ثم ماذا؟ 1 من 2

رسائل الثورة السورية المباركة (11)

الأحد 24 نيسان 2011


ثم ماذا؟

(1 من 2)

مجاهد مأمون ديرانية

بنهاية أسبوع الانتفاضة الخامس، وفي ختام يومين داميَين، الجمعة العظيمة وسبت تشييع شهداء الجمعة، بدأ هذا السؤال يتكرر: ثم ماذا؟ ما الذي سيحصل بعد كل ذلك؟ ولكي نجيب عن هذا السؤال (الذي هو لُبّ القضية) نحتاج إلى معرفة أجوبة الأسئلة الثلاثة الآتية أولاً:

(1) هل ستوقف الجماهير ثورتها ضد النظام؟

(2) هل يمكن إصلاح هذا النظام بأي ترقيعات؟

(3) هل يمكن أن يستسلم النظام لضغط الجماهير؟

الأجوبة عن هذه الأسئلة هي التي ستحدد الطريق. لا يستطيع أحدٌ أن يزعم أنه قادر على الجزم بأي جواب على سبيل القطع، لكنّ تغليب الظن ممكن، وأتوقع أن تسعة وعشرين شخصاً من كل ثلاثين من متابعي الأزمة في سوريا سينتهون إلى الجواب نفسه عن كل واحد من الأسئلة السابقة، ويبقى علينا فقط تربيط الأجوبة معاً لرسم خريطة المستقبل.

السؤال الأول جوابه سهل، فأيّ عاقل سيقول: لا ينبغي للجماهير أن تتوقف، لأن التوقف في هذه المرحلة انتحار. لقد عرف أبناء سوريا معنى القمع والإذلال لخمسة عقود، وهم على يقين من أن انتقام النظام سيتجاوز كل حدود العقل والمنطق لو انتصر عليهم، لذلك لن يقبلوا بنصف ثورة، ولا بد أن يكملوا الطريق ولو دفعوا الثمن الغالي: الآلاف من الشهداء والآلاف.

جواب السؤال الثاني: لا توجد سوى طريقة واحدة لإصلاح هذا النظام، وهي تفكيكه وإعادة تركيبه على أسس جديدة تسمح بالحرية السياسية والتعددية الحزبية، وتلغي كل الأجهزة الأمنية مبقيةً على جهاز واحد للأمن الداخلي (الشرطة) وجهاز واحد للأمن الخارجي (الجيش)، على أن تكون هذه الأجهزة كلها خاضعة للقانون وليس العكس. هذه الطريقة الجراحية في الإصلاح معناها إلغاء النظام الحالي وبناء نظام بديل.

ومن هنا نصل إلى الجواب الحتمي الوحيد للسؤال الثالث: لا يمكن أن يقبل النظام بإصلاح نفسه، لأن إصلاح نفسه هو الحكم على نفسه بالفناء! سوف يشمل الفناء والإلغاء كل المؤسسات الأمنية ورجالها وحزبَ البعث وكوادره والمؤسسةَ الحاكمة كلها، وقبولُ النظام طواعيةً بحل كهذا إنما هو ضرب من الخيال.

إذن ما هو الحل؟ إننا نشهد اليوم واحداً من أكبر التحولات في التاريخ المعاصر لسوريا، وهو تحول من نوع المراحل الانتقالية التي لا تتكرر كثيراً في أعمار الأمم، فدعونا ندرس الأمر بشيء من التفصيل.

بما أن مصطلح “النظام” ورد في الأسئلة الثلاثة فلا بد من تعريفه أولاً: كل بلاد الدنيا تحكمها أنظمة، وبشكل عام فإننا إذا عبّرنا عن أحدها بهذا المصطلح (النظام الماليزي مثلاً) فسوف يفهم المتحدث والسامع كلاهما أن المقصود هو المؤسسات التي تكوّن الدولة، ومنها مجلس الوزراء، والبرلمان، والجهاز القضائي، والمؤسسة الأمنية، والقوات المسلحة، إلخ. وكل واحدة من هذه المؤسسات مستقلّة بأجهزتها ورجالها ولها وظيفة محددة تقوم بها، ويرتبط بعضها ببعض في علاقات واضحة ينظمها القانون أو الدستور. وبالطبع فإن مؤسسات “النظام” ذات شخصيات اعتبارية، ففي وقت من الأوقات يمثلها الأشخاص الذين يشغلون مقاعدها ووظائفها، وفي وقت آخر يمثلها آخرون، ولكل مؤسسة أهميتها التي تعتمد على وظيفتها وموقعها في الدولة.

هذا الذي تعرفه البلاد الطبيعية كلها لا وجود له في بلادنا، فالمؤسسات كلها عندنا تقوم بوظيفة واحدة، وهي تنفيذ الأوامر والتوجيهات والتعليمات التي تُصدرها مؤسسة الرئاسة والأجهزة الأمنية القوية. مجلس الشعب (البرلمان) مثلاً هو مجموعة موظفين حكوميين لهم وظيفة محددة هي التصفيق والإيماء بالموافقة، والوزراء مجموعة موظفين أخرى مهمتهم كتابة التعليمات والتوجيهات التي يصدرها الرئيس لتنفيذها، وجهاز الإعلام مجموعة موظفين ثالثة مكلفة بإعادة إرسال ما يُرسَل إليها من أجهزة الأمن… إلى آخر هذه التفاصيل التي يعرفها كل سوري. ومن المعروف في كل الدوائر السياسية المحلية والعالمية أن الحكومة هي الحلقة الأضعف في تشكيلة “أجهزة الحكم” في سوريا، وأن السلطات كلها -التنفيذية والتشريعية والقضائية- هي في الحقيقة سلطة واحدة يركزها الدستور نفسُه في يد رئيس الدولة. إنه دستور مفصَّل تفصيلاً حاذقاً على مقاس دكتاتور!

وبما أن الأجهزة الأمنية متعددة وقوية ومستقلة بعضها عن بعض فإننا نستطيع أن نقول إن سوريا ليست دولة بالمعنى الحقيقي، بل هي “دُوَيلات متحدة”، وبتعبير أدق: “دُوَيلات أمنيّة متحدة”؛ فهي مجموعة “حكومات أمنيّة” ضمن الدولة الواحدة، تتمتع كل منها بصلاحيات واسعة وببعض الاستقلال، وتجتمع خيوطها في يد الرئيس. فإذا كان الرئيس قوياً (كما كان الأسد الأب) فإنه يسيطر على هذه “الحكومات الأمنية” سيطرة مركزية حقيقية وصارمة، أما إذا كان الرئيس ضعيفاً (كالرئيس الحالي) فإن “الحكومات الأمنية” تتمتع بنوع من الاستقلال الذاتي، وهو الأمر الحاصل اليوم.

لذلك -وبعيداً عن الاستطراد في تفصيلات لا داعي لها- يمكننا أن نقول إن سوريا اليوم تتكون من عدد من الدويلات، أهمُّها الدُّوَيلةُ الاقتصادية التي يسيطر عليها رامي مخلوف، والدُّوَيلة الأمنية التي يسيطر عليها العقيد ماهر الأسد، والدُّوَيلة الأمنية التي يسيطر عليها العميد حافظ مخلوف. هؤلاء يمثلون شبهَ تحالف أمني-اقتصادي يتدخل، بل ربما يمكن أن يتحكم في بقية الدويلات: اللواء زهير حمد (أمن الدولة أو المخابرات العامة)، واللواء عبد الفتاح قدسية (المخابرات العسكرية)، واللواء جميل حسن (المخابرات الجوية)، والعميد غسان خليل (فرع المعلومات في إدارة أمن الدولة)، وربما أيضاً اللواء على مملوك الذي كان يرأس المخابرات العامة حتى وقت قريب ولا يُعرف منصبه الآن على وجه الدقة.

اللواء (العماد) آصف شوكت، زوج بشرى بنت حافظ الأسد، كان إلى عهد قريب جداً ثالثَ أقوى رجل في النظام، فقد كان رئيساً للمخابرات العسكرية (التي يقال إنها أقوى الأجهزة الأمنية في سوريا) قبل أن يُرقَّى إلى “عماد” ويعيَّن نائباً لرئيس هيئة أركان الجيش، لكن ما يلفت الانتباه أنه ليس له أيُّ ذكر في الأحداث الأخيرة! ولعل هذا الغياب يؤكد شائعات كان قد بدأ تداولُها منذ مطلع 2011 وتتحدث عن خلاف كبير بينه وبين الأخوين بشار وماهر انتهى بمغادرته سوريا هو وزوجته بشرى وأولادهما. ولا تنسوا أن الخلاف بين المجرمَين الكبيرين ماهر وآصف قديم، وربما يحسن أن نصدّق ما أُشيع من أن هذا الخلاف وصل قبل اثنتي عشرة سنة إلى أن يطلق ماهر النار على آصف فيصيبه برصاصة في معدته!

*   *   *

والآن، ما هو الاتجاه الذي ستمضي فيه الأزمة؟ النظام يروّج لمشروع الإصلاحات السياسية ولكن الواقع المشاهَد على الأرض هو اعتماد الحل القمعي. ربما كان بعض رموز النظام يميلون إلى الحل السياسي، ولعل من هؤلاء مستشارة الرئيس بثينة شعبان ونائبه فاروق الشرع، وربما أيضاً عبد الله الأحمر الأمين العام المساعد لحزب البعث، لكن هذا الفريق (لو صحّ أصلاً أنه مقتنع بالحل السياسي، وهذه الفرضية نفسها محل شك) يبقى هذا الفريق -مع ذلك- أضعفَ من أن يكون له أي تأثير في مقابل القوة الطاغية لقادة أجهزة القمع المذكورين آنفاً. لذلك يمكنني أن أستبعد تماماً أي اتجاه لتهدئة الأزمة على الأرض، بل أتوقع مزيداً من التصعيد، وذلك لسببين:

(1) الطبيعة القمعية لأولئك القادة وشخصياتُهم القاسية، بل الساديّة، تأبى عليهم المهادنة، فكل منهم ينافس الآخر في سجلّه القمعي والإجرامي، كما أن كل واحد منهم يتصرف بنوع من الاستقلالية لأن هذه هي العادة الدارجة منذ سنوات في كونفدرالية “الدُوَيلات الأمنيّة المتحدة”: اللواء عبد الفتاح قدسية هو رئيس شعبة المخابرات العسكرية، ويَروج الآن أن له دوراً مباشراً في إصدار أوامر صريحة بقتل المتظاهرين. والعميد حافظ مخلوف معروف بجنونه وقسوته، ويقول رئبال الأسد (ابن المجرم الكبير رفعت، وهو مَنفيّ في باريس مع أبيه ويرأس ما يسميه “المنظمة الديمقراطية لحقوق الإنسان”… عجباً لعائلة من القَتَلة تنطق بحقوق الإنسان!) يقول رئبال إن حافظ مخلوف يقود “فرق الموت” التي تضم قناصة يزرعهم على أسطح المباني لاغتيال المدنيين العزل، وتضم أيضاً جماعات من “الشبّيحة” المزودين بالعصي الكهربائية للاعتداء على المتظاهرين السلميين وقمعهم. أما شقيقه، الرائد إيهاب مخلوف، فهو ضابط في الحرس الجمهوري يقود مجموعة من نحو ألف عنصر تتخصص في قمع المتظاهرين بالذخيرة الحية.

(2) الأمر الثاني الذي يؤكد أن النظام غير مهيَّأ للحوار أو التسامح أو التنازل هو التعديل الأخير لجهاز الرئيس الاستشاري؛ فقد أعاد بشار الأسد منذ وقت قصير، وتحديداً مع بداية انتشار عواصف الغضب في دول الجوار العربي، أعاد تركيب مجموعة المستشارين المحيطة به، ومن الواضح أن التشكيل الجديد لهؤلاء المستشارين هو “تشكيل حرب”. لقد فتح بشار مستودعات الشر التي جمع فيها أبوه أكثرَ الناس سوءاً وإجراماً، فاختار أخبث من فيه وأعادهم إلى مؤسسة الرئاسة بوظيفة مستشارين. هذا الخبر لم يلقَ ما يستحقه من الاهتمام، بل مَرَّ بهدوء لأنه سبق العاصفة. وإليكم تفاصيله.

مع انتشار الثورة العربية وانتقالها من تونس إلى مصر بدأ كل الرؤساء العرب يشعرون بالقلق والتوتر، وهذا أمر طبيعي ومتوقَّع، بل إن العكس يدل على غباء لا يليق بهذه الأنظمة التي حكمت الأمة لعقود من الزمن! النظام السوري لم يكن استثناء بالتأكيد، ولكنه حاول أن يوحي للمراقبين الخارجيين بأنه مطمئن غاية الاطمئنان “لأنه نظام ملتحم بشعبه” وليس مثل الأنظمة التي ثارت عليها شعوبها. كلام فارغ للتسويق الخارجي فقط، أما الحقيقة فيعرفها النظام قبل أن نعرفها نحن أو يعرفها العالم، وهي أنه نظام غريب عن شعبه لم يُبقِه في موقعه إلا البطشُ والقمع والدعس على رؤوس الناس.

إذن لا بد أن النظام السوري بدأ يشعر بالقلق هو والأنظمة الأخرى، فماذا صنع الآخرون؟ بدؤوا بامتصاص الاحتقان والغضب الكامن من خلال بعض الخطوات الاستباقية، فأصدر ملك المغرب قرارات جريئة وأعلن الرئيس الجزائري عن وقف العمل بقانون الطوارئ وحل ملك الأردن الوزارةَ التي غضب عليها الشعب، وبدأنا فجأة نرى من طيبة قلوب حكامنا ولطفهم ما لم نره من قبل! هذا ما صنعه الآخرون، أما النظام السوري فلا يحبّ التعجل ولا يقبل أن يستجيب للضغط (أليس هذا هو بالضبط ما صرّح به الرئيس في أول ظهور علني له في “السيرك” بعد بدء الانتفاضة؟). لقد واجه هذا النظام مشكلات خطيرة في الماضي ونجا منها دون أن يقدم تنازلات كما يصنع “الآخرون الضعفاء”، والذين ساعدوا النظامَ على تجاوز مشكلاته القديمة ما زالوا موجودين، فليأتِ بهم إذن!

الخامس من شباط الماضي كان الموعد لأول احتجاج سلمي في تاريخ سوريا المعاصر، هذا ما طالبت به دعواتٌ نُشرت في مواقع التواصل الاجتماعي قبل ذلك بأسبوعين. ذلك اليوم مَرّ بهدوء لأن العاصفة كانت ما زالت في مرحلة الولادة وقد بقي لانفجارها أربعون يوماً، لكن الدعوة الجريئة وغير المسبوقة كانت جرس إنذار قُرع عالياً في أذن النظام ودفعه إلى الاستعداد. قبل الموعد المضروب بيوم واحد، في الرابع من شباط، نشرت بعض المواقع السورية المعارضة أخباراً استقتها من مصدر فرنسي، تقول إن عدداً من جنرالات الحرس القديم في سوريا قد عادوا إلى العمل في القصر الرئاسي مستشارين للرئيس السوري بشار الأسد، وقد خُصصت لهم مكاتب إلى جانب مكتبه في القصر. ثم أورد الخبر قائمةً بأسماء عدد من المجرمين الكبار الذين باتوا يشغلون تلك المكاتب، وهم العماد علي دوبا (الرئيس السابق للمخابرات العسكرية)، والعماد علي أصلان (نائب رئيس هيئة الأركان سابقاً وقائد قوات الغزو السوري للبنان سنة 1976)، واللواء إبراهيم حويجة واللواء محمد الخولي، وهما رئيسان سابقان للمخابرات الجوية (وهي -لمن لا يعرف- أبشع الأجهزة القمعية في سوريا وأقبحها سمعة).

هؤلاء المجرمون لا يعرفهم كثير من شباب اليوم، أما الكهول الذين أدركوا جرائمهم فيعرفونهم، وسوف يسرّهم أن يشاهدوهم قريباً واقفين أمام محاكم الأرض، وسوف يسرهم أكثر أن يشاهدوهم بعد ذلك أمام محكمة السماء، في حضرة ملك الملوك الذي لا يضيع في ميزانه مثقال ذرة من شر ومن خير، ويومئذ يعلم مجرمو الأمس هؤلاء ومعهم مجرمو اليوم أيَّ منقلب ينقلبون، ويومئذ يفرح المؤمنون.

*   *   *

عرفنا أجوبة الأسئلة ووصلنا إلى نقطة اجتماع الخيوط، وبقي أن نتحدث عن الفصل الختامي في الحكاية، وهو في الرسالة الآتية إن شاء الله.

هذا المنشور نشر في رسائل الثورة. حفظ الرابط الثابت.

التعليقات

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s