بدأ العد التنازلي

رسائل الثورة السورية المباركة (7)

الثلاثاء 12 نيسان 2011


بدأ العد التنازلي

مجاهد مأمون ديرانية

وقعت أمس، الإثنين 11 نيسان، ثلاث حوادث مهمة:

(1) في ساحل العاج اعتقلت القوات الدولية (الفرنسية) الرئيسَ السابق غباغبو وسلمته إلى قوات الرئيس الجديد وتارا تمهيداً لتقديمه إلى المحاكمة قريباً.

(2) في ليبيا أعلن المجلس الوطني رفضَه للمبادرة الإفريقية ولأي مبادرة لا يكون على رأس بنودها تنحي القذافي، رغم أن القذافي نفسه كان قد وافق في اليوم السابق على المبادرة التي تقدِّم “خارطةَ طريق” لحل الأزمة (مع تحفّظي في استعمال هذا التعبير السخيف الذي شاع مؤخراً، ولا أدري لِمَ لا يقولون ببساطة “خطة” أو “مخطط زمني”) وفي الوقت نفسه كررت القوى الدولية تأكيدها على ضرورة رحيل القذافي.

(3) في اليمن رفضت المعارضةُ فكرةَ تنحي الرئيس اليمني علي صالح ونقل السلطة إلى نائبه -بناء على المبادة الخليجية الأخيرة- مع أن الرئيس اليمني نفسه كان قد وافق عليها في اليوم السابق، وتصرّ المعارضة الآن على ضرورة محاكمة صالح وليس تنحّيه فقط، وهي ترفض أي مبادرة تمنحه الحصانةَ وتمنع مساءلته ومتابعته القانونية في المستقبل.

من تظنون كان أكبر المهتمين بمتابعة هذه الأخبار؟ سيهتم بها بالتأكيد كثيرون، لكن لعل أكثرَهم اهتماماً وأشدَّهم قلقاً هو النظام السوري الحاكم، فهي المرآة التي ينظر فيها إلى نفسه اليوم، وهي البلورة السحرية التي يرى فيها مستقبله.

علي صالح يتهاوى الآن، وقد بدأ عَدُّ ما تبقى له من أيام، وذلك بعد شهرين من بدء انتفاضة الشعب اليمني، فقد انفضّ عنه كثير من أصدقائه وأنصاره، ونبَذَه الغرب وتخلّت عنه دول الخليج، والأرض تتزلزل من تحت قدميه بثورة شعبية عارمة. القذافي أيضاً يتهاوى بعد سبعة أسابيع من انتفاضة الشعب الليبي، لكن الحرب التي تحولت الانتفاضةُ إليها سريعاً عقَّدت الموقفَ وطوَّلت الطريقَ وضخّمت الثمن، والذي يبدو الآن هو أن الحسم قد يستغرق من الوقت مثل ما مضى، لكنه آت على التحقيق والله أعلم.

على أننا لا نستطيع أن نَغفل عن خطرين محتمَلين في ليبيا، خطرين يوحي بهما تقاعس وتباطؤ حلف الأطلسي في ضرب قوات القذافي وما يبدو أنه تطويل متعمَّد للحرب: أولهما أن تصبح سيطرة الثوار على شرق ليبيا والقذافي على غربها أمراً واقعاً وتَجْمد الأوضاعُ على الأرض مدةً تجعل هذا الأمر أمراً حتمياً، ومن ثَمّ يتم الضغط على الثوار لإعلان دولة مستقلة في الشرق النفطي وترك الغرب القاحل للقذافي ليتسلى به! الخطر الثاني هو اتخاذ تردي الأوضاع الإنسانية على الأرض وما يبدو أنه استحالة للحسم العسكري، اتخاذ هذا الواقع ذريعةً لتدخل عسكري مباشر، وهذا ينقلنا مباشرة إلى صورة الوضع في العراق والبوسنة، حيث كان التدخل العسكري الأجنبي دائماً شراً وخيماً على الناس. نسأل الله أن يحمي ليبيا والليبيين وأن يخلصنا من هذا الطاغية عما قريب.

هذا كان استطراداً، ونعود إلى ما يهمنا في تلك التطورات، وهو أن هذه الأنظمة لم تستطع مقاومة انتفاضات شعوبها طويلاً، فهل يمكن أن يكون مصير النظام في سوريا مختلفاً؟

*   *   *

المؤكد أن الدولة، أي دولة، لا تستطيع احتمال الضغط الشعبي الكبير لمدة طويلة، وهذه القاعدة لا يوجد لها أي استثناء، فلا عبرةَ بقول هذا النظام أو ذاك: “نحن لنا خصوصية”، أو “الوضع عندنا غير”! هذا الكلام يقال للتخدير والتسويق على السذَّج، أما الواقع التاريخي والسياسي فيقول إن الدول كلها سواء، وإن الضغط الشعبي الكبير والطويل والمتصل يؤدي إلى انهيار نظام الدولة بالكامل، لذلك لا تسمح أيُّ سلطة بمثل هذا الضغط وتسعى إلى احتوائه؛ بالأساليب السلمية أحياناً، وتقديم التنازلات والاستجابة للمطالب أحياناً أخرى، وبالضغط الذي يمكن أن يصل إلى القمع الشديد في أحيان ثالثة.

الأسلوب الأخير، القمع واستعمال القوة، ينجح فقط إذا استطاع وقفَ حركة الاحتجاج وقمع الانتفاضة في وقت قصير قبل أن تتكون كتلةٌ حرجة تستعصي على التفتيت، فإذا تجاوزت الانتفاضةُ هذا الحاجزَ تفقد الدولةُ السيطرةَ ويتحول الخيار الوحيد الذي تملكه لوقفها هو استعمال القوة العسكرية الكاملة (كما حصل في انتفاضة المجر سنة 1956، وقد استمرت نحو أسبوعين فقط واستخدمت روسيا لقمعها مئة وخمسين ألف جندي وأكثر من ألفَي دبابة، وانتهت بمقتل عشرين ألفاً من المدنيين وتأخر التحرر من الحكم الشيوعي لمدة ثلث قرن). لكن هذا النموذج القمعي الفظيع لم يعد ممكناً لحسن الحظ في هذه الأيام، ولعل أكثر ما يجعله مستحيلاً هو التقدم المذهل في الاتصالات والإعلام بحيث يُنقَل الحدث الآنيّ بالصوت والصورة إلى كل مكان في الدنيا. ولو أن هذا التطور التقني كان موجوداً قبل ثلاثين سنة لما استطاع الأسد الأب أن يفتك بحماة وأن يرتكب المجازر الفظيعة التي ارتكبها في الظلام، بعيداً عن أبصار الناس وعن أسماعهم.

الثورة في سوريا تجاوزت حاجز “الكتلة الحرجة” منذ وقت طويل، فهي قد تفاقمت وتصاعدت حدَّتُها في انفجار فاق أكثرَ التوقعات تطرفاً، وبالتأكيد تجاوز توقعات النظام المبالِغة في الاحتياط! إن ما بدأ بمظاهرة صغيرة في دمشق، في الجامع الأموي وسوق الحميدية، ثم باعتصام محدود أمام وزارة الداخلية في المرجة في اليوم التالي، لم يلبث أن امتد إلى حوران في الجنوب وخمس مدن رئيسية في أنحاء سوريا بعد أيام قلائل، وفي أسبوع آخر انتشر في عشرين مدينة، وفي أسبوع ثالث “انفجرت” سوريا كلها. كما قلت لكم في الرسالة السابقة: لم أخترع أنا هذا التعبير بل كان هو العنوان الرئيسي لجريدة “الشرق الأوسط” يوم السبت الماضي.

سوريا اليوم منفجرة بالكامل، وإن يكن هذا الانفجار ما يزال محدوداً في قوته لكنه انفجار على أية حال. الانفجار السوري اليوم يشبه أي انفجار -مهما يكن صغيراً- في مستودع للذخائر، حيث يصبح المستودع كله بحكم المنفجر وتوضَع خطط الإخلاء والإنقاذ على هذا الأساس، لأن انتشار النار عبر كتل وأكوام الوقود المتفجر أمر حتمي، فقط سرعةُ الانفجار هي المسألة التي يمكن أن تختلف بشأنها التكهّنات. إن سوريا كلها الآن مستودعٌ كبير يحتوي على وقود متفجر، هو هذا الشعب الذي ما زال يُضغَط منذ أربعين سنة حتى وصل إلى الانفجار الكبير.

*   *   *

بمتابعة تطورات الانتفاضة السورية خلال الأسابيع الأربعة من عمرها، من لحظة بدايتها يوم الثلاثاء الخامس عشر من آذار إلى هذا اليوم، الثلاثاء الثاني عشر من نيسان، نلاحظ تسارعاً وتضخماً غيرَ متوقَّع على أربعة محاور:

(1) الانتشار الجغرافي، من مدن قليلة في بداية الأمر إلى جميع أنحاء سوريا اليوم.

(2) الزيادة الهائلة في أعداد المشاركين، بدءاً بعشرات في اليوم الأول وانتهاء بما نقلته وكالات الأنباء من خروج مئات الآلاف إلى الشوارع في الجمعة الماضية.

(3) تقارب الاحتجاجات واشتداد غزارتها، فبعدما كانت تقتصر على أيام الجمعة صارت أيام الأسبوع كلها صاخبة بالمظاهرات والاعتصامات.

(4) ارتفاع سقف المطالب من تغيير المحافظ (في حمص) ومحاسبة رامي مخلوف (في درعا) في الأيام الأولى، إلى الإطاحة بالنظام وتغييره ورحيل بشار وإخوته وعصابته كلها في الأيام الأخيرة.

هذا الانفجار الكبير والسريع فاق -كما قلت آنفاً- أكثرَ التوقعات تطرفاً، وتجاوز كثيراً ما توقعه النظام وما أعد من خطط لاحتوائه والقضاء عليه، وبذلك نجح نجاحاً ملفتاً للانتباه في تجاوز خط اللاعودة في وقت قصير نسبياً. والآن، هل يمكن أن ينجح هذا النظام في البقاء؟ الجواب: حسب الأدلة التاريخية والمنطقية: لا. لكن السؤال الأهم هو: كم من الوقت سيستغرق سقوطه؟ وما هو الثمن المتوقع؟

في رسالتي الأولى التي سميتها “مسار الثورة ومصيرها” خشيت أن تمشي سوريا على خطى ليبيا، اعتماداً على التشابه بين النظامين من حيث العقلية الأمنية والسجل الإجرامي، لكني سوف أتراجع الآن عن تلك المخاوف وأستبدل بها توقعَ صورةٍ تشبه التجربة اليمنية، بضغط شعبي كبير واستنزاف طويل لكن بثمن أعلى بكثير (نظراً لتفوق النظام السوري في القسوة وسجلّه الطويل في القمع والإجرام). والسبب في تغير توقعاتي هو سلوك أصحاب الانتفاضة الملتزم بالسلمية المطلقة حتى الآن، رغم ضغط السلطات ومحاولاتها المستمرة لعَسْكرة الحركة ودفع المتظاهرين إلى الاشتباك بالسلاح، وقد رأيتم أدلة على هذه الخطة التي تختطّها الدولة في بعض أحداث درعا يوم الجمعة الماضية.

في غياب أي استعمال للسلاح من طرف المتظاهرين والإصرار على سلمية الانتفاضة لن يجد النظام عذراً قانونياً لاستعمال القوة المسلحة (أو القوة المفرطة كما يقولون). لقد بدأ النظام بالفعل باستثارة القوى الدولية والمنظمات الحقوقية العالمية بما صدر عنه من إجرام وما قام به من قتل حتى الآن، وسوف يجلب على نفسه مزيداً من المتاعب على المستوى الدولي كلما زاد قتل الناس، وصولاً إلى ضغوط دولية حقيقية بدأت بوادرها بالظهور منذ نهاية الأحداث الدامية ليوم الجمعة الماضي، حيث بدأنا بسماع انتقادات شديدة من واشنطن ولندن وباريس وبرلين وروما، والاتحاد الأوربي والأمم المتحدة على لسان أمينها العام، بل وصل الأمر إلى تحرّكٍ يذكّرنا بالخطوة الأولى التي سبقت التدخل الأممي في ليبيا (حينما دعت منظماتٌ ليبية حقوقية الجامعةَ العربية إلى تحمل مسؤوليتها في حماية المدنيين الليبيين، وهي الدعوة التي دفعت الجامعةَ إلى اتخاذ قرار كان هو الأرضية التي بُني عليها قرار مجلس الأمن بالتدخل العسكري في ليبيا. وقد عارضت سوريا قرار الجامعة العربية إن كنتم تذكرون، ربما حتى لا يصبح النظام السوري نفسُه ضحيةً لقرار مماثل في المستقبل)؛ فقد دانت عشرُ منظمات حقوقية سورية بشدة أحداثَ العنف الدموية، ثم دعا تجمع إعلان دمشق الجامعةَ العربية لعقد جلسة طارئة لبحث الوضع في سوريا، حيث “طالب أنس العبدة -رئيس إعلان دمشق في المهجر- الأمينَ العام لجامعة الدول العربية عمرو موسى بعقد جلسة طارئة للجامعة من أجل بحث الوضع المتدهور في سوريا وتحديداً فيما يخص الاعتداء على المدنيين، وقال العبدة الذي يرأس أيضا حركة العدالة والبناء في سورية في الرسالة التي وجهها إلى عمرو موسى: إننا نطالب بموقف من طرفكم والجامعة كالموقف الذي اتخذ في الثورات العربية الأخرى”.

هذا كله يزيد الضغط على النظام ويقلل فُرَصَه في البقاء ويقلّص الوقتَ المتبقي له، بحيث يمكننا أن نبدأ بالعد التنازلي للحظة زواله بثقة شديدة، لأن هذه اللحظة صارت على بعد بضعة أشهر بالحد الأقصى، ربما أربعة أشهر أو خمسة والله أعلم.

لقد باتت خيارات النظام محدودة جداً، بل إنها محصورة في خيارين اثنين كل منهما أسوأ بالنسبة له من الآخر: الأول أن يخفف الضغط على هذه الانتفاضة فتزداد انتشاراً واشتعالاً، وكما قلت سابقاً فإن الدولة لن تحتمل الضغط الشديد طويلاً ولا بد أن تنهار خلال بضعة أشهر كحد أقصى. والخيار الثاني أن يزيد القمع والضغط في سبيل استئصال الانتفاضة والقضاء الكامل عليها، فإذا بقي هذا القمع ضمن حدود المعقول (مثلاً مئة شهيد أسبوعياً) فسوف يكون هؤلاء الشهداء وَقوداً إضافياً يقدمه النظام للثورة فيزيدها اشتعالاً، وسوف يتحقق الاحتمال السابق في وقت أقصر، أما لو زاد القمع وصولاً إلى مستويات إجرامية عالية فسوف ننتقل فوراً إلى حالة تستدعي تدخلاً وضغطاً من العالم الخارجي، وغالباً لن يستطيع النظام مقاومة ذلك الضغط طويلاً حينما يجتمع مع الضغط الشعبي في الداخل. أعيدوا قراءة السطور الأولى التي وردت في مطلع هذه الرسالة، فقد لا يكون مصير النظام السوري بعيداً عن واحد من هذه المصائر خلال شهرين من اليوم.

*   *   *

تساءل باترك سيل في مقالته الأخيرة في “الإندبندنت” البريطانية: هل سينجو نظام الأسد من السقوط وهو يواجه موجة الاحتجاجات الشعبية الحالية؟ ثم أجاب عن هذا السؤال بالقول إن فرصة الأسد في البقاء تعتمد على نجاحه في تنفيذ الإجراءات الإصلاحية المطلوبة في وقت قصير، لكنه (أي باترك سيل) شكّك في قدرة الأسد أصلاً على تنفيذ تلك الإصلاحات في ظل الوجود القوي لمعارضي الإصلاح في داخل النظام. ويؤكد سيل (وهو من أكثر الإعلامين الغربيين المعاصرين اطّلاعاً على الشأن السوري) يؤكد أن للأسد “نافذة ضيقة من الفرص، وهي تتقلص يوماً بعد يوم” على حد قوله، ويقول أخيراً إنه إذا تأخر فسوف “يضع نفسه أمام خطر انفجار لا يمكن السيطرة عليه”.

وأنا أقول للسيد باترك سيل ولبشار الأسد: إن النتيجة محسومة، فلو أنه نفذ الإصلاحات المطلوبة فسوف يطير بسببها، لأنه لا فرصة له بالبقاء في دولة الحرية والقانون والأحزاب والانتخابات. ولو أنه لم ينفذها (وهذا هو ما سيفعله) فسوف يطير بسبب غضبة الشعب التي صارت بركاناً لا يمكن لأي قوة أن تسيطر عليه، والنصر قريب بإذن الله.

هذا المنشور نشر في رسائل الثورة. حفظ الرابط الثابت.

التعليقات

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s