الجسد الواحد

الثورة السورية: خواطر ومشاعر (4)

26 نيسان 2011

الجسد الواحد

مجاهد مأمون ديرانية

بعد أن أعيت انتفاضةُ الشعب السوري الأبيّ نظامَه المجرم بزخمها وانتشارها تفتقت عبقريته الاستثنائية عن الحل: بما أن قدرته على إخماد الثورة العارمة في سوريا كلها أمر مستحيل ويحتاج إلى قوات أمنية لا يملك -في أحسن الحالات- أكثرَ من ربعها، فليركز إذن جهدَه وقوّته وبطشه في منطقة واحدة ويرجئ الأخريات، فإذا فرغ منها انتقل إلى التي بعدها، وهكذا إلى أن ينتهي من هذا الصداع ويغلق إلى الأبد أبوابَ الثورة والغضب. أليس هذا ما فعله من قبل؟ ألم يضرب دمشق وحدها وحلب وحدها وحماة وحدها؟ فليكرر إذن خطة الأمس الغابر لحل مشكلته في اليوم الحاضر.

ولكن هذا النظام نسي أن ثيران الحظيرة -كما تراها عيناه- قد قرأت القصةَ من قبل وحفظتها عن ظهر قلب، فهي تقول له اليوم: تلك كانت حِيَلَك للقضاء على غضبات الأمس البعيد، فابحث عن غيرها لغَضْبة اليوم الجديد. لن نسمح لك بأكل الثور الأبيض بعد اليوم!

هذا من منظور النظام الذي يرى الشعب أبقاراً وثيراناً في حظيرة يورّثها الآباءُ للأبناء، أما بقر الحظيرة فيردّ فيقول: بل نحن بشر، لنا شِرعة ولنا دين، وفي ديننا وشِرعتنا أننا جسد واحد، إذا أوذي عضوٌ فيه انتفضت سائرُ أعضائه بالنجدة كما يتداعى الجسد كله للعضو المريض بالحُمّى والسهر… وصدق رسولنا الكريم عليه أتم الصلاة والتسليم.

ضربوا درعا وظنوا أن المدن الأخرى لن تفتح فمها بشكوى ما دامت تعيش في أمان، فخرجت الجموع في حمص واللاذقية والقامشلي تهتف: “بالروح بالدم نفديكِ يا درعا”. فاضطرب أمرهم وقالوا: لنترك درعا ونضرب حمص إذن. وفعلوا، فخرجت درعا ودوما وبانياس تنادي: “بالروح بالدم نفديكِ يا حمص”. فحولوا الضرب إلى بانياس فخرجت حوران والغوطة وحماة وجبلة تصيح: “بالروح بالدم نفديكِ يا بانياس”… فما يدرون أيَّ مدينة يضربون ولا يعرفون كيف يتحركون، لأنهم كلما ضربوا مدينة جديدة ثوَّروا على أنفسهم المزيد؛ كانت المدن والبلدات والقرى الغاضبة خمساً فصارت عشراً، ثم صارت عشرين، ثم أربعين وستين وثمانين، وكل يوم ينفجر منها المزيد.

يوم الجمعة الماضي خرجت في باب الحديد في حلب الشهباء مظاهرة كبيرة لم تلبث جموعُ الأمن الحاشدة أن فرّقتها بعنف شديد، فدمشق وحلب هما رأس الجسد وقلبه، وسوف يدافع النظام عن نفسه فيهما ويدفع ثورتهما بكل ما أوتي من قوة وجبروت، لكن الإعصار القادم سيفوق كل ما يملكه من قوة ومن جبروت. فرقت قوات الأمن المظاهرةَ بعد انطلاقها بقليل، لكنها عاشت مدة تكفي لنسمع هُتافَها: “بالروح بالدم نفديك يا بانياس”، “وين النخوة وين؟”، “واحد واحد واحد، الشعب السوري واحد”.

نعم، نحن جسد واحد ولن نسمح بتقطيع الجسد إلى أوصال؛ لن تأكلوا ثورنا الأبيض بعد اليوم!

هذا المنشور نشر في خواطر ومشاعر. حفظ الرابط الثابت.

التعليقات

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s