الأنظار تتجه إلى الجيش

رسائل الثورة السورية المباركة (16)

الإثنين 2 أيار 2011

الأنظار تتجه إلى الجيش

مجاهد مأمون ديرانية

وصلنا أخيراً إلى أهم نقطة في المسألة كلها: الجيش. في مصر وتونس حسم الجيشُ الصراعَ لصالح الشعب، وفي اليمن كان له دور كبير في دعم الثورة وموازنة قوة النظام، بل ربما الدور الأكبر. فماذا عن سوريا؟

أنا أقرأ وأنتم تقرؤون طول الوقت دراسات وتحليلات تحاول فهم الأزمة والتنبؤ بمصيرها، ولعلكم لاحظتم إجماعاً أو شبهَ إجماع على أن الجيش في سوريا ليس كالجيش في تونس ومصر، لأنه جيش طائفي كما يقولون، ولذلك صدر الحكم: سيبقى الجيش مع النظام إلى آخر الطريق وسوف يكون قوةً على الشعب لا معه. وأنا أقول لهؤلاء الدارسين والمحللين: إنكم مخطئون.

-1-

لنبدأ الحكاية من أولها. يجب أن نعرف ابتداءً أن حافظ الأسد لم يثق بالجيش قط، ربما لسبب بسيط يسهل فهمه، فهو نفسه جاء من الجيش بانقلاب، وقبلَه وصل رؤساءٌ وذهب رؤساءٌ بانقلابات من داخل الجيش، لذلك ما كان ليُلام وهو ينظر إلى الجيش على أنه “مخزَن افتراضي” لضباط انقلابيين! التحسّب والخوف من الجيش بقي هاجساً يقلق الأسد الأب طَوال فترة حكمه، وهذا السبب هو الذي جعله يعتمد في أمنه وبقائه على أجهزة ومؤسسات أمنية غير الجيش، وهي (مرتَّبةً حسب أهميتها):

(1) الأجهزة الأمنية السرية: المخابرات العامة (أمن الدولة)، والمخابرات العسكرية، وبالتأكيد المخابرات الجوية التي حظيت بالأفضلية والقوة لأنها كانت من أهم أدوات حافظ الأسد في الانفراد بالحكم والقضاء على زملائه، فقد أنشأها لتكون “مخابراته الخاصة” حينما كان قائداً للقوات الجوية والدفاع الجوي، ومنذ ذلك الحين صارت المهمة الأولى والكبرى لهذا الجهاز هي حماية الأسد شخصياً، وبعد ذلك أسرته والنظام (ولهذا الإيجاز تفصيل ليس هنا محله). وربما بالطريقة ذاتها اتسع نفوذ المخابرات العسكرية بعدما صار الأسد وزيراً للدفاع. وعلى أية حال، وبغضّ النظر عن ترتيب أجهزة المخابرات في القوة، فإن المهم والثابت أنها هي عصب القوة الرئيسي الذي يعتمد عليه النظام.

(2) بعد الأجهزة الأمنية السرية تأتي في الأهمية تشكيلاتٌ عسكرية خاصة أُنشئت وطُوِّرت لخدمة هدف وحيد، هو أمن النظام والرئيس وليس أمن الوطن. أولى هذه التشكيلات تكويناً هي “سرايا الدفاع” التي وُضعت في العاصمة (وما يزال أهل دمشق يذكرون معسكرات السرايا في أطراف دمشق والمعاناة الطويلة من إجرامهم وتعدّيهم على المدنيين الآمنين). وبما أن المهمة الأصلية لسرايا الدفاع كانت الدفاع عن الرئيس والنظام فإن حافظ الأسد لم يجازف بتسليم قيادتها إلى أي طرف خارجي، بل أبقاها بيد أخيه الأمين رفعت. لكن رفعت لم يكن أميناً تماماً وحاول الانقلاب على أخيه لمّا غاب في غيبوبته المشهورة عام 1983، وحين أفاق حافظ الأسد من الغيبوبة قرر أن يعيد ترتيب الأوراق، فأُقصي رفعت وحُلَّت سرايا الدفاع ليُعاد تشكيلها في فرقة خاصة سميت “الوحدة 569″، ثم صار اسمها لاحقاً “الفرقة المدرعة الرابعة” وأُلحقت بالجيش رسمياً، لكنها بقيت عملياً خارج التشكيلات النظامية للجيش واعتُبرت مسؤولياتها ذات طبيعة خاصة. سرايا الدفاع نفذت بقيادة رفعت الأسد عدداً كبيراً من “المهمات القذرة” في سوريا ولبنان والأردن، وهي مسؤولة بشكل كامل عن مجزرة سجن تدمر الشهيرة وبشكل رئيسي عن مجزرة حماة الكبرى.

ثانية التشكيلات العسكرية المسؤولة عن أمن النظام هي فرقة الحرس الجمهوري التي صارت -منذ تأسيسها عام 1976- خطَّ الدفاع الأساسي عن الأسرة الحاكمة وعن النظام، وقد حرص الرئيس السابق (وهو العسكري الذي جاء إلى الحكم عن طريق الجيش وبقي دائماً يخشى أن يذهب عن طريقه أيضاً كما قلنا من قبل) حرص على أن تحتفظ فرقة الحرس الجمهوري بتفوق نوعي على سائر فرق الجيش السوري من حيث التسليح والتدريب. تتمركز هذه الفرقة حول مداخل دمشق الأربعة، وهي الوَحدة العسكرية الوحيدة التي يُسمَح لها بدخول العاصمة، ويبلغ عدد أفرادها نحو عشرة آلاف موزَّعين على أربعة ألوية، ثلاثة ألوية مدرعة ولواء واحد مؤلَّل.

وينبغي أن أشير هنا إلى أن كثيراً من المقالات المرتجَلة تخلط بين الفرقة الرابعة وفرقة الحرس الجمهوري وتظن أنهما اسمان لمسمَّى واحد، ولعل السبب في هذا الخلط هو أن كلا الفرقتين يقودهما ماهر الأسد، وهو أيضاً قائد الحرس الرئاسي، أي أن ماهر الأسد هو المسؤول الأول عن قيادة أمن النظام في الوقت الراهن (للدقة فإن القائد الاسمي والعملياتي للفرقة الرابعة هو اللواء علي عمار، ولكن ماهر هو قائدها الأعلى عملياً).

(3) في المقام الثالث -من حيث أهمية أمن النظام- تأتي القوات شبه العسكرية. وهي تضم في الدول المدنية الشرطةَ (الدرك) والحرسَ الوطني وحرس الحدود وأجهزة الدفاع المدني، وفي غيرها من الدول البوليسية تشمل مليشيات حكوميةً أو قوات بوليسية ذات مهمات قمعية (كالأمن المركزي في مصر). الشرطة جزء من القوات شبه النظامية بمقتضى تعريفها، لكنّا لن نهتم بجهاز الشرطة السوري لأنه ضعيف ومحدود العدد، فهو لا يتجاوز عشرة آلاف عنصر وليست له قيمة كبيرة في أمن النظام. الجسم الأكبر من القوات شبه العسكرية يتكون من مليشيات حزب البعث التي يسمونها “الجيش الشعبي”، ويقدّر المعهد العالمي للدراسات الإستراتيجية عددَها بمئة ألف، وتتكون من “الرفاق” البعثيين الذين يخضعون لتدريب عسكري قصير بشكل متكرر. وهي ليست تشكيلات نظامية ولكنها تُجمَع في الأزمات كما تُجمَع قوات الاحتياط العسكرية، ويُفترَض أنها ذات ولاء كبير للنظام، وقد استفاد منها حافظ الأسد في الأزمة الخطيرة التي نشبت بينه وبين أخيه رفعت عام 1984. وتشبهها من حيث الولاء الشديد للنظام جماعاتُ “شبيبة الثورة”، وهي منظمة شبابية حزبية يسيطر أعضاؤها على مفاصل الحياة السياسية الشبابية في البلاد، كاتحادات الطلبة في الجامعات والتجمعات الشبابية في جميع محافظات سوريا. لا نستطيع الحصول على معلومات موثقة، ولكن يمكننا التكهّن إلى درجة تقارب اليقين بأن هاتين الجماعتين قد شاركتا في قمع المتظاهرين في الانتفاضة الشعبية بقوة، ونستطيع على الأقل أن نجزم -بالاطّلاع على اللقطات المصوَّرة- أن الشبيبة قامت بهذا الدور السيئ في جامعتَي حلب ودمشق عندما تظاهر فيهما بعض الطلاب.

ويمكن أن نَعُدّ مع القوات شبه العسكرية في سوريا مجموعات مسلحةً غريبة لا تخضع لسيطرة الدولة المركزية، بل ترتبط بأشخاص من الأسرة الحاكمة، وهي المليشيات التي يسميها الناس “الشبيحة”. وقد كانت في أول الأمر جماعات مسلحة محدودة تتكسب من التهريب والمتاجرة بالممنوعات وابتزاز الأهالي المدنيين بالإتاوات والضرائب، وهي تعيش خارج القانون لأنها عصابات تابعة لأفراد من عائلة الأسد، أشهرها عصابة محمد الأسد المشهور بلقب “شيخ الجبل”.

نظراً إلى ظروف الولادة التاريخية فقد تركز وجود عصابات الشبيحة قريباً من جبال العلويين ومدن الساحل، اللاذقية وجبلة وبانياس وطرطوس، ولا يعرف أحدٌ عددَ مجرمي تلك العصابات بدقة، لكنهم قد يبلغون عشرة آلاف حسب بعض التقديرات. هذه العصابات لا تخدم الدولةَ في الظروف العادية، بل تعمل لمصالحها الخاصة ومصالح زعمائها الأسديين الذين يرتبطون -نظامياً وحسب توجيهات رئاسية- بماهر الأسد شخصياً، واليوم بات من المؤكد أن النظام الذي يعيش في حالة من اليأس والتخبط قد دفع بهم إلى المعركة، وغالباً فإن أعدادهم تضاعفت عدة مرات ليبلغوا عشرات الآلاف، ولا شك أن كثيراً من جرائم القوات القمعية في مدن الساحل تحديداً وفي محافظة حمص يمكن نسبتها إلى تلك العصابات.

-2-

أخيراً نصل إلى الجيش، واحتملوني لأني سوف أتحدث عنه بشيء من التفصيل. الذين يدرسون الجيش السوري يدرسونه كمّياً، ومن هنا يأتي الخطأ الأكبر في وصفه بأنه واحد من أعتى الجيوش وأقواها، وأنه يحتل المرتبة الرابعة عشرة في العالم من حيث الحجم والقوة… وهذا محض هراء.

بالتأكيد سوف ينبهر أي مواطن عادي وهو يقرأ وصفاً لجيشه العظيم فيجد أنه يملك خمسة آلاف دبابة وأربعمئة طائرة مقاتلة، ولكن هذا يشبه قولي إنني أملك أربعة حواسيب (كمبيوترات)، ببساطة لأني لم أرمِ في حاوية القمامة الحواسيبَ القديمةَ التي امتلكتها في أوقات سابقة ولم تعد لها أي قيمة اليوم، حاسوب معالج 486 وبنتيوم 1 وبنتيوم 2! ذلك المواطن المنبهر سوف يُصاب بخيبة أمل عندما يعلم أن ثلاثة آلاف من دبابات الجيش السوري هي من نوع ت-54 وت-55 التي صنعتها روسيا بعد الحرب العالمية الثانية بقليل (ت-54 من إنتاج عام 1947 وت-55 من إنتاج عام 1958)، والألفان الباقيتان من نوع ت-72 الذي بدأ صنعه في روسيا قبل واحد وأربعين عاماً، أي في السنة التي سقطت فيها سوريا تحت الاحتلال الأسدي المباشر.

(ملاحظة على الهامش: أسهل طريقة للتمييز بين النوعين هي عدّ عجلات الدبابة، فهي خمسٌ في النموذجين الأقدم -ت54 وت55- وستٌّ في النموذج ت72، وقد لاحظت من مراقبة المقاطع المصورة أن أكثر الدبابات التي دخلت إلى درعا هي من الأنواع القديمة، مما قد يدل على أن القوة الرئيسية في اجتياح حوران وحصار درعا ليست الفرقة الرابعة التي لا تعتمد أبداً على هذا النوع القديم من الدبابات، بل لعلها الفرقة الخامسة كما يشاع. وهذا أمر له دلالته، فهو يعني أن الفرقة الرابعة عاجزة عن تركيز قوتها في حوران أو في أي منطقة محددة، لذلك تتشتت ألويتها وكتائبها بين مناطق سوريا المختلفة والمتباعدة كما قرأتم في رسالتي الرابعة عشرة).

إن أكثر ما يملكه الجيش السوري من سلاح لا نفعَ فيه في حروب القرن الحادي والعشرين، وإنما هو تكديس لخردة قديمة تطير بأول نفخة قوية من عدو حقيقي. ولعل المخضرمين من القراء ما زالوا يذكرون المعركة الجوية التي اشتبكت فيها الطائرات السورية والإسرائيلية في سماء لبنان في يوم من أيام سنة 1982، فسقطت فيها أكثر من ثمانين طائرة سورية مقابل صفر، أي بلا أي خسارة في الجانب الإسرائيلي! لو أن فريق كرة سلة خسر 80-صفر لقامت قيامة الصحافة والجماهير وعُزل المدرب وحوسب وزير الرياضة ووضع اللاعبون في السجن، ولكن أحداً في سوريا لم يفتح فمه بكلمة بعد تلك النكبة، لا الرئيس اعتذر ولا وزير الدفاع استقال ولا قائد سلاح الطيران قُدِّم للمحاكمة، الشيء الوحيد الذي استفدناه هو أن القيادة السورية تعلّمت أنْ لا تتسرع بإرسال طائراتها إلى السماء، بل أن تحتفظ بحق الرد إلى الوقت المناسب! ومنذ ذلك اليوم ما زالت تتكدس في ملفات الصراع “الوهمي” الكبير بين إسرائيل وأهم دولة مقاومة وممانعة في العالم، ما زالت تتكدس عشراتُ الاختراقات والاعتداءات المُهينة التي تتريّث فيها القيادةُ وتدرس أنسبَ الأوقات للرد، أما عشرون متظاهراً في الجامع الأموي في الشام فلم تجد السلطات حاجة للتريث وانتظار الفرصة المناسبة، بل بطحتم في أرض الجامع وجرجرتهم من أرجلهم في صحنه الخارجي بلا تريث ولا انتظار… فهنيئاً للشعب السوري بدولة الممانعة والصمود!

-3-

إذن فإن السلاح الجوي السوري العظيم يستطيع أن يخوض خمس معارك مع الطيران الإسرائيلي قبل أن يخسر طائراته كلها (بمعدل 80 طائرة في اليوم)، وربما استطاع سلاح المدرعات الصمود أسبوعاً قبل انهياره الكامل! هذا من حيث السلاح، وليست الطامة الكبرى في السلاح، بل في العسكر. فلا قيمة لسلاح بغير جنود، وجنود الجيش السوري أبعدُ ما يكونون عن القدرة على خوض حرب، فهم يعانون من عدد كبير من السلبيات التي جعلت جيشنا من أسوأ جيوش العالم، منها:

(أ) الفساد، فما تعرفونه من فساد في الحياة السياسية والعامة في سوريا يوجد مثله أو أكثر منه في الجيش.

(ب) المحسوبيات، فأي مجند يملك واسطة يمكن أن يُعفى من الخدمة العسكرية الحقيقية ويُنقَل إلى مواقع ترفيهية في العاصمة أو المدن الرئيسية ليُمضي فيها مدة خدمته الإلزامية.

(ج) الاستغلال والاستعباد، فبدلاً من أن يصبح العسكريون جنوداً مقاتلين في خدمة الوطن صاروا أرقّاء في خدمة السادة الضباط، بل صاروا -حرفياً- خَدَماً وسائقين للضباط وزوجات الضباط وأبناء الضباط، يخدمون في بيوتهم ويوصلون أبناءهم المدللين وزوجاتهم المرفَّهات بسيارات الجيش الرسمية!

(د) والأسوأ من ذلك كله هو الطبقية الطائفية التي ارتبطت على الدوام بالاستعلاء والازدراء والتحقير، فأيُّ رقيب من طائفة الرئيس يمكن أن يركل أيَّ نقيب من الطوائف الأخرى على مؤخرته بالبسطار، ثم لا يستطيع الضابط الكبير سوى أن يشكر ربه لأن الركلة جاءت على القفا وليس على الرأس!

هذا كله لا تنشره المجلات العسكرية ولا تتحدث عنه التقارير، لذلك لا نستطيع أن نلوم من يغلب عليه التفاؤل والأمل فيظن أن القيادة السورية نجحت في بناء جيش عربي لتحرير الأراضي السليبة! هذا كله يعرفه فقط السوريون الذين عاشوا في سوريا والذين خدموا في جيشها، فاكتشفوا أنه ليس سوى حظيرة أخرى من الحظائر التي تمتلئ بها مزرعة الحاكم بأمر الله، رئيسِ البلاد الذي يملك البلادَ ومَن يعيش فيها من عبيد وعباد!

الخلاصة وباختصار: الجيش يعاني -في مجمله- من المشكلات والآثام التي يعاني منها المجتمع السوري كله، بل إن هذا من ذاك، فما دامت العصابةُ واحدةً في الحالتين فلن يكون السلوك مختلفاً. ولكن شرفاءه يحملون عبئاً مضاعَفاً لأنهم:

(أ) ينفردون بالمهانة التي تأتي من عدوان الرتب الطائفية الدنيا على الرتب الوطنية العليا.

(ب) يعانون من الكآبة والحسرة والمذلّة وهم يرون جيش سوريا الذي كان ينبغي أن يكون من أقوى الجيوش العربية وأشدها على العدو، يرونه أضعفَها وأذلها في مواجهته والرضوخ لتهديداته والسكوت عن اعتداءاته على البلاد.

(ج) بالإضافة إلى الحرمان والظلم المادي، لأن العبيد (الذين يُسمَّون في الجيش مجنَّدين) لا يحصلون على شيء في حين يحصل ضباطهم على كل شيء، بل حتى الضباط الشرفاء من غير الطائفة الحاكمة يعانون من الظلم والحرمان المادي مقارَنة بضباط الطائفة.

مما سبق نصل إلى الحقيقة الأولى من ثلاث حقائق مهمة تدور هذه الدراسة عليها: الجيش السوري ليس أقلَّ معاناة من الشعب السوري، وكل الأسباب التي دفعت الشعب إلى الثورة موجودٌ مثلُها، أو أكثر منها، بين عناصر الجيش.

-4-

منذ سنوات طويلة تراجع التطوع في الجيش وصارت كتلته الكبرى مكونة من مجنَّدي الخدمة العسكرية الإلزامية. في الماضي غفل أهل السنّة عن أهمية الجيش وأعرضوا عن التطوع فيه، في حين أقبلت عليه الطوائف الأخرى، ولا سيما العلويون والدروز الذين كانت الكليات العسكرية هدفاً أسمى لهم، والذين قادوا من بعدُ أكثرَ الانقلابات المشؤومة التي عرفتها البلاد. بعد انقلاب 23 شباط 1966 طهّر حافظ الأسد الجيشَ من ضباط الطوائف الأخرى، السنّة والإسماعيلية، وأيضاً الدروز الذين استهدفهم بشكل خاص لأن المنافسة على السيطرة على الحزب والجيش كانت قد تركزت تحديداً بين العلويين والدروز منذ انقلاب البعث في آذار 1963. أعدم حافظ الأسد صديقه الرائد سليم حاطوم عام 1967، وسجن اللواء فهد الشاعر وعذبه تعذيباً شديداً أدى إلى اختلاله عقلياً, كما حكم بالإعدام على عشرات الضباط الدروز وسرّح منهم المئات أو نقلهم إلى مراكز هامشية. بالنتيجة صارت أكثر الرتب الوسطى والعليا حكراً على العلويين، وهم شكلوا جزءاً مهماً من القوة النظامية الدائمة (الطوعية) من غير المجندين الإلزاميين.

لكن الواقع القديم تغيّرَ بحدّة في العقدين الأخيرين، فقد استرخى النظام بعدما ثبّت نفسَه وسحق معارضيه (في انتفاضة بداية الثمانينيات) وراح أبناء الطائفة الجدد يحصدون ثمار كفاح الجيل المؤسِّس، ومع تفتّح أبوابٍ لا حصرَ لها تتيح لهم الكسب السهل -بالنهب والسرقة والابتزاز والمشاركات الوهمية وغيرها من الوسائل القذرة- بدؤوا ينفضّون عن المؤسسة العسكرية التي كانوا يتواصَون من قبلُ بالإقبال عليها، وتناقصت بصورة حادة أعدادُ خريجي الكليات العسكرية منهم وصولاً إلى مستويات حرجة أجبرت القيادات العليا على التساهل والرضا بتعيين آلاف الضباط السنّة في قيادات وسطى، بل وفي قيادات عليا في كثير من الأحيان. وكما أشار الدكتور بشير زين العابدين في ورقته القيّمة التي نشرها بعنوان “النظام السوري في مواجهة السقوط”، فإن نسبة السنّة ارتفعت في خمس سنوات من 35 بالمئة إلى 65 بالمئة بين قادة الكتائب، ومن 38 بالمئة إلى 54 بالمئة في التشكيلات القيادية التابعة للقيادة العامة، أي أنها تضاعفت بنسبة مئة بالمئة تقريباً في المستويات الوسطى وبنسبة خمسين بالمئة في المستويات العليا.

وبالنتيجة فقد صار بإمكاننا أن نقول اليوم إن جيش سوريا (الذي يعتمد أساساً على الخدمة الإلزامية) لا بد أن يمثل الشعب السوري تمثيلاً متجانساً بالضرورة. فإذا كان السنّة يمثلون أربعة أخماس المجتمع السوري فهم يمثلون إذن أربعة أخماس الجيش، والعُشر من أفراد المجتمع من العلويين فالعُشر من عناصر الجيش منهم كذلك، والعشر الأخير في المجتمع وفي الجيش من الطوائف الأخرى. وكما تتشابه الكتلتان البشريتان -الشعب والجيش- بالتوزيع الطائفي فإنهما تتشابهان في توزيع المراكز القيادية أيضاً، فكما أن المراكز العليا في الدولة محصورة بيد أبناء الطائفة وأعضاء الحزب فكذلك هي في المؤسسة العسكرية؛ وهنا نصل إلى ثانية الحقائق المهمة في هذه المقالة:

إن الجيش السوري والمجتمع السوري متشابهان إلى درجة التماثل من حيث التركيب الطائفي، بل والتركيب العرقي أيضاً، من عرب وكرد وآشور وكلدان، ومسلمين ومسيحيين وعلويين وإسماعيليين ودروز.

-5-

والآن إلى القضية الثالثة والأخيرة التي يتشابه فيها الجسمان: المجتمع والجيش. الشعب السوري يعيش في سجن كبير تُحصى فيه أنفاسه وتراقَب تحركاته وتسجَّل اتصالاته، ويحاسَب الحسابَ العسير على الذنب اليسير، بل إنه ليؤخَذ بالشبهة الباهتة فيغيب السنين الطوال خلف الشمس أو يصفَّى في أقبية التعذيب، كل ذلك على يد مجموعة من الأجهزة الأمنية السرية التي تحترف الترهيب والإذلال والقمع والترويع، المخابرات العامة والمخابرات العسكرية وغيرها. وربما استغرب أيُّ دارس للتركيبة الأمنية العجائبية في سوريا من دسّ أنف المخابرات العسكرية في المجتمع المدني أو المخابرات العامة في المجتمع العسكري، لكنْ تذكّروا دائماً القاعدة التي كررتها من قبل مراراً: سوريا ليست دولة ذات أجهزة متخصصة، بل هي اتحاد كونفدرالي لدويلات أمنية (أجهزة أمنية) متشعبة التخصصات، وكل واحد من تلك الأجهزة يتحرك في طول البلاد وعرضها ويتفنن في إذلال وتعذيب عباد الله، لا فرق بين مدنيهم وعسكريهم، فالكل في الاستعباد والهوان سواء. وإذن فلا فرق بين المجتمع والجيش حتى في هذه، فكل الأجهزة الأمنية التعسفية المسلطة على رقاب المدنيين مسلطة على رقاب العسكريين، وإن يكن بشدة أكبر وبتركيز أشد بالتأكيد، وهذه هي الحقيقة الثالثة.

*   *   *

الخلاصة: القوات المسلحة السورية جزء من المجتمع السوري أو قطعة منه، وهما يشتركان في الخصائص:

(1) الجيش السوري يعاني -بالجملة- من نفس العلل التي عانى منها المجتمع كله، من ظلم وقهر وفساد وسرقات، وتسلط فئة على سائر الفئات، واستيلاء عصابة من المتنفذين الكبار على كل الثروات، وهي العلل التي فجّرت الثورة الشعبية في البلاد.

(2) لا يختلف الجيش عن المجتمع من حيث تركيبته السكانية والطائفية والحزبية على المستويات كلها، الدنيا والوسطى والعليا. وكما انتشرت روح الثورة والجرأة والتغيير في صفوف الأمة بكل أطيافها فليس بعيداً أن تنتشر في صفوف الجيش كذلك (ولا يلزم لإثبات انتشار الروح الثورية بين العسكر أن نراها في شكل صريح من أشكال التعبير، فنحن نعلم أن الضبط العسكري يجعل التصريح بهذه الروح ضرباً من ضروب المستحيل).

(3) الضغط والكبت الذي يتعرض له الشعب من الأجهزة الأمنية السرية يشبه الضغط والكبت الذي يتعرض له الجيش منها، وإن كان -ربما- بدرجة أشد، لذلك نعترف بأن التمرد العسكري صعب جداً، لكن التمرد المدني لم يكن سهلاً كذلك.

المجموعتان -المدنية والعسكرية- متشابهتان بالجملة، وقد قال أكثر الناس من قبل، العوام منهم والخبراء، إن الشعب السوري لا يمكن أن يثور على حكومته لأنه محكوم بقبضة حديدية، ويقول أكثر الناس اليوم، العوام منهم والخبراء، إن الجيش السوري لا يمكن أن يثور، للأسباب نفسها ولأن قياداته كلها من الطائفة الحاكمة. لكن الشعب السوري فاجأهم وثار، فما الذي يمنع الجيش من أن يفاجئهم ويثور؟

بلى، سيثور الجيش السوري العظيم، على أن ثورته لن تكون كثورة الشعب، فهو لن يخرج إلى الشوارع في مسيرات ولن يهتف بسقوط النظام، وأيضاً لا يُتوقَّع أن يقوم بعض ضباطه بانقلاب، فهذا الأمر في حكم المستحيل لشدة الرقابة والضغط من أجهزة المخابرات والشرطة العسكرية، هذا أولاً، وثانياً ليس هو المطلوب أصلاً في ثورة الشعب السوري. هذه الثورة السلمية الجماهيرية المباركة لم تصنع كل ما صنعته إلى اليوم من إنجازات وتقدّم ما قدمته من تضحيات ليقطع عليها الطريقَ انقلابٌ عسكري يعيدنا إلى أول الطريق! لا، كل ما هو مطلوب وما هو متوقع من جيشنا السوري إنما هو نفسه ما قدمه الشهداء العظماء من العسكريين الشرفاء إلى اليوم، الذين تمردوا على أوامر قياداتهم ورفضوا قتل إخوانهم المتظاهرين المسالمين. قلت إنهم شهداء عظماء لأنهم أشجعنا شجاعة وأكثرنا بطولة على الإطلاق، فالمتظاهرون يخرج منهم إلى الشوارع في أول اليوم مئة ألف فيعود إلى بيوتهم في آخره تسعة وتسعون ألفاً وتسعمئة وتسعون، ويُستشهد عشرة، ثم يعتقل مئة أو مئتان فيؤذَون أياماً ثم يُطلَقون. أما العسكريون فإذا تمرد منهم عشرة قُتل العشرة على الفور، أو قُتل خمسة واعتُقل خمسة فعُذِّبوا ثم أُلحقوا بالخمسة الأوَّلين. فهؤلاء الشهداء -إذن- هم أشجع الفريقين وهم صفوة شهداء الثورة السورية الكبرى.

ومع ذلك فهم كثيرون. أنا أتابع أعداد شهداء الجيش المتمردين باهتمام، وكما قلت لكم في الرسالة الماضية فإنني أحصل على إحصاءات دقيقة بأعدادهم من التلفزيون السوري! فبما أن المتظاهرين لا يقتلون أحداً، بل هم أصلاً لا يحملون سلاحاً، وبما أن العصابات المسلحة والسلفية والمندسّة هراء في هراء، فالعسكريون لا يقتلهم إلا النظام، وهم لا يُقتَلون إلا لأنهم يتمردون ويرفضون قتل المدنيين. أنا أكتب هذه الكلمات في اليوم التاسع والأربعين من أيام الثورة وقد اقترب عدد شهدائها من ألف (الأرقام المعلَنة ومعها زيادة متوقعة بمقدار النصف على الأقل)، منهم مئة من العسكريين، أي أن شهيداً واحداً يسقط من الجيش غيلةً برصاص الأمن مقابل كل تسعة من المدنيين.

الإعلام السوري المضلِّل يحاول التغطية على جريمته البشعة بخديعة مزدوجة، فهو يخفي جريمته من جهة ويستعملها لتشويه سمعة الثورة السلمية من جهة أخرى. ربما نجح في خداع بعض المغفلين، لكن ما يهمنا -في هذه الدراسة تحديداً- هو الجيش. هل تنفَّذ الجريمة بلا شهود؟ قطعاً لا، بل يُعدَم العسكري المتمرد أمام رفاقه في الميدان وعلى الفور. والآن فكروا في المسألة من هذه الزاوية: (أ) الجنود يساقون مرغَمين إلى قتل مدنيين عُزّل لا يحملون قطعة سلاح واحدة ولا يملكون الدفاع عن أنفسهم، فهل سيكون القتل سهلاً عليهم؟ (ب) الجنود الذين يؤمَرون بالقتل جاؤوا كلهم من مدنٍ وقرى سورية، هذا من حمص وذاك من القامشلي والثالث من جاسم والرابع من اللاذقية… مدنهم ومناطقهم ثائرة وهم جزء منها، فهذا أخوه يشارك في المظاهرات والثاني سقط صديقه أو ابن عمه فيها شهيداً، فكيف تَسْلم نفوسهم من الثورة؟ (ج) المجنَّد المزروع في حوران مثلاً يدرك أنه إن أُمر بقتل ابن درعا اليوم فإن مجنداً من درعا ربما يُطلَب منه أن يقتل أبناء بلده غداً، وسوف يفكر بأنه لو تمرد ورفض فسوف ينجو هذا البريء هنا اليوم وربما يتمرد ويستنكف العسكري الآخر فينجو ابن بلده البريء غداً.

كل ما سبق من تحليلات وتوقعات وتصورات نظرية يوصلنا إلى نتيجة عملية مهمة جداً: التمرد والانشقاق أمران متوقَّعان جداً مع تحريك الجيش لقمع الثورة. التمرد سيكون حالات فردية، عصيان فرد أو عدة أفراد ينتهي بإعدامه أو بإعدامهم، أما الانشقاق فيُقصَد به تمرد جماعي على مستوى فصيل أو كتيبة، بل حتى على مستوى لواء في مراحل متقدمة من عمر الثورة. حتى الآن نستطيع تأكيد حالات تمرد كثيرة، ودليلنا عليها هو الإعدامات المتكررة في صفوف العسكريين، أما الانشقاقات فما يزال الحديث عنها في مرحلة الإشاعات، لكني أؤكد لكم أنها إشاعات كثيرة وأنها تثير كثيراً من الضجة والاهتمام في وسائل الإعلام العالمية.

*   *   *

والآن سوف أجمع كل ما ورد في هذه الرسالة -من أولها إلى آخرها- في التوقعات التالية:

(1) سوف يستمر النظام -في معركته مع الشعب- بالاعتماد بشكل رئيسي على الأجهزة الأمنية (المخابرات) وعلى المليشيات التي أطلقها من عقالها (الجيش الشعبي وعصابات الشبيحة).

(2) الجيش عنصر غير آمن بالنسبة للنظام، واللجوء إلى تحريك قطعات الجيش والزجّ بها في المعركة يدل على يأس النظام وعلى استنفاده أكثرَ خياراته.

(3) ارتفاع وتيرة العنف والاعتماد على الجيش في مزيد من القتل سيزيد الضغط النفسي على جنود الجيش وضباطه ويضاعف احتمالات التمرد.

(4) حالات التمرد الفردي وعصيان الأوامر بقتل المدنيين ثابتة على المستوى الفردي، وإذا زاد معدلها خلال الأسابيع القادمة واقتربت من انشقاقات محتمَلة فلن يملك النظام أيَّ خيار سوى تقليص عمليات الجيش.

(5) تنفيذ عمليات قمعية مشترَكة تجمع بين الجيش والأمن (المخابرات والمليشيا) خيار خطير للنظام، لأن زيادة قمع الأمن سيزيد احتقان عناصر الجيش، مما يمكن أن يتسبب في تمرد فردي أو جماعي ودفاع الجيش عن الشعب واشتباكه مع الأمن.

(6) إذا طُلب من الجيش تنفيذ عمليات حربية ضد المدن -تشتمل على اقتحام وقصف عشوائي بالمدافع والدبابات- فالأغلب أن يحدث عصيان وتمرد جماعي وانشقاق داخل الجيش.

(7) إذا وصل النظام إلى نقطة حرجة فسوف يسحب الجيش النظامي ويعتمد على قوات النخبة ذات الولاء العالي، الفرقة الرابعة وبعض ألوية القوات الخاصة، ولكن لو قامت هذه القوات بجرائم كبيرة -على مستوى عمليات حربية شاملة- فقد تتحرك قطعات من الجيش في تمرد جماعي أو انشقاق عسكري للدفاع عن المدن، قطعات تقودها قيادات وسطى وليس قيادات عليا بالضرورة.

(7) إذا فقد النظام كل خياراته وانهارت سيطرته على البلاد فسوف يركز قوته في العاصمة وينشر فرقة الحرس الجمهوي كآخر خط من خطوط الدفاع عن النظام، وقد تشهد دمشق -في هذه الحالة- المعركةَ الأخيرة أو الملحمة الكبرى في انتفاضة التحرير، والله خيرٌ حافظاً.

من كل ما ذُكر يبدو أن الجيش سيكون له دور وشأن مهم في حسم المعركة، ربما ليس بطريقة إيجابية كما حصل في مصر لأن سيطرة ضباط الطائفة على القيادات العليا لا تسمح بشيء من ذلك، ولكن بطريقة سلبية على الأقل، حيث إن احتمال انفجاره وخروجه عن السيطرة سوف يدفع النظام إلى إعادة حساباته، وفي أسوأ الأحوال سيَخرج الجيش من المعركة ويبقى عقبة في وجه النظام أمام أي احتمال لعمل حربي إجرامي ضد الأمة.

هذا المنشور نشر في رسائل الثورة. حفظ الرابط الثابت.

التعليقات

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s