ثم ماذا؟ 2 من 2

رسائل الثورة السورية المباركة (12)

الإثنين 25 نيسان 2011

ثم ماذا؟

(2 من2)

مجاهد مأمون ديرانية

الرسالة السابقة طرحت ثلاثة أسئلة، وقد عرفنا أجوبتها ووصلنا في نهاية الرسالة إلى نقطة اجتماع الخيوط، والآن نبدأ من تلك النقطة لنكمل الإجابة عن سؤال الرسالة الأصلي: ثم ماذا؟

النظام لن يهادن ولن يتسامح ولن يقبل بإصلاح نفسه، وهو قطعاً لا يفكر بالرحيل. الشعب تجاوز خطوط اللاعودة منذ وقت طويل وصار ينظر فقط إلى الأمام: لا رجعة إلى القهر والذل والخوف، ولا حلَّ مقبولاً إلا بسقوط هذا النظام. إذن لا مناص من الاصطدام. هنا لا بد من التفكير في مسألتين: (1) إلى أي مدى يمكن أن يصل النظام في استعمال القوة؟ (2) وما هي حدود صبر الشعب أو صبر النظام؟

سنحاول الإجابة بشيء من التفصيل:

(1) النظام القمعي المجرم في سوريا كان يتمنى لو أن الزمان اليومَ غيرُ الزمان، ففي غياب الإعلام والاتصالات ارتكب في الماضي بعيداً عن عين العالم مجازرَ يخجل من تذكّرها التاريخ، أما اليوم فكل ما يجري على الأرض يصوَّر ويوثَّق في ساعته فتراه الدنيا كلها، فإذا تجاوز في استعمال القوة حداً معيناً وصولاً إلى جرائم الإبادة الجماعية فسوف يصيبه ما أصاب سَلَفه القذافي، وهو مصير لا يريد الوصول إليه أبداً.

القمع هو الخيار الوحيد الذي يفكر فيه النظام، وهو أصلاً لا يملك خياراً غيره، لكنه يملك الاختيار بين نوعين من أنواع القمع: النوع الذي استعمله في حماة قبل ثلاثين عاماً والذي يستعمله القذافي في ليبيا اليوم، أو النوع الذي بدأ باستعماله منذ بداية الانتفاضة وما يزال. النوع الأول عمل حربي عسكري، ينفذه الجيش النظامي أو شبه النظامي بأسلحة الحرب الحقيقية المتوسطة والثقيلة، المدافع والدبابات والصواريخ والطائرات، والنوع الثاني عمل أمني تنفذه أجهزة القمع الأمنية بأسلحة خفيفة (بالتعريف العسكري تشمل الأسلحةُ الخفيفة كلَّ أنواع البنادق والرشاشات بما فيها القنّاصات).

حتى الآن لم يورط النظام نفسه في عمليات عسكرية حربية ضد المتظاهرين السلميين، ويغلب على ظني أنه لن يفعل. ليس لأنه لا يحب بل لأنه لا يستطيع، فهو سيضع ردود الفعل الدولية في حسبانه طول الوقت. على أن هذا الخيار سيظل في يده إلى النهاية، وفي لحظة يأس أخيرة يمكن أن يلجأ إليه، وستكون تلك إشارةً على أنه حرق كل الجسور واستنفد كل الخيارات وأنه على شفير الانهيار الكامل. لو حصل شيء من هذا القبيل فسوف نشهد وقتاً عصيباً ولكنه لن يطول بإذن الله، ولو أنه حصل (وأرجو وأدعو الله أن لا يحصل) فلا أستبعد أن يفجّر المؤسسةَ العسكريةَ (الجيش) من داخلها لأن الأغلبية الساحقة من مجنَّدي الجيش من السنّة، وأكثر من نصف الضباط في الرتب الوسطى والدنيا من السنّة، والولاء للنظام ضعيف جداً في صفوف الجيش النظامي، لذلك سيبقى هذا الجيش خطراً كامناً ضد النظام وصِمام أمان متوقَّعاً لأي تصعيد حربي ضد الانتفاضة. (لن أستطرد الآن في المواقف المحتمَلة لجيش سوريا النظامي والدور المتوقَّع منه في الأحداث، وسوف أبحث هذا الموضوع في مقالة آتية إن شاء الله).

لكن لا يعني هذا أن لا يزداد القمع ولا يتصاعد العنف، بل لا بد لذلك أن يحصل إن كنا ماشين في الطريق الصحيح. لو أن هذه الانتفاضة راحت تمضي في وداعة وتتلاحق أيامها بلا ضحايا فاعلموا أن النهاية بعيدة، فهذا النظام لن يجازف بتوريط نفسه واستعداء العالَم لو أحسّ أنه في سَعة من الأمر، أما حينما يتضاعف العنف ويزداد سقوط الشهداء فسوف تعلمون أن ساعة النصر باتت على الأبواب. إن المؤشر الوحيد الذي نملكه لقياس يأس النظام هو مقدار العنف الذي يستعمله، وبقاؤه مسترخياً غيرَ مُبالٍ يعني أنه يعيش في استرخاء واطمئنان، وكلما زاد القلق والتوتر والخوف من السقوط زاد الضغط وزاد العنف والهيجان.

*   *   *

(2) المعركة صارت معركة صبر، من يفقد صبره أولاً هو الخاسر. أستطيع أن أقطع وأقول جازماً إن الكفة تميل في هذا المقام لصالح الشعب ضد النظام. الشعب له قدرة كبيرة على الصبر، فأما من حيث صعوبة الحياة فإنه قادر على التكيف معها، مع المظاهرات المستمرة والعصيان المدني الجزئي أو الكلي، بل ومع الاعتقالات التعسفية والتنكيل بالمعتقَلين. ولا تنسوا أن “سنوات القحط” العجاف التي عاشتها سوريا في ظل هذا النظام قد أنتجت شريحة من المحرومين والمقهورين لا تقل عن تسعة أعشار الأمة، وهؤلاء ليس عندهم أصلاً الكثير ليخسروه. إنهم لو هُزموا فسوف يخسرون القليل، لكنهم إذا فازوا ربحوا كل شيء: الحرية والكرامة والعدل والرخاء، لذلك لا أمل في أن يقفوا الثورةَ ولا أن ييأسوا من نجاحها بإذن الله.

بالمقابل لن يستطيع النظام الاحتمال طويلاً، فقد أعدتُ وكررت -في هذه الرسائل- مِراراً أن قدرة أي دولة على احتمال الفوضى والضغط الشعبي العارم قدرةٌ محدودة، ومن ثَم فإن الدولة لا تملك أمام مثل هذا الضغط سوى خيارين: القمع أو الاستجابة, وبما أن القمع في سوريا أدخل الدولة في دوّامة لم تعد قادرة على الخروج منها، دوامة تزداد اتساعاً مع كل دورة، فالحل الوحيد الوارد في نهاية المطاف هو الاستسلام.

لقد قررت قبل قليل أن الشعب أقدرُ من حكّامه على احتمال الظروف الصعبة للانتفاضة، ولكن هل هو قادر على الصبر وصولاً إلى نقطة النهاية المتمثلة في استسلام النظام؟ أو بسؤال آخر: كم يمكنه أن يقدم من تضحيات؟ لنقم ببعض المقارنات:

في تونس ومصر واليمن دفع الشعب ثمناً هيّناً، فقد انجلت المعركة في تونس عن 223 شهيداً، أي 21 شهيداً لكل مليون من السكان. وفي مصر وصلت المحصلة النهائية إلى نحو 840، أي 11 شهيداً لكل مليون من السكان، وفي اليمن تقترب الثورة من الاحتفال بالنصر بنحو 300 شهيد، أي 13 شهيداً لكل مليون من السكان. هذه الثورات الثلاث أصرَّت على سلميّتها وتشبثت بها حتى النهاية على الرغم من محاولات القمع والترهيب من طرف النظام، بخلاف ما حصل في ليبيا التي دُفع المحتجّون السلميون فيها إلى ثورة مسلحة لم يريدوها ولم يستعدوا لها، فجاءت النتائج كارثية تماماً مقارنة بما يمكن أن نسميه “نزهة” في مصر وتونس. محصلة الشهداء في ليبيا غير معروفة على وجه الدقة وتتفاوت كثيراً، وصولاً إلى 8000 شهيد. هذا العدد من الشهداء كبير جداً بالنسبة لبلد صغير عددُ سكانه ستة ملايين ونصف المليون، وإذن فقد ضحى بأكثر من 1200شهيد من كل مليون من السكان حتى الآن، والخبر الجيد -مع ذلك- أن الثوار ما زالوا على درجة عالية من العزيمة والعنفوان، وما زالوا مستعدين للمزيد ومصممين على المضيّ إلى آخر الطريق.

إحصاءات المنظمات الحقوقية الدولية تقول إن سوريا قدمت حتى اليوم نحو 350 شهيداً، لكن هذا التقدير متحفّظ (على طريقة تلك المنظمات التي تحرص على مصداقيتها فلا تُثبت في إحصائياتها إلا الحالات المؤكدة بمقاييسها الصارمة). وأظن أننا نستطيع افتراض الضعف دون أن نخطئ كثيراً، أي 700 شهيد، أو نحو 31 شهيداً لكل مليون.

هذه النسبة مرتفعة مقارَنة باليمن ومصر، ولكنها نسبة متدنية جداً مقارنة بليبيا. إذن ما زلنا قادرين على الاستمرار بإذن الله، وما زلنا بعيدين عن نقطة الاستسلام. ولكن إلى متى؟ سأقول لكم. في سوريا يموت شخص واحد في حوادث السيارات كل 191 دقيقة ويصاب شخص كل 38 دقيقة. المحصلة الكاملة لحوادث السيارات سنة 2008 بلغت 2755 قتيلاً ونحو 14 ألف مصاب، كثير منهم أصيبوا بإصابات بليغة انتهت بعجز دائم أو شبه دائم.

*   *   *

إن هذا الشعب يضحي بسبعة عشر ألف قتيل ومصاب في العام الواحد ليقطع مسافات على الطرق تتراوح بين عشرات ومئات من الكيلومترات، فهل سيستكثر أن يدفع هذا الثمن ليقطع المسافة الفاصلة بين العبودية والحرية، بين الذل والكرامة، بين الشقاء المتصل والسعادة الدائمة؟ إنه سيدفع ثمن الحرية والكرامة -مهما غلا- مرة واحدة، لن يستمر في دفعه كل سنة، فهل ترونه سيتردد أو يتراجع؟ الجواب ما نراه اليوم على الأرض، وما سنراه في الأيام المقبلات، وهو الجواب الممكن الوحيد: لا رجوع إلى الوراء، وسنمضي إلى النهاية مهما يبلغ الثمن ومهما تكن التضحيات. لقد أحيا إخوتُنا في ليبيا وصية شيخ المجاهدين عمر المختار: “نحن لا نستسلم، ننتصر أو نموت”، ثم انتقل هذا الشعار إلى سوريا في طبعة محلية معدَّلة صارت هي النشيد الوطني على كل لسان: “الموت ولا المذلة”، وسوف يمضي بنا هذا النشيد إلى آخر الطريق.

نعم، نحن قدّمنا مئات الشهداء في خمسة أسابيع، ربما سبعمئة، ولكنّا نقدمهم في سبيل الله أولاً وفي سبيل القضية العادلة، قضية الحرية والكرامة ثانياً، فلا تسكثروا هذه التضحية وغيرُنا يقدم مثلَها في أقل من هذا الوقت ومن أجل لا شيء! هذه أحداث الشغب والعنف قد حصدت في نيجيريا في اليومين الماضيين فقط خمسمئة قتيل، وما لهم من قضية إلا الانتصار لهذا المرشح أو ذاك… تماماً كما مات من قبلهم عدة آلاف في ساحل العاج من أجل قضية تافهة مشابهة!

إن الجزائر ما زالت تحتفظ بلقب “بلد المليون شهيد” منذ استقلالها قبل نصف قرن، وهي قدمت فعلاً مليون شهيد ولم تكسب هذا اللقب على سبيل المبالغة، فهل تعرفون كم كان عدد سكانها في ذلك الوقت؟ عشرة ملايين. أي أن كل عشرة من الجزائريين قدموا من أنفسهم واحداً في سبيل الاستقلال. ونحن اليوم نعيش في سوريا تحت الاحتلال ونسعى إلى الاستقلال، فكم واحداً من بين أنفسنا سنقدم في سبيل الاستقلال؟

لا أحد منا يعيش في فراغ، بل إنّا ننتمي إلى عائلات كبيرة رؤوسُها الأجداد وقواعدها الأحفاد، وبما أننا -في بلاد الشرق- كثيرو الإنجاب فإن العائلات المتعددة الأجيال قد يبلغ أفرادها المئة، فهل تضنّ كل عائلة من هؤلاء أن تقدم منها لله واحداً؟ ها أنا ذا أنا أقدّم نفسي عن مئتي، فقد استنفدتُ حصتي من الحياة ولن يخسر بذهابي أحد، ولا أشك أن كل مئة في الأمة ستُخرج فارسَها، بل أحسب أنه لو كانت الشهادة بالاختيار لاسْتَهَمَ عليها الناس واقترعوا من أجلها، ثم لا يفوز بها إلا السعداء… إذن فها قد تبرعت الأمة بمئتَي ألف شهيد! سوف يمضون -لو أنهم مضوا كلهم- إلى جنان الخلد بصالح نياتهم إن شاء الله، ويخرج من سجن الذل والاستعباد عشرون مليوناً. وأيم الله إنها لصفقة رابحة.

لكن لا تجزعوا، فلن ندفع كل هذا الثمن الباهظ إن شاء الله. نعم، إن الحرية غالية ولا تتفتح أبوابها الحمراء إلا بأيد مضرجة بالدماء، ولكن الله ألطف من أن يتخلى عنا ونحن نرفع إليه أكفنا بالضراعة والدعاء، ونحن نسعى ونعمل ونجتهد -كما أمرنا- لرفع الظلم عنا ودفع الظالمين، فإنه لا بد معيننا وناصرنا عمّا قريب بإذنه تعالى.

هذا المنشور نشر في رسائل الثورة. حفظ الرابط الثابت.

التعليقات

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s