النصرة والمشاركة

رسائل الثورة السورية المباركة (2)

الأربعاء 23 آذار 2011

النُّصرة والمشاركة

مجاهد مأمون ديرانية

بعض من قرأ رسالتي الأولى سألني هذا السؤال: هل تتوقع أن تسقط درعا في أيدي الثوار سريعاً؟ وإذا حصل ذلك وفتحت الحدود من هناك، هل يصح النزول والمشاركة معهم، للرجال طبعاً كبداية؟

والجواب:

القياس والتشبيه ممارسة عقلية شائعة، وهي تساعد الناس على تصور ما يجهلون قياساً على ما يعرفون. في هذه الحالة عندنا أربع تجارب سابقة، تتشابه ثلاثٌ منها (تونس ومصر واليمن) وتختلف الرابعة (ليبيا). الآن يتخوف الجميع، أو الأكثرون على الأقل، من تكرار السيناريو الليبي في سوريا، ومن ثَمّ فقد بدأنا بتخيل حوران وكأنها المنطقة الشرقية في ليبيا، وكأن درعا هي بنغازي سوريا. ربما كان هذا ممكناً، لكني أستبعده تماماً، لأن سقوط حوران في يد الثورة يعني سقوط دمشق، وهو أمر سيتأخر -على الأغلب- بحيث يكون فصلَ الختام في مأساة أتوقع أن تطول فصولها بعض الشيء (وأرجو أن أكون مخطئاً وأن لا تطول كثيراً بإذن الله).

مع ذلك تبقى سوريا كبيرة، ولن تستطيع قوات النظام السيطرة عليها كلها إذا انفجرت مناطقُها كلها أو أكثرها في وقت واحد، وهو التطور المتوقع خلال الأسبوعين القادمين. في هذه الحالة قد ينشأ الجيب المحرَّر (لو حصل) في حوض الجزيرة في القسم الشمالي الشرقي من البلاد، وربما في القامشلي تحديداً لأنها منطقة ذات طبيعة متفجرة كامنة بسبب المشكلة الكردية، ولا تنسوا أنها سبقت ثلاثاء الغضب بثلاثة أيام عندما قامت فيها المظاهرات يوم السبت في الذكرى السابعة لمجزرة الأكراد في القامشلي، التي قتلت فيها قوات النظام عشرات الأكراد يومئذ. حوض الجزيرة يضم مجموعة من المدن القابلة للثورة والتي تتميز تاريخياً بسرعة الاشتعال وقوته، من القامشلي والحسكة شمالاً إلى دير الزور والميادين والبوكمال جنوب الفرات، وهي منطقة واسعة جداً وبعيدة عن مركز الدولة، لذلك فإنها هي المرشحة لولادة جيب ثوري على الطريقة الليبية (لو قُدِّر لمثل هذا الاحتمال أن يتحقق).

لكن هذا الاحتمال مستبعَد كما قلت في الفقرة السابقة ويبدو لي أنه لا يتجاوز العشرين بالمئة، بل الذي يغلب على ظني أن يتسبب التصرف الأرعن من قِبَل النظام واعتمادُه على البطش وتوسيع الاعتقالات في نشر الثورة في أكثر مناطق البلاد في وقت واحد، وسوف يحاول النظام خنق الثورة هنا وهناك وهنالك في خطوات طائشة وحملات عنيفة ستزيد النار اشتعالاً، وفي لحظة ما سيجد أنه لم يبقَ له خيار سوى اللجوء إلى العنف الكامل، القوة العسكرية المدمرة على الطريقة الليبية، فإذا لجأ إليها وبدأ بضرب المدن بالمدافع والطيارات (وهذا ليس احتمالاً مؤكداً على أية حال) فسوف يفتح باب المواجهة مع العالم، ولن يعيش بعدها طويلاً.

يبقى السؤال عن حكم المشاركة. أنا لست فقيهاً ولذلك لا أفتي إلا نفسي، وفتواي لنفسي هي وجوب النزول إلى الشارع لكل قادر في مرحلة الاحتجاج السلمي، فريضةَ عين لا فريضة كفاية ولا من باب الندب أو الاستحباب، وهذا هو ما كان يجب فعله على كل مصري في مصر أثناء الانتفاضة، وهو ما يجب على كل سوري يعيش في سوريا اليوم أن يفعله، فإن الوسائل لها أحكام المقاصد، والسعي إلى تخليص الأمة من تسلط الحاكم الظالم واجب شرعي، فما بالكم بالمحتل المستبدّ كما هي الحال في سوريا؟ إلا أن المفاضلة بين أهون الضررين ودفع الضرر الأكبر بالأصغر يوجب علينا الاقتصار على الرجال والشبان في الظروف العصيبة -كما في ليبيا وسوريا- لأن الضرر على النساء أكبر من النفع المنتظَر منهن.

أما إذا تحول الاحتجاج المسالم إلى حرب -لا سمح الله- وبدأ النظام الفاجر بقتل الناس وقتالهم فإني أفتي نفسي بوجوب النصرة لمن يستطيع الوصول والمشاركة من أهل سوريا، فتصبح المشاركة في القتال فرض عين على كل قادر على القتال منهم، والمشاركة بالمال فرض عين على كل مالك للمال، وكذلك المشاركة بما لا يسع المجاهدين الاستغناء عنه أو بما يفيدهم توفُّره، من خبرات طبية للإنقاذ والعلاج، أو علمية في مجال الاتصالات مثلاً، أو عسكرية في تشغيل الأسلحة واستعمالها.

اللهم إنّا نسألك أن تحرس سوريا وأهلها وأن تسلمهم من جنون وبطش النظام المجرم الفاجر، وأن تجعل لهم من هذه المحنة فرجاً قريباً ومخرجاً آمناً، آمين يا رب العرش العظيم.

هذا المنشور نشر في رسائل الثورة. حفظ الرابط الثابت.

التعليقات

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s