لن تهزم أمة فيها هؤلاء

الثورة السورية: خواطر ومشاعر (1)

21 نيسان 2011

لن تُهزَم أمة فيها هؤلاء

(1 من 2)

مجاهد مأمون ديرانية

شاهدت وشاهد الملايين معي المقطعَ المصوَّر الذي انتشر في الشبكة وفي الفضائيات العربية والأجنبية، ذلك الذي يصوّر شبّانَ البيضا وقد بُطحوا على الأرض على وجوههم فيما راح رجال النظام المسلحين يطؤونهم بالبساطير ويضربون رؤوسهم وأجسامهم بالعصيّ والأيدي والأرجل. لم أشاهده مرة ولا مرتين، بل عشراً وعشرين، ليس فقط لأنه ما زال يُعرَض على الشاشات ويُعرَض، بل لأني لم أكتفِ من المشاهَدة الواحدة ولا العشر، ولا شبعت ولا ارتويت.

لقد أدمنت مشاهدةَ هذا المقطع لأستمد منه الشجاعة والثبات، فقد أذهلتني شجاعة هؤلاء الشبان وأطربتني بسالتهم؛ الواحد الأعزل المشدودُ الوَثاق منهم يتناوله بالضرب والإيذاء الجماعةُ من الرجال الأشداء المدججين بالسلاح، المدجَّجين حقيقةً لا على سبيل المجاز، وهو، هذا الأعزل البطل، يتلقى الضرب صامتاً رابط الجأش، لا يتأوه ولا يشكو ولا يرجو، ثم يقوم متعثراً بوثاقه ولكنه مرفوع الرأس شامخ الإرادة، ويتلقى الضربة من بندقية هذا ومن كفّ ذاك، وقد يترنح، ولكنه لا يسقط، بل يمضي بينهم بكل العزم والثبات.

تخيلت لو أني كنا واحداً من هؤلاء الشبان الأبطال، ماذا كنت أصنع؟ لعل صوتي كان سيعلو بالتأوه والنحيب، لعلي كنت سأرجو المعتدين ليَعْفوا عني ويكفّوا، أو ليخففوا بطشهم على الأقل… ربما صنعت أي شيء مما يصنعه امرؤ فَزِعٌ جَزِعٌ مرعوب، ولكنهم هم لم يصنعوا أي شيء من ذلك كله، ولم يسجَّل في سجلهم إلا البسالة والكرامة والكبرياء.

إننا نتعلم منكم اليومَ الشجاعةَ يا شباب سوريا، أما كيف استطعتم أن تقهروا في لحظة واحدة خوفَ السنين الطوال فلُغزٌ لا أعرف جوابه! أحسّ أني -لو كنت بينكم- لاحتجت إلى “إعادة تدوير” خمس مرات، أموت وأحيا ثم أموت وأحيا من جديد، حتى أغتسل من خوف وُلدت فيه وعشت عمري كلَّه في ظله، لكنكم أنتم نفضتموه عنكم بطرفة عين. كيف كان ذلك؟ إنها معجزة ستدوَّن في تاريخ سوريا ولن تنساها الأجيال الآتيات.

بوركتم يا شباب البيضا، بوركتم يا شباب بانياس واللاذقية، بوركتم يا شباب حمص والغوطة وحوران، بوركتم يا شباب سوريا، ولن يُهزَم شعب فيه مثل هؤلاء الرجال.

الثورة السورية: خواطر ومشاعر (2)

21 نيسان 2011

لن تُهزَم أمة فيها هؤلاء

(2 من 2)

مجاهد مأمون ديرانية

ما كدت أشبع من مشاهدة الفلم الأول الذي صوّر شبّانَ البيضا الأبطال، أولئك الذين علّمونا في مشهد طوله ثلاث دقائق كيف ينتصر الشابُّ الأعزل المجرد على صناديد الرجال المسلحين… لم أكد أنتهي منه حتى وصل الفلم الثاني، وهو يصوّر هذه المرة نساء البيضا وبانياس.

النساء اللائي كان يُنتظَر منهن أن ينكفئن إلى بيوتهن فيغلقنَ عليهن وعلى أطفالهن أبوابها والشبابيك، ثم يلتفِفْنَ برداء الذعر والخوف والهلع. أليس هذا ما ستفعله نسوةٌ اعتقل العدوُّ المتجبّر المتكبّر رجالَهن وشبّانَهن؟ ولكن لا، إنه ليس ما ستفعله اليوم لَبُؤاتُ البيضا! لقد أغلقن أبواب بيوتهن، ولكنْ من خارجها لا من داخلها، ثم مَضَينَ إلى الطريق في مسيرة مهيبة، يرفعن أصواتهن مطالِبات بذهاب قوم وعودة آخرين، عودة رجال البيضا وذهاب رجال النظام!

أقسم إن قلبي قد ارتجف بين أضلعي وأنا أرى حرائر البيضا يفعلن ما يعجز وما يجبُن عن فعله كثيرٌ من الرجال، ثم ازداد عجبي وطربي وأنا أرى نساء بانياس يجتمعن في مشهد حافل متضامنات مع الجارات في البيضا، فيقطعن الطريق… الطريق الدولي الذي يصل بين المدن يا سادة، لا طريق ضَيعة من الطرق الصغيرة الفرعية التي لا تكاد تمشي فيها السيارات. لقد رفعتنّ رؤوسَ الأمة يا نساء البيضا ويا نساء بانياس، ولا عليكنّ أنْ رفعتن أيضاً ضغط “المعلّم” (الذي لم يجدوا خيراً منه لوزارة الخارجية، فصمَّغوه في كرسيّها ليثبت عليه وزارةً بعد وزارة) ارتفع ضغطه وارتفعت نبرته وهو يجعجع هاتفاً: لن نسمح بقطع الطرق بعد اليوم… قطع الله لسانك يا معلم، وزادكنّ الله ثباتاً وفَخاراً يا حرائر الوطن!

ثم ما لبثنا أن وصلنا إلى لقطة الختام الرائعة العظيمة في مسلسل “ثورة الحرائر”، حينما اجتمعت نساء بانياس كما تجتمع النساء في الاحتفالات والأعراس، ولكنْ لا ليباركنَ لوالدة ولا ليغنّين لعروس، بل ليهتفن للحرية وللوطن، ولترتفع هتافاتهن إلى السماء وهن ينادين: الشعب يريد إسقاط النظام!

بوركتنّ يا حرائر البيضا، بوركتنّ يا حرائر بانياس وجبلة واللاذقية، بوركتنّ يا حرائر حمص والغوطة وحوران، بوركتنّ يا حرائر سوريا، ولن يُهزَم شعب فيه مثل هؤلاء النساء.

هذا المنشور نشر في خواطر ومشاعر. حفظ الرابط الثابت.

رد واحد على لن تهزم أمة فيها هؤلاء

  1. يقول دندنة شامية:

    هم أنفسهم لا يلعمون سبب هذا الثبات والشجاعة، فيوقنون أنه من عند الله يقذفه في قلوبهم في حينها.

التعليقات

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s