولأن القتال بين المسلمين أمر جليلُ الخطر عظيمُ الشأن يدمر الجماعة ويقضي على شوكتها ويمكّن منها عدوها فإنّ الذي يقرر حالةَ البغي ويبرّر قتال البغاة ليس أياً من طرفَي النزاع؛ قال تعالى: {فقاتلوا التي تبغي}، فوجّهَ الأمر بالقتال إلى جماعة المسلمين، ممثّلةً بقيادتهم السياسية إذا كانت لهم قيادة وإمام، أو بجماعتهم إذا لم يكن لهم إمام، كذلك فسّرها أهل العلم. وقد تحققت عندنا هذه الحالة في الثورة السورية لمّا خرجت داعش على الجماعة وقاتلت عموم الناس، فاجتمع المسلمون في الشام على وجوب قتالها ودفع شرها، وهذه حالة نموذجية من حالات قتال البغاة في العصر الحاضر تصلح للتدريس في المعاهد والكليات.

 

-5-

 

لأنني أبالغ في انتقاد الأخطاء القاتلة ولا أملّ من نقد المخطئين الذين يجرفون ثورتنا إلى الهاوية صنّفني بعضُ الناس في قائمة مثيري الفِتَن، وما يزالون يطالبونني بالصمت. غاب عن أولئك الأفاضل أن لكل بداية نهاية، وأنّ مَن أراد إصلاح النهايات فعليه إصلاحُ البدايات.

 

إذا سارت السيارة في طريق يعلم بعضُ الناس أنه ينتهي بهاوية عميقة فعليهم أن يهتفوا بالسائرين: “احذروا، إنكم تمشون إلى الهاوية والضياع”. وماذا ينبغي أن يصنع السائرون في الطريق؟ عليهم أن يقفوا ويصحّحوا الاتجاه، فإذا لم يفعلوا فسوف يصيح المحذّرون: “قفوا ويلكم، أما تسمعون؟” فإذا أصرّوا على المضيّ في طريق الموت سيتعالى صياحُ الآخرين: “قفوا يا مجانين، إنكم توشكون أن تسقطوا في الهاوية”.

 

هذا إذا كان السائرون في طريق الهاوية سائقين منفردين في سياراتهم الخاصة، لكن ماذا لو كانوا يسوقون حافلات فيها أولادنا وأهالينا؟ عندئذ لن نصيح بهم -بعد التحذيرات السابقة كلها- قائلين: قفوا يا مجانين! بل سنهتف غاضبين: قفوا يا مجرمون، إنكم توردون أولادنا وأهالينا مواردَ الهلاك.

 

إن النصيحة والتحذير من الخطأ فريضة، ومن كان محذّراً من الخطأ وقسا في النقد فله الأجر بقدر اجتهاده، أما مَن دعا إلى الثأر وهيّج شعارات الجاهلية وسعى في تسعير النار فهو شريك في الجريمة وعليه وزرها يوم الدين.

Posted in رسائل الثورة | أضف تعليقاً

آخر إنجازات جبهة النصرة في سوريا
@mujahed_dira

1- نبارك للثورة السورية: بدأت النصرة قبل قليل هجومها الكبير على معقل بشار الأسد في الأتارب (الفوج 46)
الآن معركة طاحنة على أطراف الفوج والمشتل.

2- نبارك للثورة السورية: اقترب سقوط النظام… ليوث النصرة يتقدمون باتجاه دمشق عن طريق الأتارب ويدكون الآن حصون الفرقة 46، أبشري بالنصر يا ثورة.

3- جبهة النصرة تنصر ثورتنا وتسيّر الأرتال لغزو الساحل واسترجاع حمص وفتح دمشق.
كما نعلم من دروس الجغرافيا: طريق الساحل وحمص ودمشق يمر بالفوج 46.

(لمن لا يعلم: الفوج 46 ترابط فيه حركة حزم وهي التي حررته من النظام)

ملاحظة ختامية: كل ثورة وأنتم بخير

Posted in خواطر فسبوكية | أضف تعليقاً

إنقاذ الشمال من الاشتعال

مجاهد ديرانية

 

-1-

 

ثلّةٌ من الحمقى لا يتّقون الله، حزم والنصرة وكل من يملك أن يطفئ النار ثم لا يفعل. حمقى؟ بل مجرمون. العدو محيط بحلب من كل الجهات، النظام وحالش وداعش يضغطون على حلب التي توشك جبهاتُها على الانهيار، والكلاب الضالّة من لبنان وإيران وأفغانستان تنهشُ لحومَ الصغار وتنتهك أعراضَ المؤمنات، ومراهقو الثورة مشغولون بتوطيد النفوذ وتصفية الحسابات.

 

نعم، الذين قتلوا أبا عيسى الطبقة مجرمون يستحقون المحاكمة والقصاص إذا ثبت عليهم الجرم. يستحقون محاكمة كالتي استحقها قَتَلةُ أبي زيد قنّاص في الغوطة وقَتَلة أبي أُسَيد الجزراوي في بنّش. لم نسمع أن أحرار الشام أو أن أجناد الشام هَيّجوا الحربَ على النصرة لأنها قتلت قادتهم، لكن يبدو أن القانون يختلف عندما يكون الضحية من النصرة، عندها لا تُحَلّ المشكلة في المحاكم، بل بتسعير القتال وتسيير الأرتال.

 

-2-

 

لقد أثبتت الاختبارات الحقيقية أن ثورتنا ثورة جاهلية تستتر بأسماء ورايات إسلامية. للأقوياء عندنا قانون وللضعفاء قانون، فالحق يدور مع القوة ولا تدور القوة مع الحق. الذين تُسترجَع حقوقهم وتُصان دماؤهم وأموالهم هم الأقوياء، أما الضّعَفَة فلا بواكيَ لهم ودمُهم هدَر.

 

قبل أربعة أسابيع مات شاب اسمه صفوان بوّابة، قُتل تحت التعذيب في سجن جبهة النصرة في معرة مصرين، وقد أشرف على تعذيبه أميرُ النصرة في البلدة خالد أبو قدور، واعترفت النصرة بمقتله في سجنها معتذرة بأن السجّانين “بالغوا قليلاً في التعذيب”. بعدها بأسبوعين اعتقلت النصرةُ في معرّة حرمة مصطفى حمود زريق ثم قتلته في السجن، وبعدها بأيام استُشهد في سجن النصرة بخان شيخون مضر أيوب بعد أسبوعين من الاعتقال، وأخيراً (وليس آخراً) قتلت النصرة في سجنها قبل أيام قائدَ إحدى الكتائب الصغيرة، قصي الملا، بعد خمسة أيام من الاعتقال.

 

هؤلاء لا بواكي لهم ولن يطالب بدمهم أحدٌ لأنهم لا ينتمون لفصيل قوي، لأنهم فقط سوريون مسلمون من عامة الناس. لا قُدِّسَت أمة ولا قُدِّسَت ثورة لا يُؤخَذ لضعيفها حقُّه من شديدها وهو غير مُتَعْتَع.

 

-3-

 

إذا كانت جبهة النصرة قادرة على أن تتجلى في هيئة أسد مرة وفي هيئة نعامة مرة، فلماذا لم نَرَ “الأسدية” إلا على فصائل الجيش الحر التي مَسَّت النصرةَ مَسّاً رقيقاً ورأينا “النعامية” على داعش التي قتلت منها الآلافَ وأوشكت أن تبيد خضراءها وتستأصلها من الوجود؟

 

يُحزننا أن نرى للنصرة قانونين: قانوناً تطبّقه على داعش وقانوناً تطبقه على سائر الفصائل والكتائب والجماعات الثورية المسلحة. القانون الأول يقول: لو قتلت داعش منا الآلاف فإننا لا نجرؤ أن ندافع عن أنفسنا أو نطالب بدماء شهدائنا، وسوف نصنع ما يصنعه النظام الأسدي: “نحتفظ بحق الرد”. أما لو اعتدى علينا فصيل ثوري يقاتل النظام فإننا جاهزون للقتال والاستئصال.

 

سيقول قائلهم: بلى، قاتلنا داعش في الشرقية. نقول: ثم أسلمتم لهم الأرض والرجال ليرتكبوا فيهم أبشع مجزرة سُجِّلت في الثورة في أربعة أعوام. ما حمَلكم على الانسحاب؟ ألا تركتم الشمال لأهل الشمال، ففيهم رجال، ودافعتم عن الشرق الضائع؟ هلاّ رأينا هناك “المراجل” والبطولات؟ وإذا وسعكم الصمتُ هناك بعد كل الذي لاقيتموه فلماذا لا يسعكم هنا وحلب توشك أن تحرقها النار؟

 

-4-

 

لم تقم الحرب العالمية الأولى لأن مجنوناً أطلق النار على أرشيدوق النمسا في سراييفو. لقد كانت القارة الأوربية مهيأة للحرب وكانت بانتظار عود الكبريت، فجاءت حادثة الاغتيال لتشعل النار في الفتيل لا أكثر. يعلم كل المتابعين أن الوضع في الشمال يشبه منذ خمسة أشهر الوضعَ في أوربا غداة الحرب.

 

لن ينشأ القتال بين النصرة وحزم لأن حزم اعتقلت بعض مجاهدي النصرة أو اغتالت أحد رجالها في الاعتقال (وهي جريمة بشعة بكل المقاييس وتستحق التحقيق والقصاص)، بل لأن النصرة اتخذت القرار بقتال حزم وإفنائها أولاً، وبعد ذلك ستبحث عن الأعذار والأسباب، سواء أكانت أسباباً مفتعَلة أو سبباً حقيقياً كالذي حصل البارحة. لن يقدّم السببُ ولن يؤخر لأنه عود الكبريت فحسب، ولن تُحَلّ المشكلة إلا بإعادة ترتيب البيت الداخلي ووضع قواعد صارمة تمنع حل الخلافات البينيّة بالسلاح.

 

بعيداً عن الصبيانيات والعنتريات: على حزم أن تسلّم المتهَمين بقتل أبي عيسى إلى المحكمة الشرعية في حلب، وعلى النصرة أن تسحب أرتالها وتوجهها إلى مكانها الطبيعي على الجبهات. إذا لم يلتزم الطرفان بحلّ شرعي قانوني سريع فإنهما يستحقّان كليهما الطردَ من الثورة، فلا حاجةَ لساحات الجهاد بفصائل تَزيد الفرقة وتسعّر النار وتحرف المسار.

 

-5-

 

قبل ستة عشر شهراً نشرتُ عن داعش مقالةً عنوانها “تعالوا إلى كلمة سواء” قلت فيها: “إن الجماعات المقاتلة كلها ترتكب أخطاء، ومن المألوف أن تنتشر الفوضى في أوقات الحروب وأن يقع ضحايا أبرياء. لن أقول إن تلك الأخطاء هي جوهر المشكلة، إن الخطر الذي أحْذَره وأحَذّر منه أكبر بكثير. فيما يتعقبُ الناس بعضَ الحوادث المتفرقة هنا وهناك أجد نفسي مشغولاً بالمشكلات الكبرى، مشكلات المنهج والهدف والقيَم والأفكار، لأنها هي الأصل الذي يصدر عنه ما نراه من سلوك وممارسات”.

 

اليوم أكرر الصّيحةَ نفسها وأضيف: ليست مشكلة الثورة في تجاوزات وأخطاء تقع هنا وهناك، بل هي في مناهج مدمرة لا تبالي بالدماء ولا ترى طريقة لفصل النزاعات إلا بتسعير القتال وتسيير الأرتال. إلاّ تتخلصْ أرضُ الشام من هذه المناهج وهذه الطريقة في حل الخصومات والمشكلات فعلى جهاد الشام السلام.

 

Posted in رسائل الثورة | أضف تعليقاً

داعش على حق

هكذا يقول كثير من أنصارها. لماذا يا أنصارَ داعش؟ يقولون: “الجواب سهل، لأن دول الكفر مجتمعة على قتالها، ولو لم تكن على الحق لما حاربوها”. ثم ينظرون إلينا باحتقار لأننا غفلنا عن القاعدة الذهبية، التي يختمون بها حديثَهم معنا منتصرين علينا بالضربة القاضية كما يظنون: “إذا أردتَ أن تعرف أين الحق فانظر إلى سهام الباطل أين تتّجه”.

 

*   *   *

 

زعموا أن طبيباً كان له تلميذ يساعده ويصحبه ليتعلم منه، فأخذه مرّة لعيادة مريض. وكان الطبيب قد فرض على مريضه حمية منعه فيها من أكل السمك، فلما دخل عليه وبّخه قائلاً: لماذا أكلت سمكاً؟ أما نهيتك عن أكل السمك؟ فاعتذر المريض ووعدَ ألاّ يعود.

 

دُهش التلميذ المساعد من نباهة أستاذه الطبيب، وما لبث أن سأله وهما يغادران بيت المريض: كيف عرفت أنه أكل سمكاً يا سيدي؟ قال الطبيب: أما رأيتَ حَسَك السمك مُلقىً على باب الدار قد اجتمعت عليه القطاط؟

 

في اليوم التالي أرسل الطبيبُ مساعدَه ليطمئنّ عن المريض، فلما دخل عليه قال له: لماذا أكلت حماراً؟ قال المريض مشدوهاً: حمار؟ من أخبرك أني أكلت حماراً؟ وهل يأكل الناس الحمير؟ قال: لا أشك أنك فعلت، فإني رأيت برذعة الحمار على باب الدار!

 

*   *   *

 

لا أدري لماذا أتذكر قصة الحمار والبرذعة كلما قرأت تلك الجملة الخالدة التي يردّدها الدواعش عن معسكر الحق وسهام الباطل.

الحمد لله الذي عافانا من “المنطق الحماري” الذي ابتلى به كثيراً من الناس.

Posted in خواطر ومشاعر, داعشيات | أضف تعليقاً

استقلال القضاء وسيادته (2)

استقلال القضاء وسيادته: ضرورة ثورية وفريضة شرعية

(2 من 2)

مجاهد ديرانية

-5-

 

أدرك الثوار منذ وقت طويل أهمية القضاء وضرورة تنظيمه في المناطق المحررة، لأن الناس لا يمكن أن يعيشوا بلا قضاء يحفظ الحقوق ويوثّق العقود ويفضّ الخلافات ويفصل في المنازعات، ولأن حاجة الناس إلى القضاء تكاد لا تقل عن حاجتهم إلى الطعام والشراب والدواء والكساء. من أجل ذلك اجتهد الناشطون والثوار فأنشؤوا مؤسسات قضائية شكلت نواة لجهاز قضائي كبير يغطي المناطق المحررة كلها، وهو جهد هائل مشرّف يُحمَد للساعين فيه ويُشكَر القائمون عليه.

 

لكن هذا الجهاز القضائي الثوري العظيم ما يزال يعاني من التعثر والفوضى، إما بسبب ضعفه وعدم قدرته على إنفاذ الأحكام، أو بسبب عدم استقلاله الكامل وتدخل الفصائل في عمله، أو بسبب تعدد المرجعيات القضائية. وقد بُذِلت محاولاتٌ جادة خلال السنة الأخيرة لتوحيد تلك المرجعيات ومنحها القوةَ والاستقلال، فنجح بعضُ المحاولات نجاحاً كبيراً وصارت نموذجاً يستحق أن يُحاكَى في بقية المناطق، ونجح غيرُها نجاحاً جزئياً يشوبه بعض النقص الذي يحتاج إلى إصلاح.

 

من خلال متابعات مطوَّلة لهذا الموضوع الخطير أستطيع أن أقدم شهادة أُسأَل عنها أمام الله، وهي أن الفصائل كلها (فيما أعلم) أيّدت مشروع تحرير القضاء من الهيمنة العسكرية ودعمت توحيدَ المرجعيات القضائية ووافقت على اعتماد “القانون العربي الموحد”، ولم يشاغب أحدٌ على هذه الجهود المباركة إلا جبهة النصرة التي ما تزال تصرّ على الانفراد بمحاكمها الخاصة (دار القضاء) التي صارت مؤخراً “سلطة قضائية موازية” تتعارض أو تتناقض مع الجهاز القضائي الثوري، وترفض اعتماد “القانون العربي الموحد” وتنظر إليه بريبة وشكّ وتصفه بالقانون الوضعي، رغم أن كثيراً من قُضاتها لا يملكون الحد الأدنى من العلم الذي يُشترَط في القاضي، وما أكثرَ ما ارتكبوا من طوامّ وأخطاء حتى في الدماء!

 

مع العلم بأن “القانون العربي الموحد” ليس سوى تقنين (صياغة قانونية) للأحكام الشرعية، بحيث يساعد القضاةَ على استخراج الأحكام الصحيحة في القضايا المختلفة، وهو مستخلَصٌ من الشريعة الإسلامية بمذاهبها الفقهية الأربعة الكبرى. أرجو من المهتمّين مراجعة الدراسة المختصرة القيّمة التي أعدتها “هيئة الشام الإسلامية” لهذا القانون، وتجدونها في الإنترنت بعنوان “القانون العربي الموحد: دراسة وتقويم”. وفي الخلاصة أوصت الهيئة باعتماده في المحاكم الشرعية في سوريا، مع استثناءات قليلة جداً كأحكام التأمين التجاري (قلت: وهي أصلاً مسألة خلافية، وإن كان الأحوط التحفّظ في الفتوى فيها، فلا نقول إن اجتهاد القانون الموحد فيها خطأ ولكنه مرجوح، والله أعلم).

 

-6-

 

من أعظم الأمثلة على التجارب الناجحة لتوحيد القضاء “دار العدل” (مجلس القضاء الموحد) في محافظة حوران، التي يقوم عليها عددٌ من أفاضل القضاة وتدعمها وتعترف بها وتخضع لها جميع الفصائل المقاتلة والهيئات المدنية والمجالس المحلية في المحافظة، وقد حلّت محل المحاكم المتفرقة التي كانت تتبع للفصائل المختلفة واستلمت جميع المعتقلين الذين كانوا في سجونها. وهي اليوم مرجعية قضائية معتبَرة وصمام أمان في حوران، وقد كان لها دور مشهود في حل كثير من الخلافات البينيّة بين الفصائل.

 

وفي حلب حققت المؤسسات القضائية قفزة نوعية عظيمة قبل عشرة أسابيع بتشكيل “المحكمة الشرعية بحلب وريفها” التي حلّت محل المحاكم والهيئات الشرعية التابعة للجبهة الإسلامية وجيش المجاهدين، وتعهدت الأطراف المشاركة في المحكمة الجديدة باحترام استقلاليتها وبدعمها وحمايتها وإغلاق كل ما عداها من محاكم وهيئات شرعية ومكاتب قضائية، كما تعهدت بأن تسلّمها كل مَن لديها من الموقوفين وأن تمتنع عن توقيف المدنيين إلا بمذكرة قضائية نظامية صادرة عن المحكمة.

 

المنطقة الثالثة التي بدأت فيها تجرية قضائية واعدة كانت غوطة دمشق التي أنشئ فيها مجلس القضاء الموحد (المجلس القضائي للغوطة الشرقية) قبل سبعة أشهر وحظي منذ تأسيسه بدعم الفصائل الكبرى في الغوطة. وقد ظننت لبعض الوقت أنه سيكون أفضلَ جسم قضائي ثوري في سوريا كلها، لكنه لم يستطع أن يكون كذلك لأن جيش الإسلام (وهو أقوى قوة عسكرية في الغوطة وله دور كبير في حمايتها وحفظ أمنها) يتجاوزه بين وقت وآخر فيقوم باعتقالات وتحقيقات ومحاكمات خارج القضاء، وما زال له سجنه الخاص (سجن التوبة الشهير)، مما يشكل ضغطاً مستمراً على القضاء الحر المستقل في الغوطة. وقد أقدم الجيش مؤخراً على تجاوز خطير لا يمكن أن نقبله منه رغم محبّتنا له ودفاعنا عنه ورغم ما نرجوه منه من خير كبير، حين اعتقل أحد قضاة المجلس اعتقالاً تعسفياً لبعض الوقت، وهي سابقة مرعبة لا تهدد بعض القضاة أو الهيئات القانونية في سوريا فحسب، بل إنها لتشكل تهديداً لأصل كبير من الأصول التي قامت الثورة من أجلها، وهي تحقيق العدالة وإنشاء دولة القانون.

 

-7-

 

الخلاصة: ما هو المطلوب من الفصائل الثورية المجاهدة في المناطق المحررة؟ أول ما يُطلب منها هو أن ترعى المؤسسة القضائية الناشئة، وهي -كما أشرت آنفاً- مؤسسة مشرّفة يحق للثورة أن تفخر بها ويجب عليها وجوباً عينياً أن تدعمها وتحافظ عليها. على الفصائل كلها أن توفر لها الرعاية والحماية وأن تضمن استقلالها الحقيقي، فلا تتدخل في تعيين قُضاتها ولا تحاول عرقلة أحكامها، حتى لو صدرت الأحكام على القادة والأمراء. أليس هذا هو الإسلام الذي جلس فيه خليفةُ رسول الله بين يدي القاضي أمامَ خصم ضعيف من عامة الناس؟ ولا يكون الدعم الحقيقي إلا من خلال الخطوات التالية:

 

1- على الفصائل أن تتعاون معاً فتشكل لكل محكمة في كل مدينة محررة قوة عسكرية (ضابطة قضائية) يبلغ من حجمها وقوّتها أنّ أي فصيل لا يستطيع أن يعتدي على المحكمة وقُضاتها أو أن يعطل تنفيذ أحكامها.

 

2- على الفصائل كلها، بلا استثناء، أن تُلغي محاكمها (إن كانت لها محاكم) وأن تغلق سجونها (إن كانت لها سجون)، فلا تبقى في كل مدينة محررة إلا محكمة واحدة ولا يبقى فيها إلا سجن واحد، تشرف عليه المحكمة وتحرسه الضابطة القضائية.

 

3- على الفصائل كلها أن تتعهد بألاّ تعتدي على اختصاص المحاكم، فلا تعتقل أحداً أبداً، ولا تنشئ سجناً لا علنياً ولا سرياً، ولا تمارس التحقيق والتعذيب وانتزاع المعلومات من أحد ولا تصدر أحكاماً على أحد. وإذا كانت لأي فصيل من الفصائل مَظلمة أو شكوى على فصيل آخر أو على فرد أو جماعة من الناس فليس له طريق لحلها إلا القضاء، فليس لأقوى فصيل في سوريا من الحق أكثر ما لأضعف إنسان في سوريا منه، كلهم أمام القضاء سواء.

 

#الموجة_الثانية_للثورة

#فكّوا_العاني

#أطلقوا_المعتقلين

#الظلم_ظلمات

#الاعتقال_منوط_بالقضاء

#القضاء_المستقل_أساس_العدل

_______________

 

ملحق: دراسة “هيئة الشام الإسلامية”

“القانون العربي الموحد: دراسة وتقويم”

http://islamicsham.org/versions/1993

 

 

Posted in رسائل الثورة | أضف تعليقاً

استقلال القضاء وسيادته (1)

استقلال القضاء وسيادته: ضرورة ثورية وفريضة شرعية

(1 من 2)

 مجاهد ديرانية

 

-1-

 

لم تسعَ الثورة السورية إلى إسقاط النظام فحسب، بل إنها أبدعت أيضاً في صناعة البدائل واستطاعت أن تبني هيكلاً أوّلياً لدولة الحرية المنشودة، وهو هيكل ضعيف ولكنه شبه متكامل ويمكن تطويره بسهولة -عندما تتوفر المواردُ المالية والبشرية- إلى أجهزة احترافية للدولة السورية المستقلة. ويدخل في إنجازات الثورة الإبداعية تأسيسُ الإدارات المحلية للمناطق المحررة وبناءُ الأجهزة الخدمية التي تغطي الحاجات الأساسية للناس، كإدارة المخابز وتنظيف المدن، وهي توفر خدمات الإسعاف والإطفاء والدفاع المدني التي صارت في كثير من المناطق المحررة فَيصلاً بين الموت والحياة، ويعمل فيها الآلافُ من الجنود المجهولين الذين لم توفِّهم الثورةُ حتى اليوم حقَّهم من الشكر والعرفان.

 

ومن الإنجازات الكبيرة للثورة أيضاً إنشاء أجهزة فاعلة للتعليم والصحة والمواصلات والاتصالات والطاقة وإدارة المعابر الحدودية… وعلى رأس تلك الإنجازات وقبلَها كلها -من حيث الأهمية- الجهازُ القضائي الذي قطعت الثورةُ شوطاً بعيداً في بنائه حتى وصل إلى درجة ناضجة مشرّفة، رغم أنه ما يزال يعاني من ضعف ومشكلات تعوق عملَه في كثير من المناطق المحررة، منها مشكلات يتعين على الجهاز نفسه حلُّها، كنقص الكوادر القضائية المؤهلة، ومنها مشكلات يتعين على الفصائل المقاتلة حلها، وهي التي تهمنا في هذه المقالة والتي بعدها.

 

-2-

 

إن للفصائل المقاتلة فضلاً على الثورة لا يمكن إنكاره، ولا بد أن لها كثيراً من الأخطاء أيضاً، فكل ابن آدم خَطّاء، وكلما كثر العمل زادت مظنّة الخطأ، لا سيما في أوقات الكوارث والحروب والأزمات التي تفتقر إلى الاستقرار وتضغط على أصحاب القرار. من تلك الأخطاء ما يؤثر في الثورة تأثيراً هيّناً فيمكن (وقد يَحسُن) السكوت عنه، ومنها الخطأ الكبير الخطير الذي يضرّ الثورة ويضر الناس ضرراً شديداً، فلا يمكن السكوت عنه ولا يجوز.

 

إن أكبر خطأ ترتكبه الفصائل هو التدخل في الحكم والتسلط على الناس والسيطرة على القضاء، ومن بين هذه الأخطاء نجد أن الاعتداء على استقلال القضاء هو الخطأ الأكبر، وهو أقرب إلى أن يصنَّف جريمةً في حق الثورة والأمة والدين، لأن استقلال القضاء وهيمنتَه على السلطة التنفيذية أصلٌ في الإسلام، وهو ميزانٌ لحرية الأمم وعلامةٌ على رقيّ الشعوب، وما انتُقِص من استقلال القضاء في أمة ونُزعت هيبتُه واعتُدي على سلطانه إلا ذلّت وهانت وضاعت حقوقُ ضعفائها وانتشر فيها الظلم والفساد والاستبداد.

 

-3-

 

لماذا قامت الثورة في سوريا؟ إنما قامت لإنهاء الاستبداد وردّ الحقوق إلى أصحاب الحقوق ورفع الظلم عن المظلومين، فما الجهةُ التي يُنتظَر منها أن تقوم بذلك كله؟ الفصائل المقاتلة؟ إن مهمتها هي تحرير الأرض وحماية الناس وحراسة مؤسسات الثورة ومنجزاتها، وليس عليها إنشاء تلك المؤسسات وإدارتها أو التحكم فيها إذا ما أنشأها أهلُ الاختصاص.

 

إن الثورة مشروع هائل يحمله الملايين، وكل واحد منهم مطالَب بأن يقوم بعمله بإخلاص وإتقان، فلا يقصّر في واجبه ولا يعتدي على اختصاص غيره؛ المقاتل مهمته أن يقاتل وليس أن يعالج المصابين، هذه مهمة الطبيب. والطبيب يعالج ولا يُفتي، الفتوى للعلماء. والعالم يفتي ولا يقود المعارك، فللمعارك أهلها من القادة والمقاتلين. وليس أحدٌ من كل مَن ذكرت آنفاً مهمّته أن يقضي بين الناس، إنما يتولى القضاءَ القضاةُ المؤهلون.

 

فالقاعدة الأولى -إذن- هي أن هذا العمل لا يقوم إلا على المحترفين المختصين من أهله. القاعدة الثانية هي أن لا تتعدد دورُ القضاء، فإذا تعددت وتباينت أحكامُها ضاعت الحقوق بسبب تنازع الاختصاص، لأن كل خصم سيذهب بالقضية إلى المحكمة التي توافق هواه، فيكون تعدد الجهات القضائية سبباً في زيادة الخصومات بدلاً من أن يكون سبباً في حل المشكلات.

 

-4-

 

القاعدة الثالثة هي أمّ القواعد وأهمها على الإطلاق، وهي استقلال القضاء وقوّته، فلا يكون القضاءُ قضاءً حقاً إلا إذا استقل عن الكيانات العسكرية والسياسية والمالية فلم يخضع لأي منها، وامتلك قوة تنفيذية قادرة على تطبيق الأحكام حتى على الأقوياء من أصحاب السلاح والجاه والمال، فلا يطبَّق القانونُ على الضعفاء وينجو منه الأقوياء، وهي حالة متحققة في كثير من المناطق المحررة للأسف الشديد، وهي من أسباب ضياع الحقوق وغضب الله وتأخير الانتصار.

 

لقد ثار السوريون على نظام ظالم غاشم كان يمتلك بضعة عشر جهازاً أمنياً لكل منها سجونه وزبانيته الذين يملكون الحق المطلق في الاعتقال والتحقيق والتعذيب وإصدار وتنفيذ الأحكام، فهل يُعقَل أن يخرج السوريون -بعد كل ما قدّموه من تضحيات جِسام- من تحت الدَّلْف إلى تحت المِزراب؟ هل يجوز أن يستبدلوا ببضعة عشر جهازاً أمنياً مئاتٍ من الأجهزة الأمنية التي تملكها مئاتُ الفصائل والكتائب، ولكل منها سجنُه وسجّانوه الذين يعتقلون ويعذبون الناس -باسم الثورة- ليقرروا بعد ذلك إن كانوا مذنبين أو كانوا أبرياء؟

 

هَزُلت ثورةٌ أخرجت الناسَ من ظلم إلى ظلم ومن استبداد إلى استبداد! حتى لو كان المعتقَلون مذنبين فإن الإجراء متلبّسٌ بالخطأ والظلم والاستبداد، لأن السلطة التنفيذية لا يحق لها أن تتحكم في السلطة القضائية ولا أن تعلوَ عليها، إنما هي خاضعة وخادمة لها إذا كان النظام نظام عدل وقسط، وهي مسيطرة وسائدة عليها إذا كان نظامَ قهر واستبداد.

 

(وللحديث بقية)

 

#الموجة_الثانية_للثورة

#فكّوا_العاني

#أطلقوا_المعتقلين

#الظلم_ظلمات

#الاعتقال_منوط_بالقضاء

#القضاء_المستقل_أساس_العدل

 

Posted in رسائل الثورة | أضف تعليقاً

أطلقوا المعتقَلين

إلى النُّصرة والفَصائل: أطلقوا المعتقَلين

 

مجاهد ديرانية

 

أطلق الناشطون مؤخراً حملة “أنقذوا البقيّة” للتضامن مع المعتقَلين، وهي أقل ما يمكن عمله وفاءً لجنود الثورة المجهولين الذين غيّبَتهم السجونُ والمعتقلات. ولكن هذه الحملة اقتصرت على المطالبة بإطلاق معتقَلينا في سجون النظام، لماذا؟ هل قامت الثورة لتمنع النظامَ وحدَه من الظلم والعدوان، أم قامت لرفع الظلم مطلقاً ودفع عدوان المعتدي كائناً مَن كان؟ هل يكون الظلم حراماً إذا ارتكبه نظام الاحتلال الأسدي ويصبح حلالاً إذا قام به فصيل من الفصائل الثورية باسم الثورة أو باسم الإسلام؟

 

إن الظلم حرام مطلقاً وهو جريمة قبيحة فظيعة، وأشدّ ما يكون قبحاً وفظاعة إذا ارتُكب باسم الثورة أو باسم الوطنية أو باسم الدين. وإذا كان الشعب السوري قد ثار على نظام ظالم اسمُه نظام الأسد فإنه مستعد -من باب أَولى- أن يثور على كل فصيل ظالم يعتدي على الناس بغير حق، ويظلم فيعتقل ويعذّب الأبرياء على الظِنّة والشبهة أو في سبيل الانتقام. لقد علمتنا الثورة أنه لا نومَ بعد اليوم على ظلم ولا سكوتَ عن عدوان.

 

لقد دفع أحرار سوريا ثمناً هائلاً لاستعادة حريتهم وكرامتهم وإنسانيتهم المَسفوحة، فقدّموا من أنفسهم مئات الآلاف من الشهداء والمعتقلين، وما يزالون مستعدين لتقديم المزيد لكيلا يستبدلوا بالمستبدّ القديم أنواعاً وأشكالاً وألواناً من الاستبداد الجديد. وإذا كنا عاجزين عن تحرير أسرانا ومعتقَلينا في سجون الأسد فلا ينبغي أن نعجز عن تحرير الأسرى والمعتقَلين الذين يوجد المئاتُ منهم في سجون الفصائل الثورية المختلفة.

 

*   *   *

 

سوف أعتمد في هذه المقالة على الإحصاءات التي نشرَتها “الشبكة السورية لحقوق الإنسان” في تقريرها السنوي الأخير، مع علمي بأن الحقيقة أسوأ بكثير، لأن تقارير الشبكة (وهي مصدرٌ دقيق وموثوق) تتّسم بالتحفظ والحياد، فلا تنشر إلا ما تنجح في توثيقه توثيقاً كاملاً.

 

وردت في تقرير الشبكة عن العام الماضي (2014) تفصيلاتٌ مخيفة عن تجاوزات الفصائل الثورية تتضمن قتل واعتقال وتعذيب المدنيين، وبعض هذه التجاوزات من نوع مُعيب لا يمكن ولا يجوز السكوت عنه بحال، وهو اعتقال النساء. لئن احتملنا (ولن نفعل) أن تُنشئ الفصائلُ الثورية سجونَها ومحاكمها الخاصة فتعتقل الرجال اعتقالات عشوائية، فهل يُعقَل أن نحتمل إهانة النساء وأن نسكت عن جَرّ حرائرنا إلى الاعتقال على يد مَن كنا نتمنى أن يقصر بأسَه وقوته على العدو الصريح؟

 

حسبما جاء في تقرير الشبكة السورية لحقوق الإنسان فقد بلغ عدد معتقَلي النظام خلال العام الماضي 15900 شخص، بينهم 1200 من النساء و800 من الأطفال، وقد استُشهد تحت التعذيب 1993 من المعتقلين من بينهم 9 نساء. وبلغ عدد معتقَلي داعش 1800، منهم 210 من النساء و20 من الأطفال، واستشهد في سجونها 20 معتقَلاً تحت التعذيب. واعتقلت المليشيات الكردية 580 مدنياً، منهم 19 من النساء و48 من الأطفال، واستشهد في معتقلاتها أربعة تحت التعذيب.

 

ذلك هو “سجل العار” الذي يحتوي على تجاوزات الأعداء. ولكن ماذا عن الآخرين، مَن يُفترَض أنهم ثوار ومجاهدون يدافعون عن الشعب المكلوم المظلوم ويردّون عنه العدوان؟ لقد بلغ عدد المدنيين الذين اعتقلتهم جبهة النصرة في السنة الماضية 950، منهم 21 امرأة و36 طفلاً، وأقدمت بقيةُ الفصائل والقُوى الثورية مجتمعةً على اعتقال 650 شخصاً بينهم 11 امرأة و16 من الأطفال.

 

*   *   *

 

دعونا من النظام وداعش، لن نطالبهما بإطلاق المعتقلين لأنهما لا يفهمان لغة الرحمة والإنسانية ولا يخاطبَان إلا بالحديد والنار والسيف البتّار، ولن يُعيبهما قتلُ الأبرياء واعتقال النساء لأن البقعة السوداء لا تظهر على الثوب الأسود، لأنّ وجودَهما كلَّه عيبٌ وحرام من الأساس، فلا يُفيد فيهما إصلاح وليس لهما علاج إلا الاستئصال.

 

لن نتعب أنفسنا بإطلاق حملات نطالب فيها داعش ونظام الأسد باحترام حقوق الإنسان وهما مجردان من الإنسانية، ولا بمراعاة القانون ونحن نعلم أن وجودهما من أصله مخالف للقانون، إنما نخاطب إخواننا في الكتائب والفصائل الثورية المقاتلة كلها بلا استثناء، فنقول:

 

إنّ فضل جهادكم لا يسوّغ لكم ظلم الناس، وإن أول الظلم أن يَخلط المجاهدون بين القتال والحكم والقضاء، فيحسبوا أن الجهاد يمنح أصحابَه الحقَّ في التسلط على الناس واعتقالهم والتحقيق معهم وإصدار الأحكام عليهم وتنفيذ الأحكام. هذا كله اعتداء سافر من أهل الجهاد على أعظم أجهزة الدولة الحرّة وأهمّ ما تملكه الأمة من حصونٍ وحصانات ضد الظلم والطغيان: جهاز القضاء المستقل عن القوة التنفيذية والمهيمن عليها وعلى سائر الناس.

 

*   *   *

 

إننا نطالب الفصائل كلها بالتوقف عن تلك الممارسات، ونطالبها بتبييض سجونها وإطلاق مَن فيها من المعتقَلين على الفور، أو إحالتهم بلا تأخير إلى الأجهزة القضائية الشرعية المستقلة إذا كانوا متورطين في مخالفات جنائية أو شرعية أو ثورية. وكما ثار أحرارُ سوريا على ظلم النظام فإنني أدعوهم إلى الثورة على كل ظلم، فلا يجوز أن يسكت الأحرار عن أي اعتقال عشوائي خارج القضاء كائناً المسؤولُ عنه مَن يكون، ولا سيّما إذا مَسّ النساء. يا للعار! أيرضى شعبٌ ثار على واحد من أسوأ وأشرس الأنظمة القمعية في التاريخ بأن يَعتقل ثوّارُه حرائرَه فيبِتْنَ في السجون والمعتقلات؟ لا والله لا يكون، ولا نامت أعين الجبناء!

 

(وللحديث بقية)

 

#الموجة_الثانية_للثورة

#فكّوا_العاني

#أطلقوا_المعتقلين

#الظلم_ظلمات

#الاعتقال_منوط_بالقضاء

#القضاء_المستقل_أساس_العدل

 

Posted in رسائل الثورة | أضف تعليقاً