أفكار واقتراحات للمظاهرات (11-15)

أفكار واقتراحات للمظاهرات (11-15)

(11)

من أغرب ما شاهدته في مظاهرات سوريا وأكثرها إثارة للحزن تلك المرات التي حبس فيها المتظاهرون أنفسهم في قفص وانتظروا عناصر الأمن والمخابرات ليسوقوهم إلى المعتقلات! هذا هو تماماً ما حصل كلما بدأ الشباب بمظاهرة من داخل جامع من الجوامع الشهيرة في دمشق وحلب خاصة، وقد رأيناه بالتفصيل في المقاطع المصورة التي نقلت إلينا تفاصيل بعض مظاهرات جامع الشيخ أسامة الرفاعي في كفرسوسة بدمشق. لماذا صنعتم ذلك يا شباب؟ إن حريتكم وسلامتكم من أغلى ما ينبغي على انتفاضة سوريا العظيمة المحافظة عليه، فلا تضعوا أنفسكم في خطر يمكن تجنبه.

أرجو أن تطوروا تكتيكاً لإطلاق مظاهرات الجوامع بحيث لا يتعرض أحد منكم للاعتقال. نحن نعلم أن عناصر الأمن والمخابرات صاروا فجأة من المتدينين الذين يحرصون على حضور الجمع! إنهم منتشرون في كل الجوامع النشيطة ومسلحون بالعصي الكهربائية وينتظرون أن يبدأ أي منكم بالهتاف والتكبير حتى ينقضّوا عليه كالضباع، أو يغلقوا عليكم الأبواب ثم يصطادوكم واحداً واحداً وأنتم خارجون. لذلك لا تبدؤوا بالمظاهرة من الداخل أبداً أبداً، بل انتظروا حتى يخرج عدد كبير من المصلين ثم ابدؤوا بالهتاف.

الملاحظة الأخرى خاصة بالشخص الذي يبدأ بالهتاف. هذا الشاب الشجاع سيكون أكثر عرضة للاعتقال من الباقين، ومهمتكم جميعاً حمايته وإعاقة عناصر الأمن من الوصول إليه. أقترح أن تشكلوا حلقتين محكمتين حوله بعد خروجكم من باب الجامع (بتدبير مسبق بينكم)، ثم يبدأ هو بالهتاف العالي والحماسي فيما يمثل باقي أفراد الحلقة المزدوجة دورَ مصلّين عاديين (ولا يشاركون في الهتاف في مراحله الأولى)، لكنهم يجب أن يكونوا متماسكين بحيث لا ينفذ من خلالهم أي شخص غريب لأن هذا الغريب قد يكون عنصر أمن، بل من المرجح أنه كذلك. على أفراد الحلقة المزدوجة أن يستمروا في الحماية حتى تتعالى الهتافات من كل مكان ويختلط الحبل بالنابل ويؤمّنوا تحركاً آمناً بعيداً عن الجامع. حماكم الله.

(12)

لاحظت في مظاهرات وسط دمشق التجاري خاصةً أن الأمن يسلك سلوكاً مختلفاً تماماً عن سلوكه في بقية المناطق، حتى في أطراف دمشق ذاتها. راقبت عشرات المظاهرات في القابون وبرزة والميدان والشاغور والحجر الأسود والقدم، فوجدت أن أعداد عناصر الأمن وتصرفهم مع المظاهرة شبه قياسي، أي أنه يشبه توزيع القوات الأمنية وسلوكها في حمص مثلاً وغيرها من المدن، حيث يتصدى المئات من عناصر الأمن للآلاف من المتظاهرين، وتنتهي المظاهرة باعتقال أفراد أو عشرات من بين ألف متظاهر أو عدة آلاف.

بالمقابل رأيت مظاهرات قليلة في مناطق دمشق التجارية، في عرنوس والحمراء ومدحت باشا والشعلان، وقبلها في ساحة المرجة وفي الأموي نفسه في الأيام الأولى للثورة، حيث يكون المتظاهرون بالعشرات والأمن بالمئات، فنجد كل واحد من المتظاهرين وفوقه أربعة أو خمسة من عناصر الأمن الذين ينتشرون في تلك المناطق مثل الرز. وبالتالي فإن المظاهرة الصغيرة التي تمشي في منطقة كهذه هي مشروع اعتقال جماعي محتَّم.

لا شك أن كل مظاهرة تفيد، ولا سيما مظاهرات العاصمة، ولكن المصلحة تقتضي أن يبقى شرفاء دمشق أحراراً للمشاركة في أكثر عدد من المظاهرات لا أن يسلّموا أنفسهم لأجهزة الأمن بعد مسيرة طولها مئتا متر لا يُهتَف فيها إلا بالنشيد الوطني! لا، هذه صفقة خاسرة. لذلك أنصح شباب الثورة في دمشق أن يلتحقوا بالمظاهرات الكبيرة، وقد علمت من بعض الناشطين أنهم ينتقلون من مناطقهم الهادئة إلى الجوامع النشيطة (كجامع الحسن في الميدان مثلاً) للمشاركة في المظاهرات الكبيرة، وهذه خطة جيدة، ويمكننا التفكير في خطة أخرى سأشرحها في “اللقطة” القادمة.

(13)

الخطة الأخرى هي أن تبدأ المظاهرة من منطقة بعيدة عن السيطرة الأمنية ولكنها ليست بعيدة عن منطقة حيوية. أحياء ركن الدين والشيخ محيي الدين والمهاجرين مثلاً تجمع عنصرَي المعادلة، حيث يمكن أن تبدأ المظاهرة في الجادات العليا وتمشي هناك فقط حتى يتجمع فيها ألفان أو ثلاثة آلاف، وبعد ذلك يمكن أن تنزل إلى شارع الحمراء أو سكة المهاجرين.

أقترح تجنب الأسواق الضيقة (كالشعلان ومدحت باشا والحميدية) لأنها تتحول إلى قفص للمتظاهرين عندما تندفع إليها عصابات الأمن بأعداد كبيرة من الناحيتين الأمامية والخلفية، أما إذا أصررتم على مظاهرات في تلك الأسواق -لما لها من أهمية إعلامية كبيرة- فيجب أن تكون المظاهرة قصيرة جداً، لأن الأمن يحتاج إلى بعض الوقت للوصول إلى الموقع. لو راقبتم الفيديو الذي صُوِّر لمظاهرة مدحت باشا فلا بد أنكم تتذكرون ذلك الشرطي الذي كان واقفاً بجانب الطريق ثم أخرج جواله وبدأ بالاتصال، وبعد نحو عشر دقائق وصلت عصابة الأمن واعتقلت أكثر المشاركين.

إذن هذه هي القاعدة الذهبية في الحالات المشابهة: لا تمنحوا عصابات الأمن تلك الدقائق الغالية التي تحتاج إليها للوصول إليكم، بل سيروا عشرات الأمتار فقط لمدة ثلاث دقائق أو خمس، واهتفوا هتافات قوية مزلزلة، ثم تفرقوا في أطراف السوق وفي الأزقة حسب خطة انتشار معدة مسبقاً، ولا ترجعوا من حيث أتيتم أبداً لأن بعض المخبرين ربما يكونون قد تعرفوا عليكم من ملابسكم أو أشكالكم. وبالمناسبة: لا تنسوا وصيتي السابقة بإخفاء الهوية، غطوا وجوهكم بسُلك أو بعلم سوري أو بأي قطعة قماش، ومن الأفضل أن تتخلصوا من الغطاء أثناء الانسحاب لئلا يكون دليلاً ضدكم في حالة تعرضكم لحواجز أمنية في الجوار.

(14)

ماذا يرتدي المتظاهرون؟ أهم ما يمكنني اقتراحه هو لباس الرأس والقدمين، أما ما بينهما ففيه مرونة متروكة لكل واحد. فأما ما ينتعله المتظاهر فيكن حذاء رياضياً خفيفاً مريحاً لأنه قد يمشي فيه ساعات، ولأن الحذاء الرياضي لا يفلت من القدم لو ركض المتظاهر في حالة الضرورة، بخلاف الشحاطات التي يمكن أن تفلت فتتسبب في تعثر المتظاهر على الأرض، ولا يخفى عليكم أن التعثر والسقوط قد يكون هو الفارق بين الحرية والاعتقال أو بين الحياة والموت.

أما الرأس فقد اقترحت عليكم من قبل أن يُلَفّ بسُلُك أحمر، والهدف الأصلي من هذا الاقتراح هو أخفاء الهوية عن أعين العملاء والعواينية المدسوسين لتجنب أي مساءلة أو اعتقال، وله هدف آخر هو بث الحماسة في قلوب المتظاهرين (عندما يبدو شكلهم مثل كتائب جيش موحد المظهر) وبث الرهبة في قلوب الأعداء من الشبيحة والأمن. وفوق ذلك كله فإنه يقي من أشعة الشمس، لا سيما وأن مظاهرات يوم الجمعة تكون في وقت الظهيرة.

وأما اللباس نفسه فليلبس كل واحد ما يشاء، على أن يتجنب اللباس الملفت للانتباه بشكله أو بلونه (مثلاً الأصفر الفاقع والأحمر الزاهي)، وأن يتجنب اللباس غير المريح (الضيق الذي يعوق الحركة مثلاً أو الثقيل الذي يزعج في أيام الصيف)، وكلما كانت ألبسة الناس متشابهة كان أحسن (مثلاً الملابس الرياضية للرجال والعباءات السوداء للسيدات، كما رأيناهن في مظاهرات المعضمية وغيرها) بحيث يختلط الناس ويصعب تمييز أحدهم عن الآخر.

(15)

ماذا يحمل المتظاهر معه؟ أولاً يحمل زوّادته الشخصية من الماء والطعام لأنه يمكن أن ينشغل بالمظاهرات ساعات طويلة، ولا سيما يوم الجمعة في وقدة الحر. يستطيع مثلاً أن يضع في جيبه شطيرة أو شطيرتين ويعلق على كتفه مطرة ماء، أو يحمل كيساً قماشياً خفيفاً على الكتف أو حقيبة رياضية خفيفة على الظهر يضع فيها لوازمه، على أن لا يُثقل الحمل حتى لا يعوق حركته. وإذا كانت عيونه تتحسس من وهج الشمس فليضع على عينيه نظارة شمسية.

في بعض “اللقطات” السابقة تحدثت عن زكرتية يتطوعون لحماية المظاهرة من المخاطر المحتملة (لا سيما عندما تكون مظاهرة نسائية أو رجالية فيها بعض الحرائر) أو زكرتية يتحملون مسؤولية حماية المظاهرة من الاختراق على الجناحين ومسؤولية تحرير أي متظاهر يمكن أن يحاول الشبيحة اختطافه من وسط المظاهرة. إذا قررتَ أن تكون واحداً من أولئك الفدائيين فأقترح عليك أن تحمل في جيبك أداة بسيطة، إما قلم رصاص أو عوداً خشبياً (عودَ شجرة يابساً مثلاً) بحجم قلم الرصاص، وسوف تكون لهذه الأداة البسيطة فائدة كبيرة لو تعرض أي شخص بقربك إلى محاولة اختطاف وأرسل نداء استغاثة.

كما قلنا من قبل فإن مسؤولية حماية المظاهرة مسؤولية جماعية وعلى الكل أن يحولوا دون وقوع أسرى بيد الأمن بأي وسيلة “سلمية” ممكنة، وهذا منها. ما عليك إلا أن تنغز الشبّيح المعتدي بالعود الخشبي أو بقلم الرصاص من جهته الدقيقة، ولتكن نغزة قوية ترعشه وتدفعه إلى ترك ضحيته، وغالباً فإن أفضل محل لذلك هو تحت الإبط لأنه سيكون رافعاً ذراعه ليطوق بها عنق ضحيته أو جسمه. لكني أحذّر أي شخص متردد من استعمال هذا الأسلوب لئلا يخفق فيه ويتحول هو إلى ضحية، بل يجب أن يكون مهيئاً ومتدرباً على الحركة السريعة. وأوصي بشدّة أن لا يقوم بمثل هذا التصرف أي شخص منفرد، بل أن يكون تصرّفه ضمن هجوم جماعي يقوم به عدد من الزكرتية في الوقت نفسه على الشبّيح المعتدي لتحرير الأسير قبل الانسحاب الجماعي السريع.

هذا المنشور نشر في أفكار واقتراحات للثورة. حفظ الرابط الثابت.

التعليقات

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s