ما فائدة الدين؟

ما فائدة الدين؟

مجاهد مأمون ديرانيّة

هل يمكن أن تذكر لنا بعض فضائل الدين؟ منذ الأزل نشأت بين البشر صراعات وحروب لأسباب اقتصادية وسياسية، فلما جاءت الأديان صارت سبباً جديداً للعنف والكراهية، بل إن الحروب الدينية كانت أكثر وحشية من كل ما سبقها. فما الفائدة التي حصل عليها البشر من الدين؟

هذا تعليق كتبه أخ كريم على مقالة “ظاهرة الإلحاد” التي نشرتها قبل عشرة أيام، وفيه سؤالان، أولهما عن فائدة الدين بالمطلق، والثاني عن علاقة الدين بالحروب والصراعات. سأجيب عن النصف الأول في هذه المقالة وأترك النصف الثاني لأجيب عنه في مقالة آتية إذا يسّر الله.

*   *   *

لما كنت صغيراً ساقني أهلي إلى المدرسة قسراً وحبسوني فيها بضعَ عشرةَ سنة، وسيق إليها ملايينُ من أمثالي وهم لها كارهون. قال لي أهلي: حتى لو كرهتها اليوم فسوف تدرك فائدتها بعد أن تكبر في يومٍ آتٍ من الأيام، فاستسلمت وسلّمت بما سمعت لأن الصغير لا يفكر كثيراً ويقبل ما يقوله له الكبار. ثم كبرت وعقلت واستقلّ تفكيري فاستغنيت عن الإملاء، فقد اقتنع عقلي بما كان يُملَى عليه وأدرك أن النجاح في الحياة الآتية بعد التخرج في المدرسة يعتمد بدرجة كبيرة على النجاح فيها، فلم أعد بحاجة إلى مَن يُكرهني على ركوب مركب الدراسة الصعب، ركبته بنفسي رجاء أن يوصلني إلى بَرّ الأمان والنجاح، وقد كان بفضل الله.

وماذا عن الدين؟ أخبروني أيضاً أن طاعة الله في هذه الدنيا تنجيني في الآخرة التي صوّروها لي بأبهى الصور ورغّبوني في الفوز فيها بأعلى الدرجات، فاستسلمت وسلّمت بما سمعت لأن الصغير لا يفكر كثيراً ويقبل ما يقوله له الكبار. ثم كبرت وعقلت واستقل تفكيري ولم أعد بحاجة إلى إملاء، فقد اقتنع عقلي بما كان يُملَى عليه وأدرك أن الدين حق والموت حق والبعث حق والحساب حق، ثم يأتي بعدَه نعيم أبدي أو شقاء طويل. علمت أن السعادة في الحياة الآخرة الآتية بعد الخروج من الدنيا تعتمد بدرجة كبيرة على النجاح فيها، فلم أعد بحاجة إلى من يُكرهني على سلوك طريق التدين الثقيل، سلكته بنفسي رجاء أن يوصلني إلى بَرّ الأمان والنجاح، وأرجو أن يكون بفضل الله.

*   *   *

فلو سألني سائل عن فائدة الدين سيكون جوابي البديهي الحاضر أنه طريقٌ إلى السعادة الأبدية في دار البقاء، وكفى بهذا الجزاء دافعاً إلى التديّن والالتزام بما أمر الله به واجتناب ما نهى عنه، ولكنه ليس كل شيء. إنه جزاء عظيم يعدل كل ما يلقاه المؤمن المتدين من صعوبة في التدين والالتزام، ولكن هذا الجزاء العظيم تأتي معه “هدايا مجانية” لا تُحصى، أعطيات معجَّلة في الحياة الدنيا ريثما نصل إلى “الجائزة الكبرى” في الحياة الآخرة الباقية في دار الجزاء.

إن الدين يمنح المتدين اطمئناناً وراحة بال يتناسبان تناسباً طردياً (كما يقول الرياضيون) مع درجة الإيمان واليقين، فكلما ازداد يقينُ المتدين وإيمانه صار أكثرَ اطمئناناً وهو يعبر رحلة الحياة الصعبة المضنية الطويلة، فلا يُشقيه شقاؤها لأنه يعلم أن ذرة من نعيم الآخرة تمحو قناطير من شقاء الدنيا، ولا يؤيِسُه ما فيها من حرمان لأنه ينتظر في الآخرة العِوَض والفوز الكبير، ولا يحبطه ما فيها من ظلم لأنه مطمئن إلى عدل الله الذي سينتصف لكل مظلوم من ظالمه يوم الحساب.

ربما عاش غير المؤمنين في سعادة واطمئنان لبعض الوقت، ولكن المؤمن الحقيقي يعيش فيهما الوقتَ كله، وهو يعرف من درجاتهما السامية المحلّقة ما لا يعرفه أصحابُ القلوب التي لم تعرف الله ولم تهتدِ بهداه.

*   *   *

هذه فائدة يستفيدها الفرد من الدين، أما الفائدة التي تستفيدها الجماعة فأكبر بكثير، لأن المتدينين الصادقين يلتزمون بقوانين الدين الطوعية ولو غاب سيفُ قانون الأرض القاهر، لأنهم يوقنون بأن الله الذي يؤمنون به وبالمعاد إليه والحساب بين يديه مطّلع على ظواهرهم وسرائرهم في كل حال وأنهم محاسَبون على كل عمل يعملونه، حتى مثقال الذرة من خير وشر، فيُقبلون راغبين طائعين على كرائم الأخلاق التي تُصلح المجتمع وتُسعد أهله: الكرم والعطاء والمروءة والتضحية والإيثار والعفو والرحمة والإحسان والصبر والصدق والوفاء والعدل والأمانة والإخلاص، ويجتبنون الموبقات والجرائم التي تُشقي الجماعات وتدمّر المجتمعات: الظلم والحقد والحسد والكِبر والأثرة والقسوة والبغضاء وسوء الظن والاستغلال والسرقة والغش والرشوة والقذف والقتل والعدوان.

لعل الأدلة العقلية التي تثبت صحّة الدين كافية ليُقبل عليه ويدخل فيه كثيرون من غير أهله، ولكنْ لا ريب أن الذين يجذبهم إليه ويقنعهم به نظامُه الأخلاقي الرفيع أكثرُ بكثير، فما يزال هؤلاء مفتونين مبهورين بما يقدمه الدين من سعادة للفرد والجماعة وما يزالون يتدفقون عليه في سيل لا ينتهي من المهتدين في كل مكان وآن، فيجد المضطربون الخائفون فيه السلام والأمان والاطمئنان، ويجد فيه الضعفاءُ رحمةَ الأقوياء والأقوياءُ وفاءَ الضعفاء والمحرومون عطاءَ الأغنياء والأغنياءُ شكرَ الفقراء، ويجد فيه الآباء بِرّ الأبناء والصغارُ عطفَ الكبار والكبارُ توقيرَ الصغار ويجد فيه الجارُ حقَّه عند الجار، وفي ظلاله تتوطد صلة الأرحام وتتأكد الأمانة في التجارة والإتقان في العمل والوفاء بالوعد، ويتمتع فيه كل مسلم في أدنى الأرض بأخوّة المسلمين جميعاً في أقاصي الأرض ولو اختلف اللون واللسان.

*   *   *

الخلاصة: إن الدين كله خير وفائدة، فائدة مؤجَّلة تنجي المتدين في دار البقاء، وفائدة معجلة في الدنيا، للفرد اطمئناناً في نفسه وسعادةً وراحةَ بال وللجماعة تراحماً بين أفرادها وتعاوناً على البِرّ والخير.

على أن هذه الفوائد الجليلة تتحقق بمقدار صدق أصحاب الدين والتزامهم بدينهم، فتزداد إذا ازداد التديّن وتنقص إنْ نقص، فإن الدين لا يعمل في حياة الناس ولا يغير الواقع بعصا سحرية ولا بالدعاوى والتمنيات، إنما يعمل الدينُ عملَه ويترك أثره ويحقق نتائجه الجليلة وفوائده المذهلة بمقدار حرص أهله على تطبيق أحكامه والالتزام الصادق بأوامره والابتعاد الحريص عن نواهيه، وهذا كله من المسلَّمات التي لا يجهلها إنسان.

هذا هو الفرق الجوهري بين الدين والقانون، فإن القانون الأرضي الصارم يستطيع أن ينظف المجتمع من السرقة والغش والاحتيال والاستغلال والاحتكار وسواها من الموبقات، كلياً أو جزئياً، ولكنه لا يستطيع -مهما وضع من جوائز وعقوبات- أن ينشر في المجتمع الرحمة والتكافل والبِرّ والصدق والاستقامة والوفاء والإحسان وسائر الخصال الحميدة التي تُسعد الأفراد وتُصلح المجتمعات، والتي يرغب فيها المتدينون ويُقبلون عليها رجاء الفوز والسعادة والفلاح في عالم غير منظور، عالم غيبي لا تدركه حواسهم ولكنهم يؤمنون بوجوده وبأنهم إليه صائرون، فيقدّمون الكثير في هذه الدنيا رجاء الحصول على الأكثر في الآخرة، ويزرعون حياتهم بالصالحات على أمل الحصاد في دار الخلود.

Advertisements
نُشِرت في في الدعوة والإصلاح | الوسوم: , , , , , , , , | أضف تعليق

الإلحاد وعلماء الأمة

ظاهرة الإلحاد ومسؤولية علماء الأمة

مجاهد مأمون ديرانيّة

في مثل هذا الوقت من السنة الماضية ثار نقاش طويل حول الإلحاد الذي بدأ بالانتشار بين شباب المسلمين وعلاقة العلماء والدعاة بهذه الظاهرة المقلقة، وكان السؤال المحدد هو: هل يمكن تحميل علمائنا ودعاتنا المسؤوليةَ عن نفور الشباب من الدين، وهل يصح أن يقال إنهم من أسباب انتشار الإلحاد؟

وقد وصلني السؤال (مع غيري من الأفاضل من أصحاب الفهوم والأقدار) فأجاب كلٌّ بما فتح الله عليه، ثم نُشرت الأجوبة في سلسلة مقالات في موقع رابطة العلماء السوريين. ولم أنشر يومها جوابي الذي نشره موقع الرابطة في صفحتي لأنني كتبته في عجالة ولم أقصد به مقالة تامة الأركان، فلما أثار برنامج الجزيرة الأخير من الضجيج وردود الأفعال ما أثار رأيت أن أستخرجه من رقاده فأنشره اليوم هنا على حالته، لعلي أعود إليه بتوسيع وبيان في غير هذا المقام في يوم آتٍ إن شاء الله.

هذا هو نص الجواب، وقد نسخت رابط المقالة التي نُشرت في موقع رابطة العلماء تحت المنشور.

*   *   *

هل يمكن -كما يقول السؤال- أن يكون العلماء والدعاة سبباً مباشراً في انتشار الإلحاد؟ الجواب: لا يمكن أن يكونوا كذلك، وكيف وهُم الدعاة إلى نقيضه، إلى الإيمان؟ لكنهم يمكن أن يكونوا (أو يكون بعضهم) سبباً غير مباشر في انتشار هذه الظاهرة، إما بعجزهم عن تقديم أجوبة مقنعة على شكوك الشباب وتساؤلاتهم. أو بالدفاع عن بعض ما في تراثنا من هفوات وهنوات تحتاج إلى مراجعة وإصلاح، بل ومحاربة المصلحين الذين يسعون إلى الإصلاح بإخلاص. أو بالاصطفاف مع الطغاة والدفاع عن المستبدّين، مما يصنع ردة فعل باتجاه الابتعاد عن الدين الذي يمثله “أولئك العلماء”.

على أنني أجد أن السؤال نفسه ليس مهماً، فإن توزيع المسؤولية عن هذه المشكلة بين العلماء وغيرهم لن يحلّها ولن يُعيد الملحدين والشاكّين إلى الإيمان. المطلوب هو علاج الظاهرة، فيتغير السؤال من: “هل العلماء مسؤولون؟” أو: “مَن المسؤول؟” إلى “ما أسباب المشكلة وما العلاج؟”

وأول خطوات العلاج هو التشخيص، فما لم يكن التشخيص صحيحاً لن يصحّ العلاج، فالطبيب الحاذق لا يصف للمريض دواء لتخفيض الحرارة ويتغافل عن سببها، بل هو يهتم بمعرفة السبب الذي رفع حرارة البدن ثم يبحث عن العقّار الذي يعالجه، فتزول الحرارة بزوال أسبابها الحقيقية ولا تعود إلى الظهور بعد بضع ساعات.

يجب علينا أن نفهم ظاهرة الإلحاد وأن نعرف أسبابها قبل أن نبدأ بالعلاج، وعند البحث سنجد أن الإلحاد ليس شكلاً واحداً، بل هو أربعة أنواع لكل منها سببه وطريقة علاجه.

*   *   *

النوع الأول هو “الإلحاد النفسي”، وهو ليس إلحاداً على التحقيق، بل هو أقرب إلى الغضب وردّ الفعل بسبب ما يصيب الإنسان من بلاء، وكلما زاد البلاء زادت قوة ردة الفعل، فممّا هو مقرر في العلوم النفسية أن “الظروف المتطرفة تنشئ استجابات متطرفة”. نعم، هي متطرفة في درجتها، ولكن لا يمكن التنبؤ باتجاهها، فهي تجنح إلى أحد طرفَي رد الفعل وليس إلى أحدهما حصراً. مثال: الرعب الشديد في ساعة الكارثة قد ينتج عنه شلل كامل وعجز عن التصرف، أو نشاط يفوق الحد ويدفع إلى تصرف يتجاوز القدرات البشرية العادية.

كذلك البلاء الهائل: إما أن يَنتج عنه إيمان صوفي عميق، أو إلحاد وإنكار للقوة الكلية الرحيمة التي يمثلها الإله الكامل. في كتابه “مشكلة الشر” (وهو من الكتب التي عالجت هذه المشكلة بعمق وشمول) وصف المؤلف دانيال سبيك ما حصل مع أب وأمّ بعد غرق ابنتهما الصغيرة في المسبح، وكان كلاهما من المسيحيين المتحررين قبل الحادثة، فقد انقلبت الأم إلى تديّن أشبه بتديّن الراهبات، فيما ألحد الأب وكفر بالإله وخرج من الدين.

هذا النوع من الإلحاد يفشو في حالات الكوارث العامة التي يعم فيها البلاء ويتجاوز حدودَ الاحتمال، كما في سوريا اليوم، فقد تحول الإلحاد مؤخراً من حالات فردية إلى ظاهرة عامة، ولكنه ليس إلحاداً مقلقاً على المدى الطويل، فحيث إنه “استجابة نفسية لحالة طارئة” فإنه ينحسر بانحسارها، وأتوقع أن يعود أكثرُ الملحدين النفسيين إلى الإيمان آجلاً أو عاجلاً، ربما في عشر سنين من الآن (أعني الغالبية منهم، فلا بد أن تبقى منهم بقية لن تعود أبداً إلى الإيمان للأسف الشديد). وسوف تعتمد عودة هؤلاء الناس إلى الدين على تغير الظروف وانكشاف البلاء، وعلى جهود الدعوة التي يبذلها العلماء والدعاة إذا وسّعوا صدورهم وأحسنوا الخطاب.

*   *   *

النوع الثاني هو إلحاد رد الفعل، فهو ليس موقفاً من أصل الدين بقدر ما هو موقف رافض لطريقة عرض الدين أو لحَمَلة الدين والناطقين باسمه، وضحاياه من العوام أو من الذين يعانون من “كسل عقلي”، فهؤلاء لا يتقنون فن الانتقاء والقدرة على التمييز بين ما يُؤخَذ وما يُرَدّ، أو أنهم لا يحبون أن يُتعبوا أنفسهم بالبحث والانتقاء، فهم يقبلون المنظومات كاملة أو يرفضونها كاملة، الدينية منها والاجتماعية والاقتصادية والعلمية وسواها من المنظومات المعرفية. فإذا عانى أحدهم من بعض التقاليد البالية ثار على التقاليد كلها ورفضها بخيرها وشرّها، وإذا وجد ما يخالف العقل والفطرة في بعض الأحكام الشرعية المقررة في بعض كتب القدماء نبذها بالجملة، وإذا رأى ما يعيب في سلوك ومواقف العلماء الذين يمثلون الدين أسقط الدين كله.

هذا النوع من الردة تتحمل المسؤوليةَ عنه ثلاثةُ أطراف: الأول والثاني هما علماء السلطان وجماعات الغلاة، كداعش والقاعدة. هذان الطرفان قدّما لعوام الناس صورة مقزّزة منفّرة عن الدين، ولم يستطع كثيرون أن يدركوا أن ما قدموه ليس هو الدين بل هو صورة سلبية سيئة منه، فنبذوا علماء السلطان والتنظيمات الغالية ونبذوا معهم الدين كله.

الطرف الثالث أهم بالنسبة إلينا، لأننا لا نملك السيطرة على علماء السوء ولا على الغلاة ولا يسعنا إلا أن نتدارك أخطاءهم ونعمل على تصحيحها ومحو آثارها السلبية. الطرف الثالث هو ما يهمنا، لأنه هو نحن، نحن نمثله ونحن نملك مفاتحه. هذا الطرف الذي يتسبب في نشوء وانتشار ظاهرة الإلحاد هم العلماء والدعاة الذين يتشبثون ببعض ما ورد في كتب التراث من هفوات وهَنات تسيء إلى الإسلام وتنفّر منه أصحابَ العقول الواعية، وهي تحتاج إلى مراجعة وتصحيح باستعمال الأدوات الشرعية نفسها التي صنعها بها الأقدمون، فإذا جاء منّا مَن يصنع ذلك ويزيل اللبس (وهو منا، من داخل المدرسة الإسلامية، ليس عدوّاً ولا هو غريب عنّا) لقي من العنت والرفض من أصحاب المدرسة التقليدية ما لا يوصَف، كما صنعوا مع اثنين من أهم دعاة العصر وأئمته، الغزالي والقرضاوي، عندما ناقشا بعض أحكام المرأة أو السياسة الشرعية التي أخطأ فيها القدماء، والأمثلة في هذا الباب لا تُحصى.

علاج هذا النوع من الإلحاد يحتاج إلى صبر ووقت وسعة أفق، واستعداد للتخلص من “رُهاب القدماء”، ورغبة في التجديد ضمن أصول الدين وقواعده الكلية، ولا يكون إلا بالدعوة والقدوة والبيان، ونتائجه -غالباً- مثمرة على المدى الطويل بإذن الله.

*   *   *

النوع الثالث هو إلحاد الشهوة، وصاحبه أمّي بالدين ولا يهتم بالفكرة الدينية أصلاً ولا بعالَم الغيب ولا يناقش الأفكار الميتافيزيقية من أساسها، إنما هو صاحب هوى يتبع غرائزه وشهواته وأهواءه ويرى أن الدين قَيد مزعج، فهو يتحلل من قيود الدين بإنكار الدين، ليس لأنه لا يؤمن بالأفكار الدينية بل للفرار من تبعاتها وقيودها فحسب.

هذا النوع من الإلحاد ليس إلحاداً حقيقياً، بل هو إلحاد كاذب يتخذه صاحبُه وسيلةً لتخليص نفسه من قيود الدين ومن ضغط الضمير، وعلاجه يكون بالدعوة والإصلاح الأخلاقي، وغالباً يعود صاحبه إلى الدين عودة تلقائية مع تقدمه في العمر، أو يعود إلى الدين فجأة بعد صدمة قوية يحسّ فيها بالحاجة إلى الله، أو يعود مع الوقت من خلال التأثر التراكمي بالموعظة والتذكرة والدعوة، وقد رأيت في حياتي الطويلة ما لا يُحصى من الأمثلة في هذا الباب.

*   *   *

النوع الرابع هو إلحاد العقل، وهو أصعب أنواع الإلحاد، بل يمكن أن نقول إنه هو الإلحاد الحقيقي بين كل الأنواع. وهو يتراواح بين ثلاثة مستويات: إلحاد الخالق، بمعنى نفي وجود الله جملة (atheist). والشك في وجوده أو عدم الجزم، لا بوجود الخالق ولا بعدمه، وهؤلاء يسمَّون اللاأدْرِيّين (agnostic)، والاعتراف بالخالق مع إنكار الدين، وهؤلاء هم الربوبيّون (deist).

يؤسفني أن أقول: إن غالبية الدعاة الذين تصدّوا لمشكلة الإلحاد وتصدروا لها أنفقوا كل وقتهم في النوعين الأول والثاني، وهما أقل الأنواع أهمية على الإطلاق، حيث إن علاج مشكلة وجود الله سهل نسبياً، كما أن عدد الناس الذين ينكرون الخالق أو يشكّون فيه شكاً حقيقياً أقل بكثير من الذين يؤمنون بالخالق ولا يؤمنون بالوحي والرسالات.

نعم، المؤسف أن الغالبية العظمى من الدعاة والعلماء صرفوا كل جهدهم وأبحاثهم وكتاباتهم وأحاديثهم لإثبات وجود الخالق ولنقد النظريات المادية والتطورية، وغفلوا عن النوع الثالث، وهو الأكثر انتشاراً والأصعب علاجاً على الإطلاق، حيث إن الربوبيين الذين يعتقدون بوجود خالق (ولكنهم ينكرون عمله في الكون وينكرون النبوة والبعث والحساب) يبلغون أضعاف النوع الأول، وهؤلاء هم الأصعب إقناعاً، وهذه الحالة هي الجديرة بالبحث والمتابعة وتوجيه الجهود لعلاجها.

*   *   *

هذه أفكار مختصرة من بحث طويل ما زلت أشتغل فيه منذ بضع سنين، لعل الله يعينني على إتمامه ونشره غيرَ بعيد بإذنه تعالى، بتوفيقه عزّ وجل وبدعوات الصالحين والصالحات من أهل الفضل والمَكرُمات.

نُشِرت في في الدعوة والإصلاح | الوسوم: , , , , , , , , , | تعليق واحد

لن أكتب عن جرائم جبهة النصرة

مجاهد مأمون ديرانيّة

راسلني إخوة كثيرون وطالبوني بالتعليق على غدر النصرة المتكرر وجرائم الجولاني التي لا تنتهي، وآخرها هجوم عصابته الفاجر على دارة عزة هذا اليوم، فاعتذرت عن الكتابة ووعدت بتوضيح السبب في منشور عام، وهذا هو الجواب.

*   *   *

كتبت عن داعش ما يملأ مجلداً من الحجم الكبير، ثم تركتها منذ دهر فلم أكتب عنها إلا لِماماً، فقد سلكتُ الطريق وهو ضيّق موحش مجهول قليلٌ مرتادوه، ثم اشتهر الطريق واتسع وكثر سالكوه؛ انكشفت داعش وانكشف مشروعها الخبيث، وتكاثر الذين يكتبون عنها حتى لم يعد يحصيهم العادّون، فلم يبقَ عندي جديد أضيفه وآثرت الانسحاب.

ثم كتبت عن جبهة النصرة مثل ذلك، وكان الطريق في أوله ضيقاً موحشاً قليلاً سالكوه كما كان طريق داعش في أول الأمر، وما زال يتسع ويزداد سالكوه حتى صاروا مثل الذين سلكوا طريق داعش وأكثر، فقد توسل الجولاني بخبثه فتأخر انكشاف أمره، ولكن الناس ليسوا أغبياء، ومهما بلغ المرء من الذكاء والدهاء فإنه لا يستطيع أن يخدع الوقتَ كله إلا الدهماء، أما عقلاء الناس فإنهم سرعان ما يميزون الطيب من الخبيث والصحيح من السقيم.

*   *   *

وهكذا انتهى الناس مع الجولاني إلى أربعة أنواع: عقلاء كشفوه على حقيقته القبيحة وعرفوا أنه خائن عميل ينفذ خطة الأعداء ويعمل لاغتيال الثورة، وهؤلاء لا يحتاجون إلى مزيد بيان، بل هم يعلّمونني ما ينبغي أن أكتبه في هذا المقام. وأصحاب هوى من مرضى القلوب لا أمل في شفاء قلوبهم المريضة، ومغفلون من مرضى العقول لا أمل في شفاء عقولهم العليلة؛ هؤلاء وهؤلاء لا خيرَ يُرجى منهم ولا تفيد مخاطبتهم إلا لو أفادت مخاطبة الحجر الأصَمّ. أما الصنف الرابع فعملاء يعرفونه على حقيقته ثم يكذبون وينافقون، وهؤلاء اثنان: رجل باع ضميره وآخرته من أجل مال حرام أو منصب وجاه، ورجل مدسوس هو في الأصل موظف محترف في دوائر المخابرات، وهؤلاء لا يحتاجون إلى بيان لأنهم أغنياء عنه بما يعرفون ويكتمون.

فلم يعد لي دور في الميدان، فقد صار ما أكتبه من المسلَّمات التي يعرفها الأطفال، حقيقةً لا مبالغة، واسألوا أطفال دارة عزة التي حاولت عصابة الجولاني احتلالها هذا اليوم، واسألوا قبلها المدن والبلدات التي قصفتها وغزَتها عصابةُ الجولاني في إدلب وريف حلب الغربي ينبؤوكم أن النصرة نسخة من نظام الأسد.

*   *   *

هذه هي القاعدة التي فهمها العامة والأطفال: الجولاني ليس سوى أسد مكرر بلحية زائفة، وما عصابته إلا نسخة من عصابات الأسد. فلا تثقوا به ولا تقبلوا معه صلحاً يا أحرار، لا تُفقدوا الناسَ الثقةَ بالدين والشرع وبعدالة القضاء بجلوسكم معه في محكمة شرعية، فإنْ كان يصلح أن يُدعى إلى محكمة شرعية فهلاّ دعوتم إلى مثلها بشار الأسد؟! لو نجح مع الأسد غيرُ السيف والمدفع لنجح غيرُهما مع الجولاني.

من أجل هذا كله تركت الكتابة عن النصرة، لأن الذين لم تقنعهم جرائمها وخياناتها وطامّاتها بأنها نظام أسديّ مستتر فلن يقنعهم قلمٌ كليل ضعيف كهذا القلم ولو كتبَ كل يوم مقالةً دأباً ألفَ عام.

نُشِرت في رسائل الثورة, عِبَر وفِكَر | الوسوم: , , , , , , , , , , , , | أضف تعليق

وصفةٌ للسعادة والحياة

وصفةٌ للسعادة والحياة

مجاهد مأمون ديرانيّة

في أيامنا الماضية لحظات حُلوة ولحظات مُرّة، فاستمدّ سعادتك ورضاك من اللحظات الحلوة واستَعِدْها كل يوم، ودع الذكريات المزعجة بلا تفكُّر ولا تذكّر ولا استحضار، فلا تلبثُ أن تذوي كما تذوي الأزهار تُرِكت بغير ماء، وتبهتُ كما تبهت الصورة وُضِعَت معرَّضةً للشمس والضياء.

*   *   *

في كل صباح افتح عينيك على يوم جديد جميل واحمد الله على نعمائه، واملأ قلبك بالتفاؤل من الغد الآتي، ولا تعقد غاية آمال الحياة على أحد من العباد بل على رب العباد، فما أكثرَ ما يَصدم الناسُ الناسَ. كل الناس ينشغلون بأنفسهم ويتيهون في دروب الحياة، فإن الحياة شغّالة، فلا تتوقع منهم إلا القدر الذي تسمح به قوانين الحياة من العطاء، ولسوف يُفرح قلبَك كلُّ قَدْر يزيد عن توقعك مهما بلغ من الضآلة والهوان.

*   *   *

لا تعاشر أهل الكآبة الذين يبحثون عن الأحزان ويجمعونها كما يجمع الطوابعَ هواةُ الطوابع والفراشاتِ هواةُ الفراشات، فإن الاكتئاب مرضٌ مُعْدٍ، ومَن عاشر المكتئبين أوشك أن تمتلئ نفسُه بالاكتئاب.

افتح نوافذ نفسك على حدائق الأمل تدخل شُعاعاتُ الضياء لتنير زوايا النفس المكتحلة بالظلمة، فلا شيءَ في الدنيا بأسرها يمكن أن يرغم المرء على الحياة ما لم يُرِد هو الحياة.

نُشِرت في خواطر ومشاعر | الوسوم: , , , , , | أضف تعليق

هُموم السوريّين

هُموم السوريّين

مجاهد مأمون ديرانيّة

تمزق الجسد السوري وتبعثر السوريّون في الأرض. ملايين صاروا نازحين في المناطق المحررة، وملايين باتوا لاجئين في دول الجوار، وملايين تفرقوا في بلدان الشتات البعيدة… ولكلٍّ همومه ومشكلاته.

لقد أثبت تاريخٌ عريق يضرب بجذوره في أعماق الزمن أن السوريين قادرون على التأقلم والنجاح والإبداع وأنهم يعملون بأنفسهم لأنفسهم الكثير، ولكنهم يحتاجون إلى المساعدة، على الأقل للبقاء أحياء والإقلاع الناجح في الأيام الصعبة الأولى التي تعقب الهجرة والنزوح والتهجير.

*   *   *

إن من شأن الصدور الحانية والقلوب الرحيمة أن تخفف وَحشة المهجَّرين الذين غادروا مناطقهم إلى الشمال المحرر في السنة الأخيرة. وكذلك الشأن في كل النازحين داخل الوطن والمهاجرين خارجه، في دول الجوار وفي بلدان الشتات. إنهم الغرباء في الأرض الغريبة، فما أحوجَهم إلى يد رفيقة تمتد إليهم لتدلهم على الطريق، “وكل غريب للغريب نَسيبُ”.

هؤلاء جميعاً يحتاجون إلى المأوى والعناية في الشهور الأولى على الأقل، فإن الغريب يستوحش إذا حل بأرض جديدة ويَحار في أول أمره: ماذا يعمل وأين يعيش؟ وربما عَجَز عن دفع إيجار الدار وربما حُرم رضيعُه من الحليب وقُطع عن مريضه الدواء، فإذا وجد من يساعده لتجاوز صعوبات الأيام الأولى صار أقدرَ على الاستغناء عن العون وأقربَ إلى الإبداع والإنتاج.

*   *   *

لا ريب أن الحمل ثقيل وأن قدرة الناس على العون المادي محدودة، فليس الحاملُ بأحسن حالاً وأوسع يداً من المحمول، ولا المقيم والوافدُ القديم أقلَّ حاجةً إلى الدعم المادي من الوافد الجديد، ولكنّ للقديم على الجديد أفضليةَ الاستقرارِ المعيشي والنفسي، فلو عجَز عن المساعدة بالمال فلن يُعجزه أن يُفيض على المهجَّرين اهتماماً ومحبة تزدهر بها أنفسهم وينسَون فيها مرارة الفقد والتهجير.

ثم إن المال ليس كل ما يريده الغريب الوافد على الأرض الجديدة. إنه يريد مَن يدله على بيت جيّد يعيش فيه، ومدرسة مناسبة يتعلم فيها الأولاد، وفرصة للوظيفة أو مجال صالح للعمل الحر. أما المهاجر خارج الوطن فإنه يحتاج إلى من يعرّفه بقوانين البلاد الجديدة ويهوّن عليه غربة اللغة والثقافة ويقوده في المسالك المجهولة. إنهم كلهم، هؤلاء وأولئك، بحاجة إلى الأصدقاء والداعمين والمحبّين.

*   *   *

طوبى لمن كان عوناً لأخيه، ومَن لم يكن سبباً للمساعدة فلا يكن سبباً للشقاء ولا يكن عثرة في الطريق.

اللهمّ بارك في أصحاب القلوب الرحيمة الذين فتحوا للمكروبين والمنكوبين أبوابَ الدور وأبواب القلوب. ألا وبُعداً وسحقاً للذين يستغلون آلام الناس ويتاجرون بالدموع والدماء، بُعداً وسحقاً لمَن رقص على الجراح واغتذى بالآلام وأثرى على حساب المشردين والمنكوبين والمكروبين.

 

 

نُشِرت في خواطر ومشاعر, رسائل الثورة | الوسوم: , , , , , , , , | أضف تعليق

من أكل بصلاً وثوماً فصَلاتُه في بيته

من أكل بصلاً وثوماً فصَلاتُه في بيته

مجاهد مأمون ديرانيّة

دعاني صديقٌ مرّةً مع عدد من الأصدقاء إلى وليمة غداء. وكما هو متوقَّع في مائدة شاميّة تقليدية فقد كان الثوم حاضراً في الطعام بقوّة، والطبقُ الذي نجا من الثوم لم يَنجُ من البصل، ومَن لم يكفِه ما اختلط بأطباق الطعام من هاتين البقلتين فأمامَه أعوادٌ من البصل الأخضر يأخذ منها ما يشاء.

فلما فرغنا وشربنا الشاي أذّن العصر، وكان المسجد قريباً من بيته، فقال: هيا بنا. قلت: إلى أين؟ قال: نصلي العصر في المسجد. قلت: والبصل والثوم الذي أكلناه؟! فضحك وقال: لقد مضغتُ عرقين من النعنع، فاصنعْ مثلي تذهَبْ رائحةُ البصل والثوم.

قلت: يا رجل! لو أني أكلت رطلاً من النعنع لن يغلب ريحَ بصلة! ولعلك تعلم أن الرائحة الكريهة للبصل والثوم لا تقتصر على الفم وحده، بل يفرزها الجلد أيضاً مع العرق فضلاً عن خروجها مع النفَس، أفنذهب إذن لنؤذي المصلين؟ ثم إنك فيما أعلم حنفي، والأحناف (كالمالكية وبعض الشافعية) يرَون أن جماعة المسجد سنّة مؤكدة، أما إيذاء المصلين بالثوم والبصل فإنه محرَّم مَنهيّ عنه بنص الحديث الصحيح. أفنَقترفُ حراماً من أجل سنّة؟

*   *   *

قال صاحبي: إنك تكبّر أمراً هيناً، ولا أظنه يبلغ هذه الدرجة من الأهمية والخطورة.

قلت: أما التكبير والتصغير فليس مني، بل هو أمر صريح ممّن هو خير مني ومنك. في حديث جابر عند البخاري ومسلم وغيرهما من أصحاب السنن: “من أكل ثوماً أو بصلاً فليعتزل مسجدنا وليقعد في بيته”. كذا بصيغة الأمر الجازم. ثم إنك لا تدري كم يزعج آكلُ البصل والثوم غيرَه من المصلين وينفّرهم من الجماعة! أقسم بالله لقد هممت مرات أن أقطع صلاتي وأترك الصف بسبب بَصَليّ أو ثوميّ صلّى إلى جواري.

وإني ما أكلتهما في وليمة لم يشاركني فيها أهل بيتي إلا حرصت على تجنب إيذاء أهل البيت برائحة فمي، فأحافظ على “مسافة أمان” لا تقل عن متر بيني وبين أولادي وبيني وبين زوجتى ستاً وثلاثين ساعة على الأقل، بقيّةَ اليوم الذي أكلت فيه الطعام المبصَّل المثوَّم ويوماً بعده. وكذا أجتنبُ المساجدَ هذا الوقت، فإني جرّبت وتبادلت الخبرات مع غيري مرات ومرات حتى أيقنت أن هذا الأكل لا يزول أثرُه في أقل من هذه المدة، وأحَبُّ الناس إلى رب الناس مَن لم يؤذِ غيرَه من الناس، القريبين والبعيدين منهم على السواء.

*   *   *

ويلحق بهذا الباب مَن غلبت على جسمه أو ملابسه رائحةُ العرق، من العمال والحِرَفيّين الذين يُمضون أكثر يومهم في العمل الشاق، أعانهم الله. وما أزدري أعمالهم ولا أقلل من شأنهم، بل إنهم لَيستحقون الاحترام والتقدير لأنهم يكسبون رزقهم بشرَف ولا يتكفّفون الناس، ولكن الذوق والدين يقتضيان أن يفارقوا المصلى العام إذا غلب على ظنهم أنهم يؤذون المصلين بقذارة الملابس وروائح الأبدان.

والمدخنون! أولئك الأسوأ بين الجميع، ولا سيما المُدْمنون المُكْثرون. ولا أذكر أنني قطعت صلاة في مسجد إلا مرة واحدة في هذا العمر الطويل، وقف إلى جانبي رجل لم أعرف أهو مدخّن أم مِدْخَنة، أصابني من رائحته –أقسم بالله- غَثَيان ما عدت أقدر معه على البقاء في الصف، فقطعت صلاتي وبحثت عن موضع بعيد عنه فأحرمت بالصلاة من جديد (ولو ابتعدت عنه عشرَ خطوات ولم أخرج من الصلاة فصلاتي صحيحة على بعض المذاهب، وفي أدلّة أصحاب هذا الرأي قوة ووجاهة).

*   *   *

فيا أيها المؤمنون: كُلوا ما شئتم واصنعوا ما تريدون، ولكن فكروا بالآخرين وقدّروا ما يزعج الناس فاجتنبوه، والتزموا بالتوجيه النبوي ولا تنسَوه بحال: “من أكل ثوماً أو بصلاً فليعتزل مسجدنا وليقعد في بيته”. تقبل الله صلاتكم في بيوتكم، وصحّةً وهناءةً فيما تأكلون وتشربون.

 

نُشِرت في في الدعوة والإصلاح | الوسوم: , , , , , , , , | أضف تعليق

المولد الذي حضرته، والميزان الضائع

المولد الذي حضرته، والميزان الضائع

مجاهد مأمون ديرانيّة

القصة عجيبة، أتذكرها من وراء حجاب السنين الصفيق، أربعين سنة، فلا أملك إلا أن أَعجب منها. ليس من حضوري “المولد”، فما أكثرَ الذين يحضرون الموالد في كل مكان وآن، ولكن لأنني لم أحضر في حياتي إلا هذا المولد في ذلك الموضع وفي ذلك الوقت، ويا له من اختيار غريب في المكان والزمان!

كان ذلك يومَ الوقفة في عرفات، وكنت في سنتي الثانية في جامعة الملك عبد العزيز بجدّة، وقد انتسبت إلى جَوّالة الجامعة (أي الكشافة، وبالاصطلاح يسمى كبارُهم جَوّالة وأوساطهم كَشّافة وصغارهم أشبالاً. هذا هو التصنيف المبسط، وهو في حقيقته أكثر تعقيداً بقليل). وكان استنفارُ كَشّافة المدارس وجَوّالة الجامعات في كل “موسم” أمراً شائعاً، ولا أدري ما حاله الآن. فكنا نذهب إلى المشاعر فنحجّ ونُمضي أيام عَرَفة ومِنى في مساعدة الحجاج، بإعانة المسنّين وإرشاد التائهين. وما أكثرَ ما يضلّ الحجاج فيخرجون من مخيّماتهم ثم لا يُحسنون الاستدلال عليها ويفشلون في العودة إليها فيتهيون في أرض الحج الواسعة.

كنا في عرفات، بُعَيد العصر على ما أذكر، وقد أنفقت بعض الوقت في مساعدة مجموعة من الحجاج المغاربة في الوصول إلى مخيمهم، فلما وصلنا أصرّوا على مكافأتي بتذوق الحلوى المغربية وشرب الشاي المغربي المشهور. ودخلت معهم بعد تمنّع، فثَمّ رأيت المولد. كان القوم متحلقين في حلقة كبيرة ينشدون المدائح ويضربون الدفوف ويهزون الرؤوس قعوداً أو يتمايلون وقوفاً مع النغمات، ويقرؤون نصوصاً فيها مبالغة بالإطراء الذي نهانا النبي نفسُه عنه وغزل لا يليق بمقامه عليه الصلاة والسلام، وقد بلغ الطرب بهم مبلغاً كبيراً شعرتُ أنه غيّبهم عن الوعي بالمكان والزمان.

كان منظراً فولكلورياً طريفاً لم أشاهد له مثيلاً من قبل، فلبثت أشاهده مدة، نحو عشر دقائق أو أكثر قليلاً، وشربت الشاي وأكلت الحلوى، ثم قلت لنفسي: حسبي ما رأيت. فأما أصحاب هذه الموالد والحلقات والحضرات فهم وما يشاؤون، وأما أنا فقد اكتفيت منها إلى آخر العمر، وخيرٌ لي أن أسثمر ما بقي من ساعات اليوم في مساعدة العجزة وإرشاد التائهين، فإني أحتسب هذا العمل وأحسب أنه أرضى لله ورسوله من جلوسي مع القوم ومشاركتهم بالهز والإنشاد.

*   *   *

الذي خرجت به من تلك الحادثة ومما رأيته في السنين اللاحقة من حرب على أصحاب الموالد هو أن ما يبدو في ظاهره خلافاً على مسألة شرعية ليس في حقيقته سوى اضطراب في الميزان أحياناً، أو تضييع له بالكلّية في أغلب الأحيان.

ليست المشكلة في معرفة الحلال والحرام والسنّة والبدعة ولا في معرفة ما يُرضي الله وما لا يرضيه، بقدر ما هي في معرفة أوزان الواجبات والمحرَّمات والسنن والبدع والقربات والطاعات. إنك تجد أولئك الناس بلا ميزان، فلمّا فقدوا الميزان لم يعرفوا وزن هذا ووزن ذاك وحسبوا أن الكل سواء، فاضطربوا بالترتيب والإقدام والإحجام والإنكار.

وإلاّ فمَن الذي يفرّط بيوم العمر الذهبي، اليوم الذي لا يكاد يتكرر في الحياة، فلا يأتي إلاّ مرة (وقد لا يأتي على الإطلاق)، اليوم العظيم في البقعة المباركة، اليوم الذي يغمر الله فيه عبادَه بالرحمات ويستجيب منهم الدعوات، الذي يتمنى المرء لو تتسع ساعاته وتطول ليستغلها بالدعاء والاستغفار، فكيف تطيب نفسه بإهدار ساعة وساعتين منه في غناء وهز وطرب وقيام وقعود؟ وإن يكن في هذا الأمر ثواب (كما ظن الذين صنعوه، وليس كذلك) أهو خير أم الدعاء والاستغفار؟

وما الذي يدفع غَيوراً على السنّة إلى محاربة هذا الاحتفال بالشدّة التي يحارب بها الانحلالَ والفجور والفساد والإلحاد، أو أشد وأعتى؟ إني أرى بعض ما يبلغه أولئك المنكرون من قسوة وشدة وعنف فأتصورهم كمَن يطلق الصواريخ البالستية على الذباب والعصافير!

يا قوم وفّروا أسلحتكم لما هو أبشع وأنكى! شبابُ الإسلام يتفلّتون من بين أيدينا ونحن نصرف الوقت في معارك هامشية عبثية لا ينبني عليها كبير خطر ولا بليغ أثر. نختلف على الاحتفال بمولد النبي والذين ينكرون نبوّة النبي يزدادون يوماً بعد يوم، ونفرّق الأمة بالبحث في يد الله واستواء الله وكثيرون من شبابنا يكفرون بالله وينكرون وجود الله! أهذا عمل العقلاء الذين يفهمون دين الله ورسالة الإسلام؟!

*   *   *

بعد نشر المقالة الماضية طالبني أحد القراء الكرام بأن أنكر على أصحاب الموالد بالشدة التي أنكرتها على الغلاة، فساوى بين انحرافٍ استباحَ أصحابُه دماء المسلمين وبدعةٍ هيّنة لا تؤثر في الدين. ودعا لي قارئ كريم آخر بأن يرزقني الله حب نبيه حتى أُسَرّ بسماع المدائح النبوية، فجعل الاستمتاع بالموالد دليلاً على محبة النبي عليه الصلاة والسلام.

عندما أفكر في هذين التعليقين أصبح أكثر ثقة من التشخيص: إنها مشكلة الميزان المفقود.

 

 

نُشِرت في في الدعوة والإصلاح | الوسوم: , , , , , , | أضف تعليق