الغوطة: مقبرة الغزاة

 

بدأ العدو معركته الجديدة في الغوطة على جبهتين: الحرب النفسية في الفضاء الإعلامي، والقصف العشوائي على الأرض. وجاء ردّ الفعل الثوري على صورتين: ذعر وإشفاق شديد انتشر في بعض الكتابات والتعليقات، وتفاؤل وثبات عجيب ظهر في غيرها.

العجيب (وليس بعجيب) أن القسم الأول جاء أكثرُه من خارج الغوطة، من أبنائها ومحبّيها الذين يقيمون بعيداً عنها في مناطق النزوح ودول الشتات، والثاني صدر أكثره عن أهل الأرض المرابطين على جبهات الرجولة والبطولة والصمود.

 *   *   *

 لمست في حواري مع كثيرين قلقاً غير مسبوق على الغوطة وأهلها وخوفاً من مصير كمصير الفلوجة والموصل، خوفاً من اجتياح قبائل المغول الأسدية للغوطة (كما صنعت قبائل الحشد الهولاكية في مدن العراق السليب الجريح) ومِن تعرّض أهلنا في الغوطة لما تعرضت له تلك المدن من فظائع وأهوال. وكان جوابي لأولئك المشفقين: لا، لن يجتاحوا الغوطة ولن يرتكبوا فيها تلك الفظائع والأهوال بأمر الله.

ليست هذه أوهاماً وخيالات ولا هي آمال وتمنيات، إنما هي استقراء لواقع اليوم الحاضر وحقائق الأمس القريب. لقد حشد العدو صفوة قواته على مدى ثلاث سنين وبذل غاية الوسع لاقتحام الغوطة، فماذا حصل؟ تبدّدت على أسوارها المنيعة الصامدة حملاتٌ بعد حملاتٍ وفَنِيَت للنظام قوّاتٌ وقوات، حتى سجّلت صحائف التاريخ أن بقعة في سوريا لم تشهد خسائر للنظام وحلفائه كما شهدتها هذه الأرض المباركة، حتى صارت بالنسبة للنظام الثقب الأسود والأرض التي لا يؤوب منها الذاهبون.

هذا حال الغوطة في السنوات الماضيات، واليوم لم يصبح المدافعون عن الغوطة أضعف ولا صار الذين يهاجمونها أقوى، فلماذا ينجحون فيما فشلت فيه جحافلُ جرارةٌ قبلهم عادت مكسورة مجلَّلة بالهزيمة والهوان؟

 *   *   *

 يا رجال الغوطة ويا أهلها الكرام: لا تنتظروا من الآخرين أكثر من بيانات وإدانات. ما نفعُ البيانات والإدانات؟ لا تنتظروا من غيركم من البشر المددَ والعطاء، ليس لكم إلا الله، وعطاء الله يتجلى ربطاً على القلوب ومددُه يتجلى اطمئناناً في الصدور، وهما ما نراه في كل ما يصلنا من الغوطة المباركة من صور وتسجيلات.

فإذا التزمتم بسنن النصر وعزّزتم الثقةَ بالله والاتكال الحق عليه بالأسباب المادية (بقدر الوسع) فأرجو أن يكون النصر القريب حليفكم بأمر الله، وتلك السنن والأسباب يعرفها العامي قبل العالِم والصغير قبل الكبير، وعلى رأسها وحدة الصف واجتماع الكلمة في هذا الوقت العصيب.

لقد سجلت فصائل الغوطة -على تفرّقها البغيض- بطولات تعجز عن وصفها الأقلام وأوقعت بالعدو خسائر لا يحصيها العادّون حتى استحقت لقب “مقبرة الغزاة” بجدارة واقتدار. صنعت فصائل الغوطة تلك الأعاجيب على ما بينها من تفرق واختلاف، فكيف لو استند إخوة الحصار بعضهم على ظهر بعض ووضع كل واحد منهم يده في يد صاحبه؟ من أين تؤتى الغوطة وفصائلها متحدة وأهلها متكاتفون؟

 *   *   *

 ختاماً أجدني مضطراً لإعادة بضع كلمات كتبتها قبل ثلاثة أشهر ضمن مقالة بعنوان: “الغوطةُ أمانةٌ في أعناقنا”، قلت في بعضها:

لقد صمد أهلنا في الغوطة صموداً عجيباً وصبروا حتى ضجر من صبرهم الصبر، وما زلنا نطالبهم بالصبر والصمود، لكنّ المطالبةَ بلا عمل ظلمٌ ولؤمٌ لا يليقان بأهل المروءة والشرف، بل علينا أن نمدّ أيدينا مرتين، مرة إلى السماء بالدعاء، ومرة إلى جيوبنا نستخرج منها ما يعينهم على البقاء.

كل واحد فينا يستطيع المساعدة ولو بأقل القليل. لقد صنعنا دائماً الكثيرَ وما زلنا قادرين على صنع الكثير، فهذه الثورة العظيمة لم تستنفد بعدُ معجزاتها. إن الغوطة أمانة في أعناقنا ونحن كلنا مسؤولون عنها، كل واحد فينا مسؤول عن وقف هذه المأساة الفظيعة بقدر ما يستطيع، فمن كانت قدرته في الشهر درهماً فمسؤوليته بحجم درهم، ومن كانت قدرته ألف دينار فمسؤوليته بألف دينار، ورُبّ درهم سبق ألف دينار. لا عذرَ اليوم لممسك عن الخير.

Advertisements
نُشِرت في رسائل الثورة | الوسوم: , , , , , , , , , , , , , , | أضف تعليق

رسالة جديدة إلى المحيسني

إلى المحيسني: قل الحق ولو خالف هواك

مجاهد مأمون ديرانية

لقد وهبك الله قلماً ولساناً هو سائلك عنهما يوم الحساب. سوف تقف بين يديه في ذلك اليوم الطويل الثقيل فيسألك عن كل كلمة كتبتَها وكل كلمة نطقتَ بها، فلا تكتبْ إلا حقاً ولا تنطق بغير الحق، أو كُفَّ القلم وكُفَّ اللسان عنا وعن ثورتنا وانقطع للذكر والاستغفار.

لقد استغرقتَ سنتين لتدرك أن داعش عدو للثورة وللإسلام والمسلمين، وبقيَت النصرة هي فصيلك الأثير وجماعتك الفُضلى حتى بعد بغيها على سبعة عشر فصيلاً من فصائل الثورة وتشريد عشرات الآلاف من المقاتلين بعيداً عن الجبهات، حتى وصلتَ -بعد ثلاث سنين من البغي والعدوان- إلى مساواتها بضحاياها والحكم على عدوانها على الفصائل ودفاع الفصائل عن نفسها بأنه “قتال فتنة”، القاتلُ والمقتول فيه في النار! فمتى ستكشفها وتكشف الجولاني كما كشفتَ داعش والبغدادي يا أخا الإسلام؟

لو أنك بدأت بالختمة قبل ثلاث سنين فلا بد أنك بلغت اليوم سورة الحجرات، أفما قرأت فيها آية تأمر جماعة المسلمين بقتال الباغي حتى يكفّ عن عدوانه ويفيء إلى أمر الله؟ أم أنك ما زلت عاجزاً عن التمييز بين المعتدي والمعتدَى عليه وأنك ستدعو إلى “محكمة شرعية” لتحديد الباغي البادئ بالعدوان؟ أرجوك، أتوسل إليك أن لا تفعل، فقد جعلتَ محاكمنا وشرعنا أضحوكة بين الناس!

أتمنى أن تتصور موقفك بين يدي الله يوم العرض الأكبر وسؤاله إياك: لماذا عطّلت آيات كتابي الحكيم؟ لماذا سعيتَ في غير ما أمرتك أن تسعى فيه ولم تبيّن الحقيقة للناس، وقد أخذتُ العهد عليك أن لا تكتم ما علمتَ ولا تجامل ولا تخشى فيّ أحداً من المخلوقين؟

اجهر بالحق ولو مرة، اجهر به ولو خالف هواك يا أخا الإسلام. اليوم لا دعوةَ إلاّ إلى استسلام النصرة وردّ حقوق الفصائل ومحاكمة الجولاني على دماء الأبرياء التي أهرقها والأراضي التي سلمها للنظام، أما الدعوة إلى الفصل أو الصلح وتبويس الشوارب (والحالُ هو الحال) فإنها طعنة في ظهر الثورة وغَدرة بالسوريين وخيانة لله ورسوله والمؤمنين. أعيذك بالله من خيانة الله ورسوله والمؤمنين.

 

ملاحظة: الرسالة نفسها مرسَلة للعلياني والمهدي، عسى أن توصلها إليهما أو يوصلها لهما بعض المتطوعين.

نُشِرت في خواطر ومشاعر | الوسوم: , , , , , , , , , , , , , , | تعليق واحد

خطبة المساء

خطبة طارق بن زياد في سوريا هذا المساء

 

أيها الناس: أين المفرّ؟ مليشيات النظام من أمامكم، وعصابة الجولاني من ورائكم، والطيران الروسي فوق رؤوسكم، وليس لكم والله إلا الصدق الصبر والقتال.

اعلموا أنكم في هذه الثورة أضيَعُ من الأيتام في مأدُبة اللئام، وقد استقبلكم عدوكم من الأمام بجيشه، ومن الخلف بغدره، وأنتم لا وَزَرَ لكم إلا ما في أيديكم من سلاح وما في قلوبكم من عزيمة، فادفعوا عن أنفسكم الخذلان وسوء العاقبة بمناجزة الطاغيتين: الجولاني والأسد.

اليوم يومكم يا رجال، فلا تَهِنوا ولا تتهاونوا في قتال المعتدين.

[نقلاً عن “نفح الطيب” (1/240) بتصرّف يسير]

نُشِرت في عِبَر وفِكَر | الوسوم: , , , , , , , , , , , | أضف تعليق

إطلاق المعتقَلين وأزمة الضمير

إطلاق المعتقَلين وأزمة الضمير

مجاهد مأمون ديرانيّة

هل تذكرون طل الملوحي، تلك البنت البريئة التي اعتقلتها مخابرات الأسد -بغيرِ ما ذنب اجترحَته ولا جرم ارتكبته- قبل نهاية عام 2009 بأربعة أيام، ولمّا تكمل سنتَها الخامسة عشرة في هذه الدنيا؟ لقد قرر الأسد أن يطلق سراحها أخيراً (بعدما اكتشف أن الأدلة غير كافية لإدانتها بجريمة التجسس التي اتُّهِمَت بها) فنشر قومٌ منّا المنشورات وعلّقوا المعلقات في شكره وتعظيم فعله النبيل، وقالوا: ها هو الرجل قد أطلق لكم الفتاة، فقوموا فقبِّلوا الأرض بين يديه، ثم اسألوه العفو والغفران لأنكم ثُرتم عليه ولعنتموه في مواضي الأيام وسالف الزمان.

هذه ليست قصة حقيقية (فكّ الله أسْرَ طل ولعن آسريها وحرّقهم بنيران الجحيم) ولكنها ليست بعيدة عن واقع الحال ولا هي من وحي الخيال؛ إنها محاكاةٌ دقيقة لقصّة حصلت مؤخراً، لو غيّرنا فيها أسماءً بأسماء وتواريخَ بتواريخ لجاءت معنا القصة السابقة بحرفها بلا زيادة ولا نقصان!

*   *   *

هل سمعتم يوماً بشيء اسمه “كوميديا سوداء”؟ إنها مأساة مُلبَّسة بمَلهاة، فلا يعرف المشاهدُ: أينبغي أن يتفاعل معها بالضحك أم يتفاعل بالبكاء؟ هي كتابات في موضوعات قاسية مؤلمة تثير الحزن والغضب، يعرضها الكاتب بأسلوب ساخر يحاول أن يرسم به الابتسامة على شفاه الغاضبين والمحزونين.

هذا هو تماماً ما دار في بعض أروقة الفضاء الإعلامي خلال الأسبوعين المنصرمين على ألسنة وأقلام طائفة من أحبار الجولاني ومرقّعيه… كوميديا سخيفة بلهاء سوداء.

لم يسأل هؤلاء المرقعون المنافقون أنفسَهم: فيمَ اعتقل الجولاني ثُلّةً من أشرف قادة الجهاد وأكثرهم إثخاناً في العدو وغيّبَهم في الحبوس؟ لم يسألوا عن ثلاث سنين وثلاثة أشهر أمضاها الخولي والقنطار في المنفردات والأغلال والعذاب، ولا عن الأَسْر والقهر الذي عانى منه أبو عزام نصفَ عام وهو يتشوق للخروج والدفاع عن مدينته التي عجز البغاة عن الدفاع عنها وقرروا أن يُسْلموها للأعداء.

كل ما اهتمّوا به هو أن الجولاني مَنَّ على المعتقَلين بالإطلاق! إنهم يأمُلون منا أن نشكر الجاني على جنايته بدلاً من أن نستدعي عليه غضب الله! فإنْ ضَلّت عقولكم -يا أهل الأرض- واضطربت موازينكم فإن ميزان السماء لا يضطرب وإن رب السماء لا يضلّ ولا ينسى. لقد نُقِشَت غَدرةُ صاحبكم في سجلات السماء، فلن يمحوها تدليسُ أهل الأرض ولو اجتمعموا كلهم على التدليس، ولسوف يأتي جولانيّكم حاملاً لواء غدرته يوم القيامة فيورده النار، بئس الوارد وبئس المورود.

يومئذ تُسأَلون في حضرة مَن لا يغيب عنه علمُ الذرة من الظلم فما دونها وما فوقها من ظلمات: ما دفعكم إلى تبرير الظلم وما حملكم على الدفاع عن الظالمين؟ أعدّوا ليوم السؤال الجواب.

*   *   *

لقد علّمتني هذه الحادثة أن مشكلة أنصار الجولاني وشبّيحته ومريديه ومرقّعيه ليست مشكلة معلومات وتفكير، فهم يعلمون ما نعلمه ويعلمون أكثر ممّا نعلم، عندهم معلومات ولديهم عقول تدلّهم على الصحيح منها وعلى القبيح، لكنهم ليست عندهم ضمائر تجمّل لهم الصحيح وتقبّح لهم القبيح. نعم، إنها ليست أزمة معلومات وأفكار، إنها أزمة ضمير. ما حيلتُنا مع مَن يعيش بلا ضمير؟

كُفّوا عنا مدائحكم للظالمين. أتلك مِنّة تَمُنّونها علينا أنْ أطلق الظالم سراح المظلومين؟ لقد قلنا للنظام من قبل: إن ورقة المعتقلين ورقة فوق تفاوضية، فهي ليست جزءاً من أي تفاوض وليست مقدمة لأي اتفاق، إنها مجرد رَدّ حق مغصوب، أقلُّ درجاتها السكوت وأعلاها المطالبة -بعد إطلاق الأسير- بمحاكمة آسريه. وكذلك نقول للجولاني اليوم: إن إطلاق المظلومين من سجون الظلم والغدر ليست مِنّة تَمُنّها علينا ولا فضلاً تتفضل به على الثورة، فلا تَرْجُ منا أن نقبّل عليها يديك ولا تنتظر منا أن نغفر لك بها ما سلف من عدوانك وما هو آت، وما أكثرَ ما سلف منه وما أكثرَ ما هو آت!

نُشِرت في عِبَر وفِكَر | الوسوم: , , , , , , , , , , | أضف تعليق

إلى مَن طال عليه الطريق

رسالة من القلب
إلى مَن طال عليه الطريق

مجاهد مأمون ديرانيّة

هذه رسالة أتمنى أن يقرأها كل واحد من أهل البلاء في سوريا وأن يُقرئها مَن يحب، رسالة أتمنى لو أن عندي عشرين مليون عنوان لعشرين مليون سوري لأرسلها إليهم جميعاً، هي رسالة من القلب عسى أن تدخل إلى القلب، فما خرج من القلب يوشك أن يقتحم القلوب بغير عناء.


كتب لي أخ فاضل من منطقة ابتُليت بالقصف والحصار، قال: كفّوا عن مطالبة الناس بالصبر، فقد نفد صبر الناس وأجهدهم طول البلاء. ليس مَن عاش ورأى كمن سمع من بعيد. يكفي، أنتم تبيعوننا كلاماً مجانياً ونحن ندفع الثمن بالدموع والدماء.

لو كان فرداً واحداً لأجبته برسالة خاصة، ولكني ما أزال أستقبل مثل هذه التعليقات والتعقيبات كلّما نشرت منشوراً أدعو فيه إلى الصبر والثبات وأحذّر فيه من الاستسلام للنظام، أو من القبول بمشروعات من شأنها أن تحافظ على “المنظومة الأمنية” التي تشكل العمود الفقري لنظام الإجرام. فلما تكاثرت الرسائل والتعليقات صار لا بدّ من جواب عام، فاحتملوه مني وإن طال، فقد لا أكرره بعد هذا المقام. ولا يقل قائلٌ وصلته هذه الرسالة: ومَن مجاهد ديرانية؟ لا يهمّ أن تعرف كاتب الرسالة يا أخا الإسلام، إنما يهم المكتوب، أهو حق يستحق الاهتمام أم أنه خيالات ومبالغات وأوهام؟

*   *   *

أيظن الذين يكتبون ويعلّقون معاتبين أني لا أحس بمعاناة الناس؟ في دورات العلاج النفسي يوصون المعالِجين والمعالِجات بأن لا يبالغوا بالتعاطف مع المصاب، لأن التعاطف ش التعاطف الشديد وتقمّص شخصيات وحالات المصابين ينقل الألم إلى المعالج، فينتهي به الحال إلى الاكتئاب أو الانهيار. وأنا أعاني من هذه المشكلة، فإنني لا أستطيع الانفصال عن الواقع الأليم الذي أتابعه وأكتب عنه، فما أزال أعيش بخيالي مع المعتقَلين والمعتقَلات في السجون، وأتصوّر نفسي محل المحاصَرين الجائعين في الحصار، ومحل الأم التي فقدت ابنها والزوجة التي فقدت زوجها والأولاد الذين حُرموا من رعاية وحنين الآباء والأمهات.

أعرف كيف يعيش أهل البلاء وأتصور معاناة الناس وأحسّ بما يعانونه من آلام، ورغم ذلك كله أقسم بالله: لو أني عرفت طريقاً أهون مآلاً من الصبر على الثورة والصمود إلى آخر الطريق لدللت الناس عليه وأرشدتهم إليه ورغّبتهم فيه. ولكني لم أعرف، بل عرفت أن طريقاً طويلاً مفروشاً بالخوف والجوع والدموع والآلام أهون من طريق قصير آخرُه يأسٌ واستسلام.

أكثر الناس في سوريا يعرفون هذه الحقيقة، فإذا جئتُ أتحدث عنها اليوم لم أكشف جديداً، إنما أذكّرهم بما يحاولون نسيانه والتغافل عنه فراراً من الكرب العاجل إلى وَهْم الأمان، ولو استشهدتُ عليه القراء الكرام لما شككت أن تملأ تعليقاتهم كتاباً من الحجم الكبير، فمَن مِن السوريين لا يحفظ عشرات القصص عن إجرام النظام وغدره بالذين جازفوا بالثقة فيه وبوعوده الكاذبة؟

*   *   *

أعرف رجلاً مسالماً آثر أن يجنّب نفسه تبعات الثورة، فلم يشارك فيها بكلمة رغم أنه يعيش آمناً في بلد بعيد. أراد العودة إلى سوريا فخشي أن يضرّه اسم بعض أقاربه الذين كان لهم نشاط في الثورة، فسأل (كما يصنعون عادة) وجاءه الخبر بأنه لا شيء عليه وأن اسمه ليس مدرَجاً مع المطلوبين، فسافر مطمئناً رغم تحذير المحذّرين وتخذيل المشفقين، فلما وصل إلى البلد اعتقلوه، وما مضت غيرُ تسعة أيام حتى سلّموه لأهله جثة هامدة بعدما قاسى ألوان العذاب.

ورجل ليس له نشاط في الثورة، إلا أنه نشر في حسابه الفيسبوكي منشورات قليلة عبّر فيها عن حزنه على بلدته التي دمرها القصف الهمجي البربري، ضاقت عليه سُبُل العيش في البلد الذي يقيم فيه (أليس قد ضاقت الأرض -على اتساعها- بالسوريين؟) حتى هَمّ بالرجوع إلى سوريا لولا أن منعه خوفه من غدر النظام وإجرامه الذي طارت به الأخبار، غير أن زوجته أصرّت على العودة فرجعت ومعها ثلاثة أطفال، صبي في السابعة وبنتان لصغراهما من العمر سنتان، فأُخذوا جميعاً من المطار، ثم انقطعت أخبارهم فلم يُسمَع عنهم خبر منذ ثلاث سنين.

وشاب من إحدى مناطق المصالحات صالح النظام مع مَن صالحوه في المصالحات، اعتقله حاجز للنظام بعد المصالحة بعدة أسابيع، ونُقل إلى المخابرات الجوية فمات تحت العذاب. وشُبّان من مناطق أخرى دخلت في المصالحات جنّدهم النظام وأرسلهم إلى الجبهات ليقاتلوا إخوانهم في الله وفي الثورة، فماتوا في سبيل النظام وفي سبيل الشيطان، فلا كسبوا دنيا ولا آخرة وباؤوا بخسران ما بعدَه خسران.

*   *   *

لم يَنجُ من غدر النظام المجرم الأبرياءُ الذين لم يسيئوا إليه، ولا أمِنَ شرّه الذين استسلموا له وعقدوا معه تسويات، ولا سَلِمَت من غدره المدن والبلدات التي دخلت معه في هدن ومصالحات!

هل تعلمون كم يبلغ اليوم عدد المطلوبين للنظام؟ ألفاً؟ عشرةَ آلاف؟ مئة ألف؟ إنه عدد يفوق الخيال. أعلنت جريدة “زمان الوصل” قبل أربعة أيام أنها تستعد لإطلاق محرك بحث على الإنترنت يضم مليوناً ونصفَ مليون اسم من أسماء المطلوبين للنظام من جميع المحافظات السورية “وذلك لتحذير مَن يلاحقهم النظام أو يسعى إلى اعتقالهم، ولكشف مصائر المعتقلين وتتبع حالات الاختفاء القسري. وسوف تضم القائمة الهائلة أكثرَ من ربع مليون امرأة ضمن تصنيفات مختلفة (اعتقال، تحقيق، منع سفر، مراقبة). وقد أطلقت الجريدة نفسها محرك بحث يضم نحو نصف مليون اسم في وقت سابق”.

في بلد سكانه خمسة وعشرون مليوناً يلاحق النظام البوليسي مليوناً ونصف مليون إنسان، أي أن واحداً من كل ستة عشر شخصاً في سوريا مطلوبٌ للاعتقال والتحقيق! لن يخلو بيت من معتقَلين أو ملاحَقين، فضلاً عن كل ما قدّمه السوريون إلى اليوم من تضحيات يعجز عن تصويرها القلمُ ويعجز عن تصوّرها الخيال.

*   *   *

يا أيها الصابرون على البلاء في سوريا، يا من يعانون من خوف القصف وجوع الحصار: ليس الذي يحاربنا ونحاربه نظاماً مجرماً سفّاحاً فحسب، بل إنه نظام مجنون، نظام بلغ الغاية في الجنون والإجرام. ويلٌ لِمَن وقع في يد مجرم مجنون!

من أجل ذلك أقسمت وأكرر القسم: لو أني عرفت طريقاً أهون مآلاً من الصبر على الثورة والصمود إلى آخر الطريق لدللت الناس عليه وأرشدتهم إليه ورغّبتهم فيه، ولكني لم أعرف، بل عرفت أن طريقاً طويلاً مفروشاً بالخوف والجوع والدموع والآلام أهون من طريق قصير آخره يأس واستسلام.

اللهمّ عجل بالفرج وارفع البلاء عن أهل البلاء. اللهمّ إن المؤمنين الصابرين في سوريا قد بذلوا وُسْعَ الطاقة وفوّضوا الأمر إليك، فافتح لهم اللهمّ فتحاً مبيناً ونَجِّهِم برحمتك من الكرب العظيم. اللهمّ إنهم قد انقطعت من أهل الأرض آمالُهم ولم يعد لهم أملٌ إلا بك، وإنهم يئسوا من الناس ولم يبقَ لهم رجاء إلا في رحمتك، وإنهم علموا أنهم ضِعافٌ لا قوّةَ لهم إلا من قوتك، عاجزون لا قدرةَ لهم إلا من قدرتك، فاجبُر اللهمّ كسرَهم وانصُرْ جمعهم واقصِمْ جبّارهم، اللهمّ وأبدلهم بالهمّ فرجاً وأخرجهم من البلاء إلى العافية. توكلنا عليك يا أيها الملك الجبار القهار، يا رب العرش العظيم.

نُشِرت في رسائل الثورة | الوسوم: , , , , , , , , , | أضف تعليق

شُهود الزُّور

شُهود الزُّور

مجاهد مأمون ديرانيّة

أخرج البخاري عن أبى بكرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟” قالوا: بلى يا رسول الله. قال: “الإشراك بالله وعقوق الوالدين”. وكان متكئاً، فجلس وقال: “ألا وقول الزور، ألا وقول الزور، ألا وقول الزور…” قال: فما زال يكررها حتى قلنا: ليته يسكت!

*   *   *

في هذا الحديث لفتات مهمة، أولها أن النبي صلى الله عليه وسلم لم ينتظر فرصة يسأله فيها أصحابُه عن الكبائر الثلاث التي أراد بيانها، فطرح هو السؤالَ بنفسه ثم طرح الجواب، وهذا السياق يدل على اهتمامه الكبير بالتحذير من تلك الكبائر الموبقات. اللفتة الثانية: أنه قرنَ عقوق الوالدين وقول الزور بالشرك، وفي هذا القِران تعظيمٌ وتفظيع لجُرمَي العقوق وشهادة الزور، لأن الشرك هو الذنب الأعظم على الإطلاق، فلا يُقرَن به إلا ذنب عظيم.

اللفتة الثالثة هي الأهم بين الثلاث، وهي لا تُفهَم إلا بتصور المشهد: كان النبي صلى الله عليه وسلم جالساً باسترخاء (في حالة اتّكاء)، وعلى تلك الحالة حذّر الأمة من جريمتين فظيعتين: الشرك وعقوق الوالدين، فلما وصل إلى الثالثة (شهادة الزور) اعتدل فجلس منتصباً وترك الاتكاء. ولم يكتفِ بذلك، بل راح يكررها مرات لا ندري عددها، مرات كثيرة ملأت قلوبَ أصحابه بالرهبة حتى تمنّوا لو يكفّ ويتوقف عن التكرار.

لماذا كان هذا التعظيم لشهادة الزور؟ لأنها لا تضرّ صاحبها وحده كالشرك، ولا يقتصر ضررها على أفراد معدودين كالعقوق، بل يمتد ضررها حتى يشمل المجتمع كله، فبها يتحوّل الأبرياء إلى مذنبين والمذنبون إلى أبرياء، وبها تلتبس الحقيقة وتضل الأفهام وتضيع الحقوق وتسيل الدماء.

*   *   *

الكذب والتدليس وقول الزور آفات منتشرة بين الناس، ولكنها أبشع ما تكون وأشنع ما تكون وأفظع ما تكون عندما تصدر ممّن يُحسَبون على الدين والجهاد، فيسيئون إلى الناس ويسيئون إلى الدين والجهاد.

إنني أتابع ما يكتبه منذ زمن طائفةٌ من مرقّعي الجولاني وأحباره، فلا أجد إلا كذباً وتدليساً وشهادات زور موشّاة بأدعية وآيات من القرآن! لقد صارت شهادة الزور عند هؤلاء القوم أهونَ من شربة ماء، ولا غرابة، فإنّ مَن يستحلّ دماءَ الأبرياء لن يستكبر ما دونها من الكبائر والموبقات.

هؤلاء المتواطئون على شهادة الزور باعوا ضمائرهم وأرواحهم للشيطان وأقبلوا على النار غيرَ هيّابين، فبأي شيء سنخوّف من لا يخاف من الله؟ مَن لم يخوّفه وعيدُ الله بالخلود في نار الجحيم من أي شيء يخاف؟ لقد علموا أنّ مَن تعمّد قتل المسلم البريء فإن جزاءه هو الخلود في نار جهنم بصريح القرآن، ثم استحلوا الدم الحرام وأفتوا بقتل المجاهدين المؤمنين، ثم هم ما يزالون يزوّرون الحقائق بلا وجل ويبثّون الأكاذيب.

ليس العتب عليهم، فمَن نسي الله لا ينفعه عتاب، إنما العتب على من يتابعهم في أكاذيبهم وأضاليلهم ومن يسمع منهم تدليسهم وتزويرهم ثم يقبله بلا تمحيص. هؤلاء يُعتَب عليهم ويُخشَى عليهم وتُرجَى لهم الهداية، هؤلاء يتمنى المرء أن يتخلصوا من العصبية والهوى والانقياد الأعمى ويبصروا الحق المبين، أما الآخرون، شهود الزور، فلينتظروا لقاء الله يوم الحساب.

نُشِرت في عِبَر وفِكَر | الوسوم: , , , , , , , , | أضف تعليق

حصار ونار ودمار، وماذا بعد؟

حصار ونار ودمار، وماذا بعد؟

مجاهد مأمون ديرانيّة

هجومٌ مسعور وقصفٌ مجنون نشر الموتَ والنار والدمار في الغوطة المحاصَرة والشمال المحرر. مئاتٌ من الغارات الجوية ومئات، ألقت أطناناً من الصواريخ الموجهة والقنابل العنقودية والفراغية والنابالم والبراميل المتفجرة، وقصفٌ أرضيّ بالمدفعية الثقيلة والفيل والهاونات والراجمات، وقصف من بوارج البحر بالصواريخ البالستية وهجوم جديد بالأسلحة الكيماوية… ماذا بقي في جعبتكم يا أيها القتلة المسعورون؟!

القصف الآثم المجنون دمّر المشافي والجوامع والمدارس والأسواق والأفران، ولاحق سيارات الاسعاف وبعثر حاضنات الأطفال. أكثر من ثلاثة آلاف ضحية في الغوطة وإدلب سقطوا بين شهيد ومصاب، كثيرون منهم فقدوا بعض الأطراف وأصيبوا بعاهات وإصابات ليس منها شفاء. مئات الأبنية تعرضت لدمار كلي أو جزئي وبات أهلها مشردين، آلافُ الأسر تهيم في الأرض بلا مأوى وآلافٌ تعيش في أقبية تنتشر فيها أمراض الشتاء فتفتك بالأطفال والضعفاء.

*   *   *

هذا ليس ثأراً لطيارة وطيّار ولا هو انتقام من فصائل الثوار، إنه عقوبة لشعب كامل من الأحرار، إنه انتقام من الشعب السوري الحر الأبيّ الذي أنتج هذه الثورة ابتداءً ثم حملها وصبر عليها الدهرَ الطويل. إنه انتقامُ أصحابِ الباطل الأقوياء المتجبّرين من أصحاب الحق الضعفاء الصابرين المصرّين على تحرير أنفسهم وبلادهم من الظلم والطغيان والاستبداد. إنه عدوانٌ مجنون يشهده ويباركه ويشارك فيه عالَمٌ ظالم لا يعرف قِيَم العدالة والحرية ولا يعترف بإنسانية الإنسان.

حسناً، لقد بلغ بنا الجهد والإنهاك غايته وقررنا أن نرفع راية الاستسلام! ولكنْ مهلاً يا سادة (يا سادةَ الهمجيّة والسادية والإجرام): إذا كان هذا هو صنيعكم بنا ونحن واقفون على أرجلنا صامدون ثابتون صابرون، فماذا تصنعون بنا غداً إذا استسلمنا وفقدنا كل قوة في يدنا وكل مقومات الصبر والثبات والصمود؟

لا، لن نستسلم؛ لقد قررنا أن نمضي إلى آخر الطريق، وطريقُنا له نهايتان، إذا فقدنا إحداهما فلن نضلّ عن الآخرى بإذن الله: إما نصر أو استشهاد.

اللهم نصرَك وفرَجَك يا الله!

 

نُشِرت في خواطر ومشاعر | الوسوم: , , , , , , , , , , , , , , , | أضف تعليق