لماذا أطلق النظام حملته؟

رسائل الثورة السورية المباركة (14)

مساء الخميس 28 نيسان 2011

لماذا أطلق النظامُ حملتَه اليائسة؟

مجاهد مأمون ديرانية

الثورة الشعبية في سوريا فاجأت النظام السوري. ربما لم يفاجئه توقيتُها بقدر ما فاجأه حجمُها وزخمها واتساعها، فلا بد أن الأجهزة الأمنية كانت تُعِدّ نفسَها لامتداد الغضب العربي عبر الحدود السورية، ولعلها قدّرت أن يستغرق وقتاً أطول لكنه كان آتياً ولا ريب، فلا يُعقل أن نتخيل أن الأجهزة الأمنية السورية العتيدة لم تضع ذلك في حسبانها. لكنْ هل توقعت هي أو غيرُها انتفاضةً بهذه القوة والضخامة وبهذه السرعة من حيث الانتشار؟ لا يبدو، لذلك كانت السمة العامة لتعامل الأجهزة القمعية الأمنية مع الانتفاضة خلال الأسابيع الأولى هي الاضطراب والارتباك، سواء في كيفية مواجهة المظاهرات أو في منهج التعاطي الكلي مع الأزمة.

لعل شيئاً من هذا الارتباك والاضطراب مرجعه إلى تعدد “الحكومات الأمنية” في سوريا، وقد قلت من قبل (في الرسالة الحادية عشرة) إنّ ضَعف رأس النظام يمنح الأجهزة الأمنية مزيداً من الاستقلالية واللامركزية، ومن ثَم فإن كل جهاز يتصرف باجتهاده وبطريقته الخاصة. لكن الظاهر أنّ تصاعدَ الانتفاضة وخروجَها المتسارع من نطاق السيطرة وتحولها إلى ثورة شعبية عارمة قد دفع مجموعة القوى الحاكمة (قادة الأجهزة الأمنية في الدولة) إلى تبنّي خطة موحدة وعنيفة لقمع الثورة مرة واحدة وإلى الأبد.

لا ندري على وجه اليقين متى بدأت تلك الأجهزةُ تفقد ثقتها بقدرتها على ضبط الوضع المتفلّت على الأرض، ولكنْ من المؤكد أنها بلغت هذه القناعة مع نهاية “الجمعة العظيمة” التي شهدت تطوراً نوعياً على مستوى العاصمة، فقد دخلت دمشقُ في جوهر الانتفاضة مع تفجر المظاهرات في وسطها، في الميدان والزبلطاني وصولاً إلى ساحة العباسيين، وفي ضواحيها، داريا والمعضمية والسيدة زينب، وفي أطرافها الأبعد شرقاً وشمالاً وغرباً. ويقول تحليل نشره أحد مراكز الدراسات يوم السبت إن النظام السوري أدرك مساء الجمعة أنه في خطر حقيقي، وكانت القشّة التي قصمت ظهرَ بعيره هي وصول المظاهرات إلى قطنا. فهذه البلدة القريبة من دمشق -إلى الجنوب الغربي على طريق الجولان- تحوّلت في السنوات العشرين الأخيرة إلى منطقة عسكرية تضم مجمّعاً كبيراً لقطعات وقيادات الجيش، وأكثر سكانها من الضباط والعسكريين وعائلاتهم ومن يعملون في خدمتهم من المدنيين، وبالقرب منها يقع مطار دمشق القديم الذي تحول إلى قاعدة جوية عسكرية بعد بناء وتشغيل المطار الجديد شرقيّ دمشق. لذلك كله لم يصدق النظام السوري ولم يحتمل وصول الانتفاضة إلى ذلك المكان بالذات، وكانت تلك هي اللحظة التي فقد فيها صبره.

مهما يكن الأمر فقد بات واضحاً للجميع في نهاية “الجمعة العظيمة” أن النظام السوري يسير في طريق النهاية؛ أدرك ذلك شبابُ الثورة السورية وقد غصت الشوارع في عشرات المدن السورية بمئات الآلاف منهم، وأدركه المراقبون والمحللون الخارجيون الذين يرصدون الأحداثَ عن كثب، وأدركه النظام نفسه، لذلك بدأ التحرك على الفور فيما بدا أنه خطته اليائسة الأخيرة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه!

ربما كان مدهشاً أنّ أول إشارة إلى تحركات القطعات العسكرية السورية جاءت من إسرائيل، فقد نشر موقع إسرائيلي عسكري تقريراً في وقت متأخر من مساء يوم الجمعة يتحدث عن تحرك وحدات من الجيش السوري باتجاه المدن، ويشير إلى أنّ مِن بين تلك الوحدات قِطَعاً من الجيش سُحبت من جبهة الجولان! وحسب ما أفاد به تقرير لاحق نُشر في الموقع ذاته فقد كانت خطة انتشار الجيش جاهزة لتطبيقها إذا فشلت قوات الأمن في احتواء الموقف يوم الجمعة، وهذا يفسّر التحرك الفوري والسريع على الأرض دون إضاعة الوقت في التفكير والجدل بشأن الخطط وتوزيع المسؤوليات.

ببساطة وباختصار يدلنا هذا على أمر في غاية الأهمية: إن القيادة الأمنية العليا في سوريا (كائناً أعضاءُ هذه القيادة من يكونون) قد أدركت أن النظام في ورطة حقيقية وأنه يقترب من الوصول إلى طريق مسدود، ومن الواضح أنها قد أعدت خطة يائسة لعملية عسكرية محدودة يتم تنفيذها كَحَلٍّ نهائي وحاسم، واختارت مؤشرات معينةً على الأرض لتحدد مدى ضرورة اللجوء إلى خطة التدخل العسكري. هذا السيناريو المتوافق مع الأحداث يفسّر العنفَ الفظيع الذي واجهت به قواتُ الأمن مظاهرات “الجمعة العظيمة” مقارَنةً بمظاهرات الجمعة السابقة التي لم يُقتل فيها سوى اثنين أو ثلاثة من المتظاهرين، وبالمقابل كانت نتيجة الجمعة الأخيرة مجزرة سقط فيها نحو مئتي شهيد. إذن فقد تجنّب النظام التدخلَ العسكري إلى اللحظة الأخيرة، واستعمل قبله كل القوة الممكنة ضمن الأساليب التقليدية التي بدأ بها منذ اليوم الأول، وحينما فشل وأثبتت الأحداث أن الانفجار الشعبي قد تجاوز بالفعل كلَّ حدود السيطرة تحول فوراً إلى الخطة البديلة وحرك وحدات الجيش باتجاه المدن.

هل يمكنكم استخلاص جملة مفيدة من الفقرة الأخيرة؟ إنها جملة “تجنب النظام التدخل العسكري إلى اللحظة الأخيرة”… وهذا معناه أننا نقترب بسرعة من اللحظة الأخيرة. أقول إنها “لحظة” لأنها ستكون المرحلة الختامية من مراحل الثورة، لكن اللحظات تقصر وتطول، وهذه اللحظة لن تكون قصيرة أبداً ولا هيّنة، وقد تستمر شهوراً مملوءة بالمعاناة، لكنّا لا يتسرب إلى قلوبنا أقلُّ شك في أن العاقبة لنا بإذن الله وأن العصابة المجرمة إلى زوال.

*   *   *

ولكن لماذا الجيش؟ الجواب سهل، لأن الثورة اشتعلت في البلاد كلها طولاً وعرضاً، والقوى الأمنية البوليسية التي يملكها النظام لا تستطيع تغطية ذلك الانتشار الواسع، ولا سيما وهي تركز ثقلها في دمشق وحلب اللتين تستميت في خنق أي بداية جادة للثورة فيهما، وتعلم أن خروجهما من نطاق السيطرة يعني عملياً نهاية النظام. لهذا السبب لن تغادر فرقةُ الحرس الجمهوري العاصمةَ أبداً، وقد أثبتت الفرقة الرابعة (وهي الوحيدة من فرق الجيش ذات الأغلبية العلوية) أثبتت أنها لا تستطيع التعامل في وقت واحد مع الأوضاع المتفجرة في مناطق متباعدة، حتى مع توزيع ألوية الفرقة على تلك المناطق، والأمن النظامي والمخابرات والمليشيات غير النظامية (الشبيحة) عجزت عن إخماد الثورة رغم العنف الكبير في التعامل الميداني مع المتظاهرين وحملات الاعتقال الواسعة. وهكذا بدا أن كل الأدوات القمعية التي يملكها النظام لم تعد كافية، ولم يبقَ إلا المؤسسة العسكرية التي تجنّبَ إقحامها إلى النهاية، تجنباً لعسكرة الأزمة والدخول في مواجهة مع العالم، وأيضاً خوفاً من تلك المؤسسة التي لا يمكن أن يضمن ولاءها كما يضمن ولاء سائر الأجهزة الخاصة التي أنشأها ورعاها على عينه خلال العقود الماضية.

وهكذا تحركت فيالق الجيش الثلاثة: الفيلق الأول (ومركز قيادته في دمشق) تحرك لتغطية القسم الجنوبي من البلاد، من دمشق إلى أقصى حوران في الجنوب، وهو أقوى الفيالق وأضخمها، ويضم الفرق المدرعة الأولى والثالثة والتاسعة، والفرقتين الميكانيكيتين الخامسة والسابعة، بالإضافة إلى أربعة من ألوية المشاة الآلية المستقلة وفوجين من القوات الخاصة (مظليين).

الفيلق الثاني (ومركز قيادته في الزبداني) تحرك لتغطية وسط البلاد، وهو يضم الفرقة المدرعة السابعة والفرقة الميكانيكية العاشرة وثلاثة ألوية مشاة مستقلة وفوجين من أفواج القوات الخاصة (مظليين) وفوجاً واحداً من أفواج المغاوير. أما الفيلق الثالث (ومركز قيادته في حلب) فلم تتضح ملامح تحركاته تماماً. يُقال إن قسماً منه نُقل إلى حوران، لكن لا يبدو هذا القول منطقياً لأنه يُفترَض به أن يغطي الشمال والمنطقة الساحلية الغربية، ويضم هذا الفيلق الفرقتين المدرعتين الحادية عشرة والثامنة عشرة والفرقة الميكانيكية السابعة عشرة ولواء مشاة مستقلاً والفرقة الرابعة عشرة قوات خاصة وفرقة حرس حدود وثلاثة ألوية دفاع ساحلي.

بالتأكيد يجب أن لا نأخذ كل ما ذُكر سابقاً على أنه أمر قطعي لا يحتمل الخطأ لأن التحركات العسكرية تُحاط دائماً بالكتمان الشديد، فما بالكم بها في أوقات الأزمات؟ لكن لنعتبره وصفاً عاماً أو تقريبياً أو محتمَلاً لخطط النظام الأخيرة التي بدأ بتنفيذها في محاولة أخيرة يائسة لضرب الثورة الشعبية والقضاء عليها.

النظام جمع جموعه وألقى في الميدان بقوته كلها، لم يبقَ إلا العمليات الحربية الحقيقية الواسعة! إننا نقترب بسرعة من أول اختبار حقيقي لتلك الخطة، فلم تبقَ -وأنا أكتب هذه الكلمات- إلا خمس عشرة ساعة على موعد صلاة الجمعة غداً، وإني لأضع يدي على قلبي تحسباً، ولكن ثقتي في الله كبيرة. النظام بدأ منذ أيام باعتقالات واسعة استباقية في حلب وحمص واللاذقية والقامشلي وغيرها من مناطق سوريا، وركّز جهوده في منطقة دمشق بدرجة مضاعَفة، في دمشق ومحيطها: في الميدان، وفي دوما وحرستا وقرى الغوطة، وفي التل ومضايا والزبداني، وفي داريا والمعضمية… إنه يريد أن يُجهض انتفاضة “جمعة الغضب” وأن ينزع فتيلها، ويظن أنه ينجح في ذلك إذا اعتقل ألفاً من الشبان هنا وألفاً هناك، لكنْ لا يبدو أنه فهم المسألة على حقيقتها حتى الساعة. إن معركته مع أمة لا مع أفراد، فهل سيعتقل الأمة كلها؟

*   *   *

قبل ثلاثة أيام نشرت صحيفة “وول ستريت جورنال” الأميركية مقالة قالت فيها إن المسؤولين الأوربيين والأميركيين يشككون في تمكن الرئيس السوري من تجاوز ما وصفته الصحيفة بالانتفاضة، ونقلت عن مسؤول أوربي رفيع المستوى قوله: “لا نرى كيف يمكن للأسد أن يعيد المارد إلى القمقم”. وقبلها بيومين قالت صحيفة معاريف الإسرائيلية إن مظاهرات “الجمعة العظيمة” في سوريا أكدت أن الرئيس بشار الأسد قد اقترب من نهايته المحتومة، وقالت إنه بدا فاقداً للسيطرة وشبهَ ضائع في ذلك اليوم الذي شهد سقوط أكثر من مئة قتيل، في أكثر الأيام عنفاً منذ اندلاع الاحتجاجات.

وأنا أقول إننا نقترب بسرعة من فتح الفصل الأخير في “كتاب الآلام” الذي قرأناه طوال خمسة عقود. وقد تطول أيام هذا الفصل وقد نعاني فيها الكثير، ولكنها -قطعاً- تستحق كل ما يمكن أن يُدفَع فيها من أجل طَيّ هذا الكتاب إلى الأبد.

لقد حشد النظام حشودَه وألقى بورقته الأخيرة، وغداً يومٌ من الأيام التي تتحدد فيها مصائرُ الشعوب، فتوكلوا على الله وأقدموا، وقدّموا بين أيديكم العزيمةَ والدعاء، فإما أن ننكسر -لا قدّر الله- وإما أن ينكسر النظام، وإذن فابدؤوا بعَدّ ما بقي له من أيام.

هذا المنشور نشر في رسائل الثورة. حفظ الرابط الثابت.

التعليقات

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s