يوم الغضب: لِمَن ولماذا؟

يوم الغضب: لِمَن ولماذا؟

مجاهد مأمون ديرانيّة

استجاب أحرارُ السوريين لدعوة الغضب في يوم الغضب استجابةً رائعة في المناطق المحررة وفي دول المهجر والشتات. لكن هل كان هؤلاء الأحرار بحاجة أصلاً إلى يومٍ يغضبون فيه؟ وكيف يغضبُ في يومٍ من الأيام مَن هو غاضبٌ أبداً في كل الأيام؟

إن السوريين لا يحتاجون إلى يوم يغضبون فيه دون سائر الأيام، فهم دَوماً غاضبون. إنهم غاضبون من النظام الأسدي المجرم الذي عانوا منه الويلات، وغاضبون من الغلاة والبغاة الذين سطوا على ثورتهم وسربلوها بالسواد، وغاضبون من دول الأرض التي اجتمعت على حربهم وقصفهم بذريعة الإرهاب، وهم غاضبون لأن العالم تواطأ على ثورتهم وسعى إلى وأدها في مهدها وليدةً ثم حاول قتلها يافعةً ثم سعى إلى نهبها وتبديدها بعدما ثبتت زماناً في وجه الأعاصير.

*   *   *

نعم، السوريون أبداً غاضبون؛ ما زال غضبهم يتراكم حتى تفجّر في بركان ثوري جبّار لم يعرف التاريخُ القريبُ له مثيلاً في القوة والعُنفوان، وهم ما يزالون غاضبين منذ ذلك اليوم المجيد، لكنهم كانوا بحاجة ليومٍ يُظهرون فيه هذا الغضب بصورة علنية جماعية، ليس للعالَم الذي لا يهتم بهم، بل لأنفسهم، ليجدّدوا روح الثورة في قلوبهم الحزينة المتعَبة، وليستمدوا من بركان الغضب الجديد زاداً يكملون به الطريق.

لو لم نغضب أولاً لما ثُرْنا، ولو سكن غضبنا آخِراً لخَبَتْ ثورتُنا، فلنغضب اليوم ولنغضب كل يوم، لأن الثورة لا تكون بلا ثوار والثوار لا يكونون بلا غضب. لا يحق للثائر أن يتوقف عن الغضب؛ يحق له أن يرتاح هُنَيهة أو يتوقف لالتقاط الأنفاس، لكنه لا يحق له أن يرضى بالعجز واليأس والخنوع والهوان.

*   *   *

يا أيها الثائر الحر: اغضب، اغضب حتى تستأصل أسباب الغضب، حتى تحقق هدف الثورة الأسمى، حتى تُسقط نظام الظلم والاستبداد وتعيش ويعيش أولادك في وطن حر كريم لا ظلمَ فيه ولا استبداد.

 

Advertisements
نُشِرت في خواطر ومشاعر | الوسوم: , , , , | أضف تعليق

هولوكوست دير الزور: لماذا؟

هولوكوست دير الزور: لماذا؟

مجاهد مأمون ديرانيّة

2700 غارة في عشرة أسابيع! الطيران الحربي لأقوى قوّتين عسكريتين في العالم، روسيا وأمريكا، يحرق دير الزور بما فيها ومَن فيها، يقصف المدنيين العالقين في المدن المنكوبة فيقتل الأطفال والنساء ويلاحق النازحين الهاربين من الجحيم.

أكثر من ألف شهيد وخُمْس مليون مهجَّر ومليون محاصَر تحت النار! أهذه حرب؟ هذه ليست حرباً، لا هي حربٌ مع داعش ولا هي حربٌ على الإرهاب. إنها ليست حرباً بأي مقياس، إنها محرقة شاملة وإبادة منظمة تقوم بها كبرى القُوى الدولية في العالم مستهدِفةً شعباً أعزل لا يملك أدنى مقومات الدفاع عن الذات.

لماذا تقصف روسيا المعابر المائية ولماذا تقتل المدنيين وتستهدف النازحين الهاربين من الموت في دير الزور؟ وقبل ذلك: لماذا قصفت روسيا المستشفيات والمدارس ومراكز الدفاع المدني في إدلب؟ وقبل ذلك: لماذا قصفت أمريكا تجمعات وملاجئ المدنيين وما زالت تقصفهم في الرقة دير الزور؟

سأجيب باختصار: لأنهم يعرفون عدوهم ويعرفون الصديق. من أجل ذلك قدّموا للأسد السفاح كل أسباب الحياة، ومن أجل ذلك حاربوا الشعب السوري وحاولوا كسره وتركيعه بأقسى وأقذر الأساليب.

*   *   *

حاصَروا الثورة منذ أيامها الأولى ومنعوا عنها مضادات الطيران التي كان من شأنها أن توفر الحماية لملايين السوريين. غضّوا الطرف عن إجرام النظام وشجّعوه ضمناً على الاستمرار في ذبح الثورة. تجاهلوا عشرة آلاف دليل مصور على إجرام النظام وفتكه بالمعتقلين الأبرياء في السجون ومراكز المخابرات. بعد آلاف المجازر ومئات الآلاف من الضحايا يسعون إلى حل سياسي يعيد إنتاج نظام الأسد. السلاح الكيماوي الذي صنّفَه العالم من أسلحة الدمار الشامل واعتبره خطاً أحمر صار مع النظام المجرم من الخطوط الخضراء! حتى في وسائل التواصل حاربونا، فلاحقوا صفحات وحسابات الناشطين والإعلاميين بالتضييق والإغلاق وحذفوا أدلة الجرائم من يوتيوب!

صنعوا كل ذلك في ماضي الأيام ليدمروا قدرة الشعب السوري على الاستمرار في الثورة، وهم يصنعونه اليوم ليدمروا قدرته على الصمود. لم تعد مشكلتهم هي انتصار الأسد على الثورة عسكرياً، لأن الشعب السوري يستمد قوّته وقدرته على الصمود من إرادته الصلبة ومن روحه الوثّابة المشتاقة إلى الحرية، فلن يقهروه حتى يقهروا فيه تلك الإرادة أو يستلّوا منه تلك الروح، فمن أجل ذلك يستهدفون المدن الآهلة ويقصفون مراكز الدفاع المدني وأسواق الناس، ومن أجل ذلك يدمرون المخابز والمدارس والمستشفيات.

*   *   *

لا يتّهِمْني أحدٌ بأنني أعيش في عالم الخيال وأنني أروّج نظرية المؤامرة. هذه حقائق ليست أوهاماً وهذا واقع لا خيال. إنهم يعرفون الصديق، نظام الأسد، فيمدّونه بكل دعم خفيّ وبكل دعم جَلِيّ، ويعرفون العدو: الشعب السوري، فيسعَون بكل إخلاص إلى تدمير حياته المدنية والعمرانية وإلى حرمانه من أسباب الصمود والحياة.

لكنه شعب صَبورٌ لا ييأس حَيٌّ لا يموت، شعب أبِيٌّ كريم لم يركع ولم يستسلم فيما مضى من رحلة الأهوال، ولن يركع ولن يستسلم ولو طال الطريق.

اللهم انصر أهلنا في الرقة ودير الزور، اللهم كن لهم في هذه الأيام العصيبة خيرَ ناصر وخيرَ حافظ وخير مُعين.

#هولوكوست_ديرالزور

#DeirEzZorHolocaust

 

نُشِرت في رسائل الثورة | الوسوم: , , , , , , | أضف تعليق

الدخول التركي إلى إدلب: الهدف

الدخول التركي إلى إدلب: الهدف

مجاهد مأمون ديرانية

الذين تابعوا حسابات جبهة النصرة ومنابرها الإعلامية خلال اليومين الماضيين أدهشهم أسلوبُ تعاطيها مع الحدث، فقد صورت الدخولَ التركي إلى سوريا وكأنه حرب عالمية ضدّها، وخيّلَت لأنصارها وأتباعها أنها ستخوض مع الجيش التركي “الغازي الكافر” معركة العصر وملحمته الكبرى (وذلك قبل انكشاف نفاقها ومرافقة بعض عناصرها لطليعة القوات التركية التي عبرت الحدود اليوم).

|والحقيقة أن جبهة النصرة لا تمثل سوى “كسر عشري” في حسابات تركيا وإستراتيجيتها في سوريا، فقد كانت أولويّة السياسة التركية دائماً (وما تزال) هي “المسألة الكردية” وتأثيرها في أمنها القومي، فانفصال أكراد سوريا في دولة مستقلة تمتد على طول الحدود الجنوبية هو أسوأ كابوس يمكن أن تتخيله تركيا، وهي  تعلم أن التنظيمات الكردية الانفصالية لم تعد جماعات يتيمة بعدما تبَنَّتْها أمريكا رسمياً وعملياً ومنحتها الضوء الأخضر لإنتاج الإقليم الكردي (روج آفا) الذي سيمتدّ من المالكية إلى عفرين، وربما إلى كسب، فقد باتت أعين الجميع متجهة إلى البحر، الأكراد والأمريكان والروس والإيرانيين.

هذا يعني -باختصار- أن معركة تركيا مع الانفصاليين الأكراد هي معركةٌ مع أمريكا ذاتها، ومن هنا جاءت ضرورة تكوين “محور إقليمي” والتحالف مع “قوة دولية كبرى” تكافئ القوة الأمريكية. هذه الضرورة تفسّر التقارب التركي الإيراني الأخير وتفسر أيضاً التنسيق التركي الروسي، كما تبرّر الوقتَ الطويل الذي استغرقه الإعدادُ للعملية التي بدأ الحديث عنها منذ ثلاثة أشهر على الأقل، فهذا الوقت لم يكن لازماً للإعداد العسكري الذي يمكن إنجازه في أسابيع قليلة، بل كان ضرورياً لتجهيز المسرح السياسي الدولي للدخول.

*   *   *

سوف تكون جبهة النصرة “ضحية جانبية” من ضحايا العملية بالتأكيد، فإذا اختارت الانسحاب سينتهي مشروعها الذي قاتلت الفصائلَ كلها من أجله، مشروع الحكم والسلطان والنفوذ، وإذا اختارت القتال ستنتهي بسرعة لأنها كيان هَشّ لا يستطيع الصمود أمام الدول، ومهما بلغت قوتها فلن تبلغ معشار ما بلغته داعش في ذروة صعودها، وكما وصفتُ داعش في ذلك الوقت بأنها “نمر من ورق” فكذلك أصفُ جبهة النصرة اليوم، فهي أسدٌ على فصائلنا المسالمة لكنها دجاجة أمام الكبار، مجرد نمر من ورق نفخت فيه فصائلُنا الخائرةُ الروحَ.

ما يهمنا في ثورتنا هو النتيجة النهائية للعملية، وهي ستكون خيراً لسوريا والثورة بإذن الله، فالمصالح التركية والثورية تتقاطع اليوم لدرجة كبيرة، وليس من شأن التقارب التركي الروسي أن يثير القلق لأنه تقارب عابر، فالعلاقات بين الدول تتسم بالتبدل السريع وفقاً لتبدل المصالح ولا يمكن قياسها بعلاقات البشر العاديين التي تتّسم بالديمومة والثبات، وقد رأينا كيف اقتربت تركيا من أمريكا حيناً وابتعدت عن روسيا، ثم انعكس الأمر فانقلب التقارب مع أمريكا عداءً وتغيّر العداء مع روسيا إلى تقارب، ثم انقلب الحال بعد ذلك مرتين فعاد إلى الصورة التي نراها اليوم، ولن يلبث أن يتغير مرة أخرى عمّا قريب.

أما موقفنا من هذا الدخول فينبغي أن يكون واحداً لا غير، فإن يكن خيراً فلا يردّ الخيرَ ولا يرفضه إلا أحمق، وإن يكن شراً فهو أقل الشرور التي تنتظرها إدلب وهو أقل الخيارات السيئة سوءاً، لأن البدائل هي مشروعات إيرانية وأمريكية مآلها تمدد الإقليم الكردي في الشمال أو حريق إدلب وسيطرة النظام لا قدّر الله.

اللهم قدّرْ لنا الخير وأبدلنا بالخوف أمناً وبالضيق والهمّ فرجاً ومخرجاً يا رب العالمين.

 

نُشِرت في رسائل الثورة | الوسوم: , , , , , , , | أضف تعليق

متى تنتهي الثورة؟

متى تنتهي الثورة؟

 

مجاهد مأمون ديرانية

 

لا تنتهي الثورات بسبب ضعف أصحابها، لأن الذين يثورون أصلاً هم الضعفاء، ولو كانت قوةُ القويّ وضعفُ الضعيف سبباً لوقف ثورةٍ لكانا سبباً في منعها ابتداءً، ولو كان الأمر كذلك لما قامت أيّ ثورة في التاريخ.

 

هل تذكرون كيف ثار الناس على الأسد؟ كان النظامُ يومَها جبّاراً مستكبراً وكان الناس ضَعَفة مغلوبين، ثم لم تمنعهم قوّتُه ولا منَعهم ضعفُهم من الثورة عليه والسعي إلى إسقاطه ورفع الظلم ودفع الاستبداد.

 

منذ ذلك اليوم زاد الظلم أضعافاً وزاد الاستبداد، فإذا كان سوء الحال يومئذ كافياً للبدء بالثورة فإن سوء الحال اليوم كافٍ للاستمرار بها، وكما أن إجرام الأسد في أول الثورة لم يزدها إلا ضِراماً ولم يزد الناس إلا تشبثاً بها وحرصاً على تحقيق غايتها، فكذلك ينبغي أن يزدادوا مع ازدياد إجرامه تشبثاً بثورتهم عليه وحرصاً على إسقاطه والانعتاق من أغلال العبودية والظلم والاستبداد.

*   *   *

إن الثورة معركة وجودية بين شعب حر ونظام مستبد، معركة بقاء أو فناء، والشعوب لا تفنَى ولا تزول، فلن تنتهي الثورة بفناء الناس. وهي لن تنتهي بسبب قوة عدوها، فعدوّها كان قوياً منذ كان، إنما تنتهي في واحدة من حالتين: إذا قرر أصحابها إنهاءها طواعيةً بدافع من اليأس والإرهاق، أو بسبب انحلالها الذاتي وأمراضها الداخلية.

 

فأما اليأس والاستسلام فإنهما بعيدان عن غالبية جمهور الثورة بإذن الله، وإنْ تساقَطَ في الطريق أفرادٌ من الناس وآحاد، وأما السبب الآخر فإنه الخطر الحقيقي الذي يُخشى أن يُهلك الثورة لا قدر الله. فلا يتوهمَنّ أحدٌ أنه يُحسن بالدفاع عن الظلمة والمعتدين أو بمداراة الخطأ والتستر على المخطئين، بل إن كل مجاملة لفاسد مخطئ وكل دفاع عن باغ ظالم إنما هو ضربة معول في جدار الثورة، فإذا كَثُرت المعاول أوشك الجدار أن ينهار.

*   *   *

أنقذوا الثورة بعلاج أمراضها وإصلاح عيوبها وتخليصها من الآفات، أنقذوا الثورة قبل فوات الأوان.

نُشِرت في خواطر ومشاعر | الوسوم: , , , , , | أضف تعليق

“أمراء الحرب” الذين ضيّعوا الثورة

“أمراء الحرب” الذين ضيّعوا الثورة

مجاهد مأمون ديرانية

من المهازل التي تعاني منها ثورتنا أن أيّ بيان يصدر عن أي منطقة -مهما صَغُرَ حجمها، ولو كانت ضَيْعةً صغيرة ضائعة بين الضِّيَع- تستغرق الكلماتُ ربعَه وتضيع ثلاثة أرباعه الباقية في التواقيع والأختام. حتى لَيتصور المرء أن كل حارة في الضيعة لها فصيل وكل عائلة لها فصيل، فالفصائل فيها أكثر من المدارس والمساجد والدكاكين!

 

بالمقابل يصدر البيان الواحد عن قاعدة حميميم العسكرية (مركز قيادة الانتداب الروسي في سوريا) أو عن جيش الاحتلال الأسدي فيمثل العدوَّ كله بكل أطيافه وأطرافه. قرار واحد ورأس واحد لأجسام متعددة متنافسة متباينة في المصالح والأعراق والألسنة والديانات، وألف فصيل وألف رأس لثورة لها مصلحة واحدة وراية واحدة وهدف واحد، ويا لها من مفارقة!

 

*   *   *

 

وصفتُ طرفاً من هذه المهزلة في المقالة الأخيرة فقرأها صديقٌ غيرُ سوري وسألني: لماذا كل هؤلاء؟ لماذا لا يجتمع أهل المنطقة الواحدة على الأقل في قيادة واحدة ورأس واحد؟ قلت: إنه الفساد يا صاحبي، الفساد.

 

هذه هي الحقيقة المُرّة التي يتجاهلها كثيرون. الفساد أنهكَ وأهلك هذه الثورة العظيمة التي قدّم فيها ملايين السوريين أغلى ما يملكون من الأنفس والأولاد والأموال، ضحّوا وقدموا وما يزالون يضحون ويقدمون، ولا ريب أنهم يتمنون أن تنتصر الثورة وتنتهي اليوم قبل الغد وغداً قبل غداة الغد، ولكنهم ليسوا أصحابَ السلطة والقرار، ولو كانوا كذلك لصار للثورة رأس واحد منذ دهر ولم تصبح ثورةً بألف رأس -كما هي اليوم- وألف قرار.

 

لقد سطا على الثورة واحتكر قيادتَها قادةٌ فاسدون، اغتنَوا بالثورة بعد فقر أو ارتفعوا بها بعد ضَعَة، فزادت أرصدتهم وتبخرت أرصدة الناس، وزادت أملاكهم وضاعت أملاك الناس، وصاروا أمراء بعدما كانوا سُوقة وصارت لهم أبّهة المُلك والسلطان: قصور وأموال وسيارات وحاشية وأعوان. لم يكن هذا كسباً جناه أحدُهم إرثاً من قريب ميت ولا كسباً بعرق الجبين، إنما هو استغلال لتضحيات الضعفاء من الرجال والنساء والولدان.

 

*   *   *

 

لقد صار “أمراء الحرب” الذين اغتنَوا وسادوا بفضل الثورة أعداءً للثورة وباتوا حريصين على استمرارها بلا نهاية ولا انتصار، لأن انتصارها سيحرمهم من الجاه والسلطان، لأن انتهاءها هو انتهاء للنعيم الذي يعيشون فيه وللغنى والهيلمان.

 

نعم، إن إنقاذ الثورة ممكن لو أمكن إسقاطُ أولئك الانتهازيين وكَنْسُ الفاسدين الذين أرهقوا الثورة وطوّلوا عليها الطريق، وهو يبدو أقربَ إلى المستحيل لأن كَنْسَهم وإسقاطهم أقربُ إلى المستحيل. لقد استبدلنا بالطاغية الكبير ألفاً من الطغاة الصغار ليس أحدُهم أقلَّ تشبثاً بسلطانه مِن تشبّث طاغية سوريا بمُلك سوريا، ولا أحدَ منهم يبالي بمعاناة الناس وآلام الناس إلا بمقدار ما يبالي طاغية سوريا بمعاناة وآلام أهل سوريا الذين يعيشون في القهر والعذاب.

 

واأسفاه على واحدة من أعظم ثورات الزمان أنهكها وأهلكها ثنائيٌّ آثمٌ شرير: الغلاة والفاسدون.

 

نُشِرت في رسائل الثورة | الوسوم: , , , , , , , | أضف تعليق

إنقاذ الثورة: ممكن أم مستحيل؟

إنقاذ الثورة: ممكن أم مستحيل؟

 

مجاهد مأمون ديرانيّة

 

ممكن ومستحيل. ليس هذا تناقضاً ولا هو أحجية معقدة أو لغز من الألغاز، فنحن اليوم كالمريض المُدْنف الذي أصيب بمرض مُميت، لو تلقى العلاج المناسب صَحّ ونجا، ولو لم يفعل فلا بد أن يموت. والثورات (ومثلها الدول والمنظمات) كيانات ديناميكية حية تُصاب بما يُصاب به الأفراد، فتنشَط وتفتُر وتقوَى وتضعُف، وهي تمرض فتحرص على العلاج فتَسْلم، أو تزهد فيه وتتركه فتموت.

 

ولكن مَن سيقرر العلاج في حالة المرض ومن سيفرضه في أي من تلك الكيانات؟ سيصنع ذلك رأسُ الكيان الذي يقوده ويرعاه. للدول حكومات وللمنظمات إدارات تقودها وترعاها وتعالج أزماتها ومشكلاتها فتُخرجها من المرض إلى العافية، فمن سيصنع ذلك في ثورتنا؟ من سيقرر ما مرضُها وما علاجها؟ ولو أن أفراداً نجحوا في تشخيص العلة ووصف العلاج أو صنعت ذلك هيئاتٌ ثورية ومراكزُ بحثيّة، فمَن سيطبق العلاج المقترَح ومن سيفرضه على مئات الكيانات المشتتة؟

 

تخيلوا مؤسسة تجارية لها عشرات المجالس الإدارية، هل هي قادرة على حل مشكلاتها ومعالجة أزماتها؟ هل هي قادرة على الصمود والبقاء في عالم مزدحم بالمنافسة والصراع؟

 

لأعدائنا قيادة واحدة تجمع كياناتهم المتناقضة والمتنافسة والمختلفة لساناً وديانةً وجنسية، قيادة تضع الخطط الموحدة الشاملة لضرب ثورتنا وتصفيتها على كافة المحاور العسكرية والسياسية، ونحن بألف كيان وألف رأس وألف رأي وألف قرار، فأنَّى تنتصر ثورةٌ هذه صفتُها على أعداء هذه صفتهم؟ لو كان لثورتنا رأس واحد لكانت قادرة على تشخيص المرض وتناول العلاج، ولكان إنقاذها ممكناً، بل لعلّه سيكون حتمياً بإمر الله، أمَا وهي بألف رأس فكيف سيكون التشخيص وكيف سيكون العلاج؟

 

لو بقي الحال هكذا فإنقاذ الثورة مستحيل، ولو أمكن إصلاح الحال فإنقاذها ممكن بإذن الله. ولكن هل يمكن إصلاح الحال؟ هذا هو السؤال.

 

نُشِرت في عِبَر وفِكَر | الوسوم: , , , , , | أضف تعليق

جولاني أو نحرق إدلب

جولاني أو نحرق إدلب

مجاهد مأمون ديرانية


ولا غرابة، فالطغاة والمستبدون كلهم أبناء مدرسة واحدة، فيها يتعلمون وفيها يتخرجون، وكما قال الطاغية الأول “أنا أو أحرق البلد” قال الطاغية الثاني “أنا أو أحرق إدلب”، ولكلٍّ شبّيحةٌ وأتباع يساعدونه على التحريق والتدمير.

 

لقد علم الجولاني وعلم أهل سوريا جميعاً أن سيطرة النصرة على إدلب ستكون بوابة لحرق إدلب لا قدر الله، حمى الله إدلب وحمى أهلها الكرام، ورغم ذلك أصرّ على احتلال إدلب وصبغها بالسواد. لم يُبالِ بتدمير البلد وتشريد الناس في سبيل سلطان زائل ومُلك مؤقت لن يدوم، لم يُبالِ باغتيال حياة الناس في سبيل حلم مجنون، ومعه ثلة من المجرمين يصفقون له ويسوّقون ويرقعون.

 

ثم انشق حجاب الظلام وتسلل شعاع الأمل، نجحت تركيا في فرض الأمان في إدلب، ولو إلى حين، فثَمّ أبى الطاغية المجنون إلا أن يقوّض الأمل ويقايض مُلْكَ ساعة بعذابات وآلام الناس، فأقدم على مغامرته المجنونة في حماة ليمزق الاتفاق ويمنح العدو رخصة مجانية للقتل والقصف والتدمير.

 

*   *   *

 

لم تكن مغامرة حماة الأخيرة هي أولى مغامرات الجولاني الطائشة فيها، فقد سبقتها محرقتان خسرت النصرةُ فيهما مئات المقاتلين ولم تحرر متراً مربعاً ولا شبراً مربعاً من الأرض، في آب 2014 وفي أيلول 2016، نفس الوقت من السنة وعلى المحور نفسه، معان. في المرات الثلاث هزيمة منكرة وخسائر فادحة في أرض المعركة ثم دمار واسع بعدها.

 

ثمة قاعدة عامة في الإدارة يعرفها حتى المبتدؤون: إذا قمت بالعمل نفسه مرة بعد مرة ستحصل على النتائج نفسها مرة بعد أخرى. لو علم الجولاني أن مغامرته الأخيرة في حماة ستنتهي بإخفاق مرير وخسائر فادحة ثم أقدم عليها رغم ذلك فهو خائن، ولو لم يعلم فهو غبي، وفي الحالتين لا ينبغي لأتباعه أن يصبروا على قيادته الفاشلة ويستمروا بالمشي وراءه إلى الهاوية.

 

على أن الرجل داهية بعيد عن الغباء، لذلك تكاد تكون عمالته محققة، سواء أكانت عمالة مباشرة أو غير مباشرة، فلا يهمنا إنه كان عميلاً مدسوساً على الثورة أو مغامراً طائشاً يسعى إلى السلطان ويخدم مخططات الأعداء، المهم أنه يدمر الثورة ويحرق البلد، دمره الله في الدنيا وحرّقه في الآخرة بنار الجحيم.

نُشِرت في عِبَر وفِكَر | الوسوم: , , , , , , , | أضف تعليق