الغوطة في فم البركان

الغوطة في فم البركان

مجاهد ديرانية

-1-

أرى خَلَلَ الرماد وَميضَ جمر   ***   ويوشك أن يكون له ضِرامُ

فإنّ النارَ بالعودَين تُذكَى   ***   وإن الحرب مَبدؤها كلام

فإنْ لم يُطفِها عقلاءُ قوم   ***   يكون وَقودَها جثثٌ وهام

هذه أبيات حفظها التاريخ من رسالة أرسلها نصر بن سيّار، آخر ولاة الأمويين على خراسان، إلى مروان بن محمد، آخر خلفاء بني أمية في المشرق، حينما أحس بالخطر القريب والانفجار الوشيك. ولو أن مروان أصغى ووعى لتغير التاريخ، ولكن قضاء الله مضى ولم يَرجع للنداء صدى، فطُويت رايةٌ ونُشرت راية وبادت دولة وسادت دولة. فهل سيجد هذا النداء في عقلاء الغوطة اليومَ سامعين؟

-2-

التظاهر حق مشروع لكل المواطنين في سوريا الحرة، الآن وفي كل آن، وهو من أهم أدوات المقاومة السلمية التي يملكها الناس لإيصال صوتهم والتعبير عن أنفسهم ولحصار الخطأ والأخذ على أيدي المخطئين، فلا يحق لأي شخص كان مصادرة هذا الحق لأي سبب كان.

ولكن لننتبه إلى أمر مهم: إن التظاهر أداة من أدوات التعبير والتغيير، وكل أداة يمكن أن تُستخدَم في الخير والشر، فالسكين التي يُذبَح بها خروف العيد هي السكين التي قطعت بها داعش رؤوس كرام المجاهدين. أفلا يمكن -إذن- استثمارُ المظاهرات في الشر والتخريب؟

بلى. فإذا كانت كذلك فهل يحق للسلطة التنفيذية منع التظاهر لدفع المفاسد المحتمَلة؟ لا، لا يجوز، وإلا لفقد الناس أهم أداة من أدوات التغيير السلمي ولم يبقَ لهم إلا خياران: الرضا عن الخطأ والقَبولُ بالاستبداد، أو استعمالُ القوة واللجوءُ إلى الإصلاح بالسلاح، وعندئذ سنقع في ضرر أكبر وندفع المفسدة المحتمَلة بمفسدة محقَّقة.

-3-

إن غاية ما يُطلَب من السلطة التنفيذية هو الحيلولة دون تحول المظاهرات إلى أداة تخريب وإفساد، فيُمنع المتظاهرون من حمل السلاح، ولا يسمح للمظاهرات بالاعتداء على الأملاك الخاصة والعامة ولا على جماعات وأفراد الناس، ولا يُسمَح لها بإهانة قيم الأمة ومقدّساتها أو الاجتراء على حرمات الله.

كما كان لأحرار سوريا الحق في الثورة على تجاوزات النظام فإن لهم الحق في الثورة على تجاوزات الفصائل؛ من حقهم أن يتظاهروا في الغوطة وفي إدلب وفي حلب، فيهتفوا ضد فيلق الرحمن أو جيش الإسلام أو جبهة النصرة أو الجبهة الشامية، ومن حقهم أن ينتقدوا قائد هذا الفصيل وذاك وأن يطالبوا بمحاسبة المخطئين ومعاقبة المفسدين، ولكن ليس من حقهم أن يعتدوا على أحد أو يحوّلوا الانتقاد إلى شغب وتخريب.

-4-

اختلط الحق بالباطل في مظاهرات الغوطة، ففي المتظاهرين من ينتقد الخطأ ويسعى إلى رفع الظلم، وفيهم من يستغل الاحتقان الناشئ عن الحصار لتحقيق أهداف آثمة. هؤلاء الآخَرون لا يريدون الخير للغوطة وأهلها بل يريدون تحقيق مآربهم وحماية مصالحهم والمحافظة على مكتسباتهم، وهم خليط من عملاء النظام وتجّار الحروب، التقت مصالحهم مع مصالح فصيل يريد أن يحقق مشروعه الخاص ولو على حساب استقرار الغوطة وأمن الناس.

فكيف يمكن فصل الحق عن الباطل في هذه المظاهرات، وكيف يمكن حماية الغوطة من عبث العابثين؟ الحل في أيدي أحرار الغوطة المخلصين العقلاء: مقاطعة المظاهرات المجهولة التي تحركها أيدٍ خبيثةٌ من وراء الستار، وترك الفئة المنتفعة لتخوض المغامرة منفردةً بلا ظهر ولا غطاء. وبعد ذلك ينظم الشرفاء الأحرار أنفسَهم ويحددون مطالبهم العادلة، وسوف يجدون معهم كثيراً من الأصوات الحرة التي تدعمهم وتقف معهم، فإن الحق يعلو ولا يُعلَى عليه والخير في الأمة كثير.

-5-

استمعنا أمس إلى الكلمة المخلصة التي أذاعها شيخنا وشيخ الجميع، الشيخ أسامة الرفاعي، ودعا فيها إلى الإسراع بتبييض السجون، بمعنى إطلاق الموقوفين الذين اعتُقلوا ظلماً ولم تصدر بحقهم أحكام قضائية، أو صدرت وتم تنفيذ العقوبة وبقوا في الاعتقال. وهي دعوة عظيمة خَيّرة ينبغي على المعنيين في الغوطة المسارعةُ إلى تنفيذها، فلا يجوز أن يبقى في السجون بريء، ويدخل فيها إطلاقُ سراح كل من تم اعتقاله أو توقيفه خلال الأيام القليلة الماضية على خلفية المظاهرات، إلا من ثبت أنه عنصر مدسوس من داعش أو النظام.

ويتبع ذلك القيامُ بإجراء حاسم طالما دعونا إليه وطالبنا به، وهو إغلاق جميع السجون الخاصة أو نقل الإشراف عليها من الفصائل إلى القضاء، ويشمل هذا الطلبُ سجنَ التوبة وغيرَه من السجون الفصائلية في الغوطة، فإما أن تُغلَق أو تسلّم إدارتها للمجلس القضائي الموحد.

وتنطبق هذه القاعدة المهمة على جميع السجون والمعتقلات الخاصة في المناطق المحررة، فقد أساءت هذه السجون إلى الثورة وقدمت صورة سوداء عن دعاة الحرية الذين هتكوها في معتقلاتهم، ومن شاء فليقرأ تقرير “الشبكة السورية لحقوق الإنسان” الذي صدر قبل ستة أسابيع بعنوان “في انتظار العدالة: أبرز مراكز الاحتجاز التابعة للمعارضة السورية”، فإنه تقرير مؤلم يدفع المرء إلى التساؤل المرير: هل ثار الشعب السوري وقدم التضحيات الجِسام ليستبدل طاغية بطاغية وجلاداً بجلاد؟

-6-

أخيراً لا بدّ من حزمة إصلاحات تُضاف إلى ما سبق ويتم تنفيذها على وجه السرعة، لكي تحمي الغوطة من احتقانات أخرى في المستقبل وتحفظ لها استقرارها وتماسكها وأمنها، وتتضمن الإجراءات الثلاثة التالية:

1- إنهاء الفوضى الأمنية والقضائية التي سادت في الغوطة لوقت طويل والتي أباحت لأي فصيل اعتقال من يشاء في أي وقت يشاء! فلا يُعتقَل أحدٌ إلا بمذكرة قضائية صادرة عن المجلس القضائي الموحد حصراً، فهو الوحيد الذي يملك حق التوقيف والمحاكمة وتنفيذ الأحكام.

2- تشكيل لجنة مشتركة “مدنية عسكرية” لإدارة الأنفاق والإشراف على إدخال وتوزيع البضائع والمساعدات، على أن تضم ممثلين عن القيادة المشتركة والمجلس الإغاثي الموحد والمجالس المحلية.

3- تفعيل الإدارة المدنية للغوطة وإعادة هيكلة مؤسساتها السيادية -القيادة الموحدة والمجلس القضائي الموحد والمجلس الإغاثي الموحد ومجالس الإدارة المحلية- بحيث تصبح أكثرَ تمثيلاً للقوى الثورية والحاضنة السكانية، واعتماد مبدأ إلزامية الشورى على كل المستويات، فإن الشورى المُلزمة هي الضمان الوحيد من الاستبداد، وكل تكريس لسلطة الفرد وتعطيل للشورى الملزمة إنما هو عودة إلى أيام الأسد، ولو اختلفت العناوين والألوان.

Posted in رسائل الثورة | Tagged , , , , , , , | أضف تعليقاً

وقت الفجر

تعليق فلكي شرعي

على الخلاف في تحديد وقت الفجر

مجاهد ديرانية

ما يزال الخلاف في إثبات وقت الفجر يتجدد كل عام، منذ أن ظهرت قبل بضع سنين الدعوةُ إلى تأخيره عن الوقت المعلَن في معظم تقاويم العالم الإسلامي، وكانت حجة المخالفين أنهم رصدوا الفجرَ بهيئته الشرعية الموصوفة فلم يروه في الوقت الذي حدده التقويم، بل رأوه بعده بوقت معتبَر يبلغ عشرين دقيقة أو ثلاثين، فهم يريدون دفع وقت الفجر بهذا المقدار، فلا يصلّون إذا أذّن المؤذّنون، وربما استمروا بالأكل في رمضان عشرين دقيقة بعد الأذان، لأنهم يرون أن الأذان متقدم على الفجر الحقيقي بهذا المقدار.

وأنا امرؤ مَنَّ الله عليه بالاشتغال منذ أربعين سنة بالأمرين معاً، علم الفلك وعلوم الشريعة، فرأيت أن أعلّق على هذا الخلاف بما أرجو أن يكون إضافة ذات نفع للمسلمين، داعياً إخواني الأفاضل من أهل العلم الشرعي والكوني إلى المناقشة والاستدراك بحثاً عن الصواب.

-1-

لا خلاف بين العلماء على أن وقت الفجر يبدأ بطلوع الفجر الصادق، أي الضوء الذي يظهر مستعرضاً (أي ممتداً بالعرض) فوق الأفق على يمين ويسار النقطة التي ستشرق منها الشمس آجلاً، وهو مختلف عن الفجر الكاذب: شعاع الضوء الذي يظهر طولياً متعامداً على الأفق مثل عمود البرق. فهذه المسألة -إذن- من مسائل الخلاف العمَلي وليست من مسائل الخلاف الفقهي، لأن تمييز الفجر الصادق ليس بسهولة تحديد وقت الظهر مثلاً، حين يكون ظل الشيء أقصرَ ما يكون، ولا وقت المغرب، حين يغيب قرص الشمس كله تحت الأفق.

هذه المواقيت سهلةُ التحديد بلا لَبس ولا مجالَ فيها للفروق والاختلافات، فالشمس إذا غاب حاجبُها واختفت تماماً في السادسة وست دقائق مثلاً فلا يمكن أن يدّعي أحدٌ أن وقت صلاة المغرب يدخل في السادسة وخمس دقائق، ولا يستطيع أحدٌ أيضاً أن يدّعي أن الوقت لم يدخل في السادسة وسبع؛ إنه وقت دقيق محدَّد تحديداً صارماً، هذا مع ملاحظة أن يكون غياب الشمس تحت الأفق المستوي، كأفق البحر والصحراء الممتدة، لا خلف جبل مرتفع أو بنايات عالية أو سواها مما يحجب الأفق ويعطل الرؤية.

أما الفجر الصادق فخبّروني: لو قال واحد إنه رآه في الرابعة وخمس وخمسين دقيقة، أفلا يستطيع آخر أن يحاجَّهُ فيقول: أنا رأته عيناي في الرابعة وسبع وخمسين دقيقة؟ أو يقول ثالث: أنا رأيته في الرابعة واثنتين وخمسين؟ أي أن فرق الدقائق هنا لا يمكن تفنيده بصورة قطعية لأن طلوع الفجر ليس له مقياس فيزيائي صارم. إنه رؤية تراها عين الخبير فقط، وهي رؤية تتأثر بعوامل لا حصرَ لها: كحدّة النظر، وصفاء السماء، واحتجاب القمر، وخلوّ الأفق من التضاريس المرتفعة (كالهِضاب والجبال)، وبُعد موقع الرصد عن الوهج الذي تسببه أضواء المدن المعاصرة.

إننا نقيم اليوم كلنا (أو جلّنا) في مدن كبيرة يمتدّ وهجُ ضيائها عشرات الكيلومترات خارجَ حدودها، حتى إنني أردت رؤية مذنب هالي المشهور حين دنا من الأرض منذ تسع وعشرين سنة، فخرجت من مدينة جُدّة التي أقيم فيها وابتعدت عنها أكثر من أربعين كيلاً إلى الشمال، ولكنّ شدّةَ الوهج منعتني من رؤية المذنب حتى على تلك المسافة الشاسعة عن المدينة، فعدتُ خائباً. فهذه حقيقة علمية واقعية ينبغي أن تؤخَذ في الحسبان، وهي مسألة من شأنها أن تؤخّر إحساس أعيننا بظهور الفجر ربع ساعة أو ثلث ساعة، وربما أكثر من ذلك في بعض الأحيان.

وماذا عن التضاريس؟ لنفرض أن ضوء الفجر “جرم” يمكن رصده مثل القمر، فلو أن القمر أشرق فوق الأفق المُستوي (أفق البحر) في الرابعة وثلاثين دقيقة مثلاً، فمتى يشرق فوق هضبة ارتفاعها الزّاويُّ من موقع الرصد عشر درجات؟ الجواب: في الخامسة وعشر دقائق! أي أنّ تغيراً طفيفاً في التضاريس يمكن أن يؤخر “الرؤية البشرية” لولادة الفجر بأكثر من نصف ساعة!

-2-

لما كان الأمر على هذا المقدار من الصعوبة اجتهد أهل العلم الشرعي في العصر الحاضر، أعني في القرن الأخير الذي تقدمت فيه العلوم نسبياً، ورأوا أن الأمر لن يُحدَّد تحديداً صارماً يقي الأمةَ الخلاف إلا بتحديد طلوع الفجر اعتماداً على درجة انخفاض الشمس تحت الأفق.

نحن نعلم أن الأرض تدور حول نفسها من الغرب إلى الشرق، وكلما دارت ظهرت فوق الأفق من الناحية الشرقية الأجرامُ التي كانت مغيَّبة، الشمسُ والكواكب والنجوم، ونقول عندئذ إن تلك الأجرام “أشرقت”. ولما كانت الشمس أسطعَ هذه الأجرام فإن ضياءها يصل قبلَها، فإذا ما اقتربت من الأفق اقتراباً كافياً بدأ هذا الضياء بالظهور رويداً رويداً، يبدأ ضعيفاً ثم يشتدّ ويَقوَى حتى تشرق الشمس نفسُها أخيراً. فما هو القدر الذي إذا جاوزته الشمس وهي ترتفع من وراء الأفق كان قدراً كافياً ليطلع علينا الفجر الصادق؟ أو بعبارة علمية أدق: ما هو الانخفاض الزاوِيّ الأدنى للشمس الذي يسمح بطلوع الفجر؟

هذه مسألة من مسائل الجغرافيا الفلكية، وقد بُحثت منذ نحو قرن من الزمان، وأحسب أنها بحثت أولاً في مصر واتُّفق على أن تحدَّد بتسعَ عشرةَ درجة قوسية، وهو الرأي الذي اعتُمد في تقويم “أم القرى” في المملكة العربية السعودية أيضاً. أما في القارة الهندية وما حولها فقد حُدِّدت القيمة بثماني عشرة درجة، وهو الرأي الذي اعتمدته رابطة العالم الإسلامي (وبالمناسبة فإن وقت العشاء ينطبق عليه الاجتهاد ذاته).

وعلى هذا يكون أكثرُ العالم الإسلامي قد اتفق على قيمة لانخفاض الشمس الزاويّ تبلغ تسع عشرة درجة في حدّها الأعلى وثماني عشرة درجة في حدها الأدنى، أي بفارق درجة واحدة. وكما هو معروف فإن الدرجة الواحدة في القياس الزاويّ تعادل أربعَ دقائق من الزمن (في اليوم 1440 دقيقة، والدائرة فيها 360 درجة). أي أن فرق الحساب بين أي منطقة وأخرى لا ينبغي أن يتجاوز أربع دقائق زيادة أو نقصاناً، فمن أين جاءت الدقائق الكثيرة التي بدأنا نسمع عنها في السنين الأخيرة؟

لقد جاءت من جمعية اتحاد مسلمي أمريكا الشمالية (الإسنا) التي اختارت قيمة أكثر تحفظاً بكثير، وهي خمس عشرة درجة، وبذلك صار الفارق بين تقديرها وبين التقويمين المصري والسعودي أربع درجات، أو ما يعادل ست عشرة دقيقة. ثم انتقلت العدوى إلى بلدان الشرق العربي، فظهرت في مصر والأردن والسعودية وغيرها من البلدان دعوات متفرقة إلى تصحيح التقاويم المحلية وتأخير الفجر عن وقته المعتاد عشرين دقيقة أو ثلاثين.

-3-

نصل الآن إلى السؤال المهم: أيُّ الاجتهادات أدقّ وأصوب؟ الجواب الذي أطمئنّ إليه هو موافقة اجتهاد جمهور الأمة. ولا أعني بالجمهور هنا المصطلح الفقهي تماماً، لكنه قريب منه، لأن أصحابه فريق كبير من علماء الشريعة والمساحة والجغرافيا الفلكية في عدد كبير من البلدان الإسلامية، وهو اجتهاد بقي محلَّ رضا وقَبول خلال قرن من الزمان أو نحوه، كما أنه التوقيت الذي يتفق مع الأحاديث التي وصفت وقت صلاة الفجر، واتفقت كلها على أنها كانت بغَلَس. والغلس هو اختلاط آخر الليل بأول ضوء الصباح، أو أنه اختلاط الظلمة بالنور مع غَلَبة الظلمة.

في حديث جابر الذي وصف فيه مواقيت الصلوات الخمس: “كانوا يصلون الصبح بغَلَس” (أخرجه الشيخان وابن حبان واللفظ له)، وفي حديث ابن عباس المشهور في المواقيت الذي أخرجه الترمذي وصحّحه الألباني: “أمَّني جبريلُ عليه السلام عند البيت مرتين”، فحدد لكل صلاة وقتَين ثم قال في آخره: “يا محمد، هذا وقت الأنبياء من قبلك، والوقت فيما بين هذين الوقتين”. وفي الحديث وصف أول وقت الفجر وآخره، ففي المرة الأولى: “ثم صلى الفجر حين برَقَ الفجرُ وحُرِّم الطعام على الصائم”، وفي الثانية: “ثم صلى الصبح حين أسفرت الأرض”.

فعلمنا من هذا الحديث أن أول الوقت هو ظهور أول أثر للفجر وآخره هو الإسفار قبل الشروق، ثم علمنا من سائر أحاديث الباب أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي الصبح في أول الوقت لا في آخره. عن أبي مسعود الأنصاري، عقبة بن عمرو بن ثعلبة، أن النبي صلى الله عليه وسلم صلّى الصبح مرّةً بغَلَس، ثم صلى مرة أخرى فأسفر بها، ثم كانت صلاتُه بعد ذلك التغليس حتى مات”.

-4-

ولعل أكثر ما شرح صدري للتقدير القديم الذي اجتمعت عليه الأمةُ ودفعني إلى ردّ كل ما طرأ على المسألة بأخَرَة من تشكيك ومشاغبات هو حديث عائشة المشهور في الباب، فإن رواياته كلها تُجمع على صفة مهمة، هي أن النبيّ صلى الله عليه وسلم صلى الصبح بغلس وانصرفَت النسوة لا يُعرَفن من الغلس (أو لا يعرف بعضُهن بعضاً في لفظ آخر). وهذه الصفة لا تتحقق إلا في الظلمة الغالبة، فإن الغلس الحقيقي يختلط فيه أولُ ضوء النهار بظلام الليل ولكن الظلمة تغلب، بحيث يستطيع الرائي أن يميّز الأجسامَ بالجملة، ولكنه يعجز عن رؤية الدقائق والتفاصيل، ولو أن قليلاً من الوقت مضى لزاد الإسفار فكشف لأي واحد وجهَ مَن معه فعرفه بلا عناء.

ولا يَقُلْ أحدٌ إن الانصراف هو الذهاب إلى الصلاة، فإنها لفظة صريحة في الإياب لا في الذهاب، وقد بوّب البخاري بقوله: “باب سرعة انصراف النساء من الصبح وقلّة مقامهنّ في المسجد”، أي بعد الصلاة. وقد جادلني بعض مَن حاججتهم بهذا الحديث فقالوا إن نساء الصحابة عجزنَ عن معرفة بعضهنّ بسبب تغطية وجوههنّ! وهذا إغراب وتكلّف مردود، لأن النص صريح واضح في ذكر العلّة: “لا يُعرَفن من الغلس”، وفي رواية أخرى: “ثم ينقلبنَ إلى بيوتهنّ وما يُعرَفنَ، من تغليس رسول الله صلى الله عليه وسلم بالصلاة”.

فلزم إذن أن يكون مُنصرَفُه صلى الله عليه وسلم من الصلاة في ظلمة غالبة. والصلاة لا بد لها من عشرين دقيقة على الأقل إلى نصف ساعة، يعرف ذلك كلُّ مَن صلى خلف إمام متّبع لسنّة النبي صلى الله عليه وسلم، فإن المأثور في الفجر التطويل، فكان عليه الصلاة والسلام يقرأ ما بين الستين إلى المئة آية، ويقرأ من أمثال سورة ق والسجدة والإنسان، وكل هذا مروي في الأحاديث الصحيحة.

والآن ليقم أي منكم بتجربة صغيرة مع أحد إخوانه: يصلّيان الفجر في موضع بعيد عن العمران وعن أضواء المدن الكبيرة، ولتكن هذه التجربة في ليلة غاب قمرُها مبكراً حتى تكون تجربة مُحكمة، ولنأخذ بالتوقيت الجديد الذي يقترح أصحابُه تأخيرَ الوقت القديم عشرين دقيقة على الأقل. سوف يستغرق الرجلان عشر دقائق للوضوء والوصول إلى المسجد، فهذه نصف ساعة بعد دخول الوقت الأصلي المعروف، ثم يصليان الفجر صلاةً سنّيةً تُوفَّى حقها من القراءة والقيام والركوع والسجود والقعود، ثم ليخرجا من المسجد وينظرْ أحدُهما في وجه صاحبه: هل يستبين تفاصيل وجهه أم يعميها الغلس؟

الجواب محسوم بالتجربة. سترون أن الصبح أسفرَ حتى ليعرف الواحدُ صاحبَه تمام المعرفة، بل إنه ليميز أدق التفاصيل. هذا أمر مجرَّب مُشاهَد لا شك فيه، أفلا تجدونه إذن دليلاً على عدم صحة التقديرات الجديدة التي بالغ أصحابُها في التأخير، وعلى صحة التقديرات القديمة التي قبلَتها الأمة طوال قرن من الزمان؟

-5-

الكلمة الأخيرة التي أقولها في هذا المقام: الذي أراه هو أن أصحاب الرأي الجديد مأجورون على اجتهادهم، ولكنهم مخطئون، فما كان ينبغي لهم أن يثيروا بلبلة في عقول العامة ويشكّكوا الناس بصحّة صلاتهم وصيامهم. إن في فتح هذا الموضوع للنقاش العام تفريقاً للأمة، ووَحدة الأمة من الأصول الكبرى في الدين وتفريق أمرها من الكبائر ومن نتائجه الفشل وذهاب الريح وضياع البركة، ولقد أنكر ابن مسعود على عثمان إتمام الصلاة في السفر، ثم صلى خلفه مُتِمّاً وقال: الخلاف شر.

مع ملاحظة أن ما سبق لا علاقة له بأفضلية وقت الصلاة، إنما أجتهدُ في إنهاء الخلاف في إثبات أوله، حيث “تجوز” الصلاة للمصلي و”يجب” الإمساك على الصائم، أما عقد الصلاة نفسها ففي أفضلية الوقت بين التغليس والإسفار خلافٌ مشهور يعرفه طلبة العلم، وقد لخّصه الشوكاني في “نيل الأوطار” فقال: “ذهبت العترة (أي فقهاء آل البيت) ومالك والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور والأوزاعي وداود بن علي وأبو جعفر الطبري، وهو المروي عن عمر وعثمان وابن الزبير وأنس وأبي موسى وأبي هريرة، إلى أن التغليس أفضل وأن الإسفار غير مندوب، وحكى هذا القولَ الحازمي عن بقية الخلفاء الأربعة وابن مسعود وأهل الحجاز، واحتجوا بالأحاديث المذكورة في هذا الباب وغيرها، ولتصريح أبي مسعود في حديثه بأنها كانت صلاة النبي صلى الله عليه وسلم التغليس حتى مات ولم يعد إلى الإسفار. وذهب الكوفيون وأبو حنيفة وأصحابه والثوري وأكثر العراقيين إلى أن الإسفار أفضل، وهو مروي عن علي وابن مسعود”.

Posted in في الدعوة والإصلاح | أضف تعليقاً

حرب البيانات في الغوطة

حرب البيانات في غوطة دمشق:

ألن تنتهي هذه “الوَلْدَنات” المُعيبة؟

مجاهد ديرانية

أصدر فصيلٌ من الفصائل الصغيرة في الغوطة الشرقية بياناً لا يتناسب مع حجمه، يقترح فيه إنشاء “جيش فتح” في الغوطة أسوةً بجيش فتح الشمال. وما علم الذين كتبوا البيان أن جيش الفتح في الشمال ليس سوى غرفة عمليات، فبماذا سيختلف عن غرفة عمليات القيادة الموحدة في الغوطة؟

لمّا ردَّتْ عليهم القيادةُ الموحدة بما هو حق ومنطق ظننّا أنهم سيتّقون الله في الغوطة المحاصَرة التي لا تحتمل أي فُرقة أو خلاف، وأنهم سيهتدون بهدي الرحمن فيضمّون تشكيلهم المتواضع الذي لا يكاد يحسّ أهل الغوطة بأثره إلى الجماعة الكبيرة، فإذا بهم يصدرون بياناً آخر يَدْعون فيه إلى وحدة الكلمة والاعتصام بحبل الله، في محاولة جديدة لتسويق المشروع الغريب نفسه.

ولو أنهم عقلوا لوجّهوا هذا البيان إلى أنفسهم، فمَن الذي يُطالَب بالوحدة: الفصائل الكبرى في الغوطة التي اجتمعت في مشروع واحد، أم الفصيل الصغير الذي استقل وشَذّ وفارق الجماعة؟ الفصيل الذي بلغ من مشاغبته على أهل الغوطة أن أعرض عن قضائها الموحَّد الذي ضم محاكمَها جميعاً ثم ذهب فأنشأ محكمة الضِّرار والتفريق؟ مَن الذي يطالَب بالوحدة والاعتصام بحبل الله؟ ما أغربَ هذه العقولَ كيف تفكر! وما أعجبَ هؤلاء الناس، إلى أي منطق يتحاكمون؟

*   *   *

فلمّا دُعوا إلى دعوتهم ذاتها، وهي تركُ الشذوذ والفرقة والإقبالُ على الجماعة، لمّا رُدَّت دعوتُهم عليهم أصدروا بياناً يقارن بين ما أنجزته غرفة عمليات جيش الفتح في إدلب وما أنجزته فصائل الغوطة الشرقية منذ اجتماعها على القيادة العسكرية الموحدة، ليُثبتوا الحاجة إلى حلّ تلك القيادة وإنشاء قيادة جديدة محلَّها!

هذه المقارنة ما أُريدَ بها وجهُ الله ولا نُشِرَت إلا إصراراً على الفتنة وتأجيجاً لها في الغوطة الأبيّة الصامدة، والدليل على سوء القصد أنها لم تذكر أهمَّ إنجاز لفصائل الغوطة الكبرى، وهو الدفاع عنها ومنع العدو من اجتياحها والسيطرة عليها، على الرغم من الفارق الكبير في ميزان القوة لصالح العدو، وعلى الرغم من قلّة الموارد وقسوة المحنة وطول الحصار.

أليس هذا إنجازاً عظيماً يا مَن أوقدتم نار “حرب البيانات”؟ ألا تعلمون أن العدو يحيط بالغوطة إحاطة القلادة بالعنق، وأنه ما يزال جادّاً أبداً في اقتحامها ليذلّ أهلَها الصامدين المصابرين ويُذيقهم سوء العذاب؟ إنّ الهجومَ الناجح إنجازٌ وانتصارٌ والدفاعَ الناجح إنجازٌ وانتصار، ولكن الجاهلين لا يعلمون، أو يعلمون ثم يكابرون ويتجاهلون.

ثم هل يجوز أن يُساوَى المحاصَرون بالطلقاء، ويُقاس إنجاز الذين تأتيهم إمدادات السلاح والذخيرة بالأطنان بإنجاز من يَبيتون في الرباط ومع أحدهم طلقاتٌ يتيمات يدفع بهنّ عن الغوطة جحافلَ الطغاة المعتدين؟

*   *   *

لمصلحة من أُوقِدَتْ نارُ هذه الحرب، حرب البيانات؟ مَن المستفيد؟ إن الغوطة المحاصَرة لا تحتمل هذه المزايدات وهذه “الوَلْدَنات”، وإنّ سلامة الجماعة مقدَّمة على الأسماء والرايات، فمَن كان مخلصاً حقاً فليتعصم بالله وبالجماعة، وليكن داعيةَ وَحدة ورحمة لا داعيةَ فرقة وعذاب.

أسأل الله أن يكون هذا آخرَ بيان من بيانات الفتنة، وإلا فإنّ الرد عليها لن يكون مقتصراً على الغوطة وجندها البواسل وأهلها الميامين، بل إنه سيكون فرضاً واجباً على أهل الثورة أجمعين.

Posted in رسائل الثورة | Tagged , , , , , | أضف تعليقاً

صورة سوداء

صورة سوداء

بيِّضوها قبل فوات الأوان

مجاهد ديرانية

-1-

سيقرأ أحفادنا في كتاب التاريخ أن سوريا حكمَها في يوم كئيب طويل من أيام الزمان نظامٌ ظالم شرير، وأن ذلك النظام البائد كان نظاماً قمعياً يعتمد على القوة والبطش والإرهاب، فأنشأ بضعة عشر جهازاً أمنياً، ومنح كل واحد من تلك الأجهزة المجرمة صلاحيات مطلَقةً للاعتقال والتحقيق والتعذيب وإصدار وتنفيذ الأحكام.

ثم سيقرأ أحفادنا في كتاب التاريخ أن أحرار سوريا ثاروا على ذلك النظام لعنه الله ولا ردّه أبداً، وأنهم سرعان ما شكلوا كتائب وفصائل كثيرة، منها الصغير ومنها الكبير، وأن كثيراً من تلك الكتائب والفصائل أنشأت سجوناً خاصة بها ومنحت نفسَها حق الاعتقال والتحقيق والتعذيب والمحاكمة وتنفيذ الأحكام.

وعندئذ سيغلق أحفادُنا الكتاب ويتساءلون قائلين: ما الفرق بين النظام ومَن ثاروا على النظام؟ لقد كان السوريون في بلاء سببُه بضعة عشر جهازاً أمنياً، فصاروا بمئات منها ومئات!

-2-

سنقول: ولكن الثوار لم يكونوا مجرمين ظالمين كالنظام الذي ثاروا عليه.

سيقولون: النظام عدو غريب يُحتمَل أذاه، أما الثوار فهم الأهل وذوو القربى، والقليل من ظلم ذوي القربى أشدّ مضاضة من الكثير من ظلم العدو الغريب! إن أيّ فصيل يجمع في يده صلاحيات القاضي والجلاد هو نظام استبداد. أي فصيل يمنح نفسه الحق في اعتقال الناس خارج القضاء هو نظام استبداد. أيّ فصيل يسمح لنفسه بتعذيب السوريين في المعتقَلات هو نظام استبداد. أي فصيل يموت الأحرارُ في معتقلاته بسبب التعذيب هو نظام استبداد. لا فرقَ عندنا بين حمزة الخطيب وصفوان بوّابة، لا فرق بين رحاب علاوي ومضر الديوب!

إن تدخل الفصائل المسلحة في الحكم والتسلط على الناس والسيطرة على القضاء أخطاء لا تُغتفَر، ومن بينها جميعاً فإنّ اعتداءَ الفصائل على استقلال القضاء وممارستَها لسلطات التوقيف والتحقيق هو الخطأ الأكبر، وهو أقرب إلى أن يصنَّف جريمةً في حق الثورة والأمة والدين، لأن استقلال القضاء وهيمنتَه على السلطة التنفيذية أصلٌ في الإسلام، وهو ميزانٌ لحرية الأمم وعلامةٌ على رقيّ الشعوب، وما انتُقِص من استقلال القضاء في أمة ونُزعت هيبتُه واعتُدي على سلطانه إلا ذلّت وهانت وضاعت حقوقُ ضعفائها وانتشر فيها الظلم والفساد والاستبداد.

-3-

يا لها من صورة سوداء قاتمة نقدّمها للأجيال الآتية ليقرأها الأولاد والأحفاد. ولكن مهلاً؛ لا يزال في الوسع تبييضُ هذه الصورة السوداء قبل أن تستقرّ في كتاب التاريخ إلى الأبد، فماذا ستصنع الفصائل المجاهدة في أرض الشام؟ إنها مطالَبةٌ بتحقيق ثلاثة إصلاحات:

1- أولها السعي إلى تحرير القضاء من الهيمنة، فإن القضاء القوي الحر المستقل هو الضمان من الظلم وهو الضمان من الاستبداد. إن تبعية القضاء للفصائل العسكرية ثغرةٌ يتسلل منها الشيطان، ولا حلّ لهذه المشكلة إلا بفصل السلطة القضائية عن السلطة التنفيذية، عسكريةً كانت أو مدنية. هذا هو المنهج الراشدي الذي رأيناه في صدر الإسلام، وهو نفسه الأسلوب المعاصر في الفصل بين السلطات.

2- الثاني حماية القضاء وضمان تنفيذ أحكامه، فإن القضاء الحقيقي هو الذي يمتلك قوة تنفيذية قادرة على تطبيق الأحكام، حتى على الأقوياء من أصحاب السلاح والجاه والمال. فلتتعاون الفصائل الصادقة المخلصة فتشكّل لكل محكمة في كل مدينة محررة قوة عسكرية (ضابطة قضائية) يبلغ من حجمها وقوّتها أنّ أي فصيل لا يستطيع أن يعتدي على المحكمة وقُضاتها أو أن يعطل تنفيذ أحكامها، فيتوقف الظلم عندما تأخذ المحكمةُ المستقلة القوية على أيدي الظالمين.

3- أخيراً على الفصائل أن تمنع تعدد الأجسام القضائية، فتُلغي محاكمَها إن كانت لها محاكم، وأن تمنع الاعتقال خارج القضاء، فتغلق سجونها إن كانت لها سجون. فلا تبقى في كل مدينة محررة إلا محكمة واحدة، ولا يبقى فيها إلا سجن واحد تشرف عليه المحكمة وتحرسه الضابطة القضائية. إن هذا هو الطريق الوحيد لتنفيذ العدالة، وهو الضمان الوحيد من طغيان الأقوياء على الضعفاء.

-4-

يا أيها المجاهدون الكرام في أرض الشام: لا تسمحوا لهذه الصفحة السوداء أن تتسلل إلى كتاب التاريخ الذي سيقرؤه الأولاد والأحفاد وحَفَدة الأحفاد؛ بيِّضوه قبل فوات الأوان.

عاهِدوا الله منذ اليوم أن لا يعتدي أيُّ فصيل على اختصاص المحاكم، فلا يعتقل أحداً أبداً، ولا ينشئ سجناً، لا علنياً ولا سرياً، ولا يمارس التحقيق والتعذيب وانتزاع المعلومات من أحد ولا يصدر أحكاماً على أحد. وإذا كانت لأي فصيل من الفصائل مَظلمةٌ أو شكوى على فصيل آخر أو على فرد أو جماعة من الناس فليس له طريق لحلها إلا القضاء.

إن الاعتقال خارج القضاء جريمة بشعة وعدوان على الحرية التي كانت أول ما هتف به أحرار سوريا في ثورتهم المباركة. إن التعذيب جريمة في حق الإنسانية لن يغفرها الناس ولن ينساها التاريخ. مهما بلغت قوة الفصيل القوي فلا يحق له أن يعتقل أو يعذب أحداً من الناس، وإذا دعته قوته وقدرته إلى ظلم الناس فليتذكر قوة الله وقدرة الله عليه، وليحفظ قاعدة القواعد: ليس لأقوى فصيل في سوريا من الحق أكثر ما لأضعف إنسان في سوريا منه، كلهم أمام القضاء سواء.

Posted in رسائل الثورة | Tagged , , , , , , | أضف تعليقاً

أين الخير في الانتخابات التركية؟

أين الخير في الانتخابات التركية؟

مجاهد ديرانية

إن القراءة الظاهرية لنتيجة الانتخابات التركية الأخيرة تبدو مقلقة، ولا سيما بالنسبة لأهل سوريا الذين كانت تركيا لهم في السنوات الماضية خيرَ صديق وخيرَ ظَهير، وكانت هي العمق الإستراتيجي للثورة والحاضنةَ الكبرى لمؤسساتها وناشطيها ولعدد هائل من اللاجئين.

ولكن الدنيا ليس فيها شَرٌّ محض وليس فيها خير محض، إنما يكون هذا في الآخرة، أما الدنيا فإن الخير فيها مَشوب بشيء من الشر والشرّ مَشوب بشيء من الخير لا محالة. وإن من علامة عقل العاقل أن يبحث في كل شر عن الخير ليَجْتَبِيَه، وفي كل خير عن الشرّ ليَجْتَنِبَه، وكثيراً ما يسوقنا الله إلى الخير أو يسوق الخيرَ لنا بما ظاهرُه شر، فإذا نفرنا منه وأعرضنا عنه لظاهره خسرنا الخيرَ الذي فيه: {فعسى أن تكرهوا شيئاً ويجعلَ الله فيه خيراً كثيراً}.

-1-

يقول آرنولد تويْنبي في نظريته الشهيرة، “التحدي والاستجابة”، إن الجماعة البشرية التي تواجه تحديات كبيرةً تستجيب لها بإحدى طريقتين: استجابة سلبية ينشأ عنها ضعف وضمور، أو استجابة إيجابية تنتج عنها حضارة عظيمة. أي أنّ ما يدمّر الجماعات ليس التحدي نفسه، بل طريقة التعامل معه والاستجابة له، على أن لا يبلغ درجةً من القوة تدمّر الجماعة، ولا درجةً من الضعف تقتل حاجتَها إلى الاستجابة.

هذه النظرية لا تنطبق على الحضارات الكبرى فحسب، بل إنها تنطبق أيضاً على الجماعات والمنظمات وعلى أفراد الناس، وهي تشبه نظرية كارل يونغ الرائدة في علم النفس السلوكي، حيث يقول إن الإنسان الذي يتعرض لصدمة يُصاب بالاضطراب والضياع لوقت قصير، ثم تتبلور استجابته للصدمة بإحدى طريقتين: استجابة سلبية، فيرتدّ إلى الماضي فراراً من الواقع المرير، أو استجابة إيجابية، فيعترف بالمصيبة ويتقبلها، وبدلاً من الاستسلام لنتائجها المُحبطة فإنه يتطلع إلى المستقبل، ويبدأ بالتخطيط الإيجابي للتغلب عليها والخروج منها بفوائد ومكتسبات.

-2-

إن القراءة الأولية لاستجابة حزب العدالة لنتائج الانتخابات تُثبت أنه حزب حيّ ديناميكي قادر على تجاوز الأزمة والانتقال من النجاح الجزئي الذي حققه في الانتخابات (وهو فشل جزئي أيضاً) إلى نجاح أكبر، فقد طالبَ قادةُ الحزب الكبار (آغابيلِرْ) بمراجعة شاملة ونقد ذاتي لأداء الحزب، وتمت الدعوة على عجل لعقد لقاءات تشاورية تضم قيادة الحزب ورؤساء فروعه في المحافظات ورؤساء البلديات وأعضاء الأمانة العامة، وسوف تسعى هذه اللقاءات إلى البحث في أسباب تراجع شعبية الحزب وتحديد مسؤولية الإخفاق الأخير واستشراف المستقبل والتخطيط الجيد للغد القريب والبعيد.

إن هذا التحرك السريع يعبّر عن امتصاص للصدمة ويمثل استجابة إيجابية للتحدي، حيث يُنتظَر أن يجدّد الحزبُ نفسَه ويطور أداءه وينوّع أداوته، وهذه الاستجابة الإيجابية تحملنا على التنبؤ منذ الآن بعودة قوية لحزب العدالة في الانتخابات القادمة بعد أربع سنين.

-3-

إذا كانت هذه هي استجابة حزب العدالة الذي يلعب على أرضه والذي ما يزال هو القوةَ الكبرى في البلاد، فكيف كانت استجابة ثورتنا التي تمثل تركيا عمقَها الإستراتيجي الضروري للبقاء؟ وماذا صنعت مؤسساتنا الثورية التي صارت تركيا موطناً لها فاستقرت وتجذرت فيها منذ عدة سنوات؟

لقد كانت الضريبة التي دفعها السوريون في مصر بعد الانقلاب قاسية. بالتأكيد لا يتوقع أحدٌ أن تتدهور حالة السوريين في تركيا بتلك الصورة التراجيدية، ولكن لا بد أن تحصل تغيّرات، ولا يمكن أن نتجاهل أن بعض الأحزاب حصلت على أصوات كثيرة بناء على برنامج انتخابي يتضمن وعداً بالحدّ من تمدد السوريين في البلاد، وأن أي حكومة ائتلافية قد تُضطر إلى ممارسة بعض الضغط على أفراد السوريين ومنظماتهم الثورية والسياسية والإغاثية، ولا بد أن ينعكس أيُّ تغير في السياسة الخارجية على العمل العسكري في الداخل السوري بطبيعة الحال.

هذه كلها صعوبات محتمَلة، ولكنها ليست كارثة تستحق الشكوى بقدر ما هي تحديات تحتاج إلى استجابة إيجابية خلاّقة. لقد أثبت أحرار سوريا منذ بداية هذه الثورة المباركة أنهم يتفاعلون بإيجابية مع التطورات والتحديات وينجحون بفضل الله، ولكنهم كثيراً ما يترددون فيتأخرون، فعسى أن لا يصنعوا ذلك الآن، وعسى أن يكون أهل الرأي والقرار في المنظمات الثورية والفصائل العسكرية أسرعَ في التفكير والتدبير مني بكتابة هذه الكلمات.

-4-

وثمة وجه آخر من أوجه الخير لا ينبغي أن يغيب عن البال: إن للعمل السياسي نتائجَ خطيرةً على الأفراد والمؤسسات، فإن السلطان يُطغي، هذه واحدة من قواعد الحياة الكبرى ومن سنن الخلق المطّردة، وقد عبّر عنها القرآن بجملة فريدة بديعة يمكن أن تُشرَح في مجلدات: {إنّ الإنسان ليطغى أنْ رآه استغنى}. أي أن الإنسان إذا رأى نفسه مستغنياً عن الناس، بجاهه أو بماله أو بقوته وسلطانه، فإنه يميل فطرياً إلى الطغيان، وإذا طغى السلطانُ أفسد آخرتَه وأفسد دنيا الناس.

لذلك كان من أفضل المنتجات السياسية التي طوّرها البشر عبر الأجيال مبدأ “تداول السلطة”، وهو مبدأ سياسي ينبغي على الأمم الحية أن تعضّ عليه بالنواجذ وأن تقدّم في سبيل تكريسه والمحافظة عليه أعظمَ التضحيات، ولو أردنا أن نكون في سوريا أمة حية فلنحرص على أن يكون هذا المبدأ من المبادئ العليا التي تحكم نظامنا السياسي في المستقبل.

لقد انقضى وقت طويل وحزبُ العدالة هو الحزب الوحيد الذي يمارس السلطة في تركيا بتفرد كامل، ولا ندري، فلعلّه صار بحاجة إلى “دورة تدريبية تطبيقية” في العمل المشترك، فإن هذا هو الطريق إلى ترويض السلطة ومنعها من الجموح ومنحها التكاملَ والتنوعَ والثراء، وفي هذا التدريب خيرٌ له وللبلاد والعباد.

-5-

ووجه ثالث: إن العمل السياسي هو في حقيقته رعاية لمصالح الناس، فهو عبء وغرم ثقيل على صاحبه. ولا ريب أن المحسن ينال مكافأته شكراً واستحساناً من الناس وثواباً من ربّ الناس إذا صلحت النيّات، ولكن الناس يألفون الجديد مع الوقت، فمن سنن الحياة أن الأُلفة تُذهب الدهشةَ كما يقولون، ومن ثَمّ فقد صارت منجزات حزب العدالة في أعين عامة الناس من المسلَّمات التي لا تستحق الشكر والتقدير. فلماذا لا يشارك الحزب غيرَه ويلقي عليه جزءاً من المسؤولية، وليترك للناس الحكم على أداء هذا الفريق وذاك؟

ربما كان هذا هو الخطأ الأكبر الذي وقع فيه الإخوان المسلمون في مصر، يوم تصدّروا لإدارة البلاد فُرادى فاحتملوا وحدَهم إرث عشرات السنين من التخريب والفساد، ولو حمل العبءَ ائتلافٌ من قوى سياسية متنوعة لضاع الدم بين القبائل واشترك الكل في حمل الإرث الثقيل.

لو كنت مسؤولاً في حزب سياسي أو فصيل عسكري في سوريا لما فكّرتُ طرفةَ عين في السعي إلى حكم البلاد منفرداً، حتى لو امتلكت قوة عسكرية عظيمة وأغلبية برلمانية ساحقة، لأنني أعرف أنه اختبارٌ مُعْجز وأن النجاح فيه مُحال، فإن إعادة بناء سوريا وإدارتها تحتاج إلى موارد دول عظمى وإلى سنوات طويلة من الصبر والكفاح والعمل الجماعي الذي يستهلك طاقات الشعب كله. فواعجبي ممّن يعيش في الأحلام فيحسب أن سوريا خَلُصت له من دون الناس، فما يزال يجادل في شكل الدولة وشكل الحكم وكأنه سيكون فيها صاحبَ الملك والحكم والسلطان!

-6-

ووجه رابع: إن الحروب والنزاعات الداخلية تُنهك الأمم وقد تتسبب في تفكّك الدول إذا بقيت بلا علاج، وقد عانت تركيا طويلاً من مشكلة الأكراد، ولا ريب أن حل هذه المشكلة مكسب إستراتيجي سيعود بالنفع على الأجيال التركية القادمة ولن يقتصر أثره الإيجابي على الجيل الحاضر فحسب.

وإن من أفضل وسائل حل المشكلة الانفتاحَ الثقافيَّ والاحتواء الاجتماعي والتطبيع السياسي، ولعل أفضل طريقة لتحقيق ذلك كله هي وجود حزب كردي مستقل يمثل الأكرادَ في البرلمان. إن أول سؤال سوف يخطر في أذهان عامة أكراد تركيا الآن هو: لقد قاتلْنا في الماضي من أجل حقوقنا، وها نحن اليوم نحصل عليها بالطريق السلمي من خلال العمل السياسي الرسمي، فلماذا نستمر بالقتال؟ أيْ أنّ مشاركة الأكراد في الحكم ستضع النهاية الحتمية لصراع مسلح استمر لأكثر من ثلاثة عقود.

إن المجتمعات المتعددة الثقافات والمذاهب والأعراق تعيش على سطح بركان ساكن معرَّض للانفجار في أي يوم، وهي لا تصل إلى الأمان والاستقرار إلا عندما يحصل الجميع على حقوقهم الكاملة. لقد كان هذا هو الدرس الذي تعلمته أممٌ كثيرة بعد حروب طاحنة مدمرة، وهو ما وصل إليه الأترك بعد نزاع مسلح منهِك طويل لم يستفد منه غير أعداء تركيا، وهو أيضاً ما يحتاج أهل سوريا إلى إدراكه قبل فوات الأوان.

Posted in رسائل الثورة | Tagged , , , , , , | أضف تعليقاً

عِبْرة الانتخابات التركية

عِبْرة الانتخابات التركية

مجاهد ديرانية

كنت في إسطنبول قبل عدة أسابيع وشهدت جزءاً من الحملات الانتخابية الصاخبة للأحزاب المتنافسة، من صور وأعلام وشعارات وخطب وأناشيد حماسية تذيعها سيارات انتخابية تجول في شوارع المدينة الرئيسية على مدار اليوم.

وذات صباح تشرّفت بصحبة إخوة كرام من المكتب السياسي للاتحاد الإسلامي لأجناد الشام، من أصدقائي المقرَّبين الذين أحرص على الاجتماع بهم كلما زرت إسطنبول. وكنا في طريقنا إلى لقاء بعيد، فمررنا بكثير من المظاهر الدعائية الانتخابية، وشاهدنا صور مرشحي حزب العدالة وأعلامَه وشعاراته في كل مكان، فخطر ببالي خاطر؛ قلت لهم:

فعلاً إننا سُذَّج! انظروا إلى هذا الحزب الذي قدّم للأتراك في اثنَي عشر عاماً ما لم يقدم غيرُه معشارَه في عشرات السنين، انظروا كيف يستميت في الدعاية ويبذل غاية الجهد لإقناع الناس بمنحه أصواتاً تمكّنه من الاستمرار في طريق البناء والنماء والرخاء، ونحن بالكاد نستطيع أن نقدم للناس في سوريا أقلّ ضرورات الحياة، ثم نتحدث عن سوريا ومستقبلها وننشغل بمناقشة شكل الدولة السورية القادمة ونوع الحكم وغير ذلك من التفصيلات، وكأن الشعب السوري دُمَى نحرّكها بالخيوط أو أننا نملك قلوب وعقول الناس!

*   *   *

إن للانتخابات التركية عِبَراً وفوائد كثيرة، ولعل أهم عبرة يحتاج المجاهدون إلى إدراكها هي أن الحرب أهون من الحكم، وأن هدم دولة الشر والباطل أسهل من إنشاء دولة الخير والحق، فإن المعركة مع نظام الاحتلال الأسدي الطائفي ستُحسَم مرةً واحدة وإلى الأبد بإذن الله، أما إدارة الدولة الحرة فإنها تَحَدٍّ متجددٌ لا ينقطع ومتاعبُ ومصاعب لها أوّل وليس لها آخِر.

وعبرة أخرى من أعظم العِبَر التي أرجو أن يدركها قادة الجهاد في الشام: إن عالم الحكم والسياسة متقلّب متغير وليس فيه جمود وثبات، فرُبّ قوةٍ هي اليومَ غالبةٌ وهي غداً مغلوبة، وجماعةٍ كانت حاكمةً فصارت محكومة، فالحكيم مَن نظر للطريق الطويل فاستعدّ له وادّخر قوته لعبوره، الحكيم لا يبدّد طاقته كلها ولا يحرق أوراقه في المرحلة القلقة القصيرة المؤقتة التي نعيشها في سوريا في هذه الأيام، الحكيم لا يسمح لمكاسب آنيّة في هذه المرحلة الانتقالية العاجلة بأن تحرمه وتحرم الثورة من المكاسب الآجلة الكبرى.

إن السبب الأكبر الذي يمنع الفصائل من الاندماج في جسم عسكري ثوري واحد هو حرص كل صاحب مشروع على مشروعه (هذا عندما نقدم حسن الظن ونستبعد الأسباب الشخصية المجردة، وأرجو أن قادة الجهاد منزَّهون عنها بإذن الله) فإن صاحب المشروع يظن أن في تنازله عن اسمه والتضحية بمنهجه تضييعاً للمشروع، ويحسب أن انتصارَ مشروعه معلَّقٌ بقدرته على حماية هويته وخصوصيته وعدم الذوبان في المشروع الثوري العام.

ولو أدركوا لعلموا أن تحرير سوريا هو البداية لا النهاية، وأن مشروعاتهم لا مكانَ لها إلا بعد الانتصار على النظام، وأن ما قبل الانتصار أحلام وأوهام وبناء على الماء، لأن أي بناء صالح لا يمكن أن يُقام على أرض يشغلها بناء فاسد، فإنْ لم نتعاون في نقض بناء الشر والفساد فلن يستطيع أحدٌ أن يحقق شيئاً من مشروعه في سوريا بعد التحرير.

إنّ إسقاط النظام هو مفتاح المفاتيح وهو الهدف الوحيد الذي ينبغي أن يشغل به أهلُ الثورة أنفسَهم، ولو فعلوا لما وجدواً مانعاً يمنعهم من العمل المشترك، ولما رفعت الفصائل راياتها الخاصة وتركت رايةَ الاستقلال الخضراء التي مشى تحتها ملايينُ الثوار، يومَ كانت الثورة للشعب كله ولم تكن ثورةَ فصائل وجماعات.

*   *   *

مَن أدرك العبرة السابقة واجتهد في سَقْي الأشجار ستنضج على أشجاره الثمارُ فيقطفها ناضجةً بعد الثورة، ومن لم يدركها وتعجّل قطفَ ثمرٍ لم ينضج سينتهي أمره بعد الثورة بأشجار جرداء بلا ثمار، وسوف يتذكر آسفاً تلك القاعدة التي درسها في دروس القواعد الفقهية ثم نسيها وخالفها: “من استعجل الشيء قبل أوانه عوقب بحرمانه”، أو كما ذكرها ابن قدامة في “المغني”: “من استعجل الحق قبل وقته حُرِمَه في وقته”.

إن بعض الفصائل تستميتُ في السيطرة على بعض المناطق المحررة وتسعى إلى فرض قوانينها فيها، ليس القوانين التي تحمي حقوقَ الناس وتحفظ الأمن المجتمعي فحسب، بل أيضاً القوانين التي تتفق مع المنهج الفكري الذي يعتنقه ذلك الفصيل، وغالبيتها قوانين تفصيلية تتدخل في اختيارات الناس الشخصية وفي حياتهم الدينية والاجتماعية والثقافية.

وعندي أن هذه الفصائل تخسرُ خسارة كبيرة لسببين: أولهما أن أيّ إنجاز تحققه اليوم في الظروف المؤقتة التي نعيشها في سوريا إنما هو إنجاز مؤقت سينتهي بنهاية تلك الظروف، والثاني (وهو أهم) أن ما تفرضه تلك الفصائل على الناس اليوم سيلتزم به الناس، ليس لأنهم اقتنعوا به وأحبوه بل لأنهم لا يستطيعون التمرد على قوة الفصيل الذي يفرضه، فإذا ضَعفت قوة الفصيل غداً وانحسر سلطانه (وهو أمر آت لا ريب فيه) فسوف يتوقف الناس عن الالتزام بتلك القوانين، بل يغلب أن يرتدّوا عليها وينقلبوا إلى عكسها كرهاً بها ورغبة في مخالفتها، لأن كل مفروض مكروه، حتى لو فُرض على الناس أكلُ الخبز وشرب الماء بالقانون المُلزم الصارم وعوقب مَن لا يأكل الخبز ويشرب الماء لكره الناس أكلَ الخبز وشرب الماء! هذه طبيعة الإنسان.

كم أحزن عندما أشاهد ممارسات عَجولة قصيرة النظر تُكْره الناس على الدين فتكرّه الناس بالدين! كم تقبض صدري هذه الجناية الفظيعة على الإسلام!

Posted in رسائل الثورة | Tagged , , , , , , | أضف تعليقاً

الإخوان المسلمون وإعصار داعش

الإخوان المسلمون وإعصار داعش

 

مجاهد ديرانية

 

وددت لو أني كتبت محذّراً الإخوانَ -في أنحاء العالم، وفي مصر خاصة- من إعصارٍ يوشك أن يضرب جماعتهم، ولكنّ أوان التحذير من خطرٍ آتٍ مضى منذ زمن، فإنهم اليوم في قلب الإعصار، ولكنْ يبدو أنهم لا يشعرون.

 

لقد دُهشت على الدوام من البطء الشديد الذي تتحرك به جماعة الإخوان المسلمين في مصر، وتساءلت منذ أن قرأت -قبل سنوات طويلة- كتاب حسن العشماوي “حصاد الأيام”، تساءلت: لماذا استغرقوا كل ذلك الوقت الطويل من التخبط والتردد؟ لماذا واجهوا الخطر الهائل بسلبية وعجز؟ كيف سمحوا لعشرة أشهر ثمينة بأن تضيع بلا عمل، منذ أن أصدر جمال عبد الناصر قراراً بحل الجماعة في كانون الثاني (يناير) 1954 إلى أن ضربها الضربة الكبرى بعد حادثة (أو تمثيلية) المَنشيّة المشهورة في تشرين الأول (أكتوبر) من ذلك العام؟

 

لقد كان حصاد ذلك البطء والتردد والعجز مُرّاً علقماً، ليس “الحصاد المُرّ” الذي كتبه الظواهري في نقد الإخوان فأسَفّ وظلم ولم يُنصف، بل الحصاد المرير الذي تجرّعَه عشراتُ الآلاف من خيرة رجال مصر في عشرين عاماً من التنكيل والاضطهاد.

 

ودار الزمان دورة كاملة، فعادوا -بعد نصف قرن- إلى الموقع نفسه، ومرة أخرى تسبب البطء وقصور الرؤية وقلّة الإدراك في كارثة الانقلاب الأخير، فقد فشلوا في قراءة الواقع المعقد وعجزوا عن استشعار الخطر الكامن، فلم تضربهم الكارثةُ وحدَهم، بل ضربت معهم الملايين من أحرار مصر الذين وثقوا بالجماعة وانتخبوها لقيادة البلاد في تلك الظروف العصيبة، فغدا الجميع ضحايا لانقلاب الخيانة والغدر والإجرام.

 

*   *   *

 

إنني أحس بهذا العجز نفسه وبحالة حادّة من “قصور الرؤية” حينما أرى إعصار داعش يضرب الإخوان المسلمين في مصر (وفي غير مصر من البلدان التي توجد فيها فروع للجماعة) وهم لا يشعرون بالخطر، وعدمُ الشعور به أمر سيّئ، أو يشعرون ولا يبالون، وهذا أسوأ، فتركوا أبناء الجماعة للتخبط والضياع.

 

لقد تنبّهَت الحركاتُ الإسلامية واحدةً بعد واحدة إلى الكارثة، فكان منها سابقٌ ولاحق في التحذير من هذا البلاء الخطير، وتخلفت عن الركب أهمُّ وأعظم وأعرق الحركات الإسلامية في العصر الحاضر، حركة الإخوان المسلمين العالمية، فلم يُسمَع لها صوتٌ ولم يصدر عنها بيان، فكان أن غرق أتباعها في التّيه وفقدوا البوصلة، فانجرف كثير منهم إلى تأييد داعش والانتصار لها والدفاع عنها في المحافل والمنتديات.

 

وإن هذا لمن أعجب العجب، فإن الإخوان (بما فيهم حماس) كَفَرة مرتدون عند داعش، ولو أن الدواعش ظفروا بإخوانيّ أو حماسيّ لذبحوه، ومع ذلك يتنافس شباب الإخوان -في مصر خاصة- في تأييدهم والدفاع عنهم بكل حماسة واندفاع.

 

منذ نشأة داعش المشبوهة في سوريا كان “الامتحان” التقليدي الذي يَستقبل به الدواعشُ كلَّ وافد عليهم -للحكم على صحة عقيدته- هو سؤاله عن مرسي وهنيّة وأردوغان، فإذا كفّر الثلاثةَ نجا وأثبت أنه على المنهج، وإذا تردد أو أبى التكفير فهو كافر مرتدّ كالذين سُئل عنهم. ولقد استفزّ كاتبُ هذه السطور الدواعشَ بنقده لهم (النقدَ المنهجي الواقعي الأمين) فرمَوه بأبشع النعوت ووصفوه بأراذل الأوصاف، وكان من أحب شتائمهم إلى نفوسهم المريضة أنه “صَحْوَجي إخونجي كافر مرتد”، فهذه الأربعة عندهم من المترادفات.

 

أبَعْدَ ذلك كله تدافعون عن الدواعش يا أبناء وأنصار الإخوان؟ تدافعون عن مكفّريكم وجلاديكم وقاتليكم الذين لا يرون لكم علاجاً سوى قطع الرؤوس وحَزّ الرقاب؟ إذا لم تعتبروهم أعداء لكم من أجل آلاف الأبرياء الذين فتكت بهم داعش في الشام فهلاّ اعتبرتموهم كذلك من أجل أنفسكم؟ ما رأيتُ أبعثَ على الأسى من ذَبيحٍ يُحِدّ السكينَ لذابحيه!

 

*   *   *

 

يا قادة الإخوان الكرام، في مصر خاصّةً وفي سائر البلدان: آنَ لكم أن تخرجوا عن صمتكم وأن تُصدروا البيان البيّن المُبين الذي يوضح حقيقة داعش ويحذّر من الوقوع ضحيةً لإعلامها الفاجر الكذّاب. إن الملايين من أبناء الجماعة ومن أنصارها ومحبّيها أمانةٌ في أعناقكم، وإن هذا التردد سيكلّفكم الكثير. لن تفتك داعش بالجماعة لأن الضفدع لا تبتلع فيلاً، ولكنّ العاصفة ستخلّف الكثيرَ من الضحايا وستترك ندوباً ستبقى لوقت طويل.

 

هذا جرس إنذار نقرعه على مسامعكم لو أنكم تسمعون قرع الجرس! إنني ما أزال أتابع بحزن ردودَ الفعل العاصفة التي تأتي من مصر كلما نشر إخوانكم في سوريا رأيهم المنصف في داعش. وكلما شكونا من إجرامها ردّ علينا إخواننا في مصر بالتخوين، وكثيرون منهم يبدو من صفحاتهم ونقاشاتهم أنهم من مدرسة الإخوان المسلمين، فواحُزْناه على جماعة كنا نرجو أن تكون سداً يمنع سيل الغلوّ الداعشي من اجتياح بلاد المسلمين، فصار أبناؤها وأنصارها جزءاً من هذا السيل المدمر، وصاروا أبواقاً للغلاة يسوِّقون للقَتَلة ويدافعون عن المجرمين.

 

لقد ارتكب المسلمون خطيئة كبيرة عندما سكتوا عن تنظيم دولة العراق وتركوه يُبيد المجاهدين ويستأصل الجهادَ السنّي في بلاد الرافدين قبل عشر سنين، ولعلّ لنا عذراً في التقصير حينها بسبب قلّة المعلومات وضعف التواصل، فلم تكن تلك  الوسائل الجديدة -من يوتيوب وفيسبوك وتويتر وأمثالها- قد انتشرت آنذاك، ولكنْ ما عذرُ الملايين من المسلمين اليوم عندما يصرّون على تأييد داعش، بعدما اجتهد السوريون في نشر آلاف الأدلّة والبراهين على إجرام داعش وغدرها وبغيها وعدوانها على المسلمين؟

Posted in مصر وثورة مصر, داعشيات, رسائل الثورة | Tagged , , , , , | تعليق واحد