حصاد الجمعة الثانية

رسائل الثورة السورية المباركة (4)

مساء الجمعة 1 نيسان 2011

حصاد الجمعة الثانية

مجاهد مأمون ديرانية

وصلنا إلى نهاية هذا اليوم العاصف الدامي، والنتيجة كما يلي:

مظاهرات صاخبة في دمشق نفسها وفي محيطها: كفرسوسة وبرزة وداريّا والكسوة ودوما وحرستا. مظاهرات وصدامات انتهت بسقوط شهيدين في دمشق (أمام جامع الرفاعي)، وثلاثة شهداء في داريا، أما دوما فقد تعرضت إلى مجزرة لا تزال مستمرة ومرشحة لمزيد من التصعيد، ويبدو أن حصيلة الشهداء فيها ستة على الأقل (تحدث البعض عن عشرين شهيداً، وربما كانت هذه مبالغة، أما الجرحى فسقطوا بالعشرات واعتقلت قوات الأمن كثيراً منهم من المشافي).

لعلكم ما زلتم تذكرون ما جاء في ختام الرسالة السابقة التي كتبتها بنهاية يوم الجمعة الماضي حين قلت: “لا أستبعد أن تتحول دوما إلى بؤرة ثورية تقوم في محيط دمشق بالدور الذي تقوم به درعا في حوران الآن، وهذا قد يعني أنها ستقدم شهداء كثيرين. أسأل الله أن يحميها ويحمي أهلها الأبطال، وجميعَ مدن ومناطق سوريا بإذنه تعالى”. واليوم أكرر الدعاء نفسه وأنا أحيّي أهل دوما الأشاوس.

الانفجار الثاني الكبير كان في حمص، ويبدو أنها قد قدمت اليوم شهيدين على الأقل، ونستطيع أن نقول الآن بثقة أن قرى حمص كلها كانت مشتعلة اليوم وليس مدينة حمص وحدها. وقد اشتعلت حماة أيضاً وتأكد سقوط شهيدين فيها، والسلمية كانت مضطربة أيضاً، وكذلك إدلب وبعض القرى القريبة منها، ودير الزور والطبقة (من قرى الرقة).

اللاذقية وبانياس سارت فيها المظاهرات هذا اليوم أيضاً، وحينما حل الليل انضمت إليهما جبلة بمظاهرات صاخبة، وهكذا استمر الغليان في هذه المنطقة الحساسة على الساحل.

تطور كبير ومهم في الأحداث جاء من إخوتنا الأكراد في القامشلي، فقد كان أداؤهم اليوم متميزاً وبيَّضوا وجوهنا، بيّضَ الله وجوههم، وما زلت أتوقع منهم الكثير في الأسابيع القادمة. ولعلكم علمتم أن السلطات أغلقت المنافذ الحدودية بين هذه المناطق وتركيا ومنعت الحركة في الاتجاهين وأعادت إلى تركيا عدداً من المراسلين الأجانب الذين حاولوا عبور الحدود إلى سوريا من هناك.

وتطور آخر جاء من السويداء التي أنتظر انتفاضتَها بشوق لكي تساعد حوران، فإذا انتفض جبل العرب فلا بد أن يخف الضغط على درعا وقراها بإذن الله. لقد بدأت بعضُ الاعتصامات الخجولة في السويداء منذ أربعة أيام، اعتصامات بالشموع، تحولت إلى اعتصام مفتوح منذ يومين، واليوم خرجت فيها بعض المظاهرات، وننتظر المزيد.

لكن تبقى حوران هي نجم الموقف بامتياز، والأحداث التي جرت فيها اليوم تستحق أن تُسجَّل بحروف من ذهب. لقد حاصرت كتائبُ الأمن درعا منذ يوم أمس وشطرَتْها فاصلةً درعا البلد عن درعا المحطة، وكانت درعا هذا اليوم معزولة عن العالم منذ الصباح، فتدفقت عليها بعد الجمعة جموعٌ هائلة من القرى والبلدات المحيطة بها قدّرها بعضهم بربع مليون شخص (وأنا أظن أن هذه التقديرات لا تخلو من مبالغة، لكن لا أشك أنها كانت جموعاً هائلة على كل حال)، فاقتحمت الطوقَ وفكت عن درعا الحصار. ثم سارت الجموع بعد ذلك باتجاه الصنمين (التي ما زالت محاصَرةً منذ مجزرة الجمعة الماضية) واصطدمت بحواجز الأمن الذي أطلق عليها الرصاص فسقط كثيرون، يبدو أنهم لا يقلون عن عشرة من الشهداء وعشرات من المصابين. أكثر المدن والقرى المحيطة بدرعا ساهمت في انتفاضة اليوم، لكن أكثر ما برز منها هو جاسم وإنخل، وقد سقط في درعا نفسها شهداء لم يحدَّد عددهم، ومع وصول بعض الجرحى والشهداء إلى مستشفى نوى مع حلول الليل انتشرت حالة من الغضب في نوى وخرج الناس إلى الشوارع، ونُقلت أخبار عن إطلاق النار عليهم من غير تأكيد إصابات.

ملاحظة ختامية:

ما زلت أستغرب من نفسيّات بعض المتشائمين. إذا كان التشاؤم بسبب ما هو متوقَّع من تضحيات فإنني أفهمه، لكني لا أقبله، لأن التضحية بألف شهيد في شهر خيرٌ من التضحية بالأمة كلها سنوات طويلة. وهل كانت الحياة في سوريا الأسدين (الابن وأبيه) حياةً حتى يأسف عليها الناس؟ إن حياة الذل خيرٌ منها الشهادةُ، والتغيير لم يكن سهلاً في يوم أبداً، ولا كانت الحرية والكرامة لتؤخَذ بلا ثمن. هل يدخل أحدكم إلى متجر من المتاجر فيملأ كيسه بالأغراض ثم يمضي بلا حساب؟ إنه يدفع ثم ينال ما يريد. الأغراض هذه تشترى بالمال أما الحرية والكرامة فثمنها أغلى، إنه الدماء التي يجود بها الشهداء العظماء، هذا ما جاء في “بيان النصر”.

تقولون: ومن أصدر هذا البيان؟ الجواب: الذي قال: {هذا بيانٌ للناس}، ثم بعد هذا الإعلان مباشرة: {ولا تهنوا ولا تحزنوا، وأنتم الأعلَون إن كنتم مؤمنين}. ثم فوراً: {إن يمسَسْكم قَرْحٌ فقد مسَّ القومَ قرحٌ مثله}، اللهم أعِنّا على قَرْحنا وتلطف فيه واجعل قَرْحهم عليهم آلاماً ومصائبَ متتاليات مبدؤها في هذه الأرض ومنتهاها في النار. ثم: {وتلك الأيام نداولها بين الناس}، فقد آذنت شمسُ يومهم بالمغيب، وها هي شمس يومنا تشعّ من وراء أفق قريب إن شاء الله. ولماذا كل هذا؟ قال: {وليعلم الله الذين آمنوا منكم}، ثم تأتي هذه الخاتمة القرآنية العجيبة، وهي بيت القصيد: {ويتخذ منكم شهداء}. يا لها من نعمة! الله يتخذ هؤلاء الشهداء لنفسه، يختارهم منا اختياراً ويصطفيهم اصطفاء، أفتحزنون بعدُ عليهم؟ طوبى لهم وأكرِمْ بمثواهم، ويا ليت أنّا نكون معهم ونلحق بهم عما قريب.

هؤلاء الشهداء ضرورة لازمة ليتحقق النصر، هم وقوده وهم أكبر المنتفعين منه وأسبقهم إلى حصد ثمرته باختيار الله العاجل لهم ليكونوا معه وفي جنته. وها هو النظام السوري يمارس رياضة الانتحار التي صارت الرياضةَ المفضلة عند الأنظمة العربية مؤخراً، فهو ينحر الناس فيَمُدّ الثورة بالوقود اللازم للاشتعال، ولن تخمد ثورةٌ ما دامت نارُها تتّقد بدماء شهدائها.

موعدنا في الشام قريباً إن شاء الله.

هذا المنشور نشر في رسائل الثورة. حفظ الرابط الثابت.

التعليقات

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s