محاولة لفهم سياسات النظام: سياسة الاعتقال والتعذيب

رسائل الثورة السورية المباركة (25)

الأربعاء 22 حزيران 2011

محاولة لفهم سياسات النظام

(2) سياسة الاعتقال والتعذيب

مجاهد مأمون ديرانية

الحديث عن “سياسة للنظام” في هذا الأمر يوحي بأن الاعتقال والتعذيب ليس سلوكاً عشوائياً تقوم به الأجهزة الأمنية. وهو لا يمكن أن يكون عشوائياً لأن النظام يخوض أقسى معركة فاصلة في تاريخه، معركة البقاء أو الفناء، ولا بد أن يكرس كل دهائه وعبقريته لتطبيق ما يتصوره خطة محكمة للنجاة. سأحاول في هذه المقالة أن أبحث عن منهج موحد في عمليات الاعتقال والتعذيب، وأحسب أن فهم هذا المنهج يمكن أن يساعدنا على امتصاص خطة النظام أو إحباطها، وسوف أطلب منكم هذه المرة أيضاً -كما طلبت في المقالة السابقة- أن تصبروا على طولها.

-1-

أول ملاحظة في هذا الموضوع هي أن الاعتقال انتقل خلال الأيام التسعين الماضية من درجة إلى أخرى في تصاعد مطّرد وكأنه خط بياني صاعدٌ أبداً، وذلك على ثلاثة محاور: (أ) كانت الاعتقالات قليلة بالعشرات كل أسبوع، ثم بالمئات، ثم صارت بالآلاف. (ب) كان المعتقلون يُمضون في الاعتقال ما بين خمسة أيام وأسبوع، ثم زادت مدة الاعتقال باطراد حتى صارت بين ثلاثة أسابيع وأربعة بالمتوسط حالياً، وعندما نقول “بالمتوسط” فمعنى هذا أن البعض يمكن أن يمضوا أسبوعين مثلاً وسواهم قد يمضون ستة أسابيع أو سبعة أو أكثر. (ج) لم يعانِ المعتقلون الأوّلون من تعذيب يُذكر، وفي مرحلة لاحقة صار التعذيب شديداً، ومع نهاية الأسبوع السابع بدأ الناس يستلمون جثثاً لشهداء قضوا تحت التعذيب، كانوا قلة قليلة جداً في البداية ثم تكاثرت أعدادهم مع مضي الوقت.

التفسير: ارتفاع وتيرة الضغط الأمني المتمثل في تزايد الاعتقال والتعذيب يترافق بشكل حتمي مع ارتفاعَين آخرَين، أولهما الارتفاع في مستوى الثورة وازدياد أعداد الثائرين واشتداد عزائمهم وارتفاع سقف مطالبهم، والثاني ارتفاع وتيرة التوتر والقلق داخل الأجهزة الأمنية نفسها، من قيادات وأفراد، وهو قلق مزدوج على النظام وعلى الذات (لا بد أن كل ضابط أمن وعنصر أمن بدأ يحس بالقلق الشخصي على نفسه وعلى مستقبله في هذه المرحلة المتقدمة من الثورة).

-2-

الملاحظة الثانية: بدأ الاعتقال عشوائياً في الأيام الأولى، وغالباً كان يستهدف بعض المتظاهرين الذين أمكن القبض عليهم خلال المظاهرات نفسها، ومع دخول الثورة شهرَها الثاني تحول إلى اعتقالات تتم من البيوت، وما تزال الغالبية العظمى من المعتقلين حتى الآن تتكوّن من أولئك الذين يُعتقَلون من بيوتهم في عمليات مداهمة محدودة أو تمشيط جماعي.

والملاحَظ بشأن هذه الاعتقالات أنها على نوعين، نوع عشوائي يستهدف الذكور بالأساس وضمن شريحة عمرية معينة، تمتد غالباً من أوائل المراهقة (نحو 15 سنة) إلى الكهولة (60 سنة)، ونوع مستهدَف ضمن قوائم معَدَّة سلفاً، وهذا النوع الأخير غير محدد بجنس أو سن بل يمكن أن يستهدف حتى النساء، وإن كنّ قلة حتى الآن. الذين يُعتقلون بناء على قوائم مسبقة أقليةٌ بالنسبة لمجموع المعتقلين، لا أستطيع أن أحدد نسبتهم بدقة كاملة ولكن ربما كانت تتراوح بين الخُمس والعُشر، أي أن واحداً أو اثنين من كل عشرة معتقلين يُبحَث عنهما بالاسم، والباقون يُعتقلون عشوائياً.

التفسير: الاعتقال في بداية الثورة (أيام الانتفاضة الأولى) لم يعتمد على معلومات بل على الحركة نفسها، فمَن ضُبط متلبساً “بجريمة” التظاهر وأمكن اعتقاله من الشارع تم اعتقاله. لاحقاً بدأت تتجمع معلومات عن أشخاص محددين، ومع استمرار اعتقال كثيرين غير مطلوبين بالاسم (لمجرد شبهة مشاركتهم في المظاهرات السابقة أو احتمال مشاركتهم في المظاهرات اللاحقة) فقد زاد التركيز على المطلوبين الذين يتضح أنهم من النشطاء أو الذين تثبت مشاركتهم في المظاهرات.

القوائم التي تحدد مطلوبين معيّنين تأتي من مصدرَين، الأول مصدر طبيعي لا لوم على صاحبه، وهو اعترافات بعض المعتقلين أثناء التعذيب. الثاني مصدر خطير شرير هو المخبرون والعواينية من الخونة والعملاء، وهم حالياً أثمن مصدر معلومات بالنسبة للنظام وأكبر تهديد بالنسبة للناشطين والفاعلين في الثورة، وقد تحدثت عنهم في المجموعة الأولى من النصائح والأفكار التي وجهتها إلى المتظاهرين، وسوف أتحدث عنهم في المجموعة الثانية التي ستأتي بعد هذه المقالة بإذن الله.

-3-

بتتبّع ما أُتيح الاطلاع عليه من حالات حتى الآن نجد أن مصير النوعين السابقين ليس واحداً، فالمعتقَلون العشوائيون يخضعون لفترة اعتقال قصيرة نسبياً ويعامَلون بقسوة متوسطة، بعكس المعتقلين المستهدفين بالاسم الذين يتعرضون إلى ضغط شديد والذين تطول فترات اعتقالهم، وبعضهم لم يُفرَج عنه إلى اليوم رغم مرور ستين يوماً على اعتقاله أو أكثر.

التفسير: يعتمد مستوى الضغط على المعتقَل (مدة سجنه ودرجة تعذيبه) على مدى تأثيره في الثورة، فإذا كان ضمن شباب منطقة ثائرة واعتقل عشوائياً فسوف يتعرض إلى بعض الضغط قبل إطلاق سراحه، وإذا كان من المتظاهرين فسوف يعذب لمدة أطول على أمل ردعه عن المشاركة في المستقبل، أما لو كان ناشطاً فإنه سيصبح عرضة للملاحقة بمجرد انكشافه. أما تعريف الناشط فيمكن أن يصاغ بعبارات بسيطة بأنه “الشخص الذي يساهم في تحريك الثورة”. مثلاً الشخص الذي يندفع للمشاركة في مظاهرة نسميه عنصراً فاعلاً في الثورة، أما الذي يصمم المظاهرة نفسها أو يحركها منذ البداية فهو ناشط. الشخص الذي يهتف في المظاهرة بعاطفة وانفعال هو عنصر فاعل، أما الذي يجهز اللافتات ويصمم الشعارات فهو ناشط. وبالطريقة نفسها نسمي ناشطاً كلَّ من يخطب في المظاهرات أو يصوّر ويرفع الصور والأفلام أو يتصل بوسائل الإعلام أو ينقل الأخبار وينسّق بين المناطق، إلى غير ذلك من الفعاليات الثورية.

إن الناشطين هم أهم كتائب الثورة وهم فدائيّوها وأبطالها الذين يستحقون أن يقبّل كل سوري رؤوسَهم، ولو جاز في شرعتنا أن نصنع للناس تماثيل لقلت إن علينا أن نصنع لهم تماثيل، لكن لا تماثيل في سوريا بعد اليوم بإذن الله… كفانا ما عانينا منها في أربعين عاماً. هؤلاء الناشطون يكونون عادة على رأس قائمة الملاحقين لأنهم من مفاتيح تحريك الثورة، ولأنهم كذلك فعليهم أن يتجنبوا الاعتقال بأي ثمن، وقد ذكرتهم في واحدة من النصائح والأفكار التي وجهتها إلى المتظاهرين تعقيباً على الحلقة الأولى من هذه السلسلة (سياسة قمع المظاهرات) وقلت إن عليهم تجنب المشاركة في المظاهرات دفعاً لخطر الاعتقال، وسوف أخصّهم بمجموعة أخرى من النصائح في مجموعة “أفكار واقتراحات خاصة بالاعتقال والتعذيب” التي سأنشرها بعد هذه المقالة بإذن الله.

-4-

يوجد نوع ثالث من الاعتقال عثرت على قصص تشير إليه في بعض المناطق المحيطة بدمشق، ولأني لم أستطع أن أثبته بشكل منهجي فأنا أعتبره حالات فردية أو سلوكاً خاصاً ببعض المناطق الثرية وليس قياسياً على مستوى سوريا، وهو الاعتقال من أجل المال. حالات الاعتقال التي تدخل في هذا النوع تذكرنا بروايات وأفلام تحكي قصة عصابة تختطف ابن عائلة ثرية ثم تطلب من أهله فدية مقابل إطلاق سراحه! ضحايا هذا النوع من الاعتقال كانوا غالباً من المحايدين الذين لم يشاركوا في أنشطة الثورة، ولم يتعرضوا إلى أي أذى أو تعذيب أثناء فترة اعتقالهم القصيرة التي انتهت بخروجهم بعد دفع بعض الإتاوات لعناصر الأمن. هذا النوع من الاعتقال غير مهم في بحثنا وغير شائع أيضاً، لذلك سوف أهمله في هذه الدراسة.

-5-

التعذيب في المعتقلات ممارسة منهجية لكل المعتقلين، وغالباً يتم على مرحلتين: الفروع الأمنية والسجون. يُمضي المعتقَل الأيامَ الأولى من الاعتقال في أحد الفروع الأمنية ويخضع للتحقيق المصاحب للتعذيب بهدف انتزاع معلومات، فإذا لم تدل المعلومات على أن المعتقل من ناشطي الثورة فسوف يُنقل بعد انتهاء أسبوع التحقيق إلى أحد السجون ليمضي فيه عدة أسابيع أخرى يتعرض أثناءها غالباً إلى تعذيب غير مترافق مع تحقيق قبل إطلاق سراحه.

ما هي أهداف التحقيق؟ غالباً تنحصر في أمرين، أولهما كشف حسابات الفيسبُك والبريد الإلكتروني للمعتقل، والثاني معرفة مَن دفعه إلى التظاهر أو شارك معه في المظاهرات. فقد دلّت غالبية الروايات التي أمكن تجميعها عن المعتقلين العشوائيين على أنهم يطالَبون باعترافات عامة غير محددة، كتقديم أسماء لعناصر فاعلة شاركت في المظاهرات. مثلاً يمكن أن يشترط المحقق حصوله على عشرة أسماء لأشخاص كانوا معك في المظاهرة، وسوف يصرّ على فتح بريدك وحساباتك التويترية والفسبوكية لفحصها، ويمكن أن يستدل منها على آخرين لك بهم علاقة ويضغط عليك لتوضيح طبيعة تلك العلاقة، ويمكن أن يعثر على نشاطات ضد الدولة -من نوع تعليقات ثورية على بعض الصفحات مثلاً أو مناقشات ثورية مع البعض- وهذه كلها يمكن أن يدفع المعتقل ثمنَها بعض التعذيب قبل الإفراج عنه، إلا إذا ظهر ما يثبت أنه “ناشط” وليس مجرد متفاعل مع الأحداث الثورية.

لم يقتصر التعذيب في أماكن الاعتقال (الفروع الأمنية والسجون بشكل عام، وفي بعض الأحيان منشآت تم تحويلها إلى معتقلات مؤقتة، كالمدارس والملاعب الرياضية)، لم يقتصر على الضرب والتعذيب الجسدي فقط، بل شمل غالباً الإهانة المتعمدة والمبالَغ فيها بتجريد المعتقلين من ملابسهم وشتمهم وسب أعراضهم والبول عليهم، وكثيراً ما يُجبرون على الهتاف بتأليه بشار في سبيل تخفيف عذابهم. ويمكننا أيضاً أن نقرر أن إكراه المعتقل على مشاهدة جلسات التعذيب التي يخضع لها غيره من المعتقلين هي ممارسةٌ شائعة أو أنها قاعدة عامة.

التفسير: التعذيب المصاحب للتحقيق مهمته حمل المعتقل على الإدلاء باعترافات عن علاقته بالثورة والمظاهرات. في أكثر الحالات تدلّ المعلومات التي يحصل عليها المحقق على مشاركة عادية للمعتقل دون أي أنشطة قيادية أو تنسيقية، وفي تلك الحالة فإنه لن يطول به التحقيق طويلاً، وسوف ينحصر الهدف الأساسي من تعذيبه وإهانته خلال الفترة المتبقية له في السجن في تحطيم إرادته وترهيبه حتى لا يعود إلى التظاهر مرة أخرى.

-6-

أجمع المعتقَلون الذين استطعت الاطّلاع على شهاداتهم أن أحداً لم يطلب منهم الصمت وعدم التحدث عن تجربتهم في المعتقل، بل لعل العكس هو القاعدة، فقد بدا على العناصر الأمنية التي مارست على المعتقلين التعذيبَ والإهانات خلال مدة احتجازهم أنها راغبة في أن يخرجوا ويحدّثوا الآخرين بما تعرضوا له هم شخصياً أو بما شاهدوه من تعذيب لغيرهم.

التفسير: باستثناء حالات التعذيب التي تهدف إلى انتزاع معلومات فإن ما تهدف إليه الأجهزة الأمنية من ممارساتها الإجرامية هو نشر الخوف. لا شك أن فيما تصنعه من اعتقال وتعذيب نوعاً من العقاب، ولا شك أن النظام القمعي في بلادنا معتاد على الانتقام ولا يعرف الرحمة والتسامح، لكن من المؤكد أنه لا يجد فسحة من الوقت والطاقة ليمارس هذه الهواية حالياً. قطعاً سوف يصنع ذلك لو أنه انتصر لا سمح الله، أما الآن فإنه يعاقب من يشارك في الثورة ليردعه عن الاستمرار في المشاركة فقط، ويعذبه ثم يطلقه ليحدّث الآخرين عمّا لاقاه من العذاب لينتشر المزيد من الخوف. هذا الهدف يتأكد عندما نجمع مع قصص التعذيب التي يحرص النظام على نشرها ممارسةً أخرى أكثرَ إجرامية، وهي تسليم الأهالي جثثاً تحمل آثار التعذيب الشديد، سواء أكانت لرجال كبار أم لأطفال صغار.

كثيراً ما سألت نفسي: لماذا صنع النظام ذلك وخسر كثيراً من سمعته أمام العالم؟ ربما لم يتوقع أن تنتشر صور جرائمه بالقدر الذي انتشرت به، لكن لا بد أنه توقع لها حداً أدنى من الانتشار، ويبدو لي أنه خاطر بكل شيء في سبيل تحقيق هدفه الأعلى: “نشر حملة من الرعب المركز في قلوب الناس”. إن النظام عاجز تماماً عن منع الناس من الخروج إلى الشوارع بمئات الألوف، ولعله فكر فتوصل إلى الحل البديل: بدلاً من منعهم (وقد فشل في منعهم) فإنه يقنعهم بعدم الخروج بالتخويف، فلو خرجتم فسوف تُعتقلون وتعذَّبون، وربما تُقتلون، ولو سمحتم لأولادكم بالخروج فقد لا ترونهم من بعدُ إلا جثثاً مقطعة الأوصال… وهكذا يتوقف الناس عن المشاركة في المظاهرات ويحبسون عنها أولادهم. لعل هذا هو ما ظنه النظام أو رجاه، والحمد لله الذي خيّب ظنه ورجاءه.

-7-

إذا ظهر من التحقيق أن المعتقَل ناشط (وهذه الحالات قليلة جداً بالنسبة لأعداد المعتقلين الكبيرة) أو اعتُقل أصلاً لأنه ناشط فإن مسار الاعتقال والتحقيق والتعذيب يختلف بالكلّية. في هذه الحالة لا يُتوقع أن يُطلق سراح المعتقل خلال فترة قصيرة، وربما لا يطلق سراحه أصلاً، وسوف يخضع لتحقيق مكثف، وغالباً سوف يكون مستوى تعذيبه أشد للحصول على أكبر قدر من المعلومات.

التفسير: بخلاف الاعتقالات العشوائية التي لا تهدف الأجهزة الأمنية من ورائها إلاّ إلى الردع والترويع ولا تبحث عن معلومات محددة -كما قلنا سابقاً- فإن الناشطين هدف محدد ومهم جداً لتلك الأجهزة القمعية الإجرامية، وإخضاعهم للتعذيب والتحقيق أمر غير عشوائي أبداً، بل يطبَّق غالباً من أجل كشف علاقات محتمَلة بناشطين آخرين. واسمحوا لي أن أستطرد قليلاً في هذه النقطة التي هي خاتمة المقالة.

النظام يدرك أن الانتفاضة الشعبية العارمة لا تحركها تنظيماتٌ ولا أحزاب ولا أيٌّ من قوى المعارضة التقليدية، لكنه يدرك أيضاً أن ثورة بهذا الحجم لا يمكن أن تستمر إلا بحد أدنى من التنظيم أو “التنسيق”. لنقرر أولاً أن النظام السوري -كغيره من الأنظمة البوليسية القمعية- معتاد على التعامل مع التنظيمات، وفي الحقيقة فقد ثبت على الدوام أن كل معركة بين نظام وتنظيم محسومةٌ لصالح النظام، وهذه القاعدة منحت النظامَ السوري قدراً كبيراً من الاطمئنان على مر السنين الطويلة من حكمه الكئيب، ودفعته إلى تطوير الأجهزة الأمنية المختلفة وإلى توسيعها بحيث تكون قادرة على كشف وتفكيك أي تنظيم سري. لكن النظام فوجئ اليوم بحركة شعبية واسعة لم يُعدّ نفسه لها ولا خبرة له بالتعامل مع أمثالها، لذلك اضطرب وارتبك في البداية وبدا فاقداً للسيطرة، ثم عاد إلى خياراته الأمنية القديمة التي استعملها مع الجماعات والتنظيمات المعارِضة في الماضي، ويبدو أنه بدأ -في مرحلة ما من مراحل الثورة- بالبحث عن تنظيم افتراضي يمكن أن يقف وراء الثورة الشعبية.

ربما يكون في هذه الفرضية ما يفسر تصاعد العنف في وتيرة الاعتقال والتعذيب، فالطريقة التقليدية التي تكتشف بها الأجهزة الأمنية التنظيمات السرية تشبه استعمالك مصفاةً ذات ثقوب صغيرة لفرز حبات حمص مخلوطة بكَومة من البرغل، في هذه الحالة سوف تضطر إلى نَخْل الكومة كلها وتمريرها عبر المصفاة قبل أن تستصفي حبات الحمص المطلوبة. الأجهزة الأمنية في الأنظمة القمعية البوليسية تصنع الشيء نفسه، فهي تعتقل كل المشبوهين ومن لهم بهم علاقة من قريب أو بعيد وتمارس عليهم جميعاً التعذيب والضغط لتستخرج من كل عشرين بريئاً أو ثلاثين أو خمسين “مجرماً” واحداً (لا حاجة للتأكيد على أن “المجرم” في نظر الأجهزة القمعية المجرمة هو عادةً من أشرف شرفاء الأمة).

على أني لا بد أن أشير إلى بعض الاختلاف بين جهاز قمعي وآخر، ففي كثير من الدول البوليسية تمارس الأجهزةُ الأمنية العمليةَ السابقة وصولاً إلى المجرمين من أعضاء التنظيم السري ثم تفرج عن الباقين بعد أن ينالهم نصيب كبير من الأذى والعذاب، أما سوريا فلها حظ مختلف: أجهزة قمعية مجرمة ليس لها في الدنيا مثيل، فإنها تمارس التعذيب الفظيع على الجماعة الكبيرة من الناس فتستصفي منهم من تعتبرهم مجرمين، ثم تحتفظ بالباقين (الأبرياء) في السجون والمعتقلات السنين الطوال، فالمحظوظ منهم من يخرج بعد عشر سنين أو خمس عشرة سنة أو خمس وعشرين، ومنهم من لا يخرج أبداً. أفرأيتم في الدنيا أجرم من هذا النظام؟

إذن فلعل النظام بدأ يبحث عن “علاقات” من نوع ما بين عناصر ناشطة تدير الثورة وتنظم فعاليتها، ولا سيما بعدما أعلنت كثير من الجهات الناشطة في المدن المختلفة عن نفسها على شكل تنسيقيات، ثم أعلنت التنسيقيات المحلية -أخيراً- عن ترتيب اتصالات بينها على شكل ائتلاف يجمعها. بالتأكيد لا يُسمّى هذا البناء تنظيماً بالمعنى التقليدي ولكن له بعض صفات التنظيم، ومن ثَمّ فإن النظام سيحاربه بأدواته القديمة التي استعملها في محاربة وتفكيك التنظيمات السرية في الماضي. في حالة أي تنظيم سري فإن الطريقة المألوفة التي تتبعها الأجهزة القمعية هي البحث عن طرف خيط، فهي تعرف أن أي شخص في أي حلقة من حلقات التنظيم سيكشف باقي الحلقات، والطريقة الوحيدة لإسقاط أي حلقة بشكل عشوائي هي الضغط الشديد على جميع الحلقات الافتراضية. بفضل الله فإن الشكل الحالي للعمل التنسيقي (وليس التنظيمي) في سوريا يحرم الأجهزة الأمنية من القدرة على تطبيق الخطة نفسها بنجاح، لسبب بسيط هو أن الخيوط التنسيقية منقطعة بعكس الخيوط التنظيمية المتشابكة.

للتوضيح أكثر يمكن أن نصف التنظيم بأنه شبكة تتقاطع فيها مجموعة من الخطوط الأفقية مع عشرات (أو مئات) من الخطوط العمودية، وكل نقطة تقاطع تسمى عقدة. نظرياً فإن كشف أي عقدة يمكن أن تكشف الشبكة كلها، بل لا بد أن تكشفها كلها، السؤال الوحيد الذي يمكن طرحه هو عن الزمن اللازم لكشف الشبكة كلها وليس عن إمكانية الكشف من عدمها.

بالمقابل يرتبط عناصر العمل التنسيقي في خطوط أفقية ذات نهايات ميتة، فقد يكون في المنطقة الواحدة ناشط واحد فلا يتأثر باعتقاله أحد، وقد يكون فيها أربعة أو خمسة من الناشطين يعملون معاً، ولا شك أن كشف واحد منهم سوف يعرض الباقين للخطر، لكن الأسوأ لن يتجاوز كشف بضعة أفراد يقودون النشاط الشعبي في المنطقة. ثم إن العمل الشعبي ليس كالعمل التنظيمي الذي يتعرض للشلل عندما تصاب بعضُ نقاطه الحيوية، العمل الشعبي يمكن أن يستمر بالقوة السابقة نفسها ولكن مع المعاناة من بعض التعثر الذي يمكن امتصاصه بحيث لا يكاد يشعر به المراقب الخارجي.

الخلاصة: البناء التنظيمي الهرمي لا يمكن حمايته من الاختراق والتفكيك، أما العمل الشعبي الذي يعتمد على مجرد جهد تنسيقي يُدار غالباً عن طريق شبكات التواصل الاجتماعي (وليس التواصل البشري بالضرورة) فإنه طريقة إبداعية انتزعت من الجهاز الأمني القوةَ التي امتلكها في الماضي، وقد شاهدنا خلال هذه الثورة المباركة عدة حالات سقط فيها ناشطون مهمون في قبضة النظام دون أن تنهار الثورة الشعبية لا في مناطقهم ولا في غيرها، كالبطل الأسير أنس الشغري الذي مضى على أسره أربعون يوماً، والبطل الأسير عبد الله أبازيد الذي أُسر أخيراً في درعا.

أعتذر لأني أطلت في هذه النقطة التي يمكن أن أعود إليها ذات يوم لو طال عمر الثورة (وأستطيع أن أكتب فيها الكثير). ما سبق يكفي لأقيم عليه بعض الأفكار والنصائح التي سأوجهها للناشطين ضمن مجموعة “أفكار واقتراحات للوقاية من الاعتقالات” و”أفكار واقتراحات لمرحلة الاعتقال والتعذيب” (على طريقة “أفكار واقتراحات للمتظاهرين” التي سبق نشرها). هذه ستأتي في كتابات لاحقة إن شاء الله، أما الآن فأختم بالتأكيد على إخواني نشطاء الثورة في الداخل بالثبات على أسلوبهم الذي انتهجوه حتى الآن في الارتباط بعلاقات تنسيقية، وحذارِ حذار من تشكيل أي بناء تنظيمي هرمي لقيادات الثورة ونشطائها، فإنه -لو صار لا قدّر الله- محكومٌ عليه بالاختراق والتدمير وسوف يسبّب ضغطاً وحشياً زائداً على المعتقلين، وأحذّر أيضاً أي مجموعة معارضة تمتلك تنظيمات في الخارج من نقل تنظيماتها إلى الداخل. هذه الثورة بدأت شعبية عفوية فدعوها كذلك، وكما قال أحدهم ذات يوم في مقالة لطيفة يصف بها الثورات العربية الحديثة: دعوها فإنها مأمورة!

هذا المنشور نشر في رسائل الثورة. حفظ الرابط الثابت.

رد واحد على محاولة لفهم سياسات النظام: سياسة الاعتقال والتعذيب

  1. يقول غير معروف:

    شكرا على الايضاحات الهامة وملاحظة عبدالله ابازيد لم يعتقل

التعليقات

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s