نحن إلى قوة وهم إلى ضعف

رسائل الثورة السورية المباركة (5)

الخميس 7 نيسان 2011

نحن إلى قوة وهم إلى ضعف بفضل الله

مجاهد مأمون ديرانية

ما أزال أسمع من يقول إن الأمور تهدأ في سوريا بعد كل جمعة، وهذا غير صحيح. لو أنكم تابعتم تفصيلات الأحداث منذ يوم السبت الماضي فلا بد أنكم مثلي مدهوشون من قوة الانتفاضة في دوما، فإن المَشاهد التي وردت من هناك وهي تصور تشييع الشهداء تُعتبر عظيمة بكل المقاييس، وهي تذكّرنا بمظاهرات ميدان التحرير في القاهرة، مع أخذ النسبة بين أعداد المتظاهرين وحجم المظاهرات في كلا البلدين.

لكن من المهم أن نلاحظ أن دوما لا تتحرك في فراغ، بل في محيط ثائر غاضب من بلدات وقرى “الغوطة”، وخلال الأيام الماضية استمرت المظاهرات والاعتصامات النهارية والليلية (وهذه الأخيرة يقول المتابعون والمراقبون الخارجيون إنها اختراع سوري بامتياز) في دوما وحرستا وسقبا وكفر بطنا وعربين في الغوطة الشرقية، وفي الكسوة ومعضّمية الشام في الجنوب والغرب. لقد صارت الغوطة (ومركزها دوما) بؤرة الثورة الثانية بعد البؤرة الأولى: حوران (ومركزها درعا)، ولا تنسوا أن الثورة السورية الكبرى ضد الفرنسيين تركزت أيضاً في الغوطة من ناحية وفي حوران من ناحية ثانية. وما تزال قرى حوران ثائرة منتفضة بحمد الله، وقد مضت خمسة أيام بلياليها على الاعتصام الدائم في الجامع العمري في درعا وجهدت السلطات لإيقافه وتفكيكه بلا طائل، بالإضافة إلى اعتصامات ومظاهرات في جاسم وإنخل ونوى وغيرها من قرى حوران، بارك الله في قرى حوران وقرى الغوطة.

حمص وما حولها أقل اضطراباً منذ يوم السبت، لكنها نار تَتَّقد ببطء تحت رماد من السكون المؤقت، وهي ثالثة البؤر الثورية في البلاد، وسوف يكون لها شأن كبير في هذه الثورة المباركة إن شاء الله. والبؤرة الرابعة ستكون مناطق الأكراد في القامشلي بإذن الله. نعم، لقد حاول النظام أن يمشي بحذر عبر الألغام في معالجة الغضب الكردي، وما محاولته اليائسة الأخيرة بتصحيح أوضاع مئة ألف كردي يعيشون في بلادهم عيشة “البدون” إلا دليل على ذلك، لكن المتتبع للهمسات والإيماءات التي بدأت تتزايد في الفضاء الكردي يدرك أن هذا كله لم يحقق شيئاً وأن الإناء الكردي قد بدأ بالغليان، ولا أبالغ إذا قلت إنني أتوقع “الانفجار الكردي الكبير” في غضون شهر من اليوم كحد أقصى بإذن الله.

صدقوني النظام مرعوب ولا يكاد مجرموه الكبار ينامون، وإلا فخبروني: متى كان النظام السوري يحني رأسه أمام شعبه؟

(1) قبل ستة أسابيع فقط اقترح أحد أعضاء “مجلس المهرّجين” (الشعب) إعادة النظر في قانون الطوارئ، فأُسكت صاغراً وأُفهم أن هذا الأمر غير قابل للنقاش، واليوم صار الحديث عن وقف العمل بهذا القانون مما يدور على ألسنة متنفذي النظام ومنظّريه!

(2) الأكراد سُحقوا وقُتل منهم جمع كبير في مثل هذه الأيام قبل سبع سنين لأنهم طالبوا بحقهم في المواطَنة، واليوم يُدعَون إلى لقاء الرئيس ويُمنَحون مطالبهم على طبق من فضة!

(3) وزير التربية والتعليم منع قبل شهور المنقبات من دخول المدارس وفصل مئات منهن من وظائفهن في التعليم، ثم تكبّر وتبجّح وأصرّ واستكبر ولم يُبدِ ذرة من الإنصات لمئات الأصوات التي تعالت بالاحتجاج والاستنكار، واليوم صدر قرار بالسماح بالنقاب في المدارس وإعادة المدرّسات المفصولات إلى وظائفهن!

(4) منذ سنوات طويلة يستميت بعض العلماء والمخلصين لترخيص جامعة شرعية للعلوم الإسلامية ولا ردَّ إلا الرفض، واليوم أصدر بشار مرسوماً بتأسيس معهد الشام العالي للغة العربية والعلوم الشرعية!

(5) بعد أسبوع من اعتقال أطفال درعا توجه أهلوهم إلى رئيس الأمن السياسي في درعا مطالبين بإطلاق سراحهم، فماذا كان رده؟ “هؤلاء الأولاد انسوهم، واطلبوا من زوجاتكم أن ينجبن لكم غيرهم”! ثم ها هو النظام يطلق اليوم سراحهم صاغراً.

لمّا أصدرت عشيرة الأبازيد بيانها الجريء الذي طالبت فيه الحكومةَ بإطلاق سراح الأولاد خلال مهلة أقصاها أسبوع وإلا ثارت العشائر، ماذا كان رد فعل السلطات؟ الرد المفهوم من الفعل الحكومي ولو لم يُصرَّح عنه بالقول كان “بلّوا البيان واشربوا ميَّته”… ثم مضى الأسبوع وثارت العشيرة ومعها عشائر حوران.

هذا النظام لم يَحْنِ رأسه قط، لا لله ولا لعباد الله، واليوم يستميت لإرضاء الناس، أفلا ترون في هذا وحدَه دليلاً على الفزع والحسابات التي يحسبها النظام بالطول والعرض للإبقاء على نفسه؟ أليس دليلاً على قوة الثورة وأثرها الكبير، رغم ضعفها وعمرها القصير؟ فكيف لو امتد لهيبها حتى يشمل الأرض السورية كلها بمدنها وقراها؟ والله لا يصمد النظام عندها إلا قليلاً ثم ينهار. بل ها هو منذ اليوم يصنع ما صنعته من قبله كل الأنظمة المغفَّلة: يستجيب متأخراً ويرتكب الأخطاء القاتلة طول الوقت، فالحمد لله الذي يضرب على أبصارهم العمى حتى تمضي سنّتُه تبارك وتعالى في دفع الناس بعضهم ببعض ومداولة الأيام بين أهل الحق وأهل الباطل، والأيام دُوَل، فقد دال يومهم وآل أمرهم إلى خراب، وشعّت من وراء ليلٍ ظَلِمٍ بَهيمٍ شمسُ يومٍ جديد على بلاد الشام بإذن الله.

هذا المنشور نشر في رسائل الثورة. حفظ الرابط الثابت.

التعليقات

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s