أفكار واقتراحات للمظاهرات (1-5)

أفكار واقتراحات للمظاهرات (1-5)

ملاحظة أولية: تعتمد هذه السلسلة من التوجيهات الموجَزة على دراسة مطوَّلة سبق نشرها بعنوان “محاولة لفهم سياسات النظام: سياسة قمع المظاهرات”، فأرجو أن تكونوا قد قرأتم الدراسة نفسها لكي تكون هذه المقترحات مفهومة في سياقها وذات قيمة في التطبيق. وسوف أقسم هذه الأفكار والمقترحات إلى فقرات قصيرة (سأسميها “لقطات”) للاستيعاب وتمام الفائدة، مع الأخذ بعين الاعتبار أنها ملاحظاتُ مراقبٍ بعيد، ولا بد أن تكون للإخوة المشاركين على الأرض قدرةٌ أكبر على فهم الموقف وتقرير أفضل الأفعال الممكنة، فاعتبروا ما أكتبه هنا مقترحات (كما هو عنوانها) لا أكثر. ثبتكم الله ووفقكم وحفظكم ونصركم على عدوكم، إنه خير نصير وخير ظهير.

(1)

ليس كل المشاركين في المظاهرات سواء من حيث الاندفاع والحماسة ومن حيث قوة الأعصاب والشجاعة، وبما أن المظاهرة تتكوّن بطريقة عفوية (أو شبه عفوية) فإن كل متظاهر يأخذ مكانه من المظاهرة اعتباطياً، في أولها أو وسطها أو آخرها أو في القلب أو على الأطراف. لكن هذه المواضع ليست متساوية في الأهمية، ولا بد أنكم لاحظتم دائماً أهمية جماعة الطليعة، فهم يحددون مسار المظاهرة ويسحبون وراءهم الصفوفَ التالية، وهم يتلقون غالباً الصدمة الأولى والضغط الأكبر عندما يبدأ الهجوم على المظاهرة لتفريقها.

لذلك أنصح كل متظاهر بأن يفحص نفسه، فإذا وجد أنه من أن أصحاب القلوب القوية فليتقدم إلى الأمام أو يساند أحد الجناحين، وإذا أحس من نفسه ببعض التردد أو الخوف فليبقَ في الوسط. وليس التردد والخوف عيباً، فإن مجرد المشاركة في التظاهر يحتاج إلى شجاعة كبيرة، وأنا أفخر بكل من يمشي متراً في مظاهرة على أرض الشام، لكن الأمور نسبية والشجعان يتفاوتون في قوة قلوبهم وقدرتهم على الاحتمال.

لا يتقدم إلى الطليعة إلا من بايع على الموت، لأن احتمال الإصابة بين رجالها هو الأعلى، ولأن الدور المطلوب منهم هو الأهم. إذا ثبتت الطليعة ثبتت الصفوف الممتدة وراءها، وإذا انهارت وتفرقت فإن مآل المظاهرة غالباً إلى انهيار. وبعد الطليعة تأتي الأجنحة في الأهمية، فلينتشر على جناحَي المظاهرة جماعة من الأبطال الشجعان ليحموها من اختراق العملاء والشبيحة وليحولوا دون اختطاف أي من المشاركين فيها.

(2)

الغالبية العظمى من المظاهرات في سوريا حكر على الرجال، وقليل منها ما يضم كوكبات من الحرائر، وبعضها مظاهرات نسائية بالكامل. بالطبع نفهم لماذا يميل ثوار سوريا إلى تجنيب النساء مخاطر المظاهرات، ليس فقط بسبب القتل ولكن أيضاً، وربما هو السبب الأهم، بسبب احتمال الاختطاف والاعتقال.

لاحظت أن الحرائر يمشين أحياناً وراء الرجال في بعض المظاهرات، وهذا خطر أرجو أن تتداركوه على الفور، فلا تمشي جماعة النساء إلا في القلب، على أن تتقدمها وتتأخر عنها جماعتان من زكرتية المتظاهرين، وكذلك تحوط بها من الجانبين جماعات من الشجعان الأقوياء، وليعلم هؤلاء الرجال أن الحرائر أمانة في أعناقهم، وليبايع الواحد منهم على الموت ولا يسلم حرة لكلاب الشبيحة والمخابرات، ولو استدعى الأمر الاشتباك بالأيدي والتعرض للسلاح الأبيض وغير الأبيض، ولن تُهزَم جموع أبطالكم أمام عصاباتهم بإذن الله.

أما المظاهرة النسائية فلا يجوز أن تتحرك على الأرض شبراً ولا متراً إلا بحماية كاملة من جماعة من زكرتية الرجال تراقبها وترافقها على مسافة آمنة، فيقف الشباب صفاً عن يمين وصفاً عن شمال، وتتقدمها طليعة من الفدائيين وتحرسها ثلة منهم من خلف، والأفضل أن لا تقطع مسيرات الحرائر مسافات طويلة على الأرض حتى لا تعطي فرصة لقوات الأمن للوصول إلى الموقع، ولتصوَّر من بعيد، وأرجو أن لا تكشف حرة عن وجهها لأن المخبرين والعواينية منتشرون في كل مكان، ولا نريد أي فرصة لـ”تعليم” أي حرة وملاحقتها، فإن الأجهزة المجرمة لا تتوانى عن اعتقال الحرائر، وقد حملوا قوائم اعتقال فيها أسماء نساء في كل المناطق التي اجتاحوها في حوران وغير حوران، فيا لخسّة من يلاحق ويعتقل النساء!

(3)

حتى الآن يصرّ أكثر المتظاهرين على كشف وجوههم في المظاهرات، وهذه شجاعة خارقة ربما لا توجد في الدنيا كلها إلا في سوريا، حيث يتضاعف احتمال اعتقال المتظاهر في هذه الحالة أضعافاً كثيرة بسبب انتشار المخبرين والعواينية في كل الأحياء، ومن بعد الاعتقال ما تعرفون من معاناة وتعذيب ينتهي بالموت أحياناً. لذلك أقول لكم: بارك الله في شجاعتكم، ووالله إني لفخور بكم وأرفع رأسي عالياً لمجرد أنني أنتمي إلى أمة أنتم رجالها، ولكن حريتكم وسلامتكم أهم من الشجاعة في هذه المرحلة.

لذلك أوصيكم بأن تنشروا في كل أنحاء سوريا العادةَ التي بدأتها طائفةٌ كبيرة من إخوانكم أبطال حماة، فلا تمشوا بعد اليوم في مظاهرة إلا وقد غطيتم وجوهكم، واقتدوا بالحموية فابدؤوا فوراً بتعميم “السُّلُك الأحمر” ليصبح زياً موحداً لكل جنود الثورة. وهل أنتم للثورة إلا كالجنود؟ أوَليس للجنود لباس موحد في كل جيش؟ فإن لم يكن لكم لباس موحد يغطي الأجساد فليكن اللباس الموحد على الرؤوس، وتذكروا أن أكثر ما يراه عدوكم منكم هو الرؤوس المرصوصة في كتل المظاهرات الكبرى.

وفوق الفائدة الأصلية التي نريدها من تغطية الوجه، وهي حجب هوية المتظاهر وعدم كشفه للمخبرين، فإن خروج مظاهرة فيها آلاف من الرؤوس المتراصّة الملفوفة بالسلُك الأحمر يبث الرعب في قلوب الأعداء ويزلزل كيانهم، ويضفي على المظاهرات جلالاً تنقله عدسات آلات التصوير إلى أنحاء الدنيا.

(4)

وصيتي إلى الصفوف الأولى من أي مظاهرة: تقدموا بثبات ولا تبطئوا الخطى ولو كانت أمامكم حواجز أو تجمعات أمنية وشابوحية (أي من الأمن والشبيحة)، فإن احتمال خوف كل فريق من الآخر يكاد يكون متساوياً، ولو أنكم مضيتم بثبات وهتاف مجلجل فإن ميزان الخوف سيميل لصالحكم، واحتمال أن يدب الرعب في قلوبهم ويبدؤوا بالتراجع من أمامكم سيزيد على خمسين بالمئة.

ربما كانت خطة الأمن لتفريق المظاهرة هي قتل بعض المشاركين برصاص القناصين المبثوثين على السطوح العالية، وسوف أتحدث عن تلك الحالة بالتفصيل في “لقطة” لاحقة، أما الآن فدعونا نركز على الحواجز المسلحة والتجمعات الأمنية التي سوف تعترض طريق المظاهرة على الأرض. القاعدة الأصلية أن عناصر الحواجز والتجمعات الأمنية غير ممسوح لهم بفتح النار عشوائياً على المتظاهرين (إلا في حالات استثنائية قليلة لم تتجاوز واحداً في الألف منذ بداية الثورة) فتقدموا على افتراض أن الحواجز والتكتلات الأمنية للترهيب وليس للقتل.

لكن لا بد من الاستعداد، فإذا بدأ إطلاق النار على المظاهرة بشكل مباشر فلا تتراجعوا إلى الوراء لأن ظهوركم ستكون في مرمى النار، بل انشقّوا من الوسط واقسموا المظاهرة إلى قسمين طوليين عن يمين وشمال بحيث تفرّغون وسط الطريق، وإذا كان على جانبي الطريق حارات فاحتموا فيها فوراً، أو التصقوا بالحيطان. وإذا كان في الطريق حواجز من أي نوع (كتل إسمنيتة أو حاويات قمامة كبيرة مثلاً) فاستعملوها واقيات. أهم نصيحة هي أن تخفضوا الرؤوس لأن أكثر الإصابات القاتلة تكون في الرأس، وأن يلف كل واحد جسمه ربعَ لفّة بحيث يصبح جنبه مواجهاً لمصدر النيران وليس صفحة جسمه، وهذا العمل البسيط يقلل احتمال الإصابة القاتلة إلى أقل من النصف.

(5)

في الأعم الأغلب من المظاهرات لن يلجأ الأمن إلى النيران المباشرة والكثيفة من العناصر الأمنية على الأرض، بل سيعتمد على اصطياد بعض المشاركين في المظاهرة بالقناصات البعيدة المدى والمرتكزة على بعض السطوح العالية. يؤسفني أن أقرر أن اتقاء الإصابة بالقناصات يكاد يكون مستحيلاً، ولعل الطريقة الوحيدة التي تضمن ضماناً كاملاً عدم الإصابة برصاص القنص هي عدم المشاركة في المظاهرة أصلاً (مع ملاحظة أن هذا لا يعني أن ينجو من الموت من كتب الله عليه الموت، لأن مَلَك الموت يصل إلى من حان أجله ولو اعتصم بالحصون المحصَّنة). لكن اطمئنوا، فإن احتمال إصابة أي متظاهر برصاصة قناص أقل من واحد في الألف، لأن أقل من مئة يُستشهدون في كل جمعة رغم أن المشاركين في المظاهرات يكونون بمئات الآلاف.

لو أنكم قرأتم مقالتي المطولة التي سبقت هذه السلسلة من النصائح والمقترحات (عنوانها: محاولة لفهم سياسة النظام في قمع المظاهرات) فسوف تتذكرون أن المظاهرة الواحدة أو المنطقة الواحدة لها “حصة قتل” محددة حسب الخطط الأمنية التي يعتمدها النظام. هذه النقطة مهمة جداً لأن ردة فعل المتظاهرين لن تغير -على الأغلب- من حصيلة شهداء المظاهرة، فلو هربوا أو ثبتوا في مواقعهم فإن العدد المحدد للضحايا سوف يسقط في الحالتين.

هذا الخبر مثير للدهشة لكنه غالباً صحيح، لذلك أنصحكم بأن تتجاهلوا حالات القنص وتمضوا في المظاهرة بثبات. إذا سقط مصاب أو شهيد برصاص قناص فاحملوه وأكملوا السير إلى الأمام، لأنكم لو تركتموه فسوف يخطفه الأمن، وحوّلوا مسار المظاهرة فوراً باتجاه أحد المشافي لتسليمه للعلاج أو لتجهيزه للدفن، واصنعوا ذلك لو سقط شهيدان وثلاثة وأربعة وخمسة، أما إذا تحول القنص إلى رش فمعنى ذلك أن الخطة هي تفريق المظاهرة بأي ثمن، وفي هذه الحالة لا بد من فض المظاهرة والانسحاب في جماعات لكيلا تتعرض المظاهرة إلى مجزرة لا سمح الله.

هذا المنشور نشر في أفكار واقتراحات للثورة. حفظ الرابط الثابت.

4 ردود على أفكار واقتراحات للمظاهرات (1-5)

  1. يقول غير معروف:

    مقال يستدعي الانتباه و مفيد..شكراً لمجهودك

  2. يقول najwa:

    مقال يستدعي الانتباه و مفيد..شكراً لمجهودك

  3. يقول salam:

    الرجاء من المتظاهرين لبس خوذات معدنيه على روؤسهم لانه الكلاب يستهدفون فتلهم تماما قد لاتحميهم الخوذات من الرصاص ولكن يمكن تحميهم على الاقل من الموت حرام الله او اذا مافي خوذات معدنيه استعمال الطناجر اننا طبعا لانمزح والله حرام الخساارت هذه بالارواح الرجاء الاهتمام بهذاالشئ رجاءا

  4. يقول باحث سوري مغترب:

    جهد رائع أخي مجاهد .. لي ملاحظة على موضوع تجنب القناصة .. فقد قرأت أن الدخان الناتج عن إحراق إطارات السيارات يحد من رؤية القناصة ويقلل بإذن الله من نسبة إصابتهم لأهدافهم

التعليقات

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s