تقرير ميداني من دوما

تقرير ميداني من دوما

كتبته نقلاً عن شاهدة عيان: مؤمنة المؤيد العظم

ذهبت لزيارة جارة سورية لنا قدم لزيارتها من دوما حماتها وابنة حميها، والتي على ما يبدو ناشطة هناك ولها ولدان يقدمان البكالوريا ويخرجان بالمظاهرات باستمرار، فكلمتنا كلاماً طويلاً عما يحدث في دوما، وأرتنا مقطعاً عن استشهاد جار لهم صوّره ابنها حال حصوله، فقد كان واقفاً بجانبه لما سقط، وقد استشهد بعد أن قدّم ثلاث مواد من البكالوريا مما سبب إحباطاً لابنها فتردد في إكمال اختباره إلى أن أقنعته أمه أن يموت شهيداً وهو طالب، فيقولون استشهد وهو يدرس ولا يقولون استشهد وهو تارك الامتحانات!

حدثتنا عن أبي معتز الشعار صاحب الفيديو المشهور الذي حكى فيه قصة استشهاد ابنه، فقد أفرجوا عن ابنيه من الاعتقال بعدها مباشرة، ثم أخذوه فقتلوه قتلهم الله. الشيخ الصياصينة كان قد هرب من الأمن، حتى بعد أن قتلوا ابنه لم يظهر، وانتشر خبر ظنوه أكيداً بأنه هرب للأردن، ثم فوجئوا به لما سلم نفسه. قالت بأنهم هددوه بعرض أخته وزوجته وزوجة ابنه فسلم نفسه، وهي تظن أنهم لن يتركوه حياً بعد ذلك، الله يحفظه ويرده لأهله.

كذلك أخبرتنا عن رجل طبيب مشهور أخذوه من داريا ليشارك بالحوار الوطني ثم وضعوه بالسجن فترة، وزوجته تسأل عنه هنا وهناك ولا تدري أين هو… فهذا هو حوارهم الوطني.

وحدثتنا عن ابنها الذي أصابته رصاصة في رأسه فسلمه الله، كانت إصابته سطحية، مجرد خدش بسيط، قال الطبيب أنها لو نزلت سنتمتراً واحداً لأنهت حياته. وهم يلاحقون الأطباء ملاحقة شديدة فيعتقلون أبناءهم ويهددونهم تهديداً مرعباً، وكل من ثبت أنه ذهب لبيت أحد المصابين فإنه يعتقل مباشرة، ما عدا طبيباً مرابطاً اسمه (…) يذهب للبيوت للمعالجة لم يرهبوه رغم أنهم اعتقلوا أولاده، بارك الله فيه وفرج عن أولاده.

حدثتنا عن شجاعة ولديها في الخروج للمظاهرات وتحدي رجال الأمن، وكيف كانت تخشى عليهما كثيراً فكانت تقول لهما إن خرجتما فلا تقولا لي، ثم بعد ذلك سلمت أمرها لله وقالت لهما: لن تموتا إلا إن وافاكما الأجل. وقالت: والله لولا ولديها الصغيرين لخرجت هي الأخرى.

جارة السيدة  في دوما غضبت من ابنها لأنه خرج بالمظاهرة ومنعته منعاً باتاً، ولكي تمنعه تماماً صحبته معها للشام، فانقلبت بهم السيارة في الطريق ومات الشاب، وعادت وحيدة تبكي وتقول يا ليتني لم أمنعه من الخروج، يا ليته مات شهيداً ولم يمت تحت السيارة.

ابن أخت السيدة اعتقل عندهم لمدة ٤٠ يوماً، كان راجعاً من الشام في وقت متأخر ليلاً ولم يستطع الدخول لدوما من الحواجز، فلما لجأ لبستان زيتون ليدخل منه فوجئ عند خروجه باثنين من رجال الأمن أخذوه معهم، لم يستطع الاتصال مع أهله وبقوا ٢٠ يوماً يدقون على جواله ويرن ولا أحد يرد، إلى أن تأكدوا من خبر اعتقاله. الذين اعتقلوه سبوه وضربوه بأعقاب البنادق الروسية وأخذوه للتحقيق، ثم وضعوه في زنزانة بقي فيها خمسة أيام وهو يُضرَب ويُسَبّ، ثم لما جاء دوره للتحقيق سألوه: شو تهمتك ولااا؟ قال: والله يا سيدنا ما بعرف كنت راجع لبيتي و.. فأدخلوه زنزانة مع خيار الناس، منهم مثقفون إسلاميون (سمّتهم لكنني لم أحفظ أسماءهم ولا أظنكم تعرفونهم) المهم قال بأنه استفاد كثيراً من أولئك الأخيار وخرج من الاعتقال أكثر إصراراً وحماساً ووعياً.

حكى الولد طريقتهم في إيصال الناس للزنزانة: يربطون أيديهم وأعينهم وأحياناً أرجلهم ثم يدفعونهم ببساطيرهم من أعلى درج طويل أسفله معتم، فيسقطون تحت على أشلاء ودماء هنا وهناك وأناس مصابين يتأوهون. رغم ذلك لا يُعدمون أناساً ظرفاء وصامدين، فقد ذكر رجلاً شيخاً مشهوراً عندهم عمره فوق السبعين ما يزالون يضربونه على صلعته، فكان يقول لهم: ما لكم ولصلعتي؟ دعوها في حالها! وأكد أن من الرجال الذين يعذبونهم من يتكلمون الفارسية.

يوم تشييع الشهداء (ثاني يوم الجمعة العظيمة) استشهد من دوما شباب آخرون عندما فتح عليهم الأمن النار فجأة، وهذا الفلم موجود كاملاً معها، يبدو لم يستطيعوا تحميله على الشبكة لطوله. فلما أرادوا في اليوم التالي تشييع الشباب احتاطوا من الأمن فعملوا طوقاً كاملاً حول دوما من الشباب ما بين ١٨ و٢٠ سنة لينذورا الثوار عند اقتراب الأمن، كذلك عملوا طوقاً كاملاً من الشباب الأصغر حول النساء اللواتي خرجن للمظاهرة والتشييع لحمايتهن، ومشوا متلاصقين في مظاهرة التشييع. كانت موجودة معهم هذه السيدة وقالت بأن الجو كان روحانياً بشكل لا يوصف وكأنها كانت تشم رائحة الجنة.

تعلموا بعد فترة من المظاهرات أن يمارسوا خدعاً مع الأمن ليبعدوا بأسهم، من تلك الخدع أن ينشروا خبراً كاذباً بأنهم سيخرجون بعد الصلاة من الجامع الفلاني، فيتجمع الأمن حوله بينما يكونون قد اتفقوا على الخروج من مسجد آخر، وهكذا يشتتون الأمن فلا يدري هل الخبر الذي سمعه صحيح أم كاذب. كذلك من خدعهم أن يخرجوا ثم يتفرقوا ثم يتجمعوا، مما يرهق الأمن والشبيحة. هذا وقد أكدت القول بأن المظاهرات لم تتوقف ولا أي يوم في دوما صباح مساء، مما أرهق رجال الأمن إرهاقاً شديداً (كما اعترف واحد منهم لزوجها صراحة).

أما عن قصص تفتيش البيوت للبحث عن المتظاهرين واعتقالهم فقد روت قصتين، الأولى روتها زائرةٌ كانت معنا اجتاحوا بيت ابنتها المتزوجة في داريا، فقد دقوا عليها في منتصف الليل دقاً شديداً، فلما فتح زوجها الباب سألوا عن أخيه (وهم ثلاثة إخوة يسكنون في عمارة واحدة) فأوعز الرجل سريعاً لزوجته أن تذهب فتحذر أخاه في الطابق العلوي ليهرب بينما يشاغل هو رجال الأمن والشبيحة قليلاً. وبالفعل صعدت فأيقظت الرجل وزوجته التي أصابها رعب شديد فلا تدري كيف تلبس، فترتدي بنطلونين فوق بعضهما وتنسى حجابها، وهرب زوجها من نافذة الحمام لسطح الجيران ومن سطح لآخر، ولما صعد الرجال للأعلى وضع أحدهم بسطاره في الباب ليمنع الزوجة من إغلاقه وهي ترجوه أن ينتظر لتلبس سلفتها، ثم دخلوا عليهم يسألونها عن زوجها الذي هرب فتقول: لا أعرف ليس هنا. فأشار أحدهم إلى القائد أن انظر، السرير ساخن ويبدو أنه كان نائماً هنا، ولما بدأت الزوجة الخائفة بالتلعثم بادرت سلفتها التي جاءتها شجاعة كبيرة وصاحت بهم: ما بالكم؟ أنتم تريدونه وهو ليس هنا، اذهبوا فابحثوا عنه واتركونا. فخرجوا بعد أن سرقوا كل ما وجدوه من مال أو ذهب وكسروا وأحدثوا فوضى شديدة، وكذلك نزلوا للطابق الأوسط ففعلوا ذات الشيء، ثم أصابهم العمى عن البيت السفلي الذي اقتحموه أولاً فصرف الله أبصارهم عن تفتيشه، ولو فتشوه لوجدوا مبلغاً من المال والذهب على الطاولة أمام أعينهم!

وأما قصة الاقتحام الثانية فقد كانت لبيت من جارات السيدة اقتحموه فكسروا الباب ودخلوا فجأة بعد منتصف الليل، وما زال باب بيتهم مكسوراً، والناس يعزونهم بعد ذلك باثنين من أولادهم قتلا قتلوا غيلة وهما خارجان لتوزيع الخضار صباحاً، فما إن خرجا ودخلت أمهما لتحضر لهما الفطور ليعودا ويفطرا حتى سُمع صوت رصاص كثيف، فقلقت قلقاً شديداً وبقيت تنتظر أباهم  الذي خرج ليبحث عنهم، فما وجدهم إلا والشمس غربت. وجد الأول (وعمره ١٧ سنة) في مستشفى في ضواحي دوما، وجده وقد ثقب جسده من كثافة الرصاص المنهمر عليه وظهر قلبه للعيان وانكشف، وكانت يداه وكأنهما سحّاب من ثقوب الرصاص المصفوفة! وأما الثاني  (وعمره ٢٤ سنة) فما وجدوه إلا بعد جهد وتعب في مستشفى المجتهد في دمشق. قالت يقصدون تضييع الأهالي فيرسلون الجثث هنا وهناك، قاتلهم الله.

ولما ذهبت لتعزي تلك العائلة (ولم تكن تعرفهم بالوجوه وإنما بالأسماء) وجدت سيدة فاضلة تروي القصة وكيف شاهدت الشاب وقلبه ظاهر للعيان وتحكي بصبر ولا دموع في عينيها، فحسبتها أحد الضيفات، وكانوا يقولون عن سيدة في الداخل مغمى عليها قد أحضروا لها طبيباً وأعطوها أدوية فحسبتها أمه، وإذا بالتي حسبتها ضيفةً هي الأم الصابرة المحتسبة والأخرى هي زوجة الشاب الأكبر صاحب ال٢٤ سنة، كانت عروساً وحاملاً بالشهر السابع، فُجعت بزوجها فأصابتها صدمة عافاها الله وصبرها وعوضها خيراً.

وأكدت على أن من يطلقون الرصاص على الناس منهم من يتكلم الفارسية أو العربية الفصحى. وأخبرتنا قصصاً عن إطلاق الرصاص العشوائي على أناس كانوا في أعمالهم، مثل الشاب ذي السبعة عشر عاماً، كان يغلق محل الفراريج بعد أن أخبر والدته أنه لا زبائن اليوم وأنه عائد للبيت ليتعشى معها، فإذا برصاصة تخترق ظهره فتخرج من صدره وهو منحن يضع القفل على محله. رحمه الله وصبّر والدته.

أما عن عبورها الحدود ووصولها سالمة فهي تؤكد أن الأمن يتخبط وفاقد السيطرة ومتوتر، فهم يلاحقون البعض ويتركون البعض ومتابعتهم ضعيفة بسبب انشغالهم هنا وهناك بمتابعة المظاهرات، لذلك عبرت هي بسلامة، لكن تظن أن أولادها لو حاولوا العبور كانوا سيتورطون مع الأمن، فعنصر الشباب وبالذات من المناطق المشتعلة احتمال اعتقالهم وارد جداً.

أظن بأنها روت الكثير وتمنيت لو كان معي مسجل صغير لأحفظ ما قالته، حاولت جهدي أن أتذكر التفاصيل وأن لا أكتب إلا ما تذكرته بدقة  لكن احتمال الخطأ وارد. الخلاصة التي خرجت بها أنهم مصرّون على الخروج وتغيير النظام، وأن النفوس قوية أمام التضحيات الكبيرة، وأن توكلهم على الله وطلب التوفيق والنصر منه طاغ على نفوسهم، وأنهم يبذلون جهدهم في تنظيم الأمور وتقسيم المهمات… وخرجت وأنا أشعر بأن النصر لا بد آت، فإن من صدق الله صدقه. يا رب نصرك الذي وعدتنا.

هذا المنشور نشر في تقارير أخبارية. حفظ الرابط الثابت.

التعليقات

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s