الجمعة العظيمة: جمعة الدم

رسائل الثورة السورية المباركة (10)

السبت 23 نيسان 2011

الجمعة العظيمة: جمعة الدم

مجاهد مأمون ديرانية

بعدما أمضيت ساعات طويلة في تجميع الحكاية الكاملة لأحداث “جمعة الدم” عثرت على ملخص لها، فندمت على تضييع الوقت في البحث في المواقع والصفحات وتجميع خيوط الحكاية من هنا وهناك. هذا الملخص الوافي الكافي بثَّتْهُ وكالة الأنباء السورية (سانا) في المساء، وهذا نصه: “سانا: خرجت يوم الجمعة تجمعات محدودة في عدد من المحافظات”.

لكن ما دمت قد تعبت في تجميع التفاصيل فلا بأس أن أعرضها عليكم (رغم أننا لم نعد بحاجة إليها بعد تلخيص “سانا” الدقيق للأحداث)، فماذا حصل أمس؟ هذا هو الجواب، مع ملاحظة أن ما أقدمه هنا هو أقرب الصور إلى الحقيقة الكاملة وليس كل الحقيقة، لأن أخباراً ومقاطع مصورة جديدة ما زالت تتوارد حتى الساعة:

أولى الأخبار وصولاً كانت عن مظاهرات إخوتنا الأكراد، وقد امتدت من أقصى شمال شرق سوريا إلى الغرب، فشملت القامشلي وعامودا والدرباسية ورأس العين وعين العرب، وصولاً إلى جرابُلس على الفرات، ومعها الحسكة (التي تضم خليطاً من الأكراد والعرب والآشوريين والسريان والكلدان والأرمن واليزيديين).

بعد ذلك بدأت الأخبار تنهمر مثل المطر، مخبرةً بخروج المظاهرات هنا وهناك من شرق سوريا إلى غربها ومن شمالها إلى جنوبها، في انتشار مذهل غير مسبوق وفي كثافة وضخامة تجاوزت كل التوقعات، ثم بدأت بالوصول أخبارُ القتل والمجازر التي يرتكبها الأمن في محاولته اليائسة لوقف الطوفان البشري الهادر الذي اجتاح سوريا. وإليكم الخلاصة حسب التوزيع الجغرافي (مع ذكر الأعداد المؤكدة للشهداء، وهم مئة وستة عشر شهيداً، مع العلم بأن هذه المحصلة مرشَّحة للارتفاع بسبب العدد الكبير من الجرحى الذين يعاني كثيرٌ منهم من إصابات خطيرة، وبسبب عدم اكتمال المعلومات حتى الآن، ولن نفاجَأ إذا وصلت إلى مئتين أو مئتين وخمسين):

دمشق وريفها: المحصلة الأكيدة هي اثنان وخمسون شهيداً على الأقل:

دمشق: الميدان (1)، الزبلطاني (1)، القابون (4)، برزة (4)، برزة البلد، جوبر (2)، القدم، الحجر الأسود (5). ريف دمشق: دوما (9)، حرستا (5)، زملكا (5)، سقبا، عربين، الضمير، جيرود، يبرود، التل، رنكوس، الحجيرة، السيدة زينب، الكسوة، داريا (4)، المعضمية (9)، جديدة عرطوز، قطنا، عين الفيجة، سوق وادي بردى، مضايا، بقين، الزبداني (1)، عين حور (1)، سرغايا (1).

حوران: المحصلة الأكيدة هي ثلاثة وثلاثون شهيداً على الأقل:

المجزرة الكبرى لهذا الأسبوع كانت في إزرع (31 شهيداً)، وسقط في الحراك شهيد من المليحة الغربية، وشهيد في الشيخ مسكين. أما بقية مدن حوران فقد شهدت مظاهرات صاخبة ومسيرات ومهرجانات خطابية مرت كلها في جو من الحماسة والأمان، وكأن حوران تعيش في عصر الاستقلال الجديد.

حمص وريفها: المحصلة الأكيدة هي سبعة وعشرون شهيداً على الأقل:

حمص (17)، تلدو (4)، تلذهب (2)، كفرلاها (2)، الغنطو، تلبيسة، الرستن، القصير (2)، تلكلخ.

الوسط والشمال والساحل: خمسة شهداء

حماة، السلمية، طيبة الإمام، صوران، خان شيخون، معرة النعمان، جرجناز، كفرنبل، الغدفة، أريحا، سراقب، جسر الشغور، إدلب، بنش، معرة مصرين، حلب، منبج، طرطوس، بانياس، جبلة، اللاذقية (5)، الحفة.

الفرات (من الجنوب إلى الشمال):

البوكمال، الميادين، دير الزور، الرقة، الطبقة (الثورة). وأخيراً تدمر التي أبى النظام أن يتركها هادئة وعزّ عليه أن تتخلف عن سائر مدن البلاد الثائرة، فقتل أحدَ أبنائها من العسكريين، وهو النقيب عمر إبراهيم الكناوي، ثم سلّم جثمانَه لأبيه وعمه (وهما أيضاً ضابطان في الجيش السوري) زاعماً أن عصابة مسلحة قتلته! والذي حدث بعد ذلك أن عمه وقف في وسط المقبرة وصاح هاتفاً: لقد قتلَتْ ابنَ أخي عصابةٌ مسلحة قائدها بشار الأسد! فخرجت حشود قُدِّرت بأربعة آلاف في مظاهرة صاخبة تمزق صور الرئيس وتهتف بإسقاط النظام.

*   *   *

إذن يمكننا أن نقول إن سوريا كانت تشتعل كلها يوم أمس، الذي بدأ باسم “الجمعة العظيمة” في أول النهار، ثم استحق اسم “جمعة الدم” في آخره. وقد ضربَت أعدادُ المتظاهرين أرقاماً قياسية وقدمت صوراً مهولة مؤثرة في كثير من المدن، كما في درعا وجاسم ونوى وسواها من مدن حوران، وفي مدن الفرات: دير الزور والميادين والبوكمال، وفي حماة والرستن وسراقب وبانياس. أما أهل حماة فتفوّقوا على أنفسهم حينما رفعوا لافتات كتبوا عليها: “حماة مستعدة لتقديم سبعين ألف شهيد آخر”، فبارك الله فيكم يا أسود حماة، يا مَن سيسّجل لكم تاريخ سوريا أنكم أول من دفع ثمن الاستقلال الجديد، حين سقيتم ترابَ الوطن بدماء عشرات الآلاف من الشهداء، ثم عدتم اليوم لترووه بالمزيد.

أما حمص فقد كتبت صفحةً جديدة في سجلّ المجد وقدمت قافلة أخرى من الشهداء. ولا بد أن تنجلي المعمعة عن عدد أكبر مما نُشر حتى الآن لأن الحقائق لم تظهر كلها بعد، فقد رُويت شهادات متكررة من أهالي الإنشاءات والبياضة والخالدية والزهراء والحميدية عن سماعهم أصواتَ إطلاق نار، وذكروا أنهم كانوا يشاهدون من نوافذ منازلهم الجرحى والشهداء في الشوارع، بل روى شهودٌ أنهم شاهدوا الأمن والشبيحة وهم يقومون برمي سبعة شهداء في ساقية بحرة قطينة! كما نتوقع أن ترتفع حصيلة الشهداء في اللاذقية أيضاً بسبب ما ذُكر من خطف عدد من الجثث من المشافي ودفنها في مقابر جماعية.

وقد تكررت إلى درجة التواتر شهاداتٌ وردت من جميع أنحاء البلاد عن جرائم مروِّعة تتحدث عن اقتحام الأمن للمشافي واختطاف الجرحى والأموات، ويكاد يكون مؤكداً أن كثيراً من الشهداء قُتلوا غيلةً بدم بارد في المشافي أو بعد اختطافهم منها. بل إن سيارات الإسعاف نفسها صارت هدفاً للقصف والخطف، فقد نُقل عن شاهد عيان مساء أمس أن دورية أمن في حمص لحقت بسيارة إسعاف واعتقلت من كان فيها من الجرحى. وبلغت النذالة بتلك الأجهزة القمعية أنها تصادر جثث الشهداء وترفض تسليمها للأهالي إلا بعد أن يصرّح ذوو الشهيد للقناة الحكومية بأنه كان عضواً في عصابة إرهابية!

*   *   *

إن ما جرى في هذه الجمعة العظيمة، جمعة الدم، يستحق أن يُكتَب عنه الكثير، ولعل في مقاطع الفيديو التي انتشرت في الشبكة (وما زالت تتدفق عليها إلى اليوم) ما يصور الأحداث بأكثر مما تصورها الكلمات، لكنْ يبقى جزءٌ مهم من القصة لم يُروَ بعدُ على وجه الدقة رغم أهميته في مجرى الأحداث، وهو الجزء الذي يروي تفاصيل محاولات الزحف على ساحات دمشق.

كما توقعنا وكما توقع النظام فقد صارت دمشق وساحاتها هدفاً مهماً للثورة، ومن ثَم فلم يكن ممكناً أن يسمح جهاز الأمن القمعي بفتح الطرق إلى الساحات. منذ اليوم السابق، الخميس، نُشرت أنباء متكررة عن وجود عسكري مكثَّف في دمشق وانتشار قوات القمع حول المساجد في العاصمة، وروى شاهد عيان أن حواجز أمنية أقيمت بين الأحياء، قال: “وتم تفتيشي وفحص هويتي عند حاجز كفرسوسة، وطبعاً كانت كل الحواجز مسلحة”. وفي المساء وردت أخبار تفيد بأن سيارات كثيرة قادمة من حوران قد مُنعت من دخول العاصمة، ولا سيما التي كان أكثر ركابها من الرجال.

والآن هذا ما حصل: بعد صلاة الجمعة حاول حشد من المتظاهرين الوصول إلى ساحة العباسيين من جهة الزبلطاني (جنوب الساحة)، فواجهته أجهزة القمع بقنابل مسيلة للدموع وبالرصاص الحي، فسقط شهيد وتفرق الحشد. كما حاولت مظاهرات أخرى التوجه إلى الساحة من حي برزة والقابون وبرزة البلد، فقُمعت بشدّة بالرصاص الحي، فسقط شهيدان في برزة وأربعة في القابون. ومع العصر كان الضغط على برزة يشتدّ وتساقط عدد من الجرحى، وفي ذلك الوقت وصلت مظاهرة حاشدة قادمة من التل كان هدفها ساحة العباسيين أيضاً، فاشتبك أبطال التل مع الأمن ونجحوا في إنقاذ بعض الجرحى من أهل برزة وسحبوهم إلى مشفى الزهراء في التل. وحين حاول الأمن الوصول إلى المشفى لاعتقال الجرحى (كالعادة) قام رجال التل ببناء جدار بشري حول المشفى ونجحوا في قطع الطريق على رجال الأمن، وكان آخر ما عثرت عليه من أخبار -في نحو العاشرة ليلاً- يتحدث عن وصول عدة حافلات معبأة برجال الأمن، مع انتشار رسائل من أهالي التل يستغيثون فيها ويطلبون النجدة من أهالي المناطق المجاورة، ويحمّلون الحكومة أي أذى يصيب الشبّان المرابطين أمام مشفى الزهراء، ولا أعلم ما حدث بعد ذلك، فرّج الله عنهم وجزاهم على نخوتهم ونجدتهم أبلغ الجزاء.

المحاولة الثانية للوصول إلى دمشق كانت من جهة الغرب، من جهة وادي الزبداني ووادي بردى، وقد نُشرت أولى أخبارها قُبيل منتصف الليل في صفحة “ثورة شباب شمال ريف دمشق” في الفيسبوك. فقد خرجت عدة مظاهرات من مضايا وسرغايا وبقين والزبداني، والتقت جميعها في ساحة المحطة في الزبداني حيث اشتبكت مع الأمن وسقط عدد من الشهداء. المظاهرة الثانية انطلقت من بلدة عين الفيجة بعد صلاة الجمعة حينما تجمع حشد كبير انطلق من ساحة البلدة ، وبعد اجتماع معظم أهالي البلدة في الساحة انطلقت مظاهرة تنادي بإسقاط النظام وجابت نواحي البلدة، ثم توافدت على البلدة مظاهراتٌ مشابهة قادمة من قرى وادي بردى (دير مقرن ودير قانون وكفير الزيت والحسينية وسوق وادي بردى)، فاجتمعت كلها في ساحة عين الفيجة، ثم انطلقت باتجاه دمشق عبر باقي قرى وادي بردى، إلا أن تلك المظاهرة الحاشدة لم تستطع اختراق الحواجز العسكرية التي أغلقت كل منافذ الوادي باتجاه العاصمة، وكانت تضم دبابات وتشكيلات من الفرقة الرابعة وعناصرَ من الأمن العسكري كما أفاد شهود من المشاركين فيها.

ما سبق كان وصفاً موجزاً لأهم أحداث “جمعة الدم العظيمة”، ويبقى السؤال المهم الذي بات الكثيرون يرددونه الآن: وماذا بعد؟ وهذا جوابه في الرسالة الآتية التي أرجو أن تصلكم غداً بإذن الله.

*   *   *

 

ملحق: وصف شاهد عيان لمظاهرات القابون، وقد أوردتها هنا كما هي بعاميتها وبأخطائها الإملائية والنحوية، لتكون شهادة صادقة على ما جرى:

بعد الصلاة طلعوا بعدد حوالي ال600 وبلشو يزيدو. بما أن القابون اذا اتجهت عالشرق بتوصل لاتستراد حرستا نزلت العالم لهداك الاتجاه، نزلو عم يصحيوا “الشعب يريد اسقاط النظام”. انزلت معون أنا. قطعو الاتستراد، وصلو لشركة معروفة بالخماسية في إدامها ثكنة عسكرية ودائرة لها علاقة بالمركبات تبع الجيش صيانة وهلقصص. طلع من الثكنة حوالي 50 جندي مع كلاشينكوفات وبلشو يرشو. المتظاهرين ضغري هربو. ما انصاب حدا منون أول شي لأنو الثكنة صايرة بعد مفرق، وكل العالم ضغري بعد30 مترصارت برا مرمى الجيش. بعّدت العالم وأنا شفت إطلاق النار ما كان بالهوا كان مباشر، التراب نفر من الأرض. وشفت بعني قنبلتين مسيلات للدموع. هلأ هاد الحكي بعد الاتستراد بشي100 متر. هربت العالم لترجع علاتستراد وبعدين ترجع تفوت علقابون. خلال الوقت اللي العالم هربت من قبل الثكنة لعند الاتستراد هدي الضرب شوي، لما هربت العالم وقطعت الاتستراد بلشت توصل هي العالم القرف اللي مدري من وين جايبينون بباصات نقل داخلي وغالبيتون مسلحين، وهون بلش إطلاق وكأنو جبهة ومباشر. في عدة فيديوهات عشبكة شام، أكتر واحد بيمثل الوضع هاد اللي بيكون فيه شهيد ورا شجرة ومو قدرانين يسحبوه. كل الحكي هاد بكفة والشي اللي حقلك ياه بكفة تانية: في قناصين كانوا على الأبنية العالية. هلأ القابون منطقة مخالفات، يعني أعلى بناية فيها 3-4 طوابق، وفيها بنايات نظامية 12 و 8 طوابق. هلأ كان في قناصين على الأبنية العالية. في واحد من اللي استشهدوا شب من بيت الصغير. بتعرف وين كان؟ وقت سمع الصوت كان ببيتو طلع علسطح ليشوف شو صاير
لاقو عالسطح فايتة طلقة من ضهرو طالعة من بطنو، قنصو. وواحد تاني عمرو حوالي الستين كان جاية من بستانو ورا الاتستراد على البسكليت كمان قنصو. هدول التنين ما دخلون بشي، يعني حتى ما كانو عم يتظاهرو. في شهداء أربعة مؤكدين 100%، في جرحى وفي جثث الأمن شحطها جنب الاتستراد ما قدرنا نجيبها، وفي ناس مفقودة.

هذا المنشور نشر في رسائل الثورة. حفظ الرابط الثابت.

التعليقات

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s