ماذا نصنع لحلب؟

ماذا نصنع لحلب؟

@mujahed_dira

 

-1-

كل عمل إيجابي، مادياً كان أم معنوياً.
من استطاع أن يدعم بالمال فليفعل، ومن استطاع أن يدعم بالدعاء فليفعل، ومن استطاع أن يدعم بالكلمة الطيبة فليفعل.

-2-

المعركة لم تنتهِ بعد، ومهما بلغ حرصنا على حلب لن نكون أحرصَ من أهلها عليها، فشدّوا أزر إخوانكم في هذا الوقت العصيب وادعوا لهم بظهر الغيب.

-3-

أهل حلب ومجاهدوها في كرب وضيق وهم أحوج إلى الكلمة الطيبة من اللوم والتقريع،
فلا تزيدوا معاناتهم بنثر الملح على الجرح وكونوا لهم سنداً وظهراً.

-4-

ليس هذا وقت التلاوم والتبكيت.
لا يكون شهماً ولا يكون نبيلاً من يخاطب المنكوب المكروب فيقول: ألم أقل لك؟ أو يقول: لماذا فعلت ولماذا لم تفعل؟

-5-

لو أنفقت نصف عمرك محذّراً من اندلاع النار ثم اندلعت النار فدع الكلام واحمل دلو ماء، وبعدما تنطفئ النار عُد إلى النصح الصادق بلا لوم ولا تبكيت.

-6-

حلب لا تقاتل النظام، إنها تقاتل دولتين من أقوى وأوحش دول العالم، وتتعرض لهجوم شرس من الأرض ومن الجو. صمودُها هو الأعجوبة وليس دخول عدوها إليها.

-7-

الجهاد في حلب اليوم فريضة عين على كل قادر.
إذا توفر السلاح فسلّحوا الرجال والنساء والصبيان، ومن لم يجد السلاح فليدعم المعركة بأي سبيل ممكن.

#حلب_لن_تموت

 

Posted in خواطر ومشاعر, عِبَر وفِكَر | Tagged , , , , , , , | أضف تعليقاً

سبعون شهراً بحثاً عن مخرج

الثورة السورية:

سبعون شهراً بحثاً عن مخرج

مجاهد مأمون ديرانية

-1-

تذكرت وأنا أخط عنوان المقالة رواية الشهيد صلاح حسن “ثمانون عاماً بحثاً عن مخرج” (وقد مات قبل أن يُتمّها) فدعوت الله أن لا يمتدّ عمر الثورة من عشراتِ شهورٍ إلى عشرات سنين. وأياً يكن الأمر، سواء أكان مقدَّراً لها أن تعيش ست سنين أو عشراً أو عشرين، فإنها ما تزال بعيدة -بإذن الله- عن المصير الذي تصوّره بعض الناس فبدؤوا بالبكاء عليها واستعدوا لتكفينها ودفنها في مقبرة التاريخ.

نقول لهؤلاء المتشائمين: وفِّروا بكائياتكم ومراثيكم يا قوم، فما زلنا بعيدين عن الحاجة إليها بفضل الله، لكننا سنحتاج إليها حتماً لو فقدنا إيماننا بنصر الله، أو قعدنا عن العمل وتواكَلْنا بدلاً من الاتكال الحق والأخذ الكامل بالأسباب.

سوف نفشل ونُهزَم لو اعتمدنا على قوتنا المجردة ومواردنا المحدودة وإمكانياتنا المادية فقط، لأننا لا طاقةَ لنا بعدوّنا ولا مقارَنةَ بين ما يملكه وما نملكه من قوة وموارد. سنفشل ونُهزَم لو عصينا الله فظلمَ بعضُنا بعضاً وبغى بعضنا على بعض، فنحن محتاجون إلى الله يقيناً في معركةٍ غيرِ متكافئة فُرضت علينا، ولن يساعد الله عُصاة بُغاة ظالمين. سنفشل ونُهزَم لو تواكلنا وتركنا العمل والأخذ بالأسباب، لأن ربنا -تبارك وتعالى- لا ينصر الكسالى الخاملين القاعدين. سوف ننتصر -بإذن الله وبعون الله- عندما نتّكل على الله حق الاتكال ونستعين به صادقين مخلصين، وحينما نبذل غاية الجهد البشري ونأخذ بكل ما نستطيع الأخذ به من أسباب الانتصار.

لا ريب أن الثورة بحاجة ملحّة للخروج من حالة الاستعصاء والتراجع التي تعاني منها منذ بعض الوقت، لكننا لن نجد المخرج بالرثاء والبكاء، ولن نجده بالتراشق والتخوين. إن كل ما نريده هو تشخيص صادق -ولو بدا قاسياً- لأمراض الثورة، على أن يتبعه عمل مخلص شجاع لا يجامل في الثورة ولا يخاف في الله أحداً من الناس.

-2-

إن الثورة تعاني حالياً من خمس مشكلات كبرى تؤدّي إلى الفشل والهزيمة، وحلها كلها يسير لو صدقت النوايا وصلحت النفوس: التشرذم الفصائلي وغياب القيادة العسكرية الواحدة، والتنازع وغياب الثقة بين كيانات الثورة العسكرية والسياسية، وعبث الفصائل بالقضاء وتدخلها في الإدارة المدنية، واستعمال السلاح في حل خلافاتها البَينيّة، والبغي والظلم الذي يمارسه بعضها بحق بعضها الآخر وبحق المدنيين.

يتوهم أغلب الناس أن المشكلات الخمس السابقة مرتَّبةٌ في أهميتها وخطورتها ترتيباً تنازلياً، وليست كذلك، بل هي مرتبة تصاعدياً، فإن المشكلة التي ركّز عليها الكل حتى نَسُوا ما عداها هي أهون المشكلات وأيسرها حلاً، والأخيرة هي الأخطر على الإطلاق، وهي التي لا يكاد يذكرها إلا أقلّ القليل، وإذا تنبّهَ إليها بعض المصلحين ونبّهوا إليها وحذّروا منها قام الغوغاء في وجوههم يصرخون بتلك المعزوفة المكرورة: الداخل والخارج والمجاهدون والقاعدون. ألا فليعلموا أنه ليس في الظلم والبغي مجاهد وقاعد وداخل وخارج، بل فيهما حق وباطل ومصيبون ومخطئون، وفيهما دعاة ومصلحون ينكرون ويصوّبون، وشياطين خُرْس لا يعترضون على ظلم وبغي، وشياطين ناطقون ينكرون على الدعاة والمصلحين.

إن ترتيب الأخطار بمنظور المسلم يختلف عنه عند غيره، فالمسلم يعلم يقيناً أن النصر من الله أولاً وآخِراً وأن القوة بأنواعها أسبابٌ للنصر لا غير، وهو مكلَّف باتخاذ الأسباب حتماً، فإذا قصّر فيها نزلت به الهزيمة لأن سُنَن الله في الوجود لا تحابي أحداً، وكما قال أحدهم ذات يوم: إذا سقط في البحر كافر يحسن السباحة ومسلم لا يحسنها فسوف ينجو الكافر ويغرق المسلم. وكذلك في الحروب: لا ينتصر مَن لا يحسن الأخذ بأسباب الانتصار مهما تكن درجة إيمانه وقربه من الله. ولكنْ أيضاً: لن ينتصر المسلمون الذين يحرصون على أسباب النصر المادية ثم يُغضبون الله، وإن الله لَيغضب في عليائه عندما يُرتكَب الظلم باسمه ويُعتقَل ويعذَّب ويُقتل باسمه الأبرياء.

-3-

صحيحٌ أن وَحدة الفصائل شرط مهم لتحقيق النصر على العدو، ولكن العدل أهم من القوة، فإن قوة الفصائل مجتمعةً لاتعدل قوة عدوها، فإذا لم ينصرها الله فهي بعيدة عن الانتصار، والله تبارك وتعالى أجَلّ وأنزه من أن ينصر الظالمين. لذلك كان واجب الوقت هو تخليص الثورة من الظلم الذي فشا فيها والخَبَث الذي كاد يدمّرها، فإن تكن الفُرقة سبباً في ضعف الثورة فإن الظلم سبب في هلاكها جملة واحدة. لمّا سألت أم المؤمنين زينب بنت جحش النبيَّ عليه الصلاة والسلام: أنهلكُ وفينا الصالحون؟ قال: “نعم، إذا كَثُرَ الخبث”. ولَعمري ما خَبَثٌ أخبث من الظلم وما داء أفتك منه بالأمم والجماعات.

لقد ورثَت بعضُ الفصائل الثورية من النظام الأسدي أنظمتَه الأمنية بصورة مشوَّهة، فأنشأت سجوناً ومعتقلات سرّية وسمحت لنفسها باعتقال الناس خارج القضاء ومارست التحقيق والتعذيب بحق الموقوفين، بطرائق بشعة وصلت إلى الموت في بعض الأحيان. لولا الخوف من التألّي على الله لأقسمت بالله أنه لن ينصر ثورة تمارس فصائلُها هذا القدر من الظلم والعدوان على الناس.

ثم بلغت الجرأة والوقاحة ببعض الفصائل أن اعتدت على الشرع باسم الشرع ومارست الظلم باسم الله، فرفعت رايات إسلامية وزعمت أنها تسعى إلى تحكيم الشريعة، ثم أثبتت -عند الامتحان- أنها ليست أحرصَ على الشرع من نظام الأسد، وأن الشريعة عندها شريعتان، شريعة للضعفاء: إذا سرق فيهم الضعيف قطعوه، وشريعة للأقوياء: إذا سرق القوي أطلقوه ووفّروا له الحماية والغطاء ليستمر في الأذى والعدوان.

قلتها مرة وأكررها مرة أخرى: الظالمون لا يستحقون نصر الله ومعيّة الله. سوف يَكِلُهم الله لأنفسهم، ولن ينتصر ظالمون ضعفاء على ظالمين أقوياء.

-4-

إن الثورة تعاني من مشكلة كبيرة، بل من مشكلات كثيرة، ولكنْ ليس أسوأَها تفرقُ الفصائل الذي نعيبه ونسعى للخلاص منه؛ إن أسوأها وأفتكها بالثورة هو الظلم الذي يُحبط الأعمال ويُهلك العمال يأكل الجماعات، وهؤلاء الذين يَدْعون إلى الوحدة بالقوة والتغلّب، أي بالبغي، أي بالظلم، يرتكبون مفسدة عظمى هرباً من مفسدة أقل شأناً، ويسلكون الطريق الصعب المخضَّب بالدم ويتركون الطريق الأسهل الذي يحقق ثلاثة أرباع الفائدة بلا قطرة دم واحدة.

في غمرة اليأس انحصر هَمُّ الناس، كثيرين منهم، في أمل واحد هو وحدة الفصائل. بدأ الأمر بدعوات ملحّة كنت أنا نفسي (وما زلت) طرفاً فيها، دعوات اعتقدَ أصحابُها أنّ وحدة الصف سببٌ أساسي في النصر. ثم تضخم الأمل مع الوقت حتى بات كثيرون يعتقدون أنّ الوحدةَ سببُ النصر “الوحيد”، فإذا لم تتحد الفصائل معاً وتنصهر كلها في كيان واحد فالهزيمة محتومة، فمِنْ ثَمّ قفزوا إلى الخيار الصعب الذي لم يروا أمامهم غيره: توحيدها بالقوة والسلاح، ولو سالت الدماء أنهاراً وسقط الشهداء بالمئات، أو بالآلاف!

وإلا فليقولوا بالله عليهم: كيف يستطيع فصيل قوي أن يقهر غيرَه ويجبره على الاندماج به والفرق بينهما في القوة ضئيل؟ لو كان أحدهما عملاقاً من العمالقة والآخر قزماً من الأقزام لابتلع الأولُ الثاني في يوم أو في بضعة أيام، لكن الفصائل التي باتت مهدَّدة بحروب التغلّب متقاربةٌ كلها في القوة، ولن يسلّم أحدٌ منها نفسَه للآخر بغير قتال، ولو فُتح هذا الباب الخطير لسالت الدماء أنهاراً وانهارت الثورة في أقصر الأزمنة لا قدّر الله.

لقد دعا الناسُ ودعوت معهم دهراً إلى توحيد الفصائل حتى أيقنت أخيراً أنها “الدعوة المستحيلة”، فإنها تشبه إدخال جمل في سَمّ إبرة أو فيل في ثقب مفتاح. العاقل لا يكرر المحاولات المستحيلة إلى الأبد، بل يبحث عن البدائل. ألا بدائلَ عن الوحدة الكاملة يمكنها تحقيق الهدف المطلوب؟ بلى، ثمّة بديل سهل مجرَّب قريب.

-5-

لقد بدأت الثورة مشتَّتةً مُشرذَمةً لظروف موضوعية لا يَدَ لها فيها، لأنها نشأت في جيوب ومناطق معزولٍ بعضُها عن بعض. كذا كان الحال في سنة الثورة الثانية التي شهدت انفجاراً هائلاً في تشكيل الكتائب يذكّرنا بالانفجار الكامبري العظيم الذي يدرّسونه في علم الحياة. في تقرير نشره مركز دراسات الحرب أواسط سنة 2013 أحصى ما يزيد عن 1600 كتيبة وفصيل في سوريا. أين هي اليوم؟ كثيرٌ منها اندمج بعضُه في بعض سِلْماً بلا حرب ولا تغلّب، وذاب الصغار في الكبار طوعاً فنشأت هذه الفصائل الكبرى التي نعرفها اليوم.

إن الزمن كفيل بعلاج مشكلة التشرذم والفُرقة، وهو معالِج آمن لا دماء فيه ولا خسائر، ولكنه بطيء بلا ريب، ولو أننا اعتمدنا عليه وحدَه فسوف يدركنا الوقت ويسبقنا العدو وتضيع المناطق المحررة كلها قبل تحقيق الوحدة المنشودة، فما الحل؟ الحل هو استنساخ وتطوير التجارب الناجحة التي جربتها الثورة سابقاً: غرف العمليات المؤقتة والدائمة التي نشأت على مستوى المناطق والجبهات.

إن درجة عالية من التنسيق الميداني تحقق سبعين بالمئة من الفائدة المَرجوّة من التوحيد، وإن إنشاء غرفة عمليات موحدة لكل الفصائل (أو “هيئة أركان حرب” بالتعبير العسكري) تحققها كاملة. وما الجيوشُ التي تملكها الدول وتخوض بها الحروب الكبرى؟ إنها قوّات متنوعة ووحدات مستقلة تجمعها هيئة أركان الحرب: القوات البرية والجوية والبحرية، وغالباً تتألف القوات البرية نفسها من جيوش وفيالق تستقل بحركتها في الجبهات ولكل منها هيئة أركان حربها المصغَّرة، ثم ترتبط تلك الهيئات كلها معاً بهيئة أركان الحرب العامة التي تدير الحرب على المستوى الإستراتيجي.

إذا عجزنا عن توحيد الفصائل فعسى أن لا نعجز عن إنجاز الممكن: “غرفة عمليات مركزية” أو “هيئة أركان حرب مشترَكة” تدير المعركة الكلية مع النظام وحلفائه برؤية موحدة وإستراتيجية عامة.

-6-

بقيت عندنا مشكلة عبث الفصائل بالقضاء وتدخلها في الإدارة المدنية، وهذه المشكلة التي لم تلقَ عُشر معشار ما لقيَته مسألة توحيد الفصائل من اهتمام تكاد تقتل الثورة وتستأصلها من الجذور، لأنها ذات أثر سلبي عظيم في قدرة الحاضنة الشعبية على الصمود، وإذا استسلمت الحاضنة فعلى الثورة السلام.

لا يعيش الناس آمنين إلا بقضاء حر مستقل يعلو على الفصائل ولا تعلو عليه، وبقاء المؤسسة القضائية محلاً للاستقطاب وتنازع النفوذ تسبّبَ في عدم خضوع بعض الفصائل القوية للقانون، فانتشر الظلم في المناطق المحررة وعانى الناس حتى تمنَّوا -في بعض الأحيان- انحسار الثورة عن مناطقهم وعودة النظام. أرأيتم كم تبلغ هذه المشكلة من الخطر العظيم؟ وفوق ذلك وقبله وبعده فإن العبث بالقضاء وتعطيل شرع الله وتحكيم المصالح والأهواء ممّا يستوجب مَقْتَ الربّ وغضبه، فكيف ينصر الله ثورة هذه صفتها؟ أترجو الفصائل الباغية الظالمة منه العون لتزداد بعونه بغياً وظلماً وقهراً للعباد؟ إنّ هذا مُحال.

لو كانت لي كلمة واحدة مُجابَة عند الفصائل لصرفتها في حثها على تحرير القضاء من الهيمنة والنفوذ، لأن القضاء الشريف النظيف المستقل الذي يعاقب المسيء -مهما بلغ نفوذه وبلغت قوته- هو الذي يستجلب رضا الله ويستوجب رضا الناس، وهو الضمان لاستمرار الثورة ونجاحها بأمر الله.

أما الإدارة المدنية للمناطق المحررة فإن استقلالها وكفاءتها تصنع الفرق بين نعيم الناس وشقاء الناس، فإن الملايين يحتاجون إلى خدمات تعجز الفصائل عن تقديمها لنقص المال والكوادر والكفاءات. إن الأقدر على تقديم هذه الخدمات هي المؤسسات الاحترافية التكنوقراطية التي تديرها الحكومة المؤقتة، فلماذا يستمر التنازع بين الفصائل والحكومة سراً وجهراً إلى اليوم؟ إن تعاون الفصائل مع الحكومة سيعود بالخير على الفصائل نفسها قبل أن يعود بالخير على الناس، لأنه سيحرّرها من عبء ثقيل يستنزف مواردها الشحيحة ويضغط على كوادرها المنهَكة. إنه حالة نموذجية لتطبيق قاعدة النجاح الرابعة من قواعد كوفي الشهيرة: “الكل يربح”، فإننا لا نجد فيها خاسراً، بل نجد الكل فيها رابحين.

-7-

أخيراً نصل إلى مشكلة التنازع بين المؤسسات العسكرية والسياسية للثورة، وهي مشكلة كبيرة قد تتسبب في إخفاق الثورة على المدى الطويل، لأن من المحقَّق أن المعارك والثورات لا تنتهي على الأرض وإنما على طاولات المفاوضات، فالثورة زَرْعٌ تبذره القوى العسكرية وتحصده القوى السياسية، هذه قاعدة تاريخية عامة لن تكون الثورة السورية استثناء منها.

خلال السنوات الماضية اتسمت العلاقة بين الفصائل ومؤسسات الثورة السياسية بالريبة والتوجس، ورغم أن السنة الأخيرة شهدت تقارباً نسبياً بين الطرفين إلا أنها لم تصل إلى التكامل المأمول، فهل من أمل في دفع العلاقة قُدُماً وتطوير العمل الثوري السياسي بحيث تملك الثورة مشروعاً سياسياً ناضجاً تتبناه القوى الثورية كلها، وقراراً سياسياً موحداً تردّ به على المشروعات والمواقف الإقليمية والدولية؟

إذا كان توحيد القرار العسكري مهماً جداً (وهو كذلك) فإن توحيد القرار السياسي ليس أقل أهمية؛ كلاهما ضرورة ثورية وفريضة شرعية، وكلاهما شرط لتحقيق الانتصار.

أنا أشهد (وما شهدت إلا بما علمت) أن في الائتلاف الوطني والهيئة العليا عدداً كبيراً من الشرفاء الصادقين الذين يمكن الاعتماد عليهم والثقة بهم والتعاون معهم، وهم ليسوا أقل حرصاً على الثورة وعلى سوريا من حَمَلة السلاح، فقد آن الأوان إذن أن ننتقل إلى مرحلة جديدة من التعاون والتكامل المبني على الثقة والشفافية والعمل المخلص، وأن ننتهي إلى الأبد من التخوين والاتهامات والمزايدات التي لم نحصد منها سوى الضعف والتشتت وتضييع الفرص وخسارة الأصدقاء.

*   *   *

إن “المؤسسة السياسية” هي أهم الكيانات الثورية في هذه المرحلة، وهي أهم من المؤسسة الثورية العسكرية التي بقيت الأهمَّ بإطلاق خلال السنوات الثانية والثالثة والرابعة، فمنذ مؤتمر فينّا وقرارَي مجلس الأمن اللذين صدرا عقبه (2254/2268) ومؤتمر الرياض وتشكيل الهيئة العامة والهيئة العليا للمفاوضات انتقل الثقل الأساسي إلى العمل السياسي، وبات الوضع الميداني نتيجة للحالة السياسية بعدما كان العكس هو الحالةَ الشائعةَ خلال السنوات الماضية.

لقد بات من الضروري إنشاء هيئة سياسية مشترَكة تضم مسؤولي المكاتب السياسية في الفصائل الكبرى المؤثرة في الميدان، وهي لا تزيد عن عشرين، ومجموعةً من خيرة سياسيّي الائتلاف الوطني والهيئة العليا للمفاوضات وعدداً من المستقلين المشهود لهم بالخبرة والإخلاص.

ربما كانت هيئةٌ بهذه الصورة هي المخرجَ الذي نبحث عنه لإنقاذ الثورة من حالة الجمود والتراجع والاستعصاء، فهي ستجمع القوى الثورية العسكرية والسياسية، وسوف تعالج حالة الفصام الدائم بين الفريقين وتغدو سبباً في تكامل العمل الثوري بشقَّيه الكبيرين: الحرب والسياسة، فتساعد الثورة على استثمار تضحياتها وتحقيق أهدافها بإذن الله.

 

 

Posted in رسائل الثورة | Tagged , , , , , , , , , | أضف تعليقاً

ألا إنّ نصر الله قريب

يا أهلنا في حلب، يا أهلنا في سوريا:
ألا إنّ نصر الله قريب

مجاهد مأمون ديرانية

يا أيها الصابرون الصامدون المرابطون على أرض الشام: إنكم تُمْسون وتصبحون على لهب النار وتعيشون اليومَ بعد اليوم والشهرَ بعد الشهر في جوف الإعصار، وإنها تمرّ بكم ساعاتٌ تضيق فيها الأنفس وترتجف فيها القلوب، فلا تفقدوا ثقتكم بربّكم ولا تفقدوا ثقتكم بأنفسكم ولا تفقدوا ثقتكم برجولتكم، فإنما أنتم اليومَ كالأصحاب يومَ الأحزاب: {إذ جاؤوكم من فوقكم ومن أسفلَ منكم وإذا زاغَت الأبصارُ وبلغت القلوبُ الحناجرَ وتظنّون بالله الظنونا، هنالك ابتُلي المؤمنون وزُلزلوا زلزالاً شديداً}.

الصحابة وفيهم رسول الله زُلزلت قلوبهم وزاغت أبصارهم، فكيف بقلوبنا وأبصارنا نحن الأيتام في هذا الزمان؟ لا بد أن تتزلزل قلوبنا وتزيغ منا الأبصار، ولكن تذكّروا ما وصف به ربُّنا تبارك وتعالى بعدَها أولئك المؤمنين الخائفين أنفسَهم: {ولمّا رأى المؤمنون الأحزابَ قالوا هذا ما وعَدَنا الله ورسولُه، وصدق الله ورسوله، وما زادهم إلا إيماناً وتسليماً}.

ما الذي وُعدوه من قبلُ ثم تذكّروه في تلك الساعة فصدّقوه؟ إنه -كما يقول أهل التفسير- خطاب الله لهم: {أم حسبتم أن تدخلوا الجنّةَ ولمّا يأتِكم مَثَلُ الذين خَلَوا من قبلكم، مسَّتْهم البأساء والضراء وزُلزلوا حتى يقولَ الرسولُ والذين آمنوا معه: متى نصرُ الله؟ ألا إنّ نصرَ الله قريب}

يا أهل البلاء في الشام، إذا زُلزلتم الزلزالَ الشديد فناديتم كما نادى أتباع الرسل: متى نصر الله؟ فتذكروا جواب الله الجازم الأكيد: {ألا إن نصر الله قريب}… قريب ولكنْ ليس بالمقياس الذي تُقاس به أعمار أفراد الناس، بل بالمقياس الذي تقاس به أعمار جماعات الناس. كذلك كان الخطاب للصحابة يوم نزلت هذه الآية، فأدرك بعضُهم النصرَ ولم يدركه آخرون، ولكنّ أحداً منهم لم يشكّ أنه وعد مستحَقٌّ ولو بعد حين.

يا أهلنا في حلب، يا أهلنا في سوريا: اصبروا على ما أصابكم من بأساء وضَرّاء ولا تقنطوا ولا تحزنوا، ألا إنّ نصر الله قريب.

 

Posted in خواطر ومشاعر | Tagged , , , , , , | أضف تعليقاً

حركة أحرار الشام والامتحان الجديد

حركة أحرار الشام والامتحان الجديد

مجاهد مأمون ديرانية

أثبتت حركة أحرار الشام مرة أخرى أنها نموذج ثوري جهادي متميز، فهي من أكثر الفصائل التزاماً بالعمل الشوريّ المؤسّسي ومن أقدرها على معالجة الأمراض الداخلية التي تنهك وتهلك الفصائل والجماعات.

وليس الاختلاف في الأفهام عيباً، وليس خطأً أن يختلف بعض أبناء الحركة وقياداتُها مع بعض، إنما الخطأ والعيب أن تعالَج الخلافات بغير الوسيلة القانونية المشروعة التي تُوافق نظامَ الحركة وتُرضي الله: بالشورى والرأي الجماعي والتداول السلميّ الذي يحفظ تماسك الحركة ويُنجيها من التصدع والانهيار.

*   *   *

إن مما يُحزن حقيقةً أن بعض مَن كنّا نرجو الخير فيهم انكشف الحجابُ عنهم فإذا هم طُلاّب دنيا ومنصب، وإذا الشورى عندهم مَطيّةٌ يمتطونها لتحقيق مآربهم، فهي حقٌّ ما وافقت هواهم وهي باطلٌ ما خالفته! لا يتركون وسيلة للوصول إلى غاياتهم إلا توسّلوا بها، فما عجزوا عن تحقيقه سِلْماً بالوسائل المشروعة حاولوا تحقيقه حرباً بالوسائل المحرَّمة، بالاعتقالات والانقلابات. فكيف يُؤتمَن هؤلاء على حركة وكيف يُؤتمَنون على ثورة وكيف يُؤتمَنون على بلد؟

لقد رأينا قوماً ضعفاء في الانتصار للحق أقوياء في الانتصار للباطل، اكتفى بعضهم بالوعيد والتهديد لمّا بَغَت عصابة جند الأقصى على الحركة وارتكبت الجريمةَ النكراء باغتيال دبوس الغاب رحمه الله، فلما اختلفوا مع إخوانهم في الحركة استعملوا كل سلاح استطاعوا استعماله، ولو كان مما يغضب الله ويشق الصف ويوهن الجماعة ويضعف الجبهات.

*   *   *

الحمد لله الذي أعان الحركة على تجاوز هذا الامتحان كما أعانها من قبل على تجاوز محنة فَقْد القادة الشهداء. ولا يكتمل شكر الله بغير شكر من يستحق الشكر من الناس، فتحيّةً وشكراً لمجاهدي الحركة الذين أثبتوا مرة بعد مرة أنهم أهلٌ لحمل “مشروع أمة” والدفاع عن “ثورة شعب”.

وتحيةً وشكراً لقادة القطاعات والألوية الذين وقفوا وقفة شجاعة نبيلة مرتين: الأولى لمّا رفضوا الانقلاب وأطَروا أصحابه على الحق راغمين، والثانية لمّا أصروا على الالتزام بالنظام الداخلي فأنقذوا الحركة من الانهيار.

وتحيةً وشكراً لأبي يحيى الذي نجح بحكمته وبراعته في قيادة الحركة في بعض أصعب مراحلها على الإطلاق، وقد عرفته فعرفت فيه المجاهد المؤمن المتواضع الخَلوق النبيل، وعرفت نائبة وخَلَفه أبا عمار فوجدته جامعاً للورع والوعي والحزم والإخلاص، أحسبه كذلك والله حسيبه، وفقه الله وأعانه على إكمال الطريق.

*   *   *

نسأل الله أن يكون قائد الحركة الجديد مفتاحاً للخير وسبباً في رصّ صفوف الحركة وإصلاح عيوبها، وفي إحقاق الحق ورفع الظلم ودفع الفساد ومحاسبة المخطئين. ونسأله تعالى أن يكون العام الآتي في عمرها المديد عامَ الوفاق مع الفصائل والجماعات، ابتداءً بالمصالحة والتنسيق وانتهاء بالكيان الجهادي الجامع والجسم الثوري الموحد.

ستبقى حركة أحرار الشام -بأمر الله- كما عرفناها دائماً: كبرى الحركات الجهادية وصِمام أمان الثورة ورأس الحربة في معركتنا الطويلة مع الطغاة والبغاة والغلاة.

 

Posted in رسائل الثورة, عِبَر وفِكَر | Tagged , , , | أضف تعليقاً

كفى بالمرض واعظاً

كفى بالمرض واعظاً

 

صحيح أن العبارة الأصلية قيلت في الموت، لكن أليس المرض موتاً أصغر؟ تكون للمرء دنيا عريضة وآمال وأحلام، فإذا مَرِض المَرَضَ الشديد انحصرت دنياه في مرضه وغدت غاية آماله وأحلامه أن يتعافى منه. وكذلك المرء إذا مات، يكون قبل الموت صاحبَ خطط ومشروعات وأفكار وطموحات، فإذا قبض ملَكُ الموت نفسَه انقلبت آماله في طرفة عين، فنسي كل ما ترك في دنياه، وصارت غاية الغايات عنده وأعظم الأمنيات هي نجاته من السؤال والحساب والعذاب.

هذه الأولى، والثانية أننا نجد الواحد من الناس مشغولاً بشغل لا يظن أنه يمكن أن يُترَك أو يؤجَّل، فإذا أصابه المرض خرج من أعماله كلها ولم يبقَ له شاغل إلا مداواة مرضه والنجاة من معاناته وآلامه. وكذلك الناس في هذه الدنيا، يحسب الواحد منهم أنه يقوم بعمل فريد لا يستطيع تركَه ولا يعمله غيرُه، ثم يمضي فتبقى الدنيا ويعيش الناس. كم وارت القبورُ أناساً انقطعت بموتهم أعمالٌ كانوا يظنون أنها لا يمكن قطعها، ولعلهم فرّطوا بسببها في حقوق الله وحقوق العباد؟

 ماتوا فما ماتت الدنيا لموتهمُ   ***   ولا تعطلت الأعياد والجُمَعُ

 *   *   *

 مررت ببضعة أيام ثقال، لكني لا أحب أني لم أمرض، فإن للمرض فوائد منها تكفير الذنوب ورفع الدرجات بفضل الله وكرمه، ومنها تذكيرنا بنعمة عظيمة ألفناها حتى نسيناها ونسينا شكر الله عليها. إن المرض يذكّر المرء بالعافية التي يعيش فيها كل يوم ولا يباليها، يذكّره بأنه يعيش مع نِعَم كبرى لا يحس بها، فهل ينبغي أن يفقدها حتى يدرك قيمتها ويشكر المنعم الذي أنعم عليه بها؟

مَن لم يزده مرضُه قرباً من الله فقد خسر الكثير. عافاكم الله.

Posted in خواطر ومشاعر | أضف تعليقاً

الطريق إلى النّصر

الطريق إلى النّصر

مجاهد مأمون ديرانية

أول خطوة في الطريق إلى النصر هي الإيمان بأننا منتصرون بإذن الله، فإن الإيمان بالنصر يصنع النصر، كما أن الإيمان بالهزيمة يصنع الهزيمة.

ما هذا خيالاً ولا كلامَ عجائز، بل هو علم أثبته الطب التجريبي وعلم النفس السريري (الإكلنيكي)، فقد رصد الأطباء حالات لا تُحصى لمرضى حكم عليهم الطب بالموت أو بالعجز والقعود، فقالوا: بل سننجو ونمشي على ساقين، فنجَوا ومشَوا وعاشوا ما شاء الله لهم أن يعيشوا بخير وعافية. وآخرون لم يُصابوا إلا بأخفّ الأمراض وأهون الإصابات، ولكنهم فقدوا الإرادة والرغبة في الحياة والشفاء، فماتوا غيرَ بعيد أو عاشوا في مرض وعجز أبدَ الحياة.

أمّا علماء النفس فإنهم يؤكدون أن قوة الإيحاء وقوة الخيال أقوى من الحقيقة. يقولون: جرب بنفسك. كم مرّةً مشيت فوق رصيف عرضُه ثلاثون سنتمتراً فلم تزِلّ قدمُك، ولو قيل لك “امشِ على خشبة ممتدة بين عمارتين على ارتفاع عشرين طابقاً” فسوف تسقط عنها ولو كان عرضها خمسين سنتمتراً أو مئة، لأن خيالك يقول لك: لن تنجح، ستسقط. فإذا أكدتَ لنفسك أنك ستسقط فأنت ساقط لا محالة.

ولعل هذا هو معنى الحديث الذي أخرجه البخاري عن ابن عباس: دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على رجل يعوده فقال: “لا بأس، طَهور إن شاء الله”. فقال الرجل: كلا، بل حمّى تفور على شيخ كبير تُزيره القبور. فقال صلى الله عليه وسلم: “فنَعَمْ إذن”. الذي أفهمه من الحديث هو أن الرجل سينال ما توقعه، فإن أحسن الظن بالله وامتلأ قلبُه باليقين أنه يشفى بأمر الله شُفي بأمر الله، وإن أساء الظن بربه وظن أنه هالك فهو كذلك.

*   *   *

أول خطوة في الطريق إلى النصر أن نثق بالله وبنصر الله، وأن نعلم أن الله ناصرُنا إذا وثقنا به واتكلنا عليه حق التوكل. ولكن ما حق التوكل؟ إنه الذي وصفه النبي عليه الصلاة والسلام في هذا الحديث الجميل: “لو أنكم تتوكلون على الله حق توكّله لرزقكم كما يرزق الطير، تغدو خِماصاً وتَروح بِطاناً”.

أرأيتم ما تصنعه الطير؟ هل توكلت على الله ونامت في أعشاشها حتى أتاها رزقها يسعى؟ لا، بل هي خرجت مبكّرة وبطونُها خاوية، فلم ترجع آخِرَ اليوم إلا ببطون ممتلئة. وكذلك كل من توكل على الله حق التوكل: ينفق يومه في السعي والعمل واتخاذ الأسباب، ثم ينتظر الرزق من الله.

وفي حديث أنس (وحسّنه الألباني في صحيح الترمذي) أن رجلاً سأل النبي عليه الصلاة والسلام عن ناقته: هل يتوكل على الله ويتركها شارِدةً بلا عِقال، أي بلا حبل يحبسها؟ قال: “اعقِلْها وتوكل”.

كلمتان من عشرة أحرف فيهما قاعدة القواعد في الحياة: ابذل غاية الجهد الدنيوي وخذ بما تستطيع الأخذ به من أسباب، ثم توكل على الله واطلب منه النجاة والنجاح.

*   *   *

يا أيها الناس: ثقوا بالله أولاً، وآمِنوا يقيناً أن النصر آتٍ آتٍ ولو بعد حين بإذن الله رب العالمين، ولكنه لن يتنزّل على كُسالى عاجزين، إنما يَمُنّ الله به على المتوكلين العاملين. فما هو العمل الذي نستطيع أن نعمله لنعمله فنستحق نصر الله؟

بعد نشر المقالة الأخيرة التي هجوت فيها أسلوب التغلّب ورفضت أن يكون السلاح وسيلةً لتوحيد الفصائل بالقوة سأل كثيرون سؤالَ اليائسين: وماذا إذن؟ كيف ننجو وكيف ننتصر إذا بقيت الفصائل على عنادها وأصرّت على الفرقة والتشرذم بعد ستّ سنين؟ لم يبقَ شيء يمكن عمله سوى التغلب والإكراه على الاجتماع بقوة السلاح.

بلى، يوجد الكثير الذي نستطيع أن نصنعه والذي يجب أن نصنعه، فإذا صنعناه فسوف نكون أقربَ إلى النصر من أيّ يوم مضى بإذن الله. التفصيل في المقالة الآتية إن شاء الله.

 

Posted in خواطر ومشاعر, عِبَر وفِكَر | Tagged , , , , , , , , , | أضف تعليقاً

اللاعبون بالنار: فتوى التغلب

اللاعبون بالنار
سيحرقون أنفسهم ويحرقون الثورة

مجاهد مأمون ديرانية

لم تتعرض الثورة السورية لاختبار أقسى من الذي تتعرض له اليوم مع صدور دعوات مجنونة وفتاوى شاذة تدعو إلى التغلب، بمعنى أن يَفرض فصيلٌ على فصائل أخرى الاتحادَ به والاندماجَ معه والذوبانَ فيه بقوة السلاح. أو بعبارة أدق: فتاوى ودعوات تبيح ابتلاع القوي للضعيف، ولو بسفك الدم الحرام، بحجة نبذ الفرقة وجمع الصفوف.

أصحاب هذه الدعوات والفتاوى يلعبون بالنار، وهي ستحرقهم وتحرق معهم الثورة كلها لا قدر الله، ما لم يعقلوا فيطفئوها قبل فوات الأوان. إنهم يظنون أن التوحيد بالقوة من شأنه أن يحل مشكلة الثورة ويُخرجها من حالة العجز والاستعصاء التي آلَتْ إليها، ويجهلون (أو يتجاهلون) أنه ليس حلاً لمشكلة قديمة بل هو توليد لمشكلة جديدة، وأنه سيُنتج مشكلات أكثر من أي مشكلة حالية، أكثر وأكبر وأخطر بما لا يُقاس.

*   *   *

المشكلة الأولى هي إضعاف الجبهات والتسبب في سقوطها بيد العدو، لأن المرابطين سيتركون رباطهم وينشغلون بالدفاع عن أنفسهم ضد بغي إخوانهم، وسوف يفقدون في المعركة العبثية مع البغاة جزءاً كبيراً من قوتهم وعتادهم فتنشأ ثغرات سيستغلها العدو لا محالة.

المشكلة الثانية هي الدماء التي ستُسفَك بغير حق، فلا يمكن أن يفرض أحدٌ على غيره حلاً بالقوة دون أن يدافع الطرف الآخر عن نفسه. ولا عبرةَ بما يروّجه بعض دعاة التغلب من أن الفصيل القوي لن يستعمل القوة إلا للتخويف، أي أنه سيقول: “لا تخافوا إذا هاجمناكم، فإننا نطلق النار في الهواء فحسب”. ما شاء الله! إذا كان إطلاق النار في الهواء وإذا استعمل المهاجمون أسلحة وهمية خُلَّبية فهل سينسحب أمامهم المدافعون ويسلّمون الأسلحة والمقرّات؟ مُحال، بل سيهجم البغاة بالسلاح، وسوف ينشأ اقتتال ويسقط ضحايا من الطرفين.

المشكلة الثالثة أن اعتداء أي فصيل على غيره سيقضي على الثقة بين الفصائل، وسوف تؤول هذه المحاولات الطائشة إلى إخفاق مؤلم، فلا هي ستنتج وحدة حقيقية، ولا هي ستسمح باستمرار التنسيق والتعاون العسكري الذي كان شائعاً بين الفصائل قبل وقوع كارثة البغي والتغلّب.

*   *   *

لقد ارتكب أحد فصائل حلب جريمة عظيمة بحق الثورة عندما هاجم فصيلاً آخر فقضى على قوته الفاعلة وحرم جبهات المدينة المتداعية من رباط مقاتليه، ثم ارتكب ما يُسمَى “القضاءُ الشرعي” جريمةً أكبرَ وجنى على الإسلام جناية لا تُغتفَر عندما سوّغ ذلك العدوان باسم الدين!

واللهُ يعلم أن الدين من هذا الافتراء بَراء، والله يعلم أن البغاة المتغلّبين يدمرون الثورة خدمة لأهوائهم ورغباتهم، والله يعلم أن الذين يبرّرون الظلم والبغي باسم القضاء الشرعي وتحت مظلة الدين ليسوا سوى منافقين يستغلون الدين ويسيئون إلى الدين باسم الدين.

 

Posted in خواطر ومشاعر, عِبَر وفِكَر | Tagged , , , , , , , , | أضف تعليقاً