“الأستانة” بين المشاركة والمقاطعة

“الأستانة” بين المشاركة والمقاطعة

مجاهد مأمون ديرانية

اللغط بشأن الذهاب إلى الأستانة كثير والجدل لا ينتهي، بين مشجّع ومخذّل ومصوّب ومخطّئ ومبرّئ ومخوّن. وأنا لا ألوم من وافق على الذهاب ولا ألوم من رفضه، فلكل منهما وجهة نظر وجيهة وحجّة جديرة بالاحترام، وعسى أن يكون في موقف هؤلاء خير وفي موقف أولئك خير، وأرفض التخوين والمزايدات التي مزّقت جسد الثورة ولم نرَ منها خيراً في أي يوم من الأيام.

كل الذي أتمناه هو أن يبقى الذاهبون والمفاوضون (إلى الأستانة قريباً وإلى جنيف وغيرها في أي وقت آت) أن يبقوا أوفياء لشهداء الثورة ولمئات الآلاف من المعتقلين والمغيَّبين ولملايين المشردين والمعذَّبين، فلا يتنازلوا عن ثابت الثورة الأكبر، بل الوحيد، فهو وحده الثابت الذي لا يقبل النقص والنقض والتغيير، وما عداه متغيرات تجوز المناورة فيها والمساومة عليها اعتماداً على ما نملكه من قوة وقدرة على التأثير.

*   *   *

هذا الثابت هو رحيل النظام بكتلته الصُّلبة كلها، أي بعبارة واضحة موجزة: “الأسد ومنظومته الأمنية الكاملة”، فهذا هو ما ثار السوريون من أجله أولَ مرة، وهو ما أهرقوا في سبيله أنهار الدم ودفعوا كرائم التضحيات. ولا يهمنا بعد ذلك أن نحاسب المجرمين أو لا نفعل، فلو نجا بعضُهم من محكمة الأرض أو نجا منها كلهم فلن ينجو أيٌّ منهم من محكمة السماء، وثقتنا بعدل الله وبحسابه أعظم من ثقتنا بعدل قضاة الأرض أجمعين.

المهم أن يرحلوا، وأن نعيش بلا قمع وبلا أجهزةِ أمنٍ مجرمة مجنونة. لا يمكن أن يرجع السوريون إلى حياة الخوف والذل والعبودية تحت سيطرة نظام قمعي بوليسي همجي كهذا النظام المجرم، فهم يعلمون علم اليقين أنهم لو فعلوا فسوف يضعون رقابهم في حبال المشانق، وأن نظام الاحتلال الأسدي سيفرغ لهم -بعد أن يستقر ويعود قوياً كما كان- فيبطش البطشة الكبرى وينتقم من كل من وقف في وجهه، ولو بهتافٍ في مظاهرة أو بمنشورٍ في فيسبوك. لقد قذف من قبلُ في باستيلات سوريا مَن ردّد طرفة فيها استهزاء بالصنم الذي يحكم سوريا، طرفة من أحد عشر حرفاً أمضى صاحبُها إحدى عشرة سنة في تدمر، سنة من العذاب مقابل كل حرف انتقد به الطاغية، فكم سيعذَّب من غرّد تغريدة تويترية من مئة وأربعين حرفاً أو نشر منشوراً فسبوكياً من ألف حرف؟

*   *   *

نحن اليوم لسنا في أحسن حالاتنا. إن الثورة تمر في ظروف شديدة القسوة، بغضّ النظر عن الأسباب التي كُتبت فيها مجلدات، فإذا اقتصرت مفاوضات الأستانة على بحث وقف إطلاق النار والاتفاق على هدنة مؤقتة لا تُنهي الثورة، مهما يكن طول هذه الهدنة، فهي اجتهاد يقدّره خبراء السياسة وأهل الميدان ويحتمل الخطأ والصواب، بعيداً عن الاتهام والتخوين، أما المصالحة مع النظام والموافقة على بقائه فإنها جريمة وخيانة لا تُغتفَر.

هذه فقط هي الجريمة والخيانة ولا شيء غيرها، فكل شيء سوى ذلك قابلٌ للمناقشة والمناورة والمساومة ويمكن القَبول فيه بأنصاف الحلول وأرباعها، كله يمكن البناء عليه والاستمرار بعده إذا تخلصت سوريا من النظام الأمني الطائفي، ولو بقي -لا قدّر الله- فهي النهاية القاصمة والضربة القاضية، وهي بداية رحلة من القهر والكرب والعذاب سيعاني منها ملايين السوريين لعشرات السنين.

Posted in رسائل الثورة | Tagged , , , , , , , , , , | أضف تعليقاً

صانعو التاريخ

photo_2016-12-19_00-47-39

صانعو التاريخ

مجاهد مأمون ديرانية

-1-

يقول وليام (وِلْ) ديورانت، صاحب الكتاب الموسوعي الكبير “قصة الحضارة” (الذي أمضى في كتابته أربعين عاماً، وقد تُرجم إلى العربية ونُشر في اثنين وأربعين مجلداً): “تحدّاني أحدهم يوماً أن ألخّص قصة الحضارة في نصف ساعة، وقد فعلت ذلك في أقل من دقيقة. قلت: إن الحضارة نهرٌ ذو ضفتين، يمتلئ أحياناً بدماء أناس اقتتلوا فقَتلوا وقُتلوا، وحاربوا وسرقوا وفعلوا الأشياء التي يسجلها التاريخ. أما الضفتان فيعيش عليهما أناس لا يلاحظهم أحد، يبنون البيوت ويربّون الأولاد ويشتغلون بالتجارة والصناعة والزراعة ويكتبون الكتب ويقرضون الشعر. إن قصة الحضارة هي قصة ما يحدث على ضفّتَي النهر، لكن المؤرخين يهتمون بالنهر وحده ويتجاهلون الضِّفاف“.

-2-

صدق ديورانت وأجاد التعبير. في كتب التاريخ يُمنَح القادة العسكريون والسياسيون أدوارَ البطولة وتُسلَّط عليهم الأضواء، ويبدو مئات الملايين من عامة الناس مثل “الكومبارس”، دورهم هو تكملة العدد وملء الفراغ فحسب. إلا أن الحقيقة مختلفة تماماً؛ إن الملايين من أولئك الناس هم الذين يصنعون الأحداث في كل مكان وآن، والمحزن أنهم يحتملون المغارم ويذهب غيرهم بالمغانم. على مدى التاريخ المسجَّل للجنس البشري على ظهر الكوكب لم يشارك أولئك الناس بقرار الحكم والحرب إلا قليلاً، لكنهم دفعوا دائماً الثمن الأكبر، فكانوا هم وَقود الحروب وبُنِيَت بتضحياتهم ودمائهم الممالك والإمبراطوريات.

هؤلاء هم صانعو التاريخ الحقيقيون، إنهم الناس العاديون.

الزُرّاع الذين يزرعون ما نأكله، والصُنّاع الذين يصنعون ما نستعمله، والبنّاؤون الذين يبنون بيوتنا، والمعلّمون والمعلمات الذين يعلمون أولادنا، والممرضون والممرضات الذين يخففون آلامنا، والأطباء والطبيبات الذين يجتهدون في شفائنا، والعمال والفنيون والحِرَفيون الذين يسهّلون حياتنا، وربّات البيوت اللائي يفنين أعمارهن في رعاية البيوت وتربية الأجيال… هؤلاء هم المجتمع، هم الناس العاديون، هم الملايين التي تصنع أحداث التاريخ.

-3-

هؤلاء الناس العاديون هم الذين أفكر فيهم وأكتب لهم وأكتب عنهم وأدافع عن حقوقهم، لسبب بسيط، لأنني منهم، أنا وكل من أعرف وأعايش وأخالط من الناس. أنا لم أكن يوماً من النخبة ومن الخاصة ولن أكون في أي يوم، لم أكن من أهل الحل والعقد ولن أكون، لم أكن من أهل السياسة والرياسة والقيادة والوجاهة ولن أكون. ولأنني لن أكون أياً من هؤلاء أبداً، ولأنني سأبقى من الناس العاديين أبداً، ولأنني لا أريد أن أصبح صفراً هملاً عدماً أُقاد من حيث لا أعلم إلى حيث لا أريد، ولأنني أرفض أن يتحكم بمصيري ومصير أولادي مَن لا أرضى بهم حكاماً وقادة للمجتمع، من أجل ذلك فإنني أصرّ على أن يُمنح الناس العاديون الفرصةَ الكاملة لصناعة حاضرهم ومستقبلهم، الناس العاديون جميعاً من غير استثناء.

الناس العاديون يريدون حقوقهم السياسية، حقوقهم الإنسانية، يريدون أن يشاركوا في إدارة مجتمعاتهم وفي سياسة بلدانهم، يريدون أن يكون لهم رأي في مؤسسة الحكم التي أثبت التاريخ الطويل أنهم هم الذين يدفعون ثمن حماقات رجالها ويتحملون وزر أطماعهم وشهواتهم للمال والسلطان.

-4-

لقد أثبتت ثورات الربيع العربي، وفي مقدمتها الثورة السورية المباركة، أن الشعوب أوعى من النخب السياسية والعسكرية وأبصَر بمصالحها وأحرَص على حاضرها ومستقبلها. أثبتت أن كثيراً ممن صُدِّروا أو صَدّروا أنفسهم لتمثيل الشعوب ليسوا سوى ثلّة من الجهلة العاجزين، وأن كثيراً منهم منتفعون متسلّقون يستغلون دماء الشعوب وتضحياتها للوصول إلى المال والجاه والسلطان، وأن كثيراً منهم مغامرون طائشون جعلوا الشعوب حقول تجارب لنظرياتهم الفاشلة.

هؤلاء الفَشَلة العَجَزة المراهقون الطائشون هم الذين يحرصون على حرمان الشعوب من حقها في حكم أنفسها بأنفسها، ثم يحدثوننا عن أهل الحل والعقد الذين ينبغي أن نضع رقابنا في أيديهم، وقد رأينا نماذج خائبة لهم في الثورة السورية حملوا أسماء لامعة بَرّاقة وما هم بشيء. إن شرعيّي الفصائل وقياداتها ومجالسها الشورية عيّنةٌ من “أهل الحل والعقد” بنظر الأقوياء الذين يحكمون المناطق المحررة الآن، ولو بقي الأمر في أيديهم فلن يتحكم في سوريا بعد النصر غيرُهم، وأشهد أنني لا أستأمنهم (أو أكثرَهم) على مصير مزرعة أو دكان فضلاً عن مصير شعب وبلد.

-5-

إن الشورى هي الضمان لئلا يكون الحكم دُولة بين الأقوياء كما أن الزكاة هي الضمان لئلا يكون المال دُولة بين الأغنياء، وكما لا يجوز أن يتداول الأغنياءُ المالَ فيما بينهم ويُحرم منه الفقراء أبدَ الدهر، فكذلك لا يجوز أن يتداول الأقوياء السلطةَ فيما بينهم ويُحرَم منها الضعفاء إلى آخر الزمان.

لا سبيل لكسر احتكار تداول المال إلا بالزكاة التي أوجبها الإسلام على الأغنياء رغم أنوفهم، ولا سبيل لكسر احتكار تداول السلطة إلا بالشورى التي أوجبها الإسلام على الأقوياء رغم أنوفهم. ولن يُكسَر الاحتكار ونتخلص من الأوليغاركية (تحكّم الأقلية بالأكثرية) إلا بشورى تعم الناس، كل الناس. ولا شورى تعم الناس إلا بالانتخاب، الانتخاب العام الذي يشمل الراشدين من أهل البلد جميعاً، الأقوياء منهم والضعفاء والأغنياء والفقراء والرجال والنساء.

إن الإنسان يحبّ أن يدافع عن نفسه، وهو يكره أن يسلّم نفسه للآخرين ليجعلوه مِرقاة يرتقون عليها إلى الأعالي ويبقى هو في الحضيض، أو جسراً يعبرونه إلى أرض الورد والنعيم ويبقى هو في أرض الشوك والعذاب. من أجل ذلك أقاتل ليكون لي رأي في إدارة بلدي وحق في اختيار حكّامي، ولأنني لا أرى نفسي أفضل من غيري من الناس عقلاً ورأياً وأمانةً فإنني أطلب لغيري ما طلبته لنفسي، وما قاتلت ليكون حقاً لي أقاتل ليكون حقاً لكل الناس.

 

Posted in في الدعوة والإصلاح, رسائل الثورة | Tagged , , , , , , , , | أضف تعليقاً

ارحموا مَن في الأرض

1070025659774196_n

ارحموا مَن في الأرض

مجاهد مأمون ديرانية

أقبل على الناس في سوريا شتاء سادس جديد ببرد قارس شديد. حل الشتاء بعواصفه وثلوجه والملايينُ من الناس نازحون يعيشون في بيوت خَرِبة لا وقودَ فيها للتدفئة ولا نار، وقد قلّ في أيديهم اللباس والغطاء فلا غطاء ولا دثار. هؤلاء هم الأسعد حظاً بين المنكوبين، فإن ملايين غيرهم أمسَوا بلا بيوت، وإنهم لَيبيتون في هذا البرد الشديد في خيام بالية ممزقة لا تحتمل عصفَ الريح، ومنهم آلافٌ يستقبلون الشتاء في العراء، أرضُهم الطين والتراب وسقفُهم قُبّة السماء.

يا أيها الناس: إنكم تبردون في هذا الشتاء فتجدون ما تردّون به عن أنفسكم البرد، إن لم يكن بنيران المدافئ فبالثقيل من اللباس واللحُف والأغطية. فكيف بكم لو فقدتم الوقود فتعطلت المدافئ، وكيف بكم لو ذهب الوِطاء والغطاء والكساء، كيف ستحتملون إذن زمهريرَ الشتاء؟ كيف بكم لو أمضيتم ليلة في ثلاجة؟ لقد بلغ البرد في بعض النواحي التي يعيش فيها النازحون ما يفوق البرد في ثلاجات البيوت!

*   *   *

يا أيها الأخيار من عرب ومسلمين ومن الناس أجمعين: الفزعةَ الفزعة. ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء. إن الجهاد بالمال فريضة على كل قادر، فأدّوا فرضكم ولا تقصّروا مع ربكم، ولا تخذلوا إخوانكم المنكوبين في هذا الشتاء وفي كل حين.

إن الخير في أمة محمد صلى عليه الله وسلّم كثيرٌ كثير، إلا أن الناس يسألون: كيف نساعد وكيف نوصل المال؟ وأنا أعترف بأن توصيل المال صار من أصعب الأمور في هذه الأيام، لكني أعرف أيضاً أن من بحث صادقاً فلا بد أن يهتدي إلى الطريق. فمن أراد المساعدة فليجتهد في العثور على ثقة يوصل المال لمستحقّيه، ومن جَدّ في البحث وجدَ الشخص المناسب إن شاء الله.

جزى الله كل منفق خيراً، وعوّضَه عمّا يبذله لإخوانه المستضعفين أضعافاً مضاعفات.

Posted in خواطر ومشاعر | Tagged , , , , , | أضف تعليقاً

الرد على تدليس المحيسني

الرد على تدليس المحيسني
بخصوص الاندماج المزعوم

مجاهد مأمون ديرانية

أقسمُ بالله لولا أن الأمر جلل وأن مصير سوريا ودماء شهدائها وتضحيات ثوارها باتت في مهب الريح ما باليت بما يقول الرجل ولا كلفت نفسي عناء الرد عليه، وإني أعلم حجم “الترسانة التشبيحية” التي لا ينجو من أذاها مَن يمسّ العتبات الكريمة، لكني أتصور موقفي بين يدي الله وسؤالي عن علمٍ علمتُه فكتمته، فإذا ملكَت هذه الصورةُ عليّ نفسي لم أملك إلا أن أكتب وأنشر ما أدين به الله.

*   *   *

انتشر في غرف التلغرام سجال صوتي طويل بشأن الاندماج المزعوم (وإنما أسميه مزعوماً لأنه في حقيقته ابتلاع للفصائل وليس اندماجاً بينها، على ما فصّلناه أنا وغيري في مقالات كثيرة سابقة). السجال دار بين المحيسني مؤيداً للاندماج الابتلاعي، والقائد حسام أبي بكر معارضاً له ومؤيداً لاندماج حقيقي يحقق مصلحة الثورة. وقد أوضحَ أن حركة أحرار الشام التزمت باتفاق سابق مع الفصائل، ونقضُ الاتفاق لا يجوز، بل هو خيانة لا يُقْدم عليها صاحب دين ولا يقوم بها رجل يحترم نفسه ورجولته.

قلت: إذا كانت الخِطبة على الخطبة لا تجوز، وإنما يلحق أذاها المرأةَ وأسرة المرأة، وهم آحادُ أفرادٍ فحسب، فما بالكم باتفاق فوق اتفاق يتأثر به عشرات الآلاف من المجاهدين ويلحق أذاه ملايين السوريين؟

ثم أوضح أن الحركة اختارت عدم المُضيّ في المشروع المقترَح مع جبهة النصرة لأنه يستثني عدداً من الفصائل ويستقطب الساحة، ولأن الحركة أوشكت أن تتصدع وتفقد نصفها بسببه، بمعنى أن ينشق عنها نحو اثنَي عشر ألف مقاتل، لأنهم يرون أن الاندماج مع الجبهة التي آوت قَتَلة قائدهم دبوس الغاب وحمت الجُناة وأبت تقديمهم لمحاكمة شرعية، وما تزال تُؤويهم وتحميهم إلى اليوم، يرون أن اندماجاً من هذا النوع جريمة تخالف العقل والشرع والخلق الكريم.

*   *   *

لا يمكن لمن يسمع هذا التعليل إلا أن يقتنع به، بل إنه سيقول: اندماجٌ هذا ثمنُه وهذه نتائجه حرامٌ حرامٌ حرام، أما المحيسني فإنه لا يمكن أن يقول ذلك، لأنه لا يستطيع أن يحرر نفسه من التعصب لفصيله المفضَّل ولا من الولاء لقائده المختار! فلم يجد إلا أن يردّ رداً مضلّلاً حاول أن يُقنع فيه مستمعيه بأن الاندماج مع النصرة مصلحةٌ معتبَرة متحققة وأن عَدَمه مصلحة مرسلة مقدَّرة، ثم قفز إلى النتيجة الحتمية: إننا نَزِنُ المصالح عند التعارض فنختار المتحقّق منها وندع المقدَّر، فصار الاندماج بجبهة النصرة واجباً شرعياً بهذا الاعتبار.

إن ما ذكره المحيسني هو ما يسميه المَناطقة “مصادرة على المطلوب”، بمعنى أن المُحاور يقدم مقدّمة تحوي ضمنياً إثبات ما يسعى إلى إثباته، وهذا نوع من أنواع التضليل العقلي. فهو هنا يفترض أن الاندماج بالنصرة مصلحة متحققة، ويتجاوز هذه الفرضية وكأنها حقيقة مقطوع بها ليسأل: أليس ترك المصلحة المتحققة والعدول عنها إلى المصلحة المقدَّرة مخالفةً شرعية وجنايةً على الثورة؟

ونحن نعود إلى الوراء خطوة قبل هذا السؤال: أثبت أولاً أن هذا الاندماج مصلحة متحققة، ثم أثبت أن انشقاق اثني عشر ألف مقاتل عن الأحرار مصلحة مقدرة. وهل اندماج الفصائل دون النصرة مصلحة مقدرة أم مصلحة متحققة؟ ولماذا تكون التضحية باندماج مع جبهة النصرة خسارةً للثورة ولا تكون التضحية باندماج مع جيش الإسلام خسارةً مماثلة؟ إن جبهة النصرة وجيش الإسلام متقاربان عدداً، إلا أن النصرة تنتشر في الشمال الذي يمكن أن يعيش النظام مئة عام مستغنياً عنه، والجيش في العاصمة التي إن سقطت سقط النظام. فأيهما أهم للثورة؟

وأخيراً نسأل: أي اندماج هذا والجولاني يريد أن يصادر أسلحة الفصائل كلها ويجعلها في يده؟ وأي اندماج وهو يريد أن يسيطر على العمل السياسي؟ إذا سيطر على السلاح وتحكّمَ في السياسيين فماذا بقي من الثورة خارجَ سيطرته وسلطانه؟

*   *   *

لن أذكّر المحيسني بتاريخه مع داعش التي روّج لها وجمع لها المال والرجال ولا بسكوته عن بغي النصرة وجند الأقصى، فهو أعرف مني بتاريخ نفسه، أما حسام فأعرفه وأشهد أنه من خيرة المجاهدين خلقاً ونبلاً وصدقاً واستقامة، وهو -فوق ذلك- ممتلئ بالغَيرة على الشام وأهل الشام وثورة الشام، فلا محل للمزايدة عليه بحال.

لقد انتظرنا وانتظرنا طويلاً موقفاً حازماً للمحيسني من بغي النصرة وجند الأقصى، ثم من إيواء الأولى للثانية ودفاعها عن القتلة والمجرمين. يا ليته يذمّ البغاة والمعتدين بربع ما ذمّ به الفصائل المعارضة لمشروع الابتلاع، أو يُظهر من الحماسة لإحقاق الحق ربع ما أظهره لتسويد الجولاني وتسليمه مقدّرات الثورة ومفاتيح الشام.

قلتها للمحيسني من قبل وأكررها اليوم: قل إنك تريد بيع الثورة لجبهة النصرة وأرحنا من عناء التحليل والتقدير. ونحن نقول: لا، لن نبيعها للنصرة ولا للقاعدة، لن نبيع ثورتنا للسواد.

 

Posted in رسائل الثورة | Tagged , , , , , , | أضف تعليقاً

كونوا مثل “حماس”

كونوا مثل “حماس”

مجاهد مأمون ديرانية

قرأت لأخ فاضل كلمة قيّمة قال فيها: ما لنا تركنا التجربة الناجحة، تجربة حماس، وذهبنا نلهث وراء التجارب التي لم تَرَ الأمة منها خيراً قط، تجارب القاعدة الفاشلة المدمّرة؟

قلت: أحسنَ -والله- وأصاب، وقد حان الوقت لنتدارك هذا الخطأ القاتل، فنترك ما يضرّنا إلى ما ينفعنا، ونستفيد من تجربة ثورية جهادية تحررية ليس في زماننا أحسن منها. فكيف نصنع ذلك؟ لنتعرّفْ على أهم خصائص هذه التجربة العظيمة، ثم لنسعَ إلى الاستفادة منها بصدق وإخلاص.

*   *   *

(1) قيادة عسكرية واحدة وقيادة سياسية واحدة.

وليست عظمة التجربة في توحيد القيادتين فحسب، بل في التآلف والتكامل الذي طبع العلاقةَ بينهما على مَرّ السنين، فما رأينا قَطّ أحدَهما يخوّن الآخَرَ يوماً أو يهوّن من عمله أو يحقّر دوره، ولا فَشَتْ فيهما تلك التعبيراتُ القبيحة التي أنهكت ثورتنا وعطلت جزءاً كبيراً من طاقتها الفاعلة: ثوار الداخل وثوار الخارج، أو أهل الخنادق وأهل الفنادق. لقد بقي رجال حماس جميعاً صفاً واحداً، فلم يُصَبْ حملة السلاح في فلسطين بداء الكِبر والغرور الذي أصاب كثيراً من حملة السلاح في سوريا، فتكبروا واستعلَوا على غيرهم من أهل الثورة، من العاملين في السياسة والإغاثة والإدارة والدعوة والإعلام.

(2) قبول المختلف واستيعاب الطيف الواسع في الساحة.

فلم تَضِقْ حماس بمنهج ولا ضَيّقت على أصحاب فكر، ما خلا أصحابَ مشروع التشييع ومشروع التكفير، فقد قابلَتهما بحسم وحزم عجزَت قُوانا الثورية عن مثله، ففرّخَت القاعدة في أرضنا وأنبتت نبتة خارجية خبيثة. لقد انشغل مجاهدو حماس بعدوّ واحد وجّهوا إليه سلاحهم وظهرُهم آمِن، أما مجاهدو سوريا فلم يشعروا قط بالأمان، فالعدو الجليّ من أمامهم والعدو الخفيّ من ورائهم، إنْ سلموا من طيارات النظام لم يسلموا من غدر الغلاة، فانتهبت داعش أرضَهم المحررة، واغتالت جند الأقصى القادةَ والكوادر، وبغت النصرة على الفصائل وفكّكتها فصيلاً بعد فصيل.

(3) تكريس المشاركة العامة والاستفادةُ من الخبرات والكفاءات الشعبية وعدمُ احتكار المناصب الإدارية والتنفيذية.

فمَن كان أكثرَ خبرة وقدرة فهو الأحق بالمنصب مهما كانت هويته وأيّاً يكن انتماؤه، أما عندنا فقد احتكرت الفصائل كل شيء: العمل العسكري والأمني والسياسي وإدارة المناطق المحررة وأعمال الإغاثة والخطابة والفتوى والدعوة والتعليم، فمَن كان أقربَ انتماءً وأكثرَ ولاءً فهو أحق بالمنصب ولو كان أجهل الناس به وأعجزَهم عنه، ومن لم يَحْظَ بشرف الانتساب للفصيل المهيمن فلا حَظّ له فيه ولو بلغ الغاية في العلم والخبرة.

(4) الاهتمامُ بالناس واحترامُ رأيهم واختيارهم وصيانةُ حريتهم وكرامتهم، والتركيز على الخدمات لا على الشعارات.

لم تصل حماس إلى السلطة بقوة السلاح الذي حملته في يدها، بل بقوة الجمهور الذي وثق بها فاختارها برضاه. ثم لم تتدخل في حياة الناس ولا فرضت عليهم شكلاً من أشكال التديّن، ولم تتذرع بخطر الأعداء لتصادر حرية الناس وتنتهك كرامتهم أو لتحرمهم من الحقوق والخدمات. ولم تقل يوماً إن مجاهديها معصومون فيجوز لهم البغي والظلم لأنهم مجاهدون، بل كانوا من أرفق الناس بالناس وأبَرّهم بهم، فوثق الناس بهم وقدموا لهم الأولاد والأموال، فيما فضّل بعض الناس -في بعض المناطق المحررة في سوريا- العودة إلى مناطق النظام ليتخلصوا من ظلم الفصائل التي ادعت الجهاد ورفعت راية التوحيد.

(5) الأمانة والاستقامة ونظافة اليد.

فرغم كثرة أعداء حماس وخصومها لم يستطع أحدٌ أن يثبت على قادتها فساداً أو سرقة أو استغلالاً للمنصب أو سطواً على المال العام. وقد رأينا كلنا البيتَ المتواضع الذي كان يقيم فيه أبو العبد قبل أن يكون رئيساً للوزراء وبقي يقيم فيه وهو رئيس الوزراء، فقعد على الأرض وأكل على الأرض كما يقعد ويأكل عامة الناس. أما في سوريا فقد ارتقى كثير من قادة الفصائل من قعر الفقر إلى قمة الغنى، فزادت أرصدتهم من الأموال والأملاك، بل ومن الزوجات في كثير من الأحيان! فيما افتقر عامة الناس وفقد كثير منهم كل شيء، البيوت والسيارات والممتلكات والأموال والأولاد.

*   *   *

هذه خمسةٌ لو صرنا فيها مثل حماس فسوف نصمد مهما بلغ الضغط ومهما طال الطريق بعون الله، ولنا في أهل فلسطين سابقة وعبرة وأمل: قيادة عسكرية واحدة وقيادة سياسية واحدة يعملان بتكامل وانسجام، واستيعاب الطيف الواسع في الساحة والحزم مع أهل الغلوّ والتكفير، واحترام الإرادة الشعبية والاستفادة من الخبرات والكفاءات -مهما تكن هوية أصحابها- وعدم احتكار المناصب الإدارية والتنفيذية، والاهتمام بالناس وحياة الناس والتركيز على الخدمات لا على الشعارات، والأمانة والاستقامة ونظافة اليد وقطع دابر الفساد ومحاسبة الفاسدين.

Posted in رسائل الثورة, عِبَر وفِكَر | Tagged , , , , , | أضف تعليقاً

لهذا جاؤوا إلى سوريا

لهذا جاؤوا إلى سوريا

مجاهد مأمون ديرانية

أبو الفتح الفرغلي وأبو اليقظان المصري ومصلح العلياني وبدر العتيبي، وأشباهٌ لهم وأمثال، وعبد الله المحيسني معهم بالتأكيد. ظننّا ابتداءً أنهم جاؤوا لنصرة ثورتنا، ثم رأينا أنهم يحملون منهجاً يجتهدون في الانتصار له والدعوة إليه، ثم علمنا أخيراً أنهم ما جاؤوا لنصرة منهجهم والدعوة إليه فحسب، بل من أجل أمر هو أبعد من ذلك وأخطر بما لا يُقاس.

لقد جاء القوم إلى سوريا ليعيدوا إنتاج التجربة العراقية المُرّة، جاؤوا ليبيعوا سوريا لقاعدة سوريا (جبهة النصرة) كما باع أسلافُهم العراقَ لقاعدة العراق. فكما فرضت “قاعدة الرافدين” على الفصائل العراقية اندماجاً هيمنت عليه (مجلس شورى المجاهدين) وسخّرته لابتلاع الفصائل والقضاء عليها حتى ذهبت شوكة أهل السنّة في العراق، فكذلك يدفع هؤلاء لإنتاج اندماجٍ شبيهٍ تحت هيمنة الجولاني، لتبتلع جبهةُ النصرة الفصائلَ وتقضي عليها، فتضيع شوكة أهل السنّة في سوريا وينقلبوا إلى أسوأ مصير.

لقد رأينا الجهود المستميتة التي بذلها القوم أخيراً، واطّلعنا على بعض الفتاوى والدعوات الشاذة لاستئصال مَن يقف في طريق الهيمنة والابتلاع، وقرأنا البيان المشؤوم الذي أصدروه أمس، الذي سيجرّ الفصائل إلى الاقتتال والصراع الداخلي بحجّة الاندماج والتوحيد، وما هو بتوحيد ولا اندماج، إنما هو بغيٌ وتغلّب سيفتح على ثورتنا أبواب الجحيم.

لقد عرف الشعب السوري طريقه فلن يقبل أن تسطو “القاعدة” على ثورته، واستوعب الدرسَ فلن يسمح بأن تتكرر في سوريا التجربةُ المُرّة التي ضيّعت العراقَ وسُنّة العراق.

*   *   *

أنا لا أتهم هؤلاء النفَر في نيّاتهم، ولعل بعضهم أكثر إخلاصاً مني ومن كثيرين من أمثالي، لكنهم يقودون الثورة إلى الهاوية ويخدمون مشروع الأعداء، سواء أعَلموا أم جهلوا ما يفعلون. لا تهمّنا نياتهم، فإنها موكولة إلى الله وحسابهم عليه، إنما يهمنا أن يتوقفوا عن العبث بثورتنا ودفعها إلى الانتحار أو إلى هاوية بعيدة القرار.

على أنهم ما كان لهم أن يؤذونا هذا الأذى الشديد لولا أننا قدّمناهم وصدّرناهم في ثورتنا ليصبحوا باسمها ناطقين وفيها مؤثرين. ولو بحثنا عن المذنب الذي ارتكب هذه الخطيئة لوجدنا أن قادة أحرار الشام الراحلين يتحمّلون وزرها الأكبر، فهم الذين استقبلوهم ورفعوهم وقدّموهم على كثير ممّن هم أولى بالتقديم والتصدير من أهل الشام. وإنّا لنرجو للقادة الشهداء أن يغفر الله لهم هذا الذنب بعدما اعترفوا به وتراجعوا عنه واجتهدوا في إصلاحه (فدفعوا الثمن) ولكنْ ما عذرُ القادة اللاحقين الذين بلغ بهم الضعف والعجز والتردد أن يتركوا سوسَ الغلوّ ينخر الحركة والثورة وهم صامتون عاجزون؟

اللهمّ إنّا نشكو إليك شَكاة عمر، نشكو إليك جَلَد أهل الباطل وعجز أهل الحق، ونسألك أن تنجّي سوريا وأهلها من الغلو والفساد والسواد.

Posted in عِبَر وفِكَر | Tagged , , , , , , , , , | تعليق واحد

الأبطال المَنسيّون

ab_ayham


الأبطال المَنسيّون

مجاهد مأمون ديرانية

“طمنّي يرحم أبوك، اشتقت للولاد، ما عَبشوفن من الضغط. مشتهي أنام ببيتي يوم واحد فقط، والله مشتهي أنام ساعة!”

تلك كانت آخر كلمات الشهيد أبي أيهم أحرار، الذي رابط على جبهات حلب في أثناء الاقتحام أياماً وليالي لم يَطعَم فيها إلا أقل الطعام ولم يَنَمْ إلا أقل المنام، ثم لم يلبث بعد كتابتها إلا قليلاً حتى فارق دنيانا الفانية إلى دار الخلود والبقاء، فاستُشهد قبل الجلاء عن حلب بأيام معدودات تاركاً وراءه صِبْيَة صغاراً لن يروه بعد اليوم.

في حلب أيضاً رابطت ثلّة من مجاهدي فيلق الشام في حي الكلاسة عندما بدأت مليشيات العدو باقتحامه. علموا أن الأعداء لو اقتحموا الحيّ فإن المدنيين سيتعرضون لأسوأ مصير، فتعاهدوا على الثبات والقتال حتى الموت دفاعاً عن الحي حتى ينسحب آخر مدني بأمان. حوصروا في مساحة ضيقة وفُتحت عليهم أبواب الجحيم فقُصفوا بالمدافع والطيّارات، ولم ينسحبوا ولم يستسلموا، وما زالوا يتساقطون شهداء واحداً بعد واحد وهم ثابتون، حتى سقط آخر شهيد فيهم مع انسحاب آخر مدني من الحي، ففَنِيَت المجموعة كلها وسَلِمَ الناس.

في حلب أيضاً رابط مئات المُسعفين والممرضين والأطباء في المشافي التي ما فتئت تتعرض للقصف والتدمير، ورفضوا الخروج رغم عروض الخروج المتكررة، وفيها صمد وثبت عناصر الدفاع المدني واستمروا بإنقاذ المصابين وإخراج العالقين من تحت الركام إلى اليوم الأخير. أمضى أولئك الأبطال المجهولون أسابيع طويلة في عمل متصل وبذلوا جهوداً خارقة وقدموا تضحيات تفوق الخيال. كان بوسعهم أن يَنْجوا بأنفسهم في وقت مبكر ويستغلوا الفرصة فيخرجوا من الخطر إلى الأمان، لكنهم أصروا على الصمود والمضيّ بالعمل إلى النهاية ليكونوا آخر الخارجين.

ليست هذه قصصاً مفرَدة ولا حالات نادرة؛ إنها صورٌ متكررة في ألبوم الرجولة والبطولة الذي أنتجته حلب أخيراً ومناطق سوريا كلها من قبل، بعضُها عُرف ونُشر وبعضها لم يُعرَف ولم يُنشَر. أما أولئك المجاهدون الأبطال -مَنْ سَلِمَ منهم ومن أسلم الروح لبارئه- فقد طوى الزمانُ أسماءهم فلم يُعرَف منهم إلا أقل القليل، لكنّ عزاءهم أن أهل السماء عرفوهم ولو جهلهم أهل الأرض، وأن رب الناس عرفهم وأكرم وفادتهم ولو جهلهم كل الناس.

*   *   *

نعم، في ثورتنا غلاة مفسدون وجناة فاسدون وقادة خائبون، وفيها لصوص ومنتفعون ومتسلقون كثيرون، ولكنّ فيها أضعافَ أضعافِهم من المخلصين الصادقين الذين يعملون بصمت ويضحّون بصمت ويموتون بصمت، ولا يريدون ذكراً في الدنيا ولا شكراً من أهلها، لا يرجون إلا ما عند الله من الثواب الكريم والأجر العظيم.

لا ريب أن الأولين يسوّدون صحائف الثورة ويسيئون إليها ويؤخرون النصر ويُطيلون الطريق، ولكن آلافاً وعشرات ألوف منهم لن يهزموا عشرة ملايين من الأحرار الأخيار الصالحين، إلا لو سكت الصالحون عن الطالحين وسمح أهل البناء لأهل الهدم بهدم البناء وهم ساكتون ساكنون، وأرجو أنهم لا يفعلون.

 

Posted in خواطر ومشاعر | Tagged , , , , | أضف تعليقاً