الحرية لأسرى الحرية

الحرية لأسرى الحرية

مجاهد مأمون ديرانيّة

أخيراً جاءت الجمعة التي انتظرتها طويلاً. وإنْ كنتُ منحت صوتي للاسم الذي صدَّرْتُ به المقالة فإنني أرضخ للاسم الفائز في التصويت، فما يتوافق عليه الأكثرون هو خياري دائماً (ما لم تكن فيه مخالفة للدين أو للخلق القويم).

في ثورتنا أولويات كثيرة ومسائلُ جِسامٌ تستحق كلها جُمَعاً خاصة، ولكن المعتقلين كانوا دائماً عندي أولويّةَ الأولويّات، لأن ساعة من العذاب في باستيلات نظام الاحتلال الأسدي تعدل دهراً من العيش في القصف والحصار والخوف والجوع والتشرد والحرمان.

ولأن أكثر المعتقَلين هم من صُنّاع الثورة، رجالاً ونساء على السواء، الذين هتفوا في الشوارع والساحات مطالبين بالحرية يومَ لم يجرؤ أكثرُ أهل سوريا على التفكير والحلم بها في المنامات والخيالات، فهم الطليعة العظيمة التي شَقَّت الطريق للآخرين، التي حملت مشعل الثورة الوقّاد في أول الأمر فبدَّدَت به سوادَ ليل الظلم الطويل، فإنْ تكن ثورتُنا ثورةَ وفاء (وهي كذلك بأمر الله) فإنّ مِن أَولى أولوياتها إنقاذ أولئك الأبطال المجهولين من عذابات السجون.

ولأن مأساة المعتقلين لا تقتصر على ثلث مليون معتقل ومغيَّب وأسير، بل إن المأساة لتمتد -في حقيقتها- حتى تشمل الملايين من أهل الثورة، فوراء كل معتقَل ومعتقَلة أبٌ وأم أو زوجة وزوج أو صبيان وبنات ينتظرون عودته، عادّين ساعات النهار المشحونة بالترقب والقلق ودقائقَ الليل الموحش الطويل.

إنها جمعة عظيمة يتظاهر فيها أحرارُ سوريا من أجل ثلث مليون معتقَل ومغيَّب وأسير وفقيد، ومن أجل زوجة كل معتقل وأولاد كل مغيَّب وأمّ كل أسير وأبِ كل فقيد.

 

#الحرية_للمعتقلين

 

Advertisements
نُشِرت في خواطر ومشاعر | الوسوم: , , , , , , , , , , | أضف تعليق

الإيمان: هبة الله للإنسان

الإيمان: هبة الله للإنسان

مجاهد مأمون ديرانيّة

سأقص عليكم حكاية رجلين أصابهما البلاء، أحدهما صاحبُ تجارات وعقارات في بعض المناطق التي تعرضت للقصف الروسي المجنون، أصيبت واحدةٌ من عماراته فتهدمت وبقيت له عمارات أُخَر وثروات وممتلكات، فقدَ قليلاً وبقي له الكثير. رأيته بعدها فإذا به يشكو ويتسخّط ويندب حظه قائلاً: لماذا أنا؟ لماذا من بين كل العمارات لم يجد الصاروخ سوى عمارتي ليضربها؟! لم أسمع منه كلمة شكر لله الذي أصيبت عمارتُه تلك بقدَره ثم نجّى بفضله سائرَ عماراته فسلمت من الأذى والتدمير. ما رأيت منه إلا كل غضب وسخط وضيق وانزعاج، كأن مصائب الدنيا كلها وقعت على رأسه. ولعلكم تقولون إنه أثر الصدمة، فإذا أفاق منها بعد يوم أو اثنين استغفر ورضي وحمد الله، ولكني كنت ألقاه بعدها مرة بعد مرة فأجده على حالته الأولى، ضيّقَ الصدر دائمَ التسخّط، لا يرضى ولا يحس بالاطمئنان.

الثاني رجل فاضل آتاه الله عدداً من الأبناء البررة الصالحين، ثم ابتلاه بواحد منهم استُشهد في قصف شديد تعرضت له بلدته ذات يوم، فلما اتصلت به لأعزيه وأُسمعه شيئاً من معاني الصبر والرضا وجدته أحفظَ مني لها وأسبقَ لجوءاً إليها، ورأيته على قدر عال من التسليم والاطمئنان، يقول: الحمد لله الذي أبقى بعدما أخذ، فقد أخذ واحداً ممّن وهب وأبقى لي غيرَه كثيرين. قلت لنفسي: ربما كان الرجل يتصبّر ولعله لم يستوعب مصيبته بعد، فإذا فعل فارقَه صبرُه واطمئنانه ورضاه. فلما اتصلت به بعد شهر وشهرين وجدته أعظمَ صبراً ممّا كان في أيامه الأولى وأكثرَ رضاً واطمئناناً وسكينةً وتسليماً لأمر الله.

*   *   *

تعلمت من هذه الحادثة وتلك معنى من أعظم معاني الإيمان، معنى جميلاً جليلاً يكاد أكثر الناس يَغفُلون عنه ولا ينتبهون إليه.

لعل كثيرين من المتدينين والمؤمنين يظنون أن إيمانهم بربّهم ودينهم يحمّلهم أعباء كبيرة ولا يعطيهم مقابلها سوى أجر أخروي موعود، إلا أن المرء إذا تأمل في أمثال هذه الحوادث سيدرك أن الإيمان يعطينا في دنيانا (قبل آخرتنا) أكثرَ من الذي يأخذه منا بكثير. سوف يعلم أن التديّن ليس عبئاً وحملاً ثقيلاً كما هو ظاهره، وإنما هو منحة عظيمة وهِبَةٌ من الله لعباده المؤمنين. إن الدين يحمّلنا أعباء ويكلفنا بواجبات ويَحْرمنا من متع ورغبات، ولكن لنتذكر دائماً: إننا نحصل بالمقابل على العمر كله سكينةً وسعادةً واطمئناناً وراحةَ بال.

إن المؤمنين يصبرون بإيمانهم على الكوارث والمصائب والشدائد التي تعصف بحياة الناس في كل مكان، لأنهم يدركون ذلك المعنى العظيم الذي قدمه لنا النبي عليه الصلاة والسلام في حديثه الرائع، حينما أوصى ابنَ عباس فقال: “اعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رُفعت الأقلام وجَفَّت الصحف”. نعم، انتهى الأمر، كُتب القدر ولم يبقَ إلا أن يجري في الأرض على الناس، فليرضَ كل واحد بما قُدر له وما قُدر عليه في هذه الدنيا يَعِشْ سعيداً راضياً متصالحاً مع نفسه ومع الحياة.

*   *   *

لعل هذا المعنى هو المقصود بقوله تعالى: {مَن عمل صالحاً من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنُحيِيَنّه حياة طيبة، ولَنَجزينّهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون}. فأما الجزاء الحسن فهو ما يلقاه المؤمن في آخرته لقاء إيمانه وعمله الصالح، وأما “الحياة الطيبة” فاختلف فيها أهل التفسير، ولعل ألطف معنى يُستخرَج منها هو “السعادة”، نقله الطبري عن ابن عباس، وهو متحقق في كل مؤمن صادق الإيمان على الوجه الذي رأيناه في هذه المقالة.

إنها هديّة المؤمنين المعجَّلة في الدنيا قبل ثوابهم المؤجَّل في الآخرة. وليس كل مسلم التزم بالشعائر المجردة أهلاً لهذا الجزاء العظيم، إنما يُعطاه المؤمنون على حسب إيمانهم، فمَن كان أشدَّ إيماناً ازداد في حياته اطمئناناً وسكينة وعاش من السعداء.

اللهم اجعلنا من الراضين بقضائك، ومن السعداء المطمئنين في هذه الدنيا الفانية وفي دار الخلود والبقاء.

 

نُشِرت في في الدعوة والإصلاح, رسائل الثورة | الوسوم: , , , , , , , , | أضف تعليق

ثورة لن تموت

photo_٢٠١٨-٠٩-١١_٢١-٤٢-٤2

ثورة لن تموت

مجاهد مأمون ديرانيّة

لن تموت ثورة على الأرض وهي حيّة في القلوب. لن تموت ثورة رفعت شعار إسقاط النظام أولَ الأمر وثابرت عليه في كل آن، ثم عادت بعد ثماني سنين لتؤكد: لن نتنازل عن إسقاط النظام ولو طالت ثورتُنا ألفَ عام.

لن نيأس ولو ضاقت علينا الأرض، فقد كانت الثورةُ وليس معنا أرض، كانت الثورة وليس في الأرض ظل يستظل الأحرارُ به سوى علم الثورة، كانت الثورة وزبانية النظام تملأ الأرض، في كل شبر من الأرض منهم زِبْنيٌّ زنيم لئيم. واليومَ تمتد تحت أقدام الثوار الأرضُ المحررة، ليست كلَّ الأرض التي كانت لنا ذات يوم، وليست كلَّ الأرض التي نحلم بها اليومَ وكل يوم، ولكنها -على أي حال- أرضٌ تصلح لتجديد الثورة والانطلاق بها في طريق الحرية والمجد التليد.

إنها معجزة الثورة، وإنها أعجوبة أحرار سوريا، طليعة الأحرار في الأرض.

#لابديل_عن_إسقاط_النظام

 

 

 

نُشِرت في خواطر ومشاعر | الوسوم: , , , , , , | أضف تعليق

معركة إدلب: الخيار الوحيد

Jum_muq

معركة إدلب: الخيار الوحيد

مجاهد مأمون ديرانيّة

الحرب في إدلب قادمة ذات يوم، إن لم يكن في الغد القريب ففي غدٍ بعدَه، لأن نظام الاحتلال الأسدي الطائفي المجرم لا يفرّق بين جزء من سوريا وجزء أو بين منطقة ومنطقة، فهي عنده كلها سواء، كلها ملك له تَملّكه بالانقلاب والاغتصاب والتواطؤ مع أعداء سوريا، حتى صار في عينه حقاً له لا يتنازل عنه وإرثاً لا يفرّط فيه.

الحرب قادمة لأن العالم القبيح كله أراد للثورة أن تفنَى وتنكسر وأراد للنظام أن يبقى وينتصر، فماذا نملك أن نصنع؟ ما هي الخيارات؟ لقد حرق العدو سفننا وهدم الجسور، فلا بقيت لأهل إدلب والشمال سفن يركبونها ولا جسور يعبرونها، لم يبقَ لهم إلا الخيار الذي خرجت به المظاهرات الأولى في الثورة قبل نيّفٍ وسبع سنين: الموت ولا المذلة، الصبر حتى النصر، المضيّ إلى آخر الطريق.

ها هم الأحرار في إدلب والشمال يَمُدّون البصر إلى مناطق الثورة التي سبقتهم بالانهيار والمصالحة فلا يرون من النظام إلا الغدر والتنكيل، ويرون الناس هناك في خوف ما فوقَه خوفٌ وهوان ما بعده هوان. وكيف يَرْجون غير هذا الذي يَرَون والنظامُ المجرم هو النظام، وأجهزة الأمن والمخابرات التي جعلت سوريا على الدوام جحيماً لا يطاق هي ذاتها أجهزة الأمن والمخابرات؟

ها هم أولاء يرون مَن سبقهم إلى المصالحات وقد سيقوا إلى السجون فمات مَن مات منهم تحت التعذيب، أو إلى الجبهات فمات من مات على خطوط النار، فلا رجل يأمن على حياته ولا امرأة على نفسها؛ الرجل والمرأة والكبير والصغير ومَن قاتل النظام ذات يوم ومَن وقف على الحياد، كل أولئك عند النظام مجرمون يستحقون العقاب، فعلامَ الاستسلام لموت ذليل؟ ولِمَ لا يختار الأحرار طريقَ المقاومة والصمود؟

اليوم أدرك أحرار سوريا أن من لم يساعد نفسه لن يساعدَه أحد، وأن أي صديق -مهما صدق- لن يغني عنهم غَناءَهم عن أنفسهم، وأن مصيرهم مقاومة كريمة أو فناء ذليل. اليوم لم يبقَ لأحرار إدلب والشمال إلا المقاومة والصمود، فلا باصات خضراً بالانتظار ولا مهجرَ أمامهم إليه يهاجرون ولا محشرَ إليه يقادون، ليس أمامهم إلا هزيمة بعدها اعتقال وتعذيب وموت وذل يتناسل في الأعقاب، أو مقاومة شريفة آخرُها عيش كريم في الأرض أو شهادة وحياة في جنات النعيم.

#خيارنا_المقاومة

نُشِرت في رسائل الثورة | الوسوم: , , , , , , , | أضف تعليق

قصة الحلاق، وقصص أخرى

قصة الحلاق، وقصص أخرى

مجاهد مأمون ديرانيّة

عندما كنت صبياً صغيراً، قبل نحو خمسين سنة، كنت أزور الحلاق مرة كل ثلاثة أسابيع أو أربعة لحلاقة شعر رأسي (الذي اختفى اليومَ أكثرُه وأعفاني من تلك المهمة المتعِبة المملة). كان الحلاق مسلماً، ولكنه لا يصلي، وكنت أستغرب من عدم صلاته لأنني ظننت -وأنا في تلك السن المبكرة- أن الكبار كلهم يصلّون (ثم كبرت وأدركت أن كثيرين لا يفعلون!)

لم أرَ ذلك الحلاق ولم أسمع عنه من نحو أربعين سنة وأحسب أنه مات منذ وقت طويل، وأرجو أن يكون قد عاد إلى الصلاة والتحقَ قبل موته بركب التائبين. لم أرَه ولم أسمع عنه ولكني فكرت به كثيراً على مَرّ السنين، تذكرته وأنا قاعد أرقبه على كرسيّ الانتظار الذي كان يطول نصفَ ساعة في بعض الأحيان أو يزيد، وتصورته واقفاً على رجلَيه اليومَ كله، فكنت أرثي له، فإنّ أحدنا إذا وقف في صف انتظار (طابور) ربعَ ساعة أو نصفَها أزعجه الوقوفُ وأعْنَتَه، وهؤلاء الحلاقون لا تنقضي من أعمارهم سنوات إلا وقد أصيبوا بِدَوالي السيقان المؤلمة، فيا لها من مهنة شاقة متعبة!

ولم يكن حلاّقي من كبار الأثرياء. كان يقف على رجليه عشر ساعات في اليوم ويداه تتحركان طَوال الوقت مع المِقَصّات والأمشاط في حركة سرمديّة، لا يُدرَى متى بدأت ولا يُدرَى متى تنتهي، ليعيش بعد ذلك الجهد كله عَيْشَ الكفاف!

لقد رضي أن يقف على رجليه خلف كرسيّ الحلاقة عشر ساعات في اليوم مقابل بضع عشرات من الأمتار المربعة يقيم فيها هو وأسرته وثوبين في السنة لكل واحد منهم ولُقَيمات تبقيهم أحياء، واستكثر نصفَ ساعة يقف فيها بين يدي الله تُورِثه -بإذن الله- مستقَراً ونعيماً أبدياً في جنة بعرض السماء، فيها ما لا عينٌ رأت ولا أذنٌ سمعت ولا خطر على قلب بشر.

على مر السنين تصورت ذلك الحلاق البائس وأنا أتذكر الأعرابي الذي تلقى عرضاً سخياً بدخول الجنة مقابل سبع عشرة ركعة لا تستغرق -بقيامها وركوعها وسجودها وقعودها- أكثرَ من نصف ساعة في اليوم. قال: والذي بعثك بالحق لا أزيد عليهنّ ولا أنقص منهنّ. قال صلى الله عليه وسلم: “لئن صدق لَيَدخُلَنّ الجنة”.

على أن حلاقي القديم لم يكن صاحبَ القصة المحزنة الوحيدة في الدنيا، فكم له بيننا من أمثال! كم من قصص أخرى من نوع هذه القصة نشاهدها كل يوم! مساكين أصحاب هذه القصص، يبذلون من أجل نعيم زائل محدود جهدَهم كله، ويضنّون بنصف عُشره الذي يورثهم نعيماً خالداً لا يزول! مساكين، أولئك المحرومون لو كانوا يعلمون.

نُشِرت في في الدعوة والإصلاح | الوسوم: , , , , , , , | أضف تعليق

الدين في القلب!

الدين في القلب!

مجاهد مأمون ديرانيّة

من بركات ثورتنا العظيمة (التي خذلناها وجَنَينا عليها بأيدينا) أنها عرّفتني بكرام لم أكن أعرفهم. منهم رجل خَيِّرٌ جادَ بالوقت والمال وكان شعلة متّقدة من الحماسة والعطاء، عرفته على البعد زماناً ثم اجتمعنا في مجلس لطيف ذات يوم، فلما حضر وقت الصلاة لم يقم ولم يُصَلّ مع الحاضرين. وأنا لا أسأل أحداً ولا أعاتبه ولا أتصور نفسي وكيلاً عن الله في الحساب، وغاية ما عندي الكلمة المناسبة في موضعها، إلا أن أحد الحاضرين فعل وسأل، فتحرّج الرجل وقال: أنا مؤمن بالله ولكني لا أصلي لأنني أعتقد أن الدين في القلب.

ودار بين الاثنين نقاش لم أشارك فيه حتى سألوني، قلت: هل يحب أخونا الكريم أن يسمع ولا يسوؤه ما أقول؟ قال: بل يسرني أن أسمع، فقل بارك الله فيك.

قلت: إن قولك “الدين في القلب” يشبه قول القائل “إن الثورة في القلب”، فهو مقتنع بالثورة على الظلم والاستبداد متعاطف مع المظلومين والمحرومين، ولكنه لم يشارك في مظاهرة ولم يطلق رصاصة، بل إنه لم يتبرع من ماله للمجاهدين بثمنها، ولم يكفل يتيماً من أيتام الثورة ولا أعان أسرة معتقل أو شهيد، ولا شارك برفع المعاناة عن المنكوبين والمشردين بإرسال بطانية لبردان أو سلّة غذائية لجوعان أو دواء لمريض. ولماذا يفعل أي شيء من ذلك كله ما دامت الثورة في القلب؟

ربما قلت: لا يقارَن هذا بهذا، فإن الناس يحتاجون إلى المساعدة العينية، ولو أنني قَصَرت تفاعلي معهم على التعاطف القلبي فسوف يموتون جوعاً وبرداً ومرضاً، أما الله فإنه لا يحتاج إلى شيء من عباده. وهذا صحيح، وهو ما أخبرني وأخبرك به هو نفسه تبارك وتعالى فقال (في الحديث القدسي الصحيح): “يا عبادي، لو أن أوَّلَكم وآخركم وإنْسَكم وجِنّكم كانوا على أتقى قلبِ رجلٍ واحدٍ منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئاً. يا عبادي، لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئاً”.

لماذا إذن طلبَ الله منّا العبادةَ والالتزام بما أمر والابتعادَ عمّا نهى وحرّم؟ لأن هذا هو الدليل على المحبة والطاعة. أستغفرُ الله من التشبيه فإن المخلوق لا يُشبه الخالق بشيء {ليس كمثله شيء}، ولكننا نضرب المثل أحياناً لتقريب الفكرة. أرأيت إلى الهدية الصغيرة يحملها إليك صديقٌ تحبّه، هل تحتاج إليها وتعجز عن شرائها بنفسك لنفسك لو أردت؟ مع ذلك فإنك تُسَرّ بها وتَحارُ كيف تُثيبه عليها، لأنك تدرك أنه لم يقدمها إليك إلا لأن لك موقعاً خاصاً في نفسه. ولله المثل الأعلى.

إن العبادة والالتزام هما الدليل على أن في القلب ديناً حقاً، كما أن العمل للثورة (وأقلّه الجود بالوقت والتبرع بالمال) هو الدليل على أن في القلب ثورة، فلا يمكن فصل العمل عن الشعور الصادق. وهكذا تصبح العبادة هي الدليلَ على التديّن الحق، وهو بغيرها دعوى بلا برهان.

 

نُشِرت في في الدعوة والإصلاح | الوسوم: , , , , , | أضف تعليق

جريمة تجريم الثورة

جريمة تجريم الثورة

مجاهد مأمون ديرانيّة

إذا وقعت البقرة تكاثرت عليها السكاكين. اليوم نطقت ألسنةٌ طالَ صمتُها، نطقت لتجرّم ثورتنا وتحمّل ثوارنا الأوائل مسؤوليةَ ما لحق بسوريا من دمار وما سُفك فيها من دماء. ما أولئك اللائمون من النبلاء الكرام، بل هم أنذال لئام، فإن أسوأ الناس قاطبةً مَن لامَ الضحية وسكت عن الجلاد.

*   *   *

إن من حقنا، بل من واجبنا، أن نحاكم المجرمين -من الغلاة والفاسدين والانتهازيين- الذين أنهكوا الثورة وفتكوا بها. ومن حقنا، بل من واجبنا، أن ننتقد الأداء الفاشل والأدوات الفاسدة التي أوصلت ثورتنا لهذه النهاية الحزينة. ومن حقنا، بل من واجبنا، أن ندرس ثورتنا لنعرف صوابَها ونعرف خطأها، لنستخرج منها الدروس والعِبَر، عسى أن نستفيد منها فيما بقي من ثورة اليوم الحاضر أو يستفيد منها جيلٌ آتٍ سيفجّر ثورة جديدة ذات يوم.

كل أولئك باب مشروعٌ للنقد والحساب، أما الثورة وطلائع الثوار فلا يجرّمها ويجرّمهم إلا مجرم معدوم الضمير. ومتى كان حب الحرية جريمة؟ كيف يكون السعي للخلاص من الطغيان والاستعباد والاستبداد جريمة؟ إن الجريمة هي السكوت عن الظلم، الجريمة هي الرضا بالهوان، الجريمة هي التصالح مع القتلة، الجريمة هي تسويغ الحياة مع المجرمين.

الجريمة الحقيقية هي لومُ الضحية بلسان سليط وبَلْعُه في حضرة السفّاح.

*   *   *

لا، ما كانت الثورة قط خطأ يستحق اللوم والدَّين والتجريم، ولا كان الشرفاء الذين حملوا مشعل الثورة أول مرة وطافوا به في شوارع الرعب واليأس مخطئين، بل كانت الثورة دائماً وستبقى أبداً حقاً مشروعاً للمظلومين والمعذَّبين في الأرض، لأسرى العبودية وضحايا الاستبداد.

إن الثورة سماء ترتفع فوق أرض الألم والقهر والظلم والعذاب، وثوارنا الأوائل هم النجوم التي ترصّع تلك السماء وتُشِعّ فيها شُعاعات الأمل والضياء.

نُشِرت في خواطر ومشاعر | الوسوم: , , , , , , | أضف تعليق