جمعة حماة الديار

رسائل الثورة السورية المباركة (22)

السبت 28 أيار 2011

جمعة حماة الديار

مجاهد مأمون ديرانية

كنت قد أنذرتكم في مطلع رسالتي الماضية بأني لن أعود إلى متابعة وإحصاء مواقع الثورة بعدما اتسعَت رقعتُها وانتشرت في طول سوريا وعرضها، لكني استدركت فوجدت أن الجهد العظيم الذي يبذله الأبطال في الساحات يستحق جهداً متواضعاً يبذله مثلي في التغطية، وليكن هذا هو سهمي في الثورة، مظاهرات على الورق بدلاً من المظاهرات على الأرض… وأين هذه من تلك؟

استقبلَت مدنُ ومناطق سوريا الثائرةُ يومَ الجمعة بمعنويات محلقة في عنان السماء على إثر أجواء الحماسة التي عاشتها مع التكبير الليلي، ففي منتصف الليل ومع الاقتراب من فجر الجمعة ارتجّت مدنُ سوريا بالتكبيرات المدويّة، وشملت حملةُ التكبير المدنَ التالية: اللاذقية، جبلة، بانياس، درعا البلد، درعا المحطة، إنخل، داعل، الحراك، بصرى الشام، بصرى الحرير، الجيزة، المسيفرة، ناحتة، دمشق (المعضمية، برزة، ركن الدين)، دوما، الزبداني، مضايا، سرغايا، بقين، حمص، تلبيسة، كفرنبل، تلكلخ، الرستن، إدلب، حماة، حلب (حي الشعار)، دير الزور، البوكمال، تدمر.

سقط في ليلة التكبير خمسة شهداء في بلدة داعل (استشهد ثلاثة على الفور واستشهد اثنان من المصابين اليوم، السبت) وشهيد في جبلة، رحمهم الله.

حاولت أن أحصر -فيما يلي- أسماء المناطق المشتعلة في جمعة حماة الديار، ولكني لا أستطيع أن أجزم بأن ما في هذه القائمة هو كل ما شهد مظاهرات من المدن والقرى حصراً، لأني ما أزال أكتشف أن كثيراً من المناطق النائية والصغيرة تتأخر أخبارها في الوصول أو أنها لا تصل أصلاً، وكثيراً ما نعرف بمشاركة قرية صغيرة حينما نقرأ أسماءَ شهدائها. لذلك سوف أستغل رسالتي هذه لأرجو كل متظاهري القرى والمناطق -مهما كانت صغيرة- أن يُطْلعوا صفحات الثورة على أخبار مظاهراتهم، فكل مشاركة مهما كانت صغيرة ترفع الروح المعنوية وتشجّع الآخرين.

عدد المواقع الساخنة التي أمكن تحديدها هذا الأسبوع قريب من عددها في الجمعة الماضية، ويبلغ 174 موقعاً (على الأقل)، وإليكم التفصيل:

دمشق وريفها (33 موقعاً): دمشق (العقيبة، البزورية، مدحت باشا، ركن الدين، الميدان، الشاغور، القابون (مظاهرة نهارية ومظاهرة ليلية)، برزة، كفرسوسة، نهر عيشة، الحجر الأسود، التضامن، القدم (3 مظاهرات). برزة البلد، داريا، المعضمية، قطنا، التل، دوما (عدة مظاهرات، رغم الحصار)، حرستا، سقبا، زملكا، عربين، حمورية، جسرين، الكسوة، مضايا، الزبداني، الضمير، زاكية. ومدن وبلدات القلمون: قارة، يبرود، النبك.

حلب وريف حلب (6 مواقع): حلب (سيف الدولة، صلاح الدين)، منبج، دارة عزة، تل رفعت، عين العرب (كوباني).

حمص وريفها (31 موقعاً): حمص (باب السباع، حي المريجة، حي الخضر، البياضة، دير بعلبة، طريق الشام، الحمراء، الغوطة، الإنشاءات، بابا عمرو، الخالدية، باب الدريب، الوعر القديم، الوعر الجديد، العدوية، حي عشيرة، القصور، المحطة، كرم الشامي، القرابيص). ريف حمص: قرى الحولة: كفرلاها، تلذهب، الطيبة، عقرب، طلف: تجمعت في تلدو. تيرمعلة، الغنطو، تلبيسة (والقرى القريبة)، القصير، تلكلخ.

حماة وقراها وقرى سهل الغاب (14 موقعاً): حماة (مظاهرات عديدة وحاشدة جداً)، طيبة الإمام، صوران، حلفايا، كفرزيتا، قلعة المضيق، قسطون، الحواش، الزيارة، عين الطاقة، العمقية، الحرية، الحويز، العنكاوي.

محافظة إدلب (30 موقعاً): إدلب، معرة النعمان، الرستن، جسر الشغور، أريحا، كفرنان (قرية علوية)، بنش، معرتمصرين، بداما، جرجناز، الغدفة، كفرنبل، كفررومة، كفرعويد، حاس، بسقلا، البارة، تلمنس، معرشورين، معرشمشة، معرشمارين، دير الشرقي، دير الغربي، معرحطاط، شنان، بلين، البارة، بليون، كنصفرة، حزارين.

محافظة الحسكة ومنطقة الفرات (24 موقعاً على الأقل): القامشلي، عامودا، الدرباسية، رأس العين، الرقة (منطقتان)، تدمر، البوكمال، دير الزور (6 مناطق)، الميادين، القورية، شحيل، الطيانة، البصيرة. كما تظاهرت عشائر بكارة والعقيدات والبوسرايا وجبور وشمر في جميع قراها ومناطقها (ولا أعرف عددها الدقيق للأسف).

الساحل  (10 مواقع): اللاذقية (الصليبة، الطابيات، الرمل الفلسطيني، بالإضافة إلى أربعة مواقع أخرى في مظاهرات الليل التي سيأتي بيانها بعد قليل)، بانياس، المرقب، جبلة.

حوران (26 موقعاً): درعا (خرجت مظاهرة حاشدة قدرت بعدة آلاف في درعا البلد، حي الأربعين، بالإضافة إلى عشرات المظاهرات الصغيرة في الحارات الفرعية). مدن أخرى محاصرة خرجت فيها مظاهرات: نوى، جاسم، إبطع. وخرجت مظاهرات في أنحاء أخرى من حوران عرف منها: داعل، الحراك، خربة غزالة، المسيفرة، السهوة، الغرايا، كحيل، تسيل، صيدا، المتاعية، كفر شمس، بصرى الشام، بصرى الحرير، الصورة، الجيزة، الطيبة، أم المياذن، ناحتة، المليحات، غصم، معربة. وخرجت مظاهرات في مدينة السويداء للأسبوع الثاني.

النشاط الليلي: التكبيرات الليلية عمَّت المدن والمناطق التالية: دوما، درعا، برزة البلد، الزبداني، مضايا، اللاذقية، جبلة، بانياس. وخرجت مظاهرات ليلية في دمشق: (ركن الدين، القابون، نهر عيشة، القدم)، حمص (باب السباع، الوعر، القصور، الخالدية، المريجة)، اللاذقية (الصليبة، السكنتوري، قنينص، بستان الصيداوي، الرمل الجنوبي)، قارة (ريف دمشق)، طيبة الإمام (ريف حماة)، دير الزور.

الشهداء والجرحى: سقط في جمعة حماة الديار أحد عشر شهيداً، وعدد كبير من الجرحى منهم من هو مصاب بجراحات خطيرة (في حمص وقطنا تحديداً)، ومن الجرحى ثلاث نساء في مظاهرة مضايا. الشهداء: حمص (4)، قطنا (3)، الزبداني (1)، عربين (1) (قُتل بالصدم المتعمَّد بسيّارات الشبيحة ثم بإطلاق النار عليه بدم بارد)، معرشورين (1)، غصم (1).

مدن تحت الحصار والاحتلال

نوى ودرعا ما تزالان تحت الحصار الكامل لليوم الرابع والثلاثين، ودوما في حصار ومنع تجول شبه كلي منذ أربعة أسابيع وحرستا منذ أسبوع، وإبطع وداعل وجاسم والضمير تحت الحصار منذ أسبوعين على الأقل. هذه المدن ما تزال بلا صلاة جمعة في جوامعها الكبيرة، لكن كثيراً من رجالها نجحوا في إقامة الجمعة في جماعات صغيرة في الأزقة والحارات الفرعية. ورغم الحصار فقد خرجت فيها كلها مظاهراتٌ صغيرة واشتعلت بيوتها بالتكبير ليلاً ونهاراً. معرة النعمان بقيت تحت الحصار منذ الجمعة الماضية، وبدأ حصار جديد على البوكمال، واقتحام وحصار لطفس وتل شهاب في حوران. ووردت أخبار كثيرة عن اشتباكات عنيفة (قيل إنها مؤكدة) بين قوات من الجيش السوري وقوات من الأمن والمخابرات قرب المسطومة (إدلب).

بعض المقتطفات من أحداث الجمعة:

(1) دمشق، ساحة العباسيين: ورد أن الآلاف من عناصر الحرس الجمهوري المدججين برشاشات آلية احتلوا كل مداخل ساحة العباسيين وأقاموا حواجز لتفتيش المارة، وربما كان ذلك تحسباً من تحركات قرى الغوطة القريبة، حيث تحركت مظاهرتان كبيرتان من سقبا وحمورية باتجاه عربين، أي أن مظاهرات الغوطة الباسلة اقتربت (ولو قليلاً) من المدخل الشرقي لساحة العباسيين. من الواضح أن هذه الساحة صارت هاجساً لقوات الأمن السورية، وأرجو أن تزيدهم صداعاً على صداعهم في قابل الأيام.

(2) دمشق، الميدان: بعد الاستقالة العلنية للشيخ كريم راجح في الجمعة الماضية أرسل له بشار تعهداً شخصياً يطلب فيه منه العودة إلى الخطابة مقابل ألا يقمع الأمن المظاهرات الخارجة من المسجد، فعاد الشيخ كريم راجح وخطب كعادته خطبة جريئة وأكد للمصلين أن الرئيس أكد له أن قوات الأمن لن تهاجم المسجد، فخرج المصلون بعد الصلاة وبدؤوا بالتكبير والهتاف، ولم يكن رجال الأمن في المكان فعلاً، ولكن ما إن تقدم المتظاهرون قليلاً حتى فوجئوا بكمين نصبه لهم نحو ألف عنصر من عناصر الأمن الذين كانوا مختبئين في البنايات والحارات الجانبية، فأطلقوا على المظاهرة الغازات المسيلة للدموع وحاصروا شبابَ طليعة المظاهرة بأعداد كبيرة وانهالوا عليهم ضرباً واعتقلوا منهم الكثير.

(3) اختراق الحصار المفروض على معرة النعمان: تدفق أهالي القرى المحيطة بالمعرة بأعداد كبيرة بلغت عشرات الآلاف، وحاولت القوات الأمنية التي تحاصر المدينة دفع الجموع البشرية القادمة من القرى من جهاتها الشمالية والشرقية والغربية، وفي سبيل منعها من اختراق الحصار أطلق الأمن الرصاصَ الحي والقنابل المسيلة للدموع، لكن الجماهير الحاشدة نجحت في عبور الحواجز الأمنية ودخلت إلى معرة النعمان من خمسة مداخل في حين انسحبت القوات الأمنية من أمامهم، ومن ثم التقت المظاهرات القادمة من القرى بمظاهرات حاشدة داخل المدينة. التقارير الواردة من المدينة تحدثت عن أجواء من الحماسة العارمة وتكبيرات تشق السماء وعن أعداد تجاوزت مئة ألف متظاهر. لا بد أن نأخذ بعين الاعتبار أن مصدر التقرير لا بد أن يتأثر بالجو الحماسي المسيطر على المدينة، ولعله بالغ في تقدير عدد المتظاهرين بسبب هذه الحماسة ولعل العدد الفعلي لن يبلغ مئة ألف والله أعلم، لكنه لا بد أن يبلغ عشرات الآلاف والله أعلم، نظراً إلى كثرة القرى التي شاركت في الحملة وإلى المشاركة الكبيرة من أهالي معرة النعمان أنفسهم، بارك الله فيهم أجمعين.

*   *   *

ملخص للمناطق الساخنة التي شهدت مظاهرات خلال الأسبوع المنصرم:

السبت: خرجت مظاهرات في دمشق وريفها (القدم ودوما وحرستا وسقبا وقطنا وسرغايا)، وفي حمص وحماة وطيبة الإمام وكفرنبودة، وفي ريف إدلب (جرجناز وكفررومة وكفرنبل وحاس)، وفي اللاذقية والبوكمال والقورية (دير الزور)، وفي بعض قرى حوران. وكانت مجزرة مقبرة تل النصر في حمص هي ملحمة اليوم.

الأحد: خرجت مظاهرات في دمشق وريفها (المعضمية والحجر الأسود ودوما وسقبا وحرستا والكسوة وكناكر والضمير)، وفي حمص (الإنشاءات والقصور والخالدية وبابا عمرو ودير بعلبة) وتلبيسة، وفي حماة والرستن (مظاهرات حاشدة)، وفي إدلب والغدفة والقرى المجاورة، وفي اللاذقية ودير الزور. وفي ذلك اليوم اقتحمت القوات الأمنية والجيش خربة غزالة في حوران وحاصرت سقبا في غوطة دمشق.

الإثنين: في دمشق سارت مظاهرة صغيرة في شارع بغداد (قريباً من فرع أمن الدولة 251 وإدارة المخابرات الجوية)، وخرجت مظاهرات في القابون ودوما وحرستا وسقبا (كالعادة)، وفي حي صلاح الدين بحلب، وفي حمص وإدلب وسرمين وأم مويلات (تشييع شهيد من الجيش) ومعرة النعمان وكفرنبل وكفررومة وحاس وبسقلا واللاذقية ومعربة وبصرى الحرير. وحوصرت تلبيسة والرستن ومعرة النعمان بالدبابات.

الثلاثاء: خرجت في دمشق مظاهرة نسائية صغيرة طيارة في سوق مدحت باشا بعد العصر، ومظاهرة في عرنوس ومظاهرة في الميدان. وفي ريف دمشق (الزبداني والكسوة وقطنا)، وفي حلب (شارع النيل)، وفي حمص (البياضة وباب السباع)، وفي الرستن وكفرنبل وكفررومة وحاس والقامشلي ورأس العين ودير الزور.

الأربعاء: في دمشق وريفها (الميدان والزاهرة القديمة وداريا وبرزة البلد ودوما)، وفي حلب (صلاح الدين وسيف الدولة) وفي حمص وحماة والرستن وبنش واللاذقية والحسكة ودير الزور والقورية، وفي حوران: درعا والمسيفرة وبصرى الحرير وناحتة والقرى المجاورة.

الخميس: في دمشق (القابون) ودوما ومضايا وحمص وحماة وقلعة المضيق وكفرنبل وجرجناز والقرى المجاورة، وفي اللاذقية وجبلة ودير الزور والصالحية (في ريف دير الزور)، وفي حوران: المسيفرة والجيزة وبصرى الشام وبصرى الحرير والمليحة الغربية.

وقبل قليل ورد خبرٌ نشرته صفحةُ “طل للأنباء” يفيد بأن أهلنا في تدمر خرجوا في مظاهرات يومية طول الأسبوع الماضي لكنهم لم يستطيعوا توصيل الأخبار في الوقت المناسب بسبب انقطاع الاتصال.

*   *   *

مع نهاية الأسبوع حققت الثورة ثلاثة انتصارات كبيرة:

(1) اهتدت -بفضل الله- إلى سلاح جديد وبدأت باستعماله على الفور بكفاءة عالية، وهو التكبير الليلي. هذا العمل السهل ظهرت نتائجه الكبيرة فوراً وعلى الجانبين: (أ) الروح المعنوية للشعب الثائر ارتفعت ارتفاعاً كبيراً، ولا سيما في المدن المحاصَرة، فالناس الذين حوّلهم الحصار إلى أسرى في بيوتهم وعانوا مما يعانيه سجناء العزل الانفرادي من وحشة وضيق، هؤلاء أحسوا بأنهم عادوا جزءاً من الجماعة حينما اشترك الجميع في التكبير، فسمع أهل الشارع الواحد أو أهل الحي الصغير تكبيرات جيرانهم وأسمعوهم تكبيراتهم، فصار هذا بديلاً عن تواصلهم الاجتماعي (الذي هو حاجة بشرية مُلِحّة)، وهو أيضاً اتصال جماعي بالله ترتفع فيه الأرواح فوق القهر الدنيوي الذي يحاول الآسرون بواسطته كسر إرادة أسراهم ودفعهم إلى الاستسلام. (ب) أما الروح المعنوية للقوات المعتدية فإن تأثرها السلبي بذلك التكبير المدوّي لا يمكن وصفه. أنا أحاول في العادة أن أحذف العبارات الشاعرية والكلمات الحماسية الرنانة من تقارير الأخبار لأفهم الخبر بشكل مجرد بعيداً عن الإيحاء والتأثير، لكني في هذه الحالة تحديداً وافقت على استعمال تعبيرات من مثل “جُنّ جنون الأمن وراحوا يطلقون النار في الهواء” أو “أصيب الأمن بحالة من التوتر الشديد” أو “بحالة هستيرية”، إلخ؛ فهذا كله متوقَّع من جيش معتد يستمد قوته من الأرض لا من السماء، ولطالما نجحت جيوش المسلمين في إنزال الرعب في قلوب أعدائهم بمجرد التكبير. فاستمروا باستعمال هذا السلاح العظيم منذ اللحظة يا أبطال سوريا، واجعلوها عادة من عادات الحياة الرتيبة: التكبير المتصل ساعة أو بعض ساعة في منتصف كل ليلة. وأنا على يقين من أنكم لن تتركوا التكبير منذ اليوم، فلقد تنسَّمَت أكثرُ المدن والقرى المحاصرة نسائمَ الحرية لمّا صدحت بذلك النشيد السماوي العلوي، فأنّى تتخلى عن ذلك المكسب العظيم؟

(2) الانتصار الكبير الثاني للثورة جاء هدية مجانية من النظام، فقد ارتكب واحدة من حماقاته الكبرى فأطلق رصاصة الرحمة على علاقته المترنّحة بقطر وأمير قطر وقناة الجزيرة.

لقد ظهرت في الماضي عدة صفحات فسبوكية تدعو إلى ثورة شعبية في قطر، وبعضها ما يزال مفتوحاً منذ أشهر، لكن أعضاءها لم يتجاوزوا بضع مئات في الصفحات الهزيلة إلى نحو ألفين لأكبر الصفحات (ثورة 16 مارس)، وفجأة وُلدت صفحة جديدة وتجاوز عدد أعضائها أربعين ألفاً في ثلاثة أيام، وإذا بها صفحةٌ سوريّةُ الإنشاء وسوريةُ الإدارة، وإذا بالذين يشرفون عليها وينضمّون إليها ويكتبون فيها هم عناصر المخابرات السورية! لم يكن عسيراً اكتشاف هذه الحقيقة على المتابع العادي من أمثالنا، فما بالكم بالأجهزة الأمنية الاستخباراتية القطرية، هل ستغيب عنها هذه الحقيقة؟ لا بد أن الأمور كلها قد انكشفت للسلطات القطرية منذ الساعات الأولى، وسوف ينعكس هذا الأمر بإذن الله في تَخَلّ رسمي قطري عن النظام السوري، وفي انحياز أفضل من “الجزيرة” لثورة شعب سوريا المُصابر. فأبقوا أعينكم مفتوحة على القناة خلال الأيام القادمة لتروا الفرق بين التغطية القديمة والتغطية الجديدة إن شاء الله.

لا أستطيع أن أتصور إخفاقاً سياسياً وإعلامياً أسوأ من الحركة الغبية التي قام بها النظام السوري عندما روّج لثورة شعبية في قطر، بدءاً بالصفحة الفسبوكية التي أنشأها لهذا الغرض، ثم بحشد طاقته الإعلامية البائسة لتغطية ما اعتبره حادثة القرن الكبرى. ولم يخطر ببال النظام الغبي أن أبطال الثورة السورية له بالمرصاد، فقد تعقبوا الأفلام التي بثتها فضائياته فوجدوا أن مظاهرات البحرين التي تناقلتها المواقع الإلكترونية قبل شهرين صارت فجأة -في الفضائية السورية- مظاهرات قطرية في الجمعة الأخيرة، وما كان مظاهرة قطرية في الدوحة للتضامن مع الثورة المصرية في الأول من شباط صار -على شاشة تلفزيون الدنيا- تضامناً من المصريين مع إخوانهم القطريين في ثورتهم! وأمثال ذلك من “الفبركات” الساذجة التي لا تنطلي على الأطفال!

(تساءلت باستغراب: إذا أرادت الفضائيات السورية “فبركة” أخبار جيدة فلماذا لا تستفيد من خبرة الخبراء من مجرمي العصابات المندسة الذين قبضت عليهم وعرضتهم على شاشاتها؟ هي قالت لنا إن أولئك المندسّين فبركوا كل ما شاهدناه من لقطات للشهداء والمعذَّبين والمظاهرات والاعتصامات، فإذن لا بد أنهم محترفون في الفبركة إلى أقصى الحدود لأنهم نجحوا في خداع الفضائيات الكبرى ووكالات الأنباء العالمية، فلماذا لم تستفيدوا من خبراتهم -يا عباقرة قناة الدنيا- بدلاً من أن تُضحكوا عليكم الناس بإخفاقاتكم وفبركاتكم السخيفة؟)

(3) الانتصار الكبير الثالث هدية أخرى من النظام، ولكنها ليست مجانية أبداً، بل هي غالية جداً, ولكنها كبيرة جداً. الجريمة الفظيعة التي ارتكبتها أجهزة الأمن السوري الساديّة بحق طفل بريء تحولت بسرعة إلى نار ستحرقها وتحرق النظام، فقد تلقفتها وسائل الإعلام العالمية ونشرتها في أرجاء الدنيا فهزت ضمير العالم، وتحولت إلى فضيحة دولية بحق النظام المجرم سوف تلوي أعناق الكثيرين، بدءاً بالساسة ومروراً بالمنظمات والهيئات وانتهاء بالدول والحكومات.

كما أن الثورة نفسها كسبت اليوم رمزاً مُلهِماً جديداً. لا شك أن الثورة تستمد الإلهام من كل شهيد يسقط وكل حر يُعتقَل، لكن بعض الرموز أكثر تأثيراً من غيرها. على سبيل المثال: الأسيرة طل الملوحي تحولت إلى رمز مُلهم في وقت مبكر وكان لها دور واضح في تحريك السطح الراكد وتهيئة الجو للانتفاضة، والشهيد معتز الشعار ساهم بشكل واضح في إلهام وتحريك شباب دمشق، وشهيدات المرقب الأربع حرّكنَ مشاعر ملايين الناس أكثرَ مما حركها مئات الشهداء من الرجال، والبطل أحمد البياسي صار رمزاً ملهماً للشعب كله، وكثيرون آخرون أثروا فينا وما يزالون، كالأسير البطل أنس الشغري والشهيد (المتخلف عقلياً) مرشد راكان الأبازيد الذي استشهد تحت التعذيب وسرقت أعضاؤه، ومثلهم كثير.

كل هؤلاء (وغيرهم من الشهداء والمعتقَلين) من رموز الثورة الكبيرة، لكن أياً منهم لم يبلغ ما بلغه الشهيد الصغير حمزة الخطيب رحمه الله، فقد تحول بسرعة البرق إلى “أيقونة” شعبية عارمة. يمكنكم بسهولة الوصول إلى هذا الاستنتاج من مجرد مقارنة أعداد معجبي الصفحات، فأعضاء صفحة “كلنا طل” ما زالوا أقل من اثني عشر ألفاً بعد افتتاحها بأشهر، وصفحة أحمد البياسي جمعت أربعة آلاف معجب في ثمانية أيام، حتى بطل جبلة الأسير الذي يذهل صمودُه شجعانَ الرجال ويصغّرهم في عيون أنفسهم، طارق بدرة، لم يصل عدد معجبي صفحته إلى سبعمئة (للأسف) بعد أسبوع من نشرها… أما الشهيد الصغير حمزة الخطيب فقد تجاوز عدد معجبي صفحته عشرين ألفاً في أربع وعشرين ساعة. لقد صار مثل البوعزيزي في تونس، بل ربما يصبح في تاريخ ثورة التحرير السورية مثل جان دارك في التاريخ الفرنسي، وسوف تستفيد منه الثورة الكثيرَ بإذن الله، رحمه الله وصبّر على فراقه والديه وعوّضهم خيراً.

هذا المنشور نشر في رسائل الثورة. حفظ الرابط الثابت.

التعليقات

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s