أحداث معرّة النعمان ج1

أحداث معرّة النعمان

الجزء الأول

(الأيام 10 – 16 حزيران)

تقرير أخباري كتبه: عبّاد مجاهد ديرانية

كانت بداية يوم المجزرة في معرّة النعمان يوم جمعة العشائر (10 حزيران) مثل كل أيام الجمعة فيها، عندما تأخذ جموع المتظاهرين بالتدفق إليها من القرى والبلدات المحيطة بها لكي تحتشد بعشرات الألوف في المعرّة. في يوم الجمعة ذاك (جمعة العشائر) انضمت عدة عشائر إلى المتظاهرين الذين وصلت أعدادهم عند الساعة الثالثة ظهراً إلى نحو 70 ألفاً، وبعد انضمام جموع أخرى قادمة من القرى المجاورة إليهم قدّرتها بعض الصفحات بـ150 ألفاً، ثم توجهوا جميعاً نحو طريق دمشق-حلب الدولي لإغلاقه.

وعندما بدأت أعداد المتظاهرين تخرج تماماً عن السيطرة بذاك الشكل بدأ رجال من قوات الأمن (يرتدون زي الجيش) بإطلاق النار عليهم في الرابعة عصراً، ونظراً للجموع الغفيرة المجتمعة في المكان فقد كانت بضع زخات من الرصاص كافية لإسقاط عشرات الشهداء خلال دقائق معدودة (مع العلم بأنه لم تصل حتى الآن أي إحصائية دقيقة لأعداد قتلى تلك المجزرة). وعندما رأى بعض أفراد الجيش تلك المذبحة تحدث أمام أعينهم أعلنوا انشقاقهم وأطلقوا النار على رجال الأمن مما أسقط قتلى بينهم، وعندها جن جنون أولئك الأمن فطلبوا الدعم، وسرعان ما جاءتهم مروحيات عسكرية للمساعدة في قمع الانشقاق، ومن هنا بدأ القصف الجوي للمعرة.

وأخيراً عند السادسة مساءً انسحبت قوات الأمن من المدينة، لكن تلك الخطوة -كما تبين لاحقاً- لم تكن سوى استعداد لإعادة اقتحامها مع تعزيزات من الشبيحة والجيش. وفي ذلك الوقت كانت لا تزال مدن تلمنس وكفرنبل والمعرة نفسها تُقصَف جواً بالمروحيات، وهرع السكان إلى الملاجئ هرباً من الخطر.

وعلى ما يبدو فإن تعزيزات الجيش والأمن عادت إلى المدينة عند السابعة مساء، إذ إن الأنباء بدأت ترد في ذلك الوقت عن محاصرة المتظاهرين في المعرة وإطلاق النار عليهم برشاشات ثقيلة وقذفهم بالقنابل الصوتية، وتأكد سقوط شهيدين على الأقل خلال تلك الأحداث.

بقيت معرة النعمان تحت نيران المروحيات وصواريخها حتى المساء، ولم يواجه العسكريون المنشقون ذلك الوضع بالسكوت، فقد أسقطوا إحدى تلك المروحيات في مدينة كفرنبل غرب المعرة، لكن لم ترد لاحقاً أنباءٌ أخرى عن عمليات لهم، فيبدوا أنهم اضطروا إلى الاختباء هرباً من رجال الأمن والشبيحة الذين سيطروا على المنطقة.

حسب الأنباء التي وردت لاحقاً فيبدو أن انشقاقات الجيش قبل انسحاب الأمن من المعرة كانت ضخمة جداً، إلى درجة أنها قد تكون أضخم من أي انشقاقات سابقة في جسر الشغور أو غيرها. فقد قالت الصفحات الإخبارية على الفيسبوك أن من انشقوا كانوا 5 عمداء مع كافة جنودهم، أحدهم موثق بالاسم وهو علي عباس (أتوقع أن العميد يقود لواء أو كتيبة على الأقل، أي ما بين 1000 و3000 جندي)، ومن الصعب التأكد من مدى صحة كل تلك التفاصيل، لكن لو صحت فإنها تفسر تماماً رد فعل الأمن الجنوني ووحشيته البالغة في حملته على المعرة.

وبالعودة إلى الأحداث الميدانية، فقد بدأ الأمن مساء بشنّ حملة تفتيش واسعة في المدينة للعثور على المنشقين، في ظل استمرار قصفها جواً بالصواريخ والقنابل الصوتية والرصاص الحي. كما استهدف أي شخص يمشي في الشوارع بالرصاص، وأصبحت الجثث منتشرة في الشوارع دون أن يستطيع الأهالي الوصول إليها وانتشالها بسبب إطلاق النار المستمر.

وفي الساعة الثامنة مساء أحرقت قوات الأمن مسجد أويس القرني والمقبرة الشمالية ومعمل السجاد والمخفر والسجن المركزي ومبنى أمن الدولة والقصر العدلي وشعبة التجنيد والمتحف في المعرة بعد لجوء بعض السكان إليها، ثم قصفتها بالمروحيات مما أسقط عشرات الشهداء والجرحى.

وأخيراً بحلول الساعة التاسعة مساء توقف القصف وإطلاق النار المستمرين منذ ساعات العصر وعاد الهدوء إلى المعرة، مع قطع التيار الكهربائي بشكل كامل من وقت إلى آخر واستمرار تحليق المروحيات في أجواء المدينة (لكن دون أن تقصفها على ما يبدو).

بعد منتصف الليل عاد إطلاق النار إلى معرة النعمان، إذ استهدف الأمن تجمعاً لعدد من الشباب فيها، لكن لم يتضح ما إذا كانوا يتظاهرون أو ماذا كانت طبيعة ما يفعلونه، كما عاد مع تلك الحادثة إطلاق النار العشوائي في الشوارع واستمر لبعض الوقت.

ظهر السبت 11 حزيران بدأت الدعوة من المساجد عبر المنابر في قرى ريف المعرة إلى نصرتها ومساعدة أهاليها، أما سكان المدينة فقد أخذوا بتشكيل لجان شعبية للعمل على حماية المباني الحكومية وأقاموا حواجز بشرية حولها، وذلك لحمايتها من الشبيحة بعدما حدث في الليلة السابقة.

استمرت حركة نزوح السكان بشكل كبير في معرة النعمان وريفها  خلال يوم السبت، ومن أبرز البلدات التي شهدت حركة النزوح جرجناز (الواقعة جنوب شرق المعرة)، إذ أصبحت شبه خالية من السكان في ذلك اليوم.

عادت أخيراً العمليات العسكرية إلى المنطقة بحلول ساعات العصر، فقد أخذت المروحيات بقصف الأجزاء الشرقية من المعرة، بينما حلقت أخرى في شمال المدينة. أما المنطقة الأكثر تضرراً فقد كانت بلدة وادي الضيف (الواقعة على بعد بضعة كيلومترات من المعرة بينها وبين بلدة تلمنس)، التي حدث فيها إنزال جوي بالتزامن مع قصف المعرة، وتحولت في الأيام التالية إلى ما هو أشبه بقاعدة عسكرية للجيش في جنوب محافظة إدلب.

لم يتوقف قصف المعرة مساء، وجاء في ذلك الوقت أول تعداد للمروحيات التي تقوم بقصف المدينة، وهي 10 مروحيات على الأقل، كما وردت أنباء عن 10 مروحيات أخرى تقصف بلدتي جرجناز والبلالان وتحرق الأراضي الزراعية فيهما (كما حدث في ريف جسر الشغور).

في التاسعة مساء بدأت المروحيات بقصف قريتي معرشمشة (التي سقط فيها شهيد) ووادي الضيف، كما حدثت إنزالات جوية في عدة قرى أخرى مجاورة لمعرة النعمان. وفي الوقت ذاته بدأ الجيش بتوسيع عملياته العسكرية في وادي الضيف، إذ أخذ بوضع نقاط تفتيش فيها وبزرع قناصة في محيط تلك النقاط، بينما أغلق طريق تلمنس-المعرة، وأصبح كل من يحاول عبوره معرضاً للقنص.

نزحت أعداد كبيرة من سكان المعرة إثر أحداث ذلك اليوم، ربما تبلغ مئات الأسرسر، أما قصفها بالمروحيات فقد استمر حتى التاسعة مساء على الأقل وتركز على الأجزاء الشرقية منها، بينما توافدت المزيد من تعزيزات الدبابات عليها، كما جاء إحصاء جديد لعدد المروحيات المحلقة في سماء المدينة بلغ 30 مروحية هذه المرة. وفي وقت ما -لم يحدَّد بدقة- خلال يوم السبت هاجم منشقّو الجيش حافلة للشبيحة وأحرقوها، ولم يتضح ما إذا وقعت إصابات بين رجال الأمن أم لا.

أما في وادي الضيف فقد أصبحت الشوارع خالية بعد إطلاق النار على كل من يتجول فيها، أي أنه طبق فيها عملياً حظر للتجوال، ولم يهدأ قصفها أيضاً طوال الليل.

نزح المئات مجدداً من معرة النعمان يوم الأحد 12 حزيران، وبقيت بلدة وادي الضيف في قبضة الجيش. أما يوم الإثنين 13 حزيران فقد مر نهاره بسلام في المعرة بعد أن سادها الهدوء التام، وكان يتوقع أن يزحف الجيش نحوها في المساء قادماً من وادي الضيف، إذ كان يترقب حلول الظلام لكي يتحرك، لكن لم ترد لاحقاً أي أنباء عنها بعد الغروب.

صباح الثلاثاء 14 حزيران وردت أنباء بلوغ عشرات الدبابات للجانب الشمالي من المعرة، بالرغم من التأكيد لاحقاً على عدم وصول أي تعزيزات إلى الجيش في وادي الضيف وأنه لا زال متمركزاً في موقعه ذاته. وعلى ما يبدو أن الجيش اتخذ له موقعين رئيسيين في المنطقة بحلول ذلك الوقت، أولهما (وهو الرئيسي على ما أعتقد) هو منطقة وادي الضيف الواقعة على بعد بضعة كيلومترات شرق المعرة بينها وبين تلمنس، والثانية هي مستودع للحبوب في شمال المدينة يوجد فيه 200 جندي كما ورد.

وفي وقت لاحق من ذلك اليوم فر 60 جندياً (منشقون على ما يبدو) إلى قرى شرق ريف المعرة، ومنها جرجناز وتلمنس والغدفة ومعشورين ومعرشمارين والدير الشرقي ووادي الضيف، وقد قدّم الأهالي إليهم الطعام والشراب هناك.

يوم الأربعاء 15 حزيران سادت حالة من الهدوء والتأهب وسط قطعات الجيش في معرة النعمان، لكن لم ترد أنباء عن حدوث شيء لاحقاً.

جاءت أنباء مبهمة ظهر يوم الخميس 16 حزيران عن مفاوضات بين أهالي وادي الضيف والعميد المسيطر على العمليات العسكرية في ريف المعرة لإيقاف قصف البلدة، فعلى ما يبدو أنها تعرضت لهجوم عنيف في ذلك اليوم بالذات، وربما في الأيام السابقة أيضاً، لكن على أي حال كانت إجابة العميد صارمة تماماً بأنه: “لن يتردد بالفتك بهم إذا ما حاولوا التحرك بأي شكل، حتى ولو اضطر إلى ذبح 10 آلاف شخص”.

وبعد بضع ساعات سرعان ما جاءت تعزيزات عسكرية من الجنوب إلى معرة النعمان وحاصرتها من تلك الجهة، ثم دخلت الجانب الجنوبي من المدينة 12 إلى 15 دبابة يرافقها بعض الجنود، كما انتشرت دبابات أخرى بين صوران وطيبة الإمام وأغلقت طريق دمشق-حلب الدولي هناك، وربما يكون ذلك (كما ورد في صفحة “جبل الزاوية وجسر الشغور ومعرة النعمان”) لتأمين الطريق للتعزيزات العسكرية الأخرى المتوجهة نحو المعرة.

في وقت لاحق حاول أهالي المعرة التوجه نحو مدخل المدينة الجنوبي والتظاهر هناك هاتفين للجيش ورافضين دخوله في الوقت ذاته، لكن الجنود أطلقوا النار في الهواء لتفريقهم. وما لبثت أن خرجت مظاهرة أخرى في كفرنبل لدعم المعرة ورفض دخول الجيش إليها، ثم أصدر أهالي المعرة بياناً رفضوا فيه دخول الجيش تماماً.

في الساعة العاشرة مساء وردت أنباء عن توجه 10 دبابات نحو بلدة تلمنس شرق معرة النعمان لاقتحامها وقمعها بالاعتقال والتخريب كما حدث سابقاً في العديد من بلدات المنطقة، لكن ذلك كان آخر خبر يرد في يوم الخميس، ولا نعلم بعد ما الذي حدث هناك بالضبط.

ملاحظة: لم أستطع أن أضمّن أحداث يوم الجمعة في هذا التقرير، وسيأتي تفصيلها في التقرير القادم إن شاء الله.

للمتابعة:

شبكة أخبار إدلب وحلب:

http://www.facebook.com/A.E.N.N.Freedom

تنسيقية جبل الزاوية وجسر الشغور ومعرة النعمان:

http://www.facebook.com/Edlib.Revolution

شبكة أخبار إدلب:

 http://www.facebook.com/Edlib.Network.News

مقاطع فيديوية:

إطلاق نار حي على متظاهري معرة النعمان في جمعة العشائر 10 حزيران:

http://www.facebook.com/video/video.php?v=111026385654313&oid=209655365739700&comments

المروحيات تحلق فوق المعرة في جمعة العشائر 10 حزيران:

http://www.youtube.com/watch?v=g823UcahTzc

قصف مقر أمن الدولة في المعرة في جمعة العشائر 10 حزيران:

http://www.youtube.com/watch?v=P0meG2uT9Lo&feature=related

تشييع شهيد في جرجناز يوم الأربعاء 15 حزيران:

http://www.facebook.com/video/video.php?v=111495235607428&oid=209655365739700&comments

الدبابات المتمركزة بين مدينتي صوران وطيبة الإمام في يوم الخميس 16 حزيران:

http://www.facebook.com/video/video.php?v=122803957803352&oid=209655365739700&comments

مظاهرة كفرنبل المتضامنة مع المعرة والرافضة لدخول الجيش إليها في يوم الخميس 16 حزيران:

http://www.youtube.com/watch?v=wKmqKUt1IdA

هذا المنشور نشر في تقارير أخبارية. حفظ الرابط الثابت.

التعليقات

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s