جمعة الإصرار

رسائل الثورة السورية المباركة (8)

السبت 16 نيسان 2011

جمعة الإصرار

مجاهد مأمون ديرانية

أظن أن “جمعة الإصرار” قد فاجأت الجميع بزخمها وقوتها، فحتى أكثر المتحمسين حماسة -مثلي- لم يتوقعوا لها هذا النجاح الهائل. سأصل إلى أحداث الجمعة بعد قليل، لكن دعونا ندرس أولاً ما حدث بين جمعة الصمود الماضية وجمعة الإصرار الأخيرة من تطورات، وهي كثيرة وخطيرة وتستحق أن نقف عندها بتأمل:

(1) لأول مرة منذ بداية الثورة السورية يتصل يومُ جمعة بيوم جمعة باضطرابات لم تتوقف على مدى الأيام الستة الفاصلة بين الجمعتين، حيث استمرت الاعتصامات والمظاهرات هنا وهناك ليلاً ونهاراً من نهاية يوم الجمعة السابق إلى مطلع يوم الجمعة اللاحق.

إذا تحولَت هذه السابقةُ إلى نهج مضطرد واستمرت الأسابيعُ القادمة بالقوة ذاتها فسوف يبدأ النظام بالترنّح قريباً، فكما قرأتم في رسالة سابقة: إن قدرة أي نظام على احتمال التمرد الأهلي هي قدرة محدودة جداً، وإذا تحول هذا التمرد إلى “عصيان مدني” شامل فإن الدولة تتهاوى بسرعة. هذه نظرية سياسية واجتماعية تُدرَّس في الجامعات، وهي تفسر العنف الشديد الذي تبذله الدولة (أيّ دولة) للقضاء على الاضطرابات. وأمامكم أمثلة قريبة لثلاثة أنظمة، لم يستطع اثنان منها احتمال الثورة الشعبية لأكثر من ثلاثة أسابيع أو أربعة (في تونس ومصر) والثالث (في اليمن) يترنّح مثل الملاكم الذي أصيب على الحلبة بوابل من اللكمات، ونحن نعيش اليوم لحظات سقوط ذلك النظام الذي بات وشيكاً، وللعلم فإن موافقة علي صالح على مبادرة الرحيل هي لحظة السقوط، بغض النظر عن يوم الرحيل نفسه (الذي سيكون من باب: ما دلَّهم على موته إلا دابّة الأرض تأكل مِنْسَأته).

إذن لو استمر هذا التطور المهم في الأسابيع القادمة فإنه سيسرّع في السقوط الحتمي للنظام بإذن الله. مع العلم بأن المؤشرات العملية على الأرض تقول إن اتصال الانتفاضة عبر أيام الأسبوع مرشَّح للاستمرار، فمع نهاية يوم الجمعة خرجت مظاهرات ليلية في درعا وإنخل في حوران، وجبلة وبانياس في الساحل، وبرزة في دمشق. أما حمص فما عادت تعرف النوم لا ليلاً ولا نهاراً، فبارك الله في حمص وأهل حمص وقرى حمص. واليوم خرجت نساء بانياس في مظاهرة عظيمة، بارك الله في نساء البيضة وبانياس، أخوات ومعلّمات الرجال.

هذا أولاً، وثانياً فإن يوم غد سيكون ذا شأن لأنه يوم الاستقلال والجلاء، وقد صار الناس يحلُمون بالاستقلال الثاني، بل ربما لاحظتم أن كثيرين بدؤوا بإحياء علم الاستقلال (على الطريقة الليبية) واستعماله في صفحاتهم ومواقعهم. إذن لن يمرَّ هذا اليوم بسلام، ولا أستبعد أن يكون لتوقيت خطاب بشار الثاني علاقة بهذه الذكرى على أمل امتصاص وتفريغ الزخم المتوقع منها، لكن هذا “الأجدب” زاد الصعوبة على نفسه وعلى نظامه بخطابه السخيف، وهذا الخطاب ذاته صار سبباً إضافياً لاستمرار المظاهرات من اليوم إلى الجمعة.

السبب الرابع لا يقل أهمية عن أي من الأسباب السابقة: لقد جرب الناس الحرية وما عادوا يقبلون بها بديلاً، والتظاهر في الشوارع صار بالنسبة إليهم كالماء والهواء، لا يُستغنى عنه، فهل تتصورون أن يتركوا الشارع في يوم سبت أو أحد؟ إنهم لا يصبرون من جمعة إلى جمعة قطعاً. في يوم من أيام الثورة الأولى أدركوا شهيداً وهو يلفظ أنفاسه في درعا، ويبدو أن بعضهم كان ملتاعاً ومشفقاً، ولكن الشهيد طمأنهم وهو يجود بنفسه مودِّعاً الدنيا فقال: لا تأسفوا، لقد كانت هذه أجمل أربعة أيام في حياتي! رحمه الله، ويا لحَظّهم، ويا أسفاه علينا نحن الذين حُرمنا هذه السعادة!

*   *   *

(2) بدأت الانتفاضة في الوصول إلى الجامعات في كبرى المدن، دمشق وحلب، وهو تطور مَرَّ بسرعة ولم يُمنَح ما يستحقه من الاهتمام، مع أنه يمكن أن لا يقل في أهميته عن انفجار الثورة الأول في درعا قبل شهر.

لا تنسوا أن الشباب الجامعي هم الوقود التقليدي للثورات والانتفاضات بسبب سرعة الاستجابة (لأنهم شبان مندفعون متحمسون) وسهولة التنظيم (لأنهم مجمَّعون أصلاً بعشرات الألوف في مواقع جغرافية مركَّزة)، وقد تكون الجامعات -بالتالي- هي النقطة المُثلى لاختراق الحصار المفروض على العاصمتين: دمشق وحلب، إلا إذا لجأت السلطة إلى إجراء شاذ وهو إغلاق الجامعات وتعليق الدراسة، وهو أمر يمكن أن تلجأ إليه إذا انفجرت الجامعات وخرجت عن سيطرة أجهزة الأمن.

(3) بدأت بالظهور بشكل متكرر حالاتُ عصيان وتمرد في الجيش، سببها رفض المجنَّدين إطلاق النار على المتظاهرين، وقد علمنا بقتل ضابط كبير من حلب اسمه رامي قطاش أُعدم هو وعشرة من جنوده في اللاذقية، وعسكري من مضايا اسمه مراد الحجو أعدم في بانياس، وعسكري من تدمر اسمه محمد عوض القنبر أعدم في درعا، وعسكري اسمه محمد موسى الجرّاد من الحارّة (حوران) أعدم في بانياس.

ومع نهاية جمعة الإصرار وصلت أخبار من درعا تتحدث عن شبه تمرد في وحدة عسكرية صغيرة: “قامت مجموعة من جيشنا البطل في درعا بالهتاف: الجيش يريد إسقاط النظام، وتحاول المخابرات العسكرية والشرطة العسكرية تدارك الموقف”، ومن الشيخ مسكين: “الشرطة العسكرية في الشيخ مسكين تقتاد العشرات من الضباط والجنود بسبب انشقاقهم ورفضهم الأوامر بإطلاق النار على المتظاهرين”.

وقبل بضعة أيام نُشر خبر عن “اشتباكات عنيفة في بانياس بين الجيش السوري من جهة وقوات المخابرات والأمن وشبيحة الأسد من جهة أخرى، وقد تم تدمير دبابتين وقُتل عناصر من الجيش حينما أطلق الأمن والشبيحة قذائف آر بي جي على الجيش”. وفي اليوم التالي ذكرت صحيفة الغارديان “أن شهود عيان زعموا أن قوات الأمن السورية قتلت جنوداً بعد أن رفضوا إطلاق النار على المتظاهرين في مدينة بانياس الساحلية”، وأشارت الصحيفة إلى أن “علامات الانشقاق تثير قلق النظام السوري”.

ربما كانت هذه الأخبار مبالَغاً فيها ومحدودة في عددها، لكن المؤكد أن التململ يزداد داخل الجيش، ومع تضاعف أعداد ضباط الألوية والكتائب من السُّنّة خلال السنوات العشر الأخيرة صار الجيشُ غيرَ مضمون الولاء تماماً كما كان في الماضي، فإذا ما تكررت حوادث العصيان ورفض تنفيذ الأوامر القاضية بإطلاق النار على المواطنين العزّل (وهو أمر متوقَّع جداً) فسوف نصل إلى مصير كنا مستعدين لدفع الكثير للوصول إليه، وهو “تحييد الجيش”. ففي اللحظة التي تغلب فيها مظنّة انقلاب الجيش أو تمرده فسوف يسحبه النظام بعيداً عن المدن، ولكن قد تبقى بعض القطعات الشديدة الولاء، كالقوات الخاصة والفرقة الرابعة التي يقودها ماهر الأسد.

(4) انتشرت في الأسبوع الأخير بشكل صارخ أعمال تمزيق صور الأسدين الصغير والكبير وتحطيم أصنامهما في كل أنحاء سوريا، وأمس بالذات وُلد مصطلح جديد في هذه الثورة هو “التطهير” (أو التنظيف) كنايةً عن هذه الممارسة، ووصلت حِدّة هذه الحملة لدرجة أن مجموعة خاصة من عناصر المخابرات فُرِّغت لحراسة صنم الأسد في حماة أمس الجمعة لحمايته من الإهانة والتكسير، ومثلها في حمص: “أخبار مؤكدة, شاهد عيان: أكثر من 100 واحد مسلحين ومحاوطين تمثال الصنم الأب بحمص عند دوار الرئيس مدخل دمشق”! وقد رأيتم بالتأكيد صور تحطيم وحرق أكبر أصنام الأسد في سوريا في الرستن، وكذلك انتشرت في المواقع والصفحات أمس عشرات المقاطع المصورة لتكسير وتمزيق وتحريق صور وتماثيل… ما أكثرَها!

هذه الممارسة على الأرض لها بعد رمزي كبير، فمنذ اللحظة التي حطم الناس فيها الصنمَ وداسوا على رأسه بأقدامهم قضوا على أي احتمال في بقاء صاحبه في الحكم. إنه طريق ذو اتجاه واحد، وأكبر سماته وخصائصه سقوط حاجز الخوف إلى الأبد.

(5) النظام السوري الجبار الذي أذاق الشعب المُرّ والأمَرّ في نصف قرن، النظام الذي كان والدُ الواحد من ضحاياه يستجدي المسؤولين ويقبّل أحذيتهم ليخبروه أحَيٌّ ابنُه أم ميت، ثم يركلونه بالحذاء على قفاه ولا يتنازلون بالجواب! النظام الذي كان لا يقبل أن ينظر في استعطاف ولا استرحام، وهو أصلاً لا يعرف العطف ولا يعرف الرحمة، هذا النظام صنع في الأسبوع الأخير ما يلي:

(أ) اعتقل رجالَ البيضة وشبابها، وماذا كان يدور في باله عندئذ؟ آه، بالتأكيد سوف يُصاب بالذعر أهالي سائر القرى والمدن في سوريا ولن يجرؤ أحد على معارضتنا بعد اليوم، فهذا ما كان يحصل في الماضي، أليس كذلك؟ ولكن لا، لقد اختلف الزمان يا سادة واختلف الناس، ولقد رأيتم نساء البيضة وأطفالها يخرجون فيتظاهرون ويغلقون الطرق السريعة، فما مضى يوم حتى أطلق النظام سراح الرجال والشباب. يا جماعة تأملوا هذا المشهد العجيب: هذا النظام هو نفسه الذي قال لأهل درعا قبل أربعين يوماً: انسوا أولادكم وخلِّفوا غيرهم! هو نفسه، هل تصدقون؟!

(ب) اعتقلت السلطات قبل أيام أربعة أطباء، فاعتصم مئتا طبيب في مستشفى المواساة، فما لبث الأطباء الأربعة أن أُطلق سراحهم على الفور. مرة أخرى: تذكروا أن الذي اعتَقل والذي سرَّح هو نفسه الذي اعتقل مَن احتجّ على اعتقال أصحاب إعلان ربيع دمشق قبل سنوات، ثم لم يُبالِ أن يرميهم خلف الشمس سنوات، فقط لأنهم اعترضوا على اعتقال زملائهم!

(6) لاحظت أنا شخصياً خلال الأسبوع الأخير أن المعلقين الحكوميين والعملاء الذين تتصل بهم الفضائيات، ولا سيما الجزيرة والعربية، أنهم صاروا عصبيين وغير موفَّقين في أجوبتهم، وكثيراً ما “تخانقوا” مع المذيعين الذين يستقبلونهم. ألم تشاهدوا تخريفات طالب إبراهيم وهذيان خالد عبود (الشهير بخالد مربَّعات)؟ لقد صارت مقابلاتهم مع الجزيرة والعربية والبي بي سي فقرات هزلية تثير الكثير من الضحك!

لعل أحد سببَي هذا الاضطراب وانعدام التوفيق أنهم فقدوا الشعور بالأمان بسبب ما حدث مع سميرة مسالمة التي لم تَقِلَّ عن أي منهم نذالة وعمالة، إلا أنها خرجت عن النص ببضع كلمات فاستحقت الطرد و”الشنق المِهَني”، وبالتالي فلا أحد منهم في مأمن من مواجهة مصير مشابه لو أنه زَلّ في حرف أو غيّر كلمة بكلمة. السبب الثاني أنهم صاروا أكثر ضعفاً وانفضاحاً مع انتشار ذلك العدد الهائل من المقاطع المسجلة لجرائم النظام، وآخرها ذلك المقطع الذي يستحق مَن صوّره ونشره الشكر (وهو منهم عليه وعليهم لعنة الله)، المقطع الذي انتشر في كل العالَم وهو يصور عصابات النظام تركل وترفس شباناً مدنيين اقتيدوا من بيوتهم بغير ذنب. وليس أقل من هذا المشهد نفعاً للقضية ذلك الآخَر الذي صوّرَ الشهيد الدرعاوي حين تكالبوا عليه بالعصي ثم سحلوه. فأما هو فلن يضير الشاةَ سلخُها بعد ذبحها (كما قالت أسماء في ابنها عبد الله رضي الله عنهما)، عليه رحمة الله، وأما الثورة فقد كسبت من هذا المشهد الذي استمرت كل فضائيات الدنيا بإذاعته لمدة أسبوع أو أكثر، كسبت كسباً هائلاً بمقدار الخسارة الهائلة للنظام.

(7) أخيرت تناقلت المواقع الإخبارية المحلية والعالمية قبل أيام خبراً يقول إن النظام السوري بدأ بحرق وثائق ذات علاقة بحربَي سبعة وستين وثلاثة وسبعين، ومغزى هذا العمل لا يغفل عنه ذو بصيرة، فقد أزفت ساعة الحساب!

*   *   *

هذا ما كان بين الجمعتين، أما الجمعة الأخيرة فهذه خلاصة أحداثها العظيمة:

(1) بدأ الخناق يضيق على دمشق، فقد استمرت المظاهرات في دوما وحرستا وسقبا وزملكا وجوبر وعربين ومعربا في الغوطة، وفي داريا والمعضمية والتل والكسوة والزبداني حول دمشق وبالقرب منها، وفي بعض أحياء دمشق نفسها: برزة وركن الدين (الذي يغلب الأكراد على ساكنيه)، ثم كانت تلك المسيرة العظيمة إلى ساحة العباسيين، وهي -بنظري- أعظم تطور شهدته الثورة في جمعة الإصرار.

(2) حوران تصرفت كدولة مستقلة، فقد انسحب الأمن من درعا نفسها وفك الاشتباك مع أكثر بلدات وقرى حوران، وهكذا استطعنا أن نشاهد احتفالات واعتصامات وخطباً ومسيرات هنا وهناك، ويبدو أن المنطقة قد نُظفت بالكامل من رموز النظام (الصور والتماثيل). المظاهرات والفعاليات شملت درعا وإنخل وجاسم والحراك ونوى وتسيل ونمر والحارّة وإزرع وخربة غزالة ومحجة والصورة وداعل وإبطع وكناكر، وورد خبر لم أتوثق منه بصورة قطعية عن سقوط شهيد واحد في الشيخ مسكين.

(3) السويداء شاركت بمظاهرات حقيقية للمرة الأولى، وهذا هو أول تحرك حقيقي للدروز بعد اعتصامات شكلية سابقة بعضها كان ليلياً بالشموع، وقد سمعت في اتصال مع الفضائية الفرنسية في المساء أن رجلاً من عشيرة الأطرش سقط قتيلاً برصاص قنّاص، وأرجو أن تثير هذه الحادثة -إنْ صَحَّت- جبل العرب وتحركه ليشارك في الانتفاضة بقوة كاملة.

(4) حمص كانت نجمة الحفلة بامتياز، فقد ثابرت على التظاهر أيام الأسبوع كلها ثم انفجرت بالكامل في جمعة الإصرار. أنا لا أعرف جغرافية حمص ولكني سأذكر أسماء الأحياء التي كانت ثائرة أمس، ويبدو أن المدينة كلها وقراها كانت في ثورة عارمة: الحميدية، باب تدمر، باب السباع، باب الدريب، البياضة، الخالدية، السبيل، كرم الشامي، بابا عمرو، الوعر. وقرى وبلدات حمص: كفرلاها وتلدهب وتلدو وتلبيسة، وصولاً إلى تلكلخ غرباً والرستن شمالاً. بارك الله في حمص وفي أهل حمص، وكما قلنا في رجال حوران والغوطة من قبل: لا عليكم ما فعلتم بعد اليوم!

(5) وإلى الشمال من حمص نصل إلى حماة التي سارت فيها مظاهرات صاخبة، وأيضاً في قلعة المضيق وفي السلمية ومعرة النعمان وجرجناز وكفر نبل وسرمين وسراقب من أعمال إدلب.

(6) لعل النظام المجرم كان يتوقع أن يخمد الساحل أخيراً بعد الضرب والاعتقال والتنكيل والحصار، ولكن مدن الساحل فاجأت النظام وفاجأتنا وفاجأت نفسها بثورة أكبر من ثورة الأسبوع الماضي وثبات أعظم، واستمرت الانتفاضة بقوتها في اللاذقية التي سقط فيها شهيدان على الأقل، وفي بانياس وجبلة وطرطوس، واستمرت المظاهرات والاعتصامات إلى الليل.

(7) الحركة في مناطق الأكراد ازدادت اتساعاً وانتشاراً وشملت القامشلي وعامودا والدرباسية وديريك وعفرين ورأس العين. وإلى الجنوب على الفرات وصلت المظاهرات إلى الطبقة والثورة شرق الرقة، وإلى البوكمال جنوباً، كما كانت دير الزور مشتعلة وفيها سقط أول شهيد في جمعة الإصرار.

(8) كالعادة دخلت إلى المسرح في هذا الأسبوع أسماء جديدة مثل الضمير (شرق دوما) وتدمر (بقيت هادئة حتى قتلوا أحد أبنائها من المجندين كما قرأتم قبل قليل، فثارت وتظاهرت في تشييع جثمانه) والرستن (شمال حمص) وسرمين (من قرى إدلب)، لكن تبقى الأكثر أهمية ورمزية هي حلب وجسر الشغور، ولدخولهما إلى مسرح الأحداث قيمة معنوية ودلالة على كسر حاجز الخوف، وهو الحاجز الكبير الذي بدأت حماة بتخطيه قبل أسبوعين، وأطراف حلب في الأسبوع الماضي، وحلب نفسها وجسر الشغور أمس. هذه هي المواقع التي شهدت أكبر مذابح النظام الهمجي قبل ثلاثة عقود، ولا ريب أن الظلال الكئيبة الثقيلة لتلك المذابح قد دخلت في نسيج عقول الناس ونفوسهم ولم يكن سهلاً التمرد عليها والانعتاق منها، لذلك أقول إن انضمام حماة وحلب وجسر الشغور إلى الثورة قد يكون أهمَّ حدث فيها بعد انفجارها الأول في حوران.

(9) لاحظنا في هذه الجمعة أمراً مهماً بدأ بداية متواضعة في الأسابيع الماضية وزاد زيادة كبيرة في هذه الجمعة، وهو الانتقال والزحف من بلدة إلى بلدة ومن قرية إلى قرية، فقد زحف أهل كفرنبل إلى المعرة، وأهل أبطع إلى داعل، والسهوة وصيدا والطيبة وأم الميادين والكرك الشرقي إلى درعا، وقد قرأتم في الرسالة السابقة وصف المسيرة الكبرى من دوما إلى حرستا وعربين وزملكا وجوبر ثم إلى دمشق. إن الكثافة الكبيرة للمراكز السكانية في حوران والغوطة ومنطقة الوسط (حمص-حماة-المعرة-إدلب) لا بد أن تشجع مثل تلك المسيرات في الأيام القادمة، وسينتج عنها تشتيت إضافي لقوات أمنية تعاني أصلاً من التشتت والارتباك.

أخيراً لعلكم لاحظتم أن الضغط على الثورة قد خَفَّ بدرجة ملحوظة أمس، فما السبب؟ قبل يوم واحد تلقى النظام تحذيراً واضحاً على لسان وزيرة الخارجية الأميركية وطلباً صريحاً بالسماح للناس بالتظاهر السلمي الآمن، ومعه تحذير شديد اللهجة من السناتور الديمقراطي جون كيري (الوثيق الصلة بالرئيس الأسد) يحذّر من استعمال العنف ضد المحتجين السلميين. هل لهذه التحذيرات علاقة بوداعة النظام في مقابَلة مظاهرات الجمعة؟ ربما، فهذه الأنظمة أثبتت لنا دائماً أنها آساد على شعوبها فئران أمام أعدائها، وما خبر القذافي عنا ببعيد. وربما كان السبب هو إعداد المسرح لخطاب بشار، وربما كان السبب ارتباك النظام وهو يعيد توزيع قواته وكتائبه، فقد سحب الفرقة الرابعة من حوران (أو جزءاً منها على الأقل) ونقلها إلى اللاذقية وبانياس، ويبدو أنه يركز الحرس الجمهوري في العاصمة مع تزايد الخطر عليها. يمكننا أن نتصور مدى الارتباك والاضطراب الذي سيطر على المؤسسة الأمنية وهي تنظر إلى خريطة القطر السوري وتقول: لنرسل القوات إلى حوران ودرعا… لا، يبدو أن اللاذقية وبانياس وجبلة أكثر اضطراباً… لا، بل حمص وحماة… لكن ألا ترون حلب وقد تحركت؟ وماذا عن دمشق؟

هل تظنون أن ما تملكه الدولة من قوات أمنية يكفي لقطر كامل منتفض؟ الجواب: لا، تماماً كما أن جيش الدولة لا يستطيع أن يحمي حدود بلد كامل يتعرض لحرب وهجوم من كل جهة، لذلك تُهادن الدولُ بعضَ أعدائها حينما تنشغل بحرب بعض، ولذلك أيضاً تحاول الدولة أن تقضي على أي انتفاضة في أي موقع داخل الدولة حتى تتفرغ لموقع آخر، فكيف إذا ثارت بقاع الدولة كلها معاً؟ على النظام السلام.

*   *   *

أخيراً وفي الختام: كم شخصاً خرجوا إلى الشوارع أمس؟ درعا فيها مئة وخمسون ألف شخص، ويبدو أنهم خرجوا كلهم إلى الشوارع! حوران كلها فيها مليون ومئة ألف، هل نبالغ لو قلنا إن واحداً من كل أربعة كان في الشارع؟ وربما خرج في الغوطة وريف دمشق مئة ألف، وعشرات الألوف في حمص وحماة والقامشلي وحلب واللاذقية وبانياس والدير وسائر المدن، وإذن فقد لا نبتعد عن التقدير الدقيق لو قلنا إن نصف مليون سوري شاركوا في جمعة الإصرار.

كما قلت لكم من قبل: (1) لم يحصل في ماضي سوريا قط أن خرج مثل هذا العدد في كل هذه المدن غاضباً ثائراً على حكومته، وهذه حقيقة تاريخية، (2) ولا يمكن أبداً أن تحتمل أي دولة مثل هذا الضغط لمدة طويلة،وهذه حقيقة علمية؛ وعليه: فلو زاد عدد المنتفضين إلى مليون، أي لو أن شخصاً واحداً فقط من كل عشرين من السوريين كان في الشوارع، واستمر زخم الانتفاضة بهذا الحجم أسبوعاً بعد أسبوع، فسوف يكون النظام السوري بعد ثلاثة أشهر كالنظام اليمني اليوم: نظاماً مترنحاً يبحث عن مخرج ويستجدي الوساطات للنجاة.

*   *   *

لمّا خرج بشار على الناس في خطبته الأولى لاحظ الناس أنه قد حلق شاربيه، فعلقوا قائلين: منذ الاستقلال لم يحكم سوريا رئيسٌ بلا شنب! ويومئذ قرروا عزله.

هذا المنشور نشر في رسائل الثورة. حفظ الرابط الثابت.

التعليقات

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s