قصة الحلاق، وقصص أخرى

قصة الحلاق، وقصص أخرى

مجاهد مأمون ديرانيّة

عندما كنت صبياً صغيراً، قبل نحو خمسين سنة، كنت أزور الحلاق مرة كل ثلاثة أسابيع أو أربعة لحلاقة شعر رأسي (الذي اختفى اليومَ أكثرُه وأعفاني من تلك المهمة المتعِبة المملة). كان الحلاق مسلماً، ولكنه لا يصلي، وكنت أستغرب من عدم صلاته لأنني ظننت -وأنا في تلك السن المبكرة- أن الكبار كلهم يصلّون (ثم كبرت وأدركت أن كثيرين لا يفعلون!)

لم أرَ ذلك الحلاق ولم أسمع عنه من نحو أربعين سنة وأحسب أنه مات منذ وقت طويل، وأرجو أن يكون قد عاد إلى الصلاة والتحقَ قبل موته بركب التائبين. لم أرَه ولم أسمع عنه ولكني فكرت به كثيراً على مَرّ السنين، تذكرته وأنا قاعد أرقبه على كرسيّ الانتظار الذي كان يطول نصفَ ساعة في بعض الأحيان أو يزيد، وتصورته واقفاً على رجلَيه اليومَ كله، فكنت أرثي له، فإنّ أحدنا إذا وقف في صف انتظار (طابور) ربعَ ساعة أو نصفَها أزعجه الوقوفُ وأعْنَتَه، وهؤلاء الحلاقون لا تنقضي من أعمارهم سنوات إلا وقد أصيبوا بِدَوالي السيقان المؤلمة، فيا لها من مهنة شاقة متعبة!

ولم يكن حلاّقي من كبار الأثرياء. كان يقف على رجليه عشر ساعات في اليوم ويداه تتحركان طَوال الوقت مع المِقَصّات والأمشاط في حركة سرمديّة، لا يُدرَى متى بدأت ولا يُدرَى متى تنتهي، ليعيش بعد ذلك الجهد كله عَيْشَ الكفاف!

لقد رضي أن يقف على رجليه خلف كرسيّ الحلاقة عشر ساعات في اليوم مقابل بضع عشرات من الأمتار المربعة يقيم فيها هو وأسرته وثوبين في السنة لكل واحد منهم ولُقَيمات تبقيهم أحياء، واستكثر نصفَ ساعة يقف فيها بين يدي الله تُورِثه -بإذن الله- مستقَراً ونعيماً أبدياً في جنة بعرض السماء، فيها ما لا عينٌ رأت ولا أذنٌ سمعت ولا خطر على قلب بشر.

على مر السنين تصورت ذلك الحلاق البائس وأنا أتذكر الأعرابي الذي تلقى عرضاً سخياً بدخول الجنة مقابل سبع عشرة ركعة لا تستغرق -بقيامها وركوعها وسجودها وقعودها- أكثرَ من نصف ساعة في اليوم. قال: والذي بعثك بالحق لا أزيد عليهنّ ولا أنقص منهنّ. قال صلى الله عليه وسلم: “لئن صدق لَيَدخُلَنّ الجنة”.

على أن حلاقي القديم لم يكن صاحبَ القصة المحزنة الوحيدة في الدنيا، فكم له بيننا من أمثال! كم من قصص أخرى من نوع هذه القصة نشاهدها كل يوم! مساكين أصحاب هذه القصص، يبذلون من أجل نعيم زائل محدود جهدَهم كله، ويضنّون بنصف عُشره الذي يورثهم نعيماً خالداً لا يزول! مساكين، أولئك المحرومون لو كانوا يعلمون.

Advertisements
نُشِرت في في الدعوة والإصلاح | الوسوم: , , , , , , , | أضف تعليق

الدين في القلب!

الدين في القلب!

مجاهد مأمون ديرانيّة

من بركات ثورتنا العظيمة (التي خذلناها وجَنَينا عليها بأيدينا) أنها عرّفتني بكرام لم أكن أعرفهم. منهم رجل خَيِّرٌ جادَ بالوقت والمال وكان شعلة متّقدة من الحماسة والعطاء، عرفته على البعد زماناً ثم اجتمعنا في مجلس لطيف ذات يوم، فلما حضر وقت الصلاة لم يقم ولم يُصَلّ مع الحاضرين. وأنا لا أسأل أحداً ولا أعاتبه ولا أتصور نفسي وكيلاً عن الله في الحساب، وغاية ما عندي الكلمة المناسبة في موضعها، إلا أن أحد الحاضرين فعل وسأل، فتحرّج الرجل وقال: أنا مؤمن بالله ولكني لا أصلي لأنني أعتقد أن الدين في القلب.

ودار بين الاثنين نقاش لم أشارك فيه حتى سألوني، قلت: هل يحب أخونا الكريم أن يسمع ولا يسوؤه ما أقول؟ قال: بل يسرني أن أسمع، فقل بارك الله فيك.

قلت: إن قولك “الدين في القلب” يشبه قول القائل “إن الثورة في القلب”، فهو مقتنع بالثورة على الظلم والاستبداد متعاطف مع المظلومين والمحرومين، ولكنه لم يشارك في مظاهرة ولم يطلق رصاصة، بل إنه لم يتبرع من ماله للمجاهدين بثمنها، ولم يكفل يتيماً من أيتام الثورة ولا أعان أسرة معتقل أو شهيد، ولا شارك برفع المعاناة عن المنكوبين والمشردين بإرسال بطانية لبردان أو سلّة غذائية لجوعان أو دواء لمريض. ولماذا يفعل أي شيء من ذلك كله ما دامت الثورة في القلب؟

ربما قلت: لا يقارَن هذا بهذا، فإن الناس يحتاجون إلى المساعدة العينية، ولو أنني قَصَرت تفاعلي معهم على التعاطف القلبي فسوف يموتون جوعاً وبرداً ومرضاً، أما الله فإنه لا يحتاج إلى شيء من عباده. وهذا صحيح، وهو ما أخبرني وأخبرك به هو نفسه تبارك وتعالى فقال (في الحديث القدسي الصحيح): “يا عبادي، لو أن أوَّلَكم وآخركم وإنْسَكم وجِنّكم كانوا على أتقى قلبِ رجلٍ واحدٍ منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئاً. يا عبادي، لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئاً”.

لماذا إذن طلبَ الله منّا العبادةَ والالتزام بما أمر والابتعادَ عمّا نهى وحرّم؟ لأن هذا هو الدليل على المحبة والطاعة. أستغفرُ الله من التشبيه فإن المخلوق لا يُشبه الخالق بشيء {ليس كمثله شيء}، ولكننا نضرب المثل أحياناً لتقريب الفكرة. أرأيت إلى الهدية الصغيرة يحملها إليك صديقٌ تحبّه، هل تحتاج إليها وتعجز عن شرائها بنفسك لنفسك لو أردت؟ مع ذلك فإنك تُسَرّ بها وتَحارُ كيف تُثيبه عليها، لأنك تدرك أنه لم يقدمها إليك إلا لأن لك موقعاً خاصاً في نفسه. ولله المثل الأعلى.

إن العبادة والالتزام هما الدليل على أن في القلب ديناً حقاً، كما أن العمل للثورة (وأقلّه الجود بالوقت والتبرع بالمال) هو الدليل على أن في القلب ثورة، فلا يمكن فصل العمل عن الشعور الصادق. وهكذا تصبح العبادة هي الدليلَ على التديّن الحق، وهو بغيرها دعوى بلا برهان.

 

نُشِرت في في الدعوة والإصلاح | الوسوم: , , , , , | أضف تعليق

جريمة تجريم الثورة

جريمة تجريم الثورة

مجاهد مأمون ديرانيّة

إذا وقعت البقرة تكاثرت عليها السكاكين. اليوم نطقت ألسنةٌ طالَ صمتُها، نطقت لتجرّم ثورتنا وتحمّل ثوارنا الأوائل مسؤوليةَ ما لحق بسوريا من دمار وما سُفك فيها من دماء. ما أولئك اللائمون من النبلاء الكرام، بل هم أنذال لئام، فإن أسوأ الناس قاطبةً مَن لامَ الضحية وسكت عن الجلاد.

*   *   *

إن من حقنا، بل من واجبنا، أن نحاكم المجرمين -من الغلاة والفاسدين والانتهازيين- الذين أنهكوا الثورة وفتكوا بها. ومن حقنا، بل من واجبنا، أن ننتقد الأداء الفاشل والأدوات الفاسدة التي أوصلت ثورتنا لهذه النهاية الحزينة. ومن حقنا، بل من واجبنا، أن ندرس ثورتنا لنعرف صوابَها ونعرف خطأها، لنستخرج منها الدروس والعِبَر، عسى أن نستفيد منها فيما بقي من ثورة اليوم الحاضر أو يستفيد منها جيلٌ آتٍ سيفجّر ثورة جديدة ذات يوم.

كل أولئك باب مشروعٌ للنقد والحساب، أما الثورة وطلائع الثوار فلا يجرّمها ويجرّمهم إلا مجرم معدوم الضمير. ومتى كان حب الحرية جريمة؟ كيف يكون السعي للخلاص من الطغيان والاستعباد والاستبداد جريمة؟ إن الجريمة هي السكوت عن الظلم، الجريمة هي الرضا بالهوان، الجريمة هي التصالح مع القتلة، الجريمة هي تسويغ الحياة مع المجرمين.

الجريمة الحقيقية هي لومُ الضحية بلسان سليط وبَلْعُه في حضرة السفّاح.

*   *   *

لا، ما كانت الثورة قط خطأ يستحق اللوم والدَّين والتجريم، ولا كان الشرفاء الذين حملوا مشعل الثورة أول مرة وطافوا به في شوارع الرعب واليأس مخطئين، بل كانت الثورة دائماً وستبقى أبداً حقاً مشروعاً للمظلومين والمعذَّبين في الأرض، لأسرى العبودية وضحايا الاستبداد.

إن الثورة سماء ترتفع فوق أرض الألم والقهر والظلم والعذاب، وثوارنا الأوائل هم النجوم التي ترصّع تلك السماء وتُشِعّ فيها شُعاعات الأمل والضياء.

نُشِرت في خواطر ومشاعر | الوسوم: , , , , , , | أضف تعليق

الدعاء: ثنائية الطلب والرضا

الدعاء: ثنائية الطلب والرضا

مجاهد مأمون ديرانيّة

-1-

ليس كل دعاء يدعوه الناس يُستجاب، لا يمكن، ولو أن كل دعاء لكل محتاج أجيب لما بقي في الدنيا مرض ولا فقر ولا بلاء، لأن كل مريض يدعو الله بالشفاء وكل فقير يدعوه بالغنى وكل مبتلى يدعوه بالعافية، فإذا ارتفع ذلك كله من الأرض غدت الدنيا قطعة من الجنة. لكن هذا لا يمكن أن يتحقق لأنه يخالف أصلاً من الأصول التي بُنيت الدنيا عليها، هو أنها دار ابتلاء وشقاء: {لقد خلقنا الإنسان في كبَد}، {ولنَبلُوَنّكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفُسِ والثمرات}.

ولو أن كل دعاء لكل داعٍ أجيب لما بقي في الدنيا شر ولصارت كلها خيراً محضاً، لأن الأخيار يَدْعون على الأشرار فيُستجاب دعاؤهم فيأخذهم الله ويريح منهم العباد، لكن هذا لا يمكن أن يتحقق لأنه يخالف أصلاً آخر من الأصول التي بُنيت الدنيا عليها، هو أنها دار خير وشر: {ونبلوكم بالشرّ والخير}، {وكذلك فَتَنّا بعضَهم ببعض}، {قال اهبطا منها جميعاً، بعضكم لبعض عدو}.

باختصار: لو أن كل الأدعية أُجيبت لما بقيت الدنيا هي الدنيا التي أرادها الله، ولصارت قطعة من جنّة الآخرة، وهذا لا يكون، فلا بد أن تستجاب أدعيةٌ للناس وتُترك أدعية أخرى غيرها بلا جواب، على الأقل ليس في هذه الدنيا الفانية وليس بالصورة التي دعا بها الداعون.

-2-

إن الدعاء في حقيقته هو علاقة الأدنى بالأعلى وطلبُ الضعيف من القوي، ولو شئنا أن نفهم هذه العلاقة على حقيقتها فلنتصور علاقة الأطفال الضعفاء العاجزين بالوالدِين الأقوياء القادرين، ولله المثل الأعلى.

إن الأم والأب يَقبلان من ابنهما كل طلب، بل إنهما يحبان أن يطلب منهما ما شاء، لأن في طلبه منهما وحاجته إليهما تعزيزاً لمشاعر الأبوّة والأمومة الجميلة. وعوالم الصغار محدودة بسيطة ومطالبهم متواضعة صغيرة مثلهم، فربما كانت أعظم أمانيّ الطفل أن تعطيه أمه بعض السكاكر والحلويات عدة مرات كل يوم وأن يشتري له أبوه لعبة صغيرة رخيصة مرة كل بضعة أيام.

هذه الطلبات الضئيلة يستطيع تلبيتَها معظمُ الوالدِين ولا تشكل عبئاً حقيقياً عليهم، ولكن الأب والأم يكونان دائماً انتقائيَّين في إجابة مطالب الصغير، فربما أجاباه مرة وردّاه مرتين، وهما يتوقعان الشكرَ والتقدير مع الإجابة، والقناعةَ والرضا مع الإعراض، ولا يتخيلان أن يغضب الطفل ويتسخّط لو لم يجيباه مرة وقد أجاباه قبلها مرات، لا سيما وأن لهما في ترك الإجابة تقديراً هو في صالح الطفل قطعاً، لأنهما يحبانه أكثر من حبهما لنفسَيهما ويقدمان رضاه على رضاهما لو استطاعا، غريزةً غرزَها الله فيهما ليست لهما فيها يد ولا يملكان لها رداً.

-3-

إن الأب الذي يحب طفله يودّ لو فرّحه بإجابة كل طلب ولم يحرمه من شيء تمناه، ولكنه يغالب نفسه (لو كان أباً عاقلاً حكيماً) فيمنح الطفل بعضَ ما يطلبه ويحرمه من أكثره، ثم لا يقول أحدٌ إنه أب ظالم أو مُقَتّر، بل يقولون إنه مُرَبٍّ حاذقٌ وأب حنون.

أرأيتم إلى أبَوَي الطفل الصغير كيف يفرحهما طلب الصغير منهما ويشعرهما بمشاعر الأبوّة والأمومة الجميلة؟ كذلك (ولله المثل الأعلى) يحب الرب القوي القدير اللطيف من عبده الضعيف أن يدعوه في كل حال، ولذلك كان الدعاء عبادة من أشرف العبادات. أرأيتم كيف أجاب الأبوان بعض مطالب الصغير وأعرضا عن كثير منها فلم يستجيبا له؟ كذلك (ولله المثل الأعلى) يجيب الرب الكريم الرحيم الحكيم بعض أدعيتنا ويترك كثيراً منها بلا جواب.

أرأيتم كيف يكبر الطفل ويعقل فيدرك -وقد ترك عالم الطفولة وانتقل إلى دنيا الراشدين- أن أبوَيه ما منحاه ولا منعاه إلا محبةً به وشفقة عليه، ويدرك الحكمة فيما بدا له ذات يوم أقربَ إلى العقوبة والحرمان؟ كذلك سندرك نحن -إذا انكشف الغطاء وانتقلنا من دار الفناء إلى دار البقاء- أن ما اختاره الله لنا كان خيراً مما اخترناه لأنفسنا، وأنه ما منع ولا منح إلا محبة بنا وحرصاً علينا. سندرك ذلك ذات يوم، فهلاّ أدركناه اليوم لنكون من الراضين والشاكرين؟

-4-

إن الأب يعطي ويمنع ولا يقبل من طفله الصغير في الحالتين إلا الرضا، وإنه ليؤلمه أن يستخّط الطفل إذا حُرم في وقت من الأوقات وينسى الأعطيات الكثيرات في سائر الأوقات. إنه يحب أن يطلب منه طفله الحبيب ما شاء في كل آن، ولكنه يشترط -ضمناً- أن يرضى الطفل باختياره الحكيم، أن يرضى إذا حُرِم ويرضى إذا أجيب.

ليس طفلاً صالحاً مَن علّق محبته لوالديه بإجابة طلباته، وليس عبداً صالحاً مَن صنع مثل ذلك مع الله. فاطلب ما شئت من الله وادعُه في كل حين وحال، ولكن جهّزْ من نفسك -قبل أن ترفع يديك إلى السماء بالدعاء- قلباً شاكراً ونفساً راضية. تذكر أن الدعاء “طلبٌ ورضا”، طلب ترفعه إلى الخالق ورضا بما يختاره لك، ليس رضا مشروطاً بالإجابة، بل رضا كاملاً في كل حال.

 

نُشِرت في في الدعوة والإصلاح | الوسوم: , , , , , , , , | أضف تعليق

المعجزة التي رأيت (2)

أعجوبة الدعاء: المعجزة التي رأيت
(2 من 2)

مجاهد مأمون ديرانيّة

لا ريب أن كثيرين من القراء الكرام رأوا في حياتهم ما يشبه تلك الحادثة الغريبة (التي رويتُها في الجزء الأول من المقالة) ولعلها هي وأمثالها مما يُعَجِّب مَن لم يعرف هذه الحالات الفريدة من استجابة الدعاء، أما أنا فلا أعجب منها لأنني رأيت بعيني ما هو أعجب.

لقد أشعرني الله بوجوده ومعيّته ورحمته في كل يوم من أيام حياتي الطويلة، غيرَ أنه تكرم عليّ مرتين بإجابة دعاء مستحيل بالمقاييس البشرية المادية، مرتين لا أنساهما إلى الممات، سأروي قصةَ واحدةٍ منهما وأحتفظ بالثانية لنفسي. وهي قصة طويلة، وقد كان بوسعي أن أختصرها في سطرين، ولكني أحببت أن يعيش قارئها الحالة التي عشتها بتفاصيلها، فمَن صبر على قراءتها وصل إلى العبرة فيها، ومن استطالها فقفز عنها إلى خاتمتها فلا تثريب عليه.

*   *   *

كان ذلك منذ اثنتين وثلاثين سنة. كنت قد تركت العمل بالهندسة (التي حملت شهادتها الجامعية) واتجهت إلى العالَم الذي أحبه وأحسّ -إذا فارقته- بما تحسّ به سمكةٌ انتُزِعت من الماء، عالم الكتاب. كنت شاباً فيّاضاً بالهمة والحماسة، فاستأجرت في معرض استهلاكي محلّي مساحةً كبيرةً جداً، أربعمئة متر مربع، وملأتها بالكتب التي اشتغلتُ عدة أسابيع باختيارها من بعض المكتبات التي كنت أتعامل معها في ذلك الوقت. وقد بلغت قيمتُها قريباً من نصف مليون ريال، لم أسدد منها ريالاً لأني لم أكن أملك الثمن، فكان أصحابها يَمُنّون عليّ فيقدمونها لي “على التصريف”، فأبيع منها في المعارض ما أبيع ثم أرد الباقي وأسدد الحساب.

ولكي أخفف العبء اخترت مساحة خارجية مكشوفة، لأن المساحات الداخلية المسقوفة كانت غالية الثمن، وصمَّمتُ سُرادقاً كبيراً مكوَّناً من أربع خيام مربَّعة طولُ ضلع كلٍّ منها عشرة أمتار ومساحتها مئة متر مربع، وصلتها معاً من أطرافها، ثم رفعت كلاً منها على أنبوب معدني طوله أربعة أمتار ثَبّتُّه داخل عمود أوسع قطراً طوله متران. ولعلي استفدت من معلوماتي الهندسية (التي كانت ما تزال حية في ذهني يومها) فقدَّرت أحجام وأقطار الأنابيب التي تناسب ثقل الخيام الأربع، ولكني غفلت عن حساب قوة الرياح العاتية التي شاء الله أن تهبّ على جدة في ذلك اليوم الذي لا أنساه.

في ذلك الوقت من كل عام (في وسط الشتاء) تتعرض جدة ومكة لعاصفة خَماسينية تبدأ برياح هوجاء تملأ الجو بالأتربة، وربما مزّقت لوحات الشوارع الإعلانية واقتلعت بعض الأشجار، ثم تعقبها أمطار غزيرة تفيض منها الطرق والساحات.

كنّا في اليوم الثاني من أيام المعرض، وما تزال الكتب كلها أو جلّها على الأرفف تحت الخيام عندما بدأ الإعصار. لم تصمد الأنابيب المعدنية، فانكسرت في عُقَد الارتكاز (عند امتداد الأنبوب الصغير وسط الأنبوب الكبير) وانهارت الخيام فباتت الكتب على الأرفف في العراء، ثم انفتحت أبواب السماء. في بلاد الشام لا يعرف الناس هذا المطر العجيب الذي يتدفق من السماء كالسيل الدفّاع، نحن نعرف مطراً ناعماً يستمر يوماً وليلة فلا يكاد يبقى منه على الأرض أثر، أما مطر جدة ومكة فتفيض منه الشوارع وربما غرقت فيه السيارات إلى وسطها بعد ساعة أو ساعتين فحسب. لقد بدأت الكارثة.

*   *   *

كان لي أصدقاء وإخوة في الله كُثُر، والصديق الصَّدوق هو الذي يجده المرء في ساعة الحاجة والضيق، فما لبث هؤلاء الكرام أن تداعَوا فاجتمع منهم في أرض المعرض أكثر من عشرين في أقل من ساعة، وبدأ الجميع يعملون بجهد محموم تحت المطر المتدفق من السماء كالقِرَب المنفتحة: نحضر الصناديق الكرتونية ونكدّس فيها الكتب كيفما اتفق، ثم ننقلها إلى المعرض المسقوف (وقد تكرمت عليّ إدارة المعرض فوهبَتني مساحة صغيرة في الداخل، نحو سبعين متراً). ولكن الكتب كثيرة تملأ مئات الصناديق، والطريق بين الموقعين طويل، فما زلنا نعمل لا نبالي ببلل ولا تعب من العصر إلى الحادية عشرة ليلاً، قريباً من سبع ساعات، حتى فرغنا أخيراً من نقل الكتب كلها وصارت في أمان.

ولكن أكانت حقاً في أمان؟ هل نجت من الكارثة؟

لما وصل آخر الصناديق وعلمت أنها صارت كلها في الداخل بعيداً عن المطر بدأت بفحصها لأنني كنت مرعوباً من إصابة الكتب بالماء. والماء أحد عدوَّين شرسَين للكتاب أحدُهما عدو للآخر، الماء والنار. فأما النار فتأكل الكتاب من فورها، وأما الماء فما يزال الورق يمتصّه ببطء حتى يصبح الكتاب الواحد بسمك كتابَين وتلتصق أوراقُه بعضها ببعض فلا يصلح بعدها لشيء.

فتحت أقرب الصناديق إليّ واستخرجت الكتب العليا فوجدتها مبتلّة بالماء، فسحبت التي تحتها فإذا هي مثلها، والتي تحتها وتحتها، حتى وصلت إلى قعر الصندوق، فإذا الكتب كلها مبلّلة بالماء. ثم فتحت صندوقاً آخر وثالثاً ورابعاً وعاشراً وعشرين وثلاثين، والحال هي الحال. نعم، لقد أنقذنا الكتب من الغرق، ولكنا لم ننقذها من البلل. وكيف، وهي إنما جُمعت وعبئت ونُقلت تحت الماء المنهمر من السماء؟ فماذا نصنع الآن؟

ذهبت فاشتريت ربطة كبيرة من علب المناديل الورقية، ثم اجتمع الشباب فصرنا نفرغ الصندوق مما فيه ونمسح كل كتاب من الكتب من جهاته الستّ جميعاً، فمضت ساعتان ولم نُنْهِ غيرَ عشرة صناديق، وبقي أمامنا أكثر من أربعمئة صندوق! وكان الشباب قد بلغ بهم التعب غايته فبدؤوا بالانسحاب واحداً بعد واحد، وأنا ماض في العمل لا أكاد أبصر شيئاً مما يدور حولي، حتى لم يبقَ إلا واحد فقال: ماذا تصنع؟ حتى لو كنا مئة فلن ننتهي في أقل من ثلاثة أيام، ففي هذه الصناديق ثلاثون ألف كتاب أو أربعون ألفاً أو خمسون، وكل واحد لا بد من تجفيفه بإخلاص حتى لا يتشرّب ورُقه أيَّ بقية من ماء تبقى فيه فتقضي عليه. اذهب فارتَحْ ونَمْ، وسوف نعود كلنا في الصباح فنعمل ما يقدّرنا الله عليه، واحتسب خسارتك عند الله.

كانت الساعة قد جاوزت الواحدة بعد منتصف الليل ولم يبقَ شيء يمكن عمله، فاستسلمت، وذهبت إلى البيت وقد فتك بي الهم والتعب، فاغتسلت ورميت نفسي في الفراش، وعندها بدأت الليلة التي لا تُنسَى.

*   *   *

لو قلت إني أمضيت الليل لم يغمض لي جفن لخشيت أن أختلط بآلاف الناس الذين لاكُوا هذه العبارة وابتذلوها حتى فقدت معناها، فإنهم يُمضون في الأرق ساعة أو ساعتين وينامون سائر الليل ثم يزعمون ما يزعمون. أما أنا فلم أنَمْ في تلك الليلة لحظة، ولا لحظة واحدة، حقيقة لا على المبالغة والمجاز. أمضيت ساعتين أرِقاً مهموماً متقلباً في الفراش، أفكر في الكارثة التي أصابتني فلا أجد منها مخرجاً. كنت في بواكير حياتي التجارية وقتها، لم آلَف الأرقام الكبيرة بعد، فكنت أرى دَيناً من خمس خانات حملاً يكسر الظهر، فكيف بدَين من ست خانات؟! وكان آخر عمل تركته قبل سنتين يمنحني في الشهر خمسة آلاف، أي أنني سأعمل مئة شهر -بمَورد مثله- لأردّ الدين الذي حَمَّلَتْنيه العاصفة!

لما تصورت الحالة التي تركتُ الكتبَ عليها ورائي وفكرت بالكارثة التي وقعت على رأسي بلغ بي اليأس غايته، فانقطع أملي بالأسباب المادية الدنيوية ولم يبقَ لي إلا الاتصال بحبل السماء. بدأت بالدعاء، ثم استغرقت فيه حتى وصلت إلى حالة عجيبة لم آلفها في نفسي من قبل؛ فقدتُ الصلة بهذا العالم الأرضي الذي كنت أعيش فيه وشعرت كأنني ارتقيت إلى عالم علوي وبِتّ معلّقاً بين الأرض والسماء. أقسم بالله إني ما عدت أحسّ بالدنيا ولا بالناس ولا بالأسباب ولا أرى إلا قدرة الله ورحمة الله، نسيت نفسي ونسيت الزمن وغرقت في الدعاء وقد تعلق قلبي بالله وحده وليس بشيء سواه، حتى سمعت أذان الفجر. وكان الليل طويلاً، كنا في جوف الشتاء، فلعلها مضت أربع ساعات وأنا في تلك الحالة ولم أحسّ بها أكثر من دقائق معدودات!

لما سمعت الأذان قمت فتوضأت وذهبت إلى المسجد القريب فصليت الفريضة مع الإمام، ثم انقلبت إلى المعرض فوصلت قبل الجميع، حتى عمال النظافة لم يكونوا هناك في تلك الساعة المبكرة.

اتجهت من فوري إلى الصناديق وفي ذهني أن نُمضي -أنا والشباب- اليوم بطوله بتجفيف الكتب، لعلنا ننقذ ما يمكن إنقاذه. فتحت أقرب صندوق رأيته أمامي واستخرجت الطبقة العليا من الكتب، فوجدتها كلها جافة كأنْ لم تمسَسْها قطرة ماء قط. أخرجت التي تحتها والتي تحتها، حتى أفرغت الصندوق كله، فما وجدت فيه أي أثر لبلل، ولا لقطرة ماء واحدة! فتحت الثاني وأفرغته، والثالث والعاشر والعشرات، وكلما أفرغت صندوقاً وجدت الكتب جافة جفاف الشوك في نهار الصحراء!

عندئذ سقطت على الأرض وأجهشت بالبكاء! لا أدري أهو بكاء الفرح أم الدهشة أم الشكر والامتنان! أنا ابن هذا العالَم، عالَم الكتب، وقد عشت فيه ثلث قرن وأعرف ما يعني ماءٌ على كتاب. أعرف كيف يمتص الورق الماء حتى يجف وتتيبّس أوراقه ويلتصق بعضها ببعض، ولكني لا أعرف كيف يجفّ كتاب مبلول محشوّ في صندوق مقفل! لا أعرف كيف يحصل ذلك في أي يوم، ولم أعرف كيف حصل في تلك الليلة العجيبة، ولم يهمَّني أن أعرف، كفاني ما عرفت: لقد استُجيب الدعاء وتحقق ما كنت أظنه من المستحيلات.

*   *   *

على مر السنين طلب مني إخوة أفاضل أن أحكي لهم هذه الحكاية، وكنت دائماً أتهرب من حكايتها، فإني لم أبدأ بروايتها في أي مرة ثم نجحت في إكمالها بغير حشرجة ودموع، وما استطعت كتابتها اليوم إلا بمثل ذلك، أقسم بالله إني أكتبها بعينين فاض فيهما الدمع مع التأثر والانفعال، فإني ما أزال أتذكر تلك الحادثة وأسترجع تفصيلاتها الدقيقة بمشاعرها الكاملة كأنما أعيشها من جديد.

في ذلك الصباح رأيت المعجزة! رأيت قدرة الله ورحمة الله وجلال الله وعظمة الله. في تلك اللحظة عاهدت الله أن لا أكون كراكبي الفُلْك الذين دعَوه فعرفوه ثم جحدوه ، عاهدت الله أن لا أنسى ذلك المعروف ما حييت.

*   *   *

لو أطلت السرد فاقبلوا مني الاعتذار عن التطويل، وأعود إلى بيت القصيد لأجيب عن السؤال الذي طرحته في مطلع هذه المقالة: كيف يكون الابتلاء في إجابة الدعاء ورفع البلاء؟ حسناً، هذا هو الجواب.

أنا الذي أكرمني الله مرتين فاستجاب دعائي فيهما فيما هو أقرب إلى المعجزة، هل يقبل مني بعدها درجة أقل من اليقين الكامل والطاعة المطلقة والاستسلام غير المشروط لقضائه وتدبيره؟ ابني وزوجته اللذان أراهما الله قدرتَه في ذلك الموقف العجيب، ثم احتاجا إليه مرة أخرى في موقف آخر واستجاب لهما من جديد، هل يقبل منهما بعد ذلك أقل من الإيمان العميق والامتثال الدقيق والتسليم لأمره والرضا بقدره في كل حال؟

أما عن نفسي فلم أنسَ قَطّ كرم الله وفضله عليّ، ولم يبلغ من قلة أدبي مع الله أن أطلب بعدها إثباتاً جديداً على محبته ورعايته، بل عشت دهراً من عمري مستظلاً بهذا الفضل متنعّماً بذكراه، مكتفياً بتلك الرسالة التي أرسلها لي الله لأعيش عليها إلى آخر العمر، حتى ألقاه وهو راض عني بإذنه تعالى (على كثرة ما تنعّمت بنعمه وشهدت إجابة دعواتي في السنين التاليات). وأما ابني وزوجته فإني -من خوفي عليهما- تمنيت من بعدُ لو لم يُستجَب دعاؤهما، فقد حمّلَتْهما الإجابةُ عبئاً أخشى أن ينوء بهما عبر السنين، وهما ما يزالان صغيرَين والعمر أمامهما مديد (لو مَدَّه الله) فما يُدريني ما يطرأ عليهما من ضعف وقوة وإقبال وإدبار في هذا العهد الطويل؟

*   *   *

هذا هو الذي أسمّيه “الابتلاء بإجابة الدعاء”. فما استُجيب لي دعاء إلا تذكرت أصحاب المائدة وتصورت رُكّاب السفينة، وما أجيب دعاء إلا اعتبرت إجابته اختباراً من الله ورجوت الإعانة على النجاح فيه، وما تُرك لي دعاء بلا إجابة إلا ظننته عفواً من الله عافاني بتركه من اختبار ربما تعذّر عليّ النجاح فيه، وفي الأحوال كلها أكون من الراضين ومن الشاكرين.

فيا مَن دعوت ولم يُستجَب دعاؤك على الرغم من الإلحاح بالدعاء: ما يدريك أن الله أحبَّ أن ينجّيك من الامتحان وأن يخفف عنك الحساب، فعوّضك عن دعائك خيراً في الآخرة وترك إجابتك في الدنيا، حتى لا تكون الإجابة حجة عليك وعبئاً وندامة يوم الحساب؟ ارضَ واشكر، فإن الرضا أحد ركنَي “ثنائية الدعاء”، وهذا هو موضوع الحلقة الآتية، وهي الأخيرة في مقالات “الدعاء” بتيسير الرحمن الرحيم.

*   *   *

نُشِرت في في الدعوة والإصلاح | الوسوم: , , , , , , , | أضف تعليق

المعجزة التي رأيت (1)

أعجوبة الدعاء: المعجزة التي رأيت
(1 من 2)

مجاهد مأمون ديرانيّة

ليست معجزة بالتعريف الشرعي للمعجزات، فتلك لا تكون إلا للأنبياء، ولا كرامة من الكرامات التي يختص بها الأولياء الصالحون، فلست منهم ولا من طبقتهم (وإن كنت أتمنى أن أكون). إنما هي معجزة على المجاز، أعجوبة بالمقاييس الأرضية المادية البشرية، علامة دالّة على رحمة الله وقدرته وتدبيره، آية مُبهرة رأيتها في موقف عجيب لا أنساه أو تُغمِضَ عيني يدُ الغاسل.

ولكن لماذا أبدأ المقالة من نصفها؟ سأبدأها من حيث قطعت المقالة السابقة.

-1-

قرأتم في المقالة التي مضت (سر الدعاء المستجاب) أن استجابة الدعاء أرجَى ما تكون إذا ضاقت بالمرء سُبُل الأرض ويئس من الأسباب المادية ووصل إلى اليقين الكامل بأن ما يريده لا يستطيع أن يحققه إلا الله، فأقبل عليه يدعوه بقلب منقطع عن الدنيا متصل به لا يرجو سواه. لكنه ربما دعا وكرر الدعاء بأخلص قلب وأصدق لسان في أشد المواقف يأساً ثم لم يُستجَب الدعاء، فما التفسير؟

قلت في آخر تلك المقالة: إذا وصلتَ لتلك الحالة ثم دعوتَ وثابرت على الدعاء فلم يُستجَب الدعاءُ فاعلم أن إصرار الله على عدم الإجابة رسالةٌ لك، أن الله قد سمع دعاءك وقرر أن يستجيب له بطريقته وليس بطريقتك، فيختار ما “يعلم” أنه خير لك لا ما “تظن” أنت أنه الخير. فاحمد الله في كل حال وارضَ بقضائه، وانتظر الخير الذي أعدَّه لك ولو بعد حين.

هذا هو التفسير الأول. فإن الله تبارك وتعالى إذا أحب عبدَه سيُحبّ أن يصرف عنه شراً دعا به على نفسه من حيث يظنّ أنه خير. وهي تجربة يعرفها أكثر الناس، وأنا نفسي مررت بها في يوم من الأيام، فإني دعوت ذات مرة وقد بلغ بي الضيق أشده، دعوت دعاء المُضطر اليائس أن يصرف الله عني أمراً لم أكن أظن أنه ينصرف، فاستُجيب دعائي غيرَ بعيد، في أسابيع معدودات، ثم أدركت -بعدُ- أنني ضحَّيت بأمر فيه نفع مخلوط بضرر، واكتشفت بعدَ فواته أنّ نفعه أكبر من ضرره وأن خيرَه يفوق شره، فتمنيت لو لم أدعُ بصرفه، فإني دعوت على نفسي من حيث لا أعلم. وما أكثرَ ما يصنع الناس ذلك بأنفسهم، ومنه قوله تعالى (على وجه): {ويدعو الإنسان بالشر دعاءه بالخير}.

هذا التفسير لعدم إجابة الدعاء معروفٌ خاضَ فيه الأولون والآخرون، فلن أقف عنده طويلاً، فاسمحوا لي أن أنتقل إلى التفسير الثاني الذي أنشأتُ هذه المقالة من أجله: إن إجابة الدعاء -عندما تبدو إجابتُه أقربَ إلى المعجزة المستحيلة- أمرٌ جليل جميل يتمناه كل إنسان، غيرَ أنه ابتلاء ثقيل ربما تمنى المرء أن يُعفَى من حمله يوم الحساب، فمن أجل ذلك قد يصرفه الله عنه رحمةً به وشفقةً عليه.

ولكنْ أليس هذا غريباً؟ كيف يكون كشف البلاء -بإجابة الدعاء- هو الابتلاء؟

-2-

فكّروا معي: هل يستوي أهلُ البَرّ الذين عاشوا غافلين عن الله وهم آمنون، لم يُبتَلوا ولم يَدْعوا ولم يُستجَب دعاؤهم، وأهلُ البحر الذين اقتربوا من الموت فابتهلوا لمولاهم بالدعاء، حتى إذا أنجاهم إلى بَرّ الأمان عادوا به كافرين، هل يستوون؟ هل يستوي الذين سمعوا بالرسالة ولم يروا آياتها فاستقبلوها بالشك والإعراض، والذين طلبوا آية محددة باسمها ورسمها، فلمّا أجيبوا إلى ما طلبوا ورأوا الآية عِياناً كفر منهم من كفر وأبى التصديق؟ هل يستوون؟

لمّا طلب أصحاب عيسى معجزة محددة أجابهم الله إلى الذي طلبوه، ولكنه حذرهم: {قال الله إني مُنَزِّلها عليكم، فمن يكفُرْ بعدُ منكم فإني أعذّبه عذاباً لا أعذبه أحداً من العالمين}. دَعُونا من صفة المائدة وطبيعة العذاب اللتين خاض فيهما أهل التفسير بغير دليل، فما يهمنا الآن هو العبرة التي سيقت هذه القصة من أجلها (كما هو الشأن في قصص القرآن كلها). لقد أجاب الله الطلب وأرسل الآية لطالبيها (على الصحيح) ولكنه وجّهَ إليهم قبل إرسالها “إنذاراً شديد اللهجة”، فعلمنا أن أشد الناس مناقَشةً في الحساب وشدّةً في العقاب والعذاب هو الذي طلب الآية فأوتيها ثم أعرض عنها. هذه هي خلاصة القصة، وهي العبرة منها بعيداً عن الفروع والتفاصيل.

وإجابة الدعاء المستحيل آية، هي “آية شخصية” يحصل عليها مَن طلب من الله تحقيق دعاء هو أقرب إلى الاستحالة، تماماً كالآية العامة التي حصل عليها الحواريون. وقد كانت إجابة طلب الحواريين ابتلاء ثقيلاً كما رأينا، ألا ترى إذن -يا من تدعو الله في حالة اليأس وتسأله تحقيق الأمر المستحيل- أن المولى الكريم ربما أشفق عليك فاختار أن لا يبتليك بإجابة دعائك، لكي لا يحمّلك هذا الحمل الثقيل فيضاعف عليك الحساب يوم الحساب ويضاعف لك العقاب لو استحق عليك العقاب؟

-3-

سأروي لكم حكاية قصيرة. ذهبنا مرة في نزهة إلى الشاطئ، وشاطئ البحر الأحمر في جدّة (حيث أعيش) ضحل يمشي فيه الماشي مسافة فلا يجاوز ركبتَيه، فدخل فيه الأولاد يخوضون في الماء، ومعهم ابني الشاب وزوجته، وكانت عروساً جديدة، فلما كان الليل افتقدَت خاتم زواجها ولم تجده في يدها، فعلمَت أنه سقط من يدها في الماء. فبحثت وبحث معها كل من حضر، ولكن بلا طائل، وأنَّى يجدونه وقد غيّبَه ظلامان، ظلام الليل وظلام الماء؟

فلما رجعنا أسِفَت عليه أسفاً هائلاً لم أرَها أسفت مثلَه على شيء قبلَه، ورأيت حالها فقلت لها: لعلك إذا رجعت غداً في النهار وبحثتِ عنه وجدتِه. قالت وقال الآخرون: لا سبيل، هذا بحر يتحرك رملُه إذا جاء المدّ فيبتلع الأجسام الكبيرة، فكيف بالدقيقة الصغيرة؟ وليس ثمة نقطة واحدة نبحث فيها، بل هي مساحة عريضة واسعة. قلت: صحيح، الأمل في العثور عليه معدوم بالمقاييس المادية الأرضية، وهذا يجعل الأمل كبيراً بالعثور عليه من الطريق الآخر، من طريق السماء. ثم قلت لابنتي الغالية (وزوجات أبنائي هنّ بناتي من حيث لم يهبني الله البنات): لن تعثري عليه إلا بقدرة خارقة، قدرة من غير عالم البشر، فتوجهي إلى الله هذه الليلة بدعاء اليائس الذي يعلم أنه لا أمل له إلا بالله، ثم إذا أصبح الصباح عودوا إلى تلك البقعة فابحثوا، وسوف تجدينه بإذن الله.

صنعَت ذلك، دعت ودعوتُ معها، ورجعوا في ضوء النهار فخاضت في الماء تحدّق إلى الرمل وهي أقرب إلى اليأس، ثم أخذ عينَها بريقٌ انعكس من جسم معدني صغير، مَدَّت يدها فإذا فيها الخاتم، كأنما غرزَته في الرمل يدٌ فانتظرَها حتى ترجع فتأخذه من مَغْرَزه! عجبَت وعجب الجميع، ولم أعجب، فما ظننتُ أن الله يخذلها بعدما بلغ بها اليأس من نفسها ومن الناس ودنيا الناس غايتَه، ولو ظنَّت أنها تجده بقدرتها أو بقدرة أحد من الناس لضَعُفَ اعتمادها على الدعاء ولو مثقال ذرة، وعندئذ فإنها لن تجده أبداً.

*   *   *

لقد استجاب الله دعاءها المستحيل، ولكن أكانت الاستجابة منحة خالصة أم كانت أقربَ إلى الامتحان؟ ألن يطالبها الله بأن لا يرتعشَ قلبُها بشكّ ولا تتقاعسَ جوارحُها عن طاعةٍ بعد اليوم؟

في ذلك الصباح رجع الخاتم المفقود، وفيه حمل هذان الشابان حِملاً ثقيلاً سينوء بهما إلى آخر العمر: لقد أراهما الله قدرته ورحمته، وصارا ملزمَين -منذ ذلك اليوم- بحصة مضاعفة من الوفاء ورَدّ الجميل. أمّا أنا فكان ما رأيته ذات يوم أغربَ وأعجب وأكثر إعجازاً، وكان امتحاني أثقل بكثير. القصة في الحلقة الآتية بمشيئة الله.

*   *   *

 

نُشِرت في في الدعوة والإصلاح | الوسوم: , , , , , , , | أضف تعليق

سرّ الدعاء المستجاب

سرّ الدعاء المستجاب

 مجاهد مأمون ديرانيّة

-1-

لعلكم تذكرون سلسلة المقالات التي نشرتها عن الدعاء قبل ست سنين. قرأها من قريب أخٌ فاضل فطلب مني أن أكتب خاتمة لها تتضمن شروط إجابة الدعاء، ففكرت ثم قررت أن لا أفعل، ليس كسلاً أو استخفافاً بطلبه يشهد الله، وإنما لأنها مما تمتلئ به كتب الدعاء، فإنه لا يكتب أحدٌ عن الدعاء إلا ويفصّل تلك الشروط، فلماذا أكرر وأعيد ما هو معروف لكل الناس؟

إلا أني لم أستطع أن أقاوم دافعاً ملك عليّ نفسي وأغراني بالكتابة في عنصر واحد، واحد فقط، وجدت له في حياتي أكبرَ الأثر في إجابة الدعاء، وأحب أن أشارك فيه إخواني وأخواتي وأبنائي وبناتي من القرّاء الكرام.

 -2-

 أنا الآن في الحادية والستين، ولست أذكر متى بدأت بالدعاء على التحقيق، فلنقل إني كنت ابنَ عشر، فأنا أدعو -إذن- من نحو نصف قرن. ولئن دعوت في أول عمري دعاء متقطعاً فإني واثق من أنني لم أترك الدعاء في يوم من الأيام منذ سنين طويلة، ربما منذ ثلاثين سنة على الأقل، فقد صار الدعاء عندي (كما هو عند كثيرين) أقربَ إلى العادة، لا يخلو منه يوم أبداً، تماماً كما لا يخلو يومٌ من صلاة وطعام ومنام.

ولقد دعوت في كل وقت وفي كل حال: دعوت في جوف الليل وفي أعقاب الصلوات وفي ساعات يوم الجمعة كلها، ودعوت قائماً وراكعاً وفي القعود وفي السجود، ودعوت في الإقامة والسفر وفي الصحة والمرض، ودعوت في كل حال من الأحوال وبكل لفظ من الألفاظ، فاستُجيب دعائي في أحيان ولم يُستجَب في غيرها. ولم أستطع أن أدرك فرقاً حاسماً في نتيجة الدعاء بين وقت ووقت ومكان ومكان، ولكني أدركت الفرق في حالة واحدة، حالة متميزة من بين كل حالات الدعاء، فعلمت أنها هي السر في الدعاء المستجاب.

 -3-

 لقد أدركت أن أعظم أسباب إجابة الدعاء على الإطلاق هي حالة محددة تسيطر على القلب في أثناء الدعاء، ولقد جرّبت ذلك مرات أعجز عن إحصائها، بين صغائر الدعوات الهيّنة وأكابرها العِظام.

إن كلمة السر في المسألة هي: “اليأس واليقين”. اليأس من الأسباب المادية الدنيوية جميعاً، واليقين المطلق بأن ما أطلبه لا يستطيع مخلوق أن يحققه، لا يستطيع أن يحققه إلا الربُّ العظيم.

كلما كنت أكثرَ يأساً من الأسباب المادية وأقربَ إلى اليقين بأن ما أطلبه من الله لا يستطيع أن يصنعه سواه صار الدعاء أقربَ إلى الإجابة، فإذا وصلت إلى حالة اليأس المطلق من نفسي ومن الناس جميعاً وعلمت علم اليقين أن طلبي لا يجيبه إلا الله واتجهت بقلبي كله إليه فإنني أعلم أن الاستجابة متحققة بإذن الله، لأن الله لن يردّني خائباً خاوي اليدين بعدما أقبلت عليه وأنا على تلك الحال. ولعل هذا هو المعنى الحقيقي لإجابة دعاء المضطر، فليس كل مضطر دعا يصل إلى الدرجة العليا من الاضطرار.

 -4-

 إن الثقة المطلقة بالدعاء تصل بالمرء أحياناً إلى حالة من اليقين الغريب الذي قد يبدو -في عين مراقب خارجي- ضرباً من الجنون. سأروي لكم مثالاً يصوّر هذه الحالة.

لما كنت صغيراً كان لأبي -رحمه الله- صديق من النوع الذي يصفه العوام بأنه من أهل الله، تَغْلب عليه السكينة والرضا وحسن الظن بالله في كل حال. كان مرة على سفر، وقد وعده أبي بإيصاله إلى المطار، وشغله شاغل فأخّره تأخيراً شديداً، حتى هَمّ أبي بإلغاء الرحلة لأنه أيقن أنه لن يدرك الطيارة. لكن الرجل أصر على الذهاب، وأمضى الطريق يدعو هادئاً كأنه صيّاد سمك رمى صِنارته في الماء ثم استلقى مسترخياً على ضفة البحيرة! كان أبي يكرر طول الطريق: لا أمل، لن تدرك الطيارة. فيردّ بيقين: “بل سأدركها بإذن الله”، ثم ينصرف إلى دعائه. عند الوصول إلى المطار ظهر أن الطيارة أغلقت أبوابها وبدأت تَدرُج على المَدْرج، ثم بدا للطيار ما حمله على التوقف والعودة إلى مربض الطيارة الأول لفحصها، فتأخر الإقلاع ساعة أو نحوها… وسافر الرجل!

قد تبدو القصة للقارئ من الموافقات الغريبة التي تتكرر بين حين وآخر، أما بالنسبة لي فقد بدت أعجوبة، ولولا التعريف الصارم للمعجزة لقلت إنها معجزة. ربما لم يكن تأخر الطيارة وإدراك صاحبنا لها أعجوبة من الدرجة الأولى بالفعل، غيرَ أن ما أبداه من يقين لا يتسلل إليه أدنى قدر من الشك، هذا اليقين الكامل الهائل هو الذي رأيته أعجوبةً من الأعاجيب.

 -5-

 ما أكثرَ ما اختبرت في حياتي تَوافقَ اليقين بالله واليأس من سواه مع استجابة الدعاء! أقسم لكم -غيرَ حانث- أني لمست بين الأمرين ارتباطاً عجيباً لا يمكن تفسيره بقوانين الاحتمالات، فإنّ احتمال الاستجابة يزداد كلما دعوت وأنا أشدّ يأساً من نفسي ومن دنيا الناس وأعظم يقيناً بأن ما أطلبه لا يقدر عليه إلا رب الناس، ولولا أن أطيل عليكم وأحوّل المقالة إلى صحائف من الذكريات لرويت لكم قصصاً وحوادث لا تكاد تصدَّق.

ولا يقتصر الأمر على كبائر حوادث الحياة وحدها، بل يشمل صغائرها وكبائرها على السواء، ولا تُستثنى من الإجابة المعجَّلة إلا الأدعية التي تحتمل الإجابة ضمن الأجل الطويل، فهذه قد تتأخر إجابتُها زماناً يقصر أو يطول، فإذا تحققت (ولو بعد حين) تذكرت دعائي وعلمت أنها ثمرة دعاء القلب اليائس مما عند الناس الواثق بما عند الله.

لقد تتبعت هذه المسألة فوجدت أن ما عرفته أنا بالتجربة عرفه عددٌ لا يُحصَى من الناس سواي. قرأت قصص كثير منهم وسمعت عن كثيرين، ولم يكن الجامع بينهم هو التديّن العالي، بل كان فقط وباختصار: “الإقبال على الدعاء بقلب معلّق بالله وباعتماد كامل عليه، يترافق مع اليأس الكامل من النفس ومن الناس وما في أيدي الناس”.

 -6-

 بل إني لأزيدكم عجباً فأقول: إن الإسلام لم يكن شرطاً لإجابة الدعاء عندئذ، فإن الإنسان إذا وصل إلى تلك الحالة من اليأس من الأسباب المادية والاضطرار إلى الله ودعا أصدقَ الدعاء وأخلصَه بالقلب المنقطع إلى الله لم يردّه الله خائباً، حتى لو كان من العصاة أو من المشركين. فأما القصص التي سمعتها وقرأتها فكثيرة، وأما الدليل ففي كتاب الله: {أمّن يُجيب المُضطر إذا دعاه ويكشف السوء؟} فأطلق ولم يقيّد، فشملت الآية كل مضطر مسلماً وغيرَ مسلم على السواء. وقال تبارك وتعالى: {وإذا مسّكم الضُّرّ في البحر ضلّ مَن تدعون إلا إياه، فلما نجّاكم إلى البَرّ أعرضتم، وكان الإنسان كفوراً}.

فدلّت هذه الآية وأمثالها على أن الله أجاب دعاء الداعي عندما بلغ به اليأس والاضطرار غايتَه، وكما هو معلوم فإن القلب يتجه في تلك الأحوال إلى الله وينقطع أمله من الناس أجمعين، ولا سيما عندما يجد نفسه بعيداً عن برّ الأمان ضعيفاً عاجزاً في بحر الماء أو في جو السماء. وما أكثرَ ما يعود إلى الله المذنبون والعصاة وما أكثرَ ما يعرف اللهَ منكروه إذا أصابهم الخطر في الماء أو في السماء، فيدعون الله فيستجيب لهم الدعاء، فإذا أمِنُوا ووطئت أقدامُهم البرَّ نسوا الله الذي دَعَوه وعادوا إلى العصيان والنكران!

 -7-

 لعل هذا هو أهم سر من أسرار الدعاء. وإني والله ما بلغ بي اليأس من نفسي ومن الناس أقصاه ثم دعوت الله وقلبي حاضرٌ عامر باليقين إلا رأيت أثر ذلك الدعاء، مع أني لست إلا واحداً من عامة الناس لا أتميز بعبادة ولا تقوى ولا أدّعي الصلاح، بل إني لأستصغر نفسي كلما رأيت غيري من أصحاب الطاعات والقربات. فما مررتُ به أنا من تجارب الدعاء يمكن أن يمرّ به أي واحد من القراء.

فيا عبد الله المكروب: إذا بلغ بك اليأس غايته من حَوْلك وقوتك ومن الناس ومن دنيا الناس وأيقنت يقيناً تاماً جازماً مطلقاً بأن أحداً لا يستطيع أن يساعدك إلا الله، إذا وصلت إلى تلك الحالة وتلبّسْتَها بصدق كامل فارفع يديك إلى السماء واطلب من الله ما شئت وأنت موقن بأنه مجيبٌ دعاءك لا محالة، ثم انتظر الفرج غيرَ بعيد.

فإذا وصلت لتلك الحالة ثم دعوت وثابرت على الدعاء فلم تحصل على عين مسألتك فاعلم أنها رسالةٌ لك، أن الله قد سمع دعاءك وقرر أن يستجيب له بطريقته وليس بطريقتك، فيختار ما “يعلم” أنه خير لك لا ما “تظن” أنت -أيها العبد الضعيف المسكين- أنه الخير. فاحمد الله في كل حال وارضَ بقضائه، وانتظر الخير الذي أعدَّه لك ولو بعد حين.

 

نُشِرت في في الدعوة والإصلاح | الوسوم: , , , , , , , , | أضف تعليق