محاولة لفهم سياسات النظام: سياسة الحوار والمفاوضات

رسائل الثورة السورية المباركة (26)

الثلاثاء 28 حزيران 2011

محاولة لفهم سياسات النظام

(3) سياسة الحوار والمفاوضات

مجاهد مأمون ديرانية

كان في ذهني -وأنا أكتب هذه السلسلة من المقالات- أن أنتقل من “سياسة قمع المظاهرات” إلى “سياسة الاعتقال والتعذيب” (وقد فعلت) وبعدهما “سياسة الحصار والاقتحام”، وتأخير الحديث عن “سياسة الحوار والمفاوضات” لأختم بها، لكني -لمّا رأيت بدعة “الحوار” تمضي قُدُماً ورأيت الشرفاء الصادقين يسقطون تِباعاً في فخ النظام- قررت تقديم ما كنت أعتزم تأخيره وتأخير الأول.

في سوريا خَوَنة كثيرون، آلاف منهم، بل مئات الآلاف؛ هؤلاء باعوا أرواحهم وضمائرهم للنظام المجرم واستباحوا في سبيل إرضائه كل حرام، وهم في أعيننا أهون شأناً من البعوض فلا يقدّمون ولا يؤخرون. أما إخواننا الذين جمعَنا وإياهم طريقُ الآلام الذي نقطعه كلنا معاً إلى أرض الحرية، والذين نحن وهم سواءٌ في المعاناة من ظلم وغدر النظام، فهؤلاء نألم منهم غاية الألم حينما نراهم يَمُدّون اليدَ إلى العدو الغادر اللئيم، وحين يستجيبون لمبادراته الخادعة باسم الحوار والمفاوضات.

على أني لا أشكك في صدق نيّة أي واحد من أولئك الشرفاء، لا، فإن لهم في سابقتهم وجهادهم عذراً يعذرهم به كل مُنصف، ولكنْ أقول إن النظام خدعهم بالوعود والأكاذيب وجرّهم إلى أرض الأوهام، ولو أنهم فهموا لعبته جيداً وأدركوا سياسته في هذا الشأن لما نجح في خداعهم ولثبتوا على  الموقف الذي ثبت عليه سائر إخوانهم من رفض أي حوار أو لقاء أو مفاوضات. فتعالوا نحاول معاً فهم ما يحصل، ولنبدأ ببعض الملاحظات التي يعرفها الجميع، إلا أنني سأعيد هنا سردها مرتَّبةً ثم أعلق عليها إن شاء الله.

(1) مساء الخميس 24 آذار ظهرت مستشارة الرئيس بثينة شعبان على الناس لتقول إن الرئيس السوري بشار الأسد قرر رفع حالة الطوارئ والقيام بإصلاحات. الجمعة 25 آذار: سقط أكثر من خمسين شهيداً برصاص الأمن الغادر، نصفهم في مجزرة شنيعة وغير مبرَّرة وقعت في الصنمين.

(2) الخميس 21 نيسان: أصدر الرئيس السوري قراراً برفع حالة الطوارئ. الجمعة 22 نيسان: الجمعة العظيمة، استُشهد عددٌ غير مسبوق منذ انفجار الثورة الشعبية فبلغ الشهداء نحو مئة وخمسين، حتى لقد سميتها في رسالتي الأسبوعية “جمعة الدم”. وبعد يومين اقتحم الجيش درعا.

(3) الثلاثاء 10 أيار: صرحت بثينة شعبان لمراسل جريدة نيويورك تايمز بأن اللحظات الأصعب قد تم تجاوزها ووعدت بإطلاق حوار موسَّع في غضون أسبوع. السبت 14 أيار: اقتحام تلكلخ وقراها بالدبابات وعصابات الأمن والشبيحة وارتكاب مجازر وانتهاكات فظيعة.

(4) الثلاثاء 17 أيار: التقت بثينة شعبان بشخصيات معارضة وبحثت خطة إطلاق حوار وطني. الجمعة 20 أيار: ارتكبت قوات الأمن السورية ثلاث مجازر في يوم واحد، في معرة النعمان وفي المسطومة وفي صيدا، وبلغ عدد الشهداء لذلك اليوم الدامي قريباً من مئة شهيد.

*   *   *

إنكم تلاحظون -بلا شك- أن كل تقدم في العملية السياسية يرافقه تصعيدٌ في العمليات الأمنية والقمعية، ولا يكاد هذا الاتفاق العجيب ينشأ مصادَفةً، بل يبدو للدارس المراقب أنه ارتباط منهجي وكأن المسارَين متلازمان. لكن ما هو التعليل؟ التفسيرات التي يمكن تقديمها كثيرة، لكني أميل شخصياً إلى واحد من احتمالين دون أن أستطيع ترجيح أحدهما على الآخر:

(1) اتفاق القيادتين السياسية والأمنية على توزيع الأدوار، بحيث تستمر الثانية في خطتها القمعية العنيفة التي تستهدف خنق الثورة والقضاء عليها بالقوة والعنف، فيما ترمي الأولى على الطاولة بأوراق التفاوض والحوار في سبيل تحقيق أهداف عديدة من أهمها: (أ) كسب الوقت الذي تحتاجه الأجهزة الأمنية لتنفيذ خطتها القمعية، (ب) امتصاص جزء من زخم الثورة عن طريق التغرير ببعض الفاعلين وتحييدهم، (ج) محاولة شق صف المعارضة وضرب بعضها ببعض، (د) تسجيل موقف أمام المجتمع الدولي والرأي العالمي.

(2) اختلاف القيادتين في أسلوب الحل، فبينما تثق القيادة السياسية بقدرتها على إنهاء الأزمة بالأساليب السياسية التي تعتمد على الكذب والخداع والمناورات فإن القيادة الأمنية لا تثق إلا بالحل الأمني، ولخشيتها من تعطيل مشروعها الأمني القمعي فإنها تقطع الطريق على أي مبادرة سياسية، فتصعّد العنف من ناحية، ومن ناحية أخرى تعطّل المشروع التفاوضي عن طريق اعتقال المرشَّحين للتفاوض. ربما لهذا السبب انتهى كل مَن فاوض وحاور في المرات السابقة في السجون والمعتقلات، وربما لهذا السبب أيضاً سينتهي فيها غداً كل من يشارك في الحوار اليوم!

*   *   *

في بعض مقالاتي السابقة حاولت ترتيب مؤسسات الحكم في سوريا من حيث القوة، فقلت إن الحكومة هي الحلقة الأضعف في نظام الحكم السوري. هذه مسلَّمة قديمة لم أكتشفها أنا ولا يختلف عليها الذين يعرفون عن سوريا أقلَّ قدر من المعلومات، وبالاتفاق عليها نستطيع إخراج الحكومة من معادلة الصراع لنتفرغ للفريقين الآخرين: مؤسسة الرئاسة (وتضم الرئيس ونوّابه ومستشاريه) والمؤسسة الأمنية (وتضم قادة الأجهزة الأمنية، وعلى رأسهم ماهر الأسد بطبيعة الحال). الفَرَضية الأكثر انتشاراً تقول إن الأقوى بين المؤسستين السابقتين هي المؤسسة الأمنية، هذا الرأي يعتمده دارسون كثيرون ويخالفه آخرون فيعكسون الترتيب، وأنا أميل إلى الرأي الأول لما أرى من غلبة الأدلة عليه.

بغض النظر عن أي الاحتمالين السابقين أصحّ من الآخر، فإن النتيجة واحدة: سوف يحافظ النظام على القواعد التي قَعّدَها لنفسه في مقاربته السياسية للأزمة، وأهمها:

(1) آلة القمع لن تتوقف عن العمل؛ الشهداء سوف يستمرون في التساقط، والمزيد من الأبرياء الشرفاء سوف يتعرضون إلى الاعتقال والتعذيب، والحرمات والحريات سوف تتعرض إلى المزيد من الانتهاك، ولن يتوقف حصار المدن واقتحامها.

(2) أيّ حوار يجري برعاية النظام يعني الخضوع لارتفاع سقف الحرية الذي يمكن أن يسمح به النظام، ونحن نعرف -من تجاربنا المريرة معه في الماضي- أن سقف الحرية عنده ينخفض حتى يلامس الأرض، أي أنه لا يمكن أن يسمح بأي قدر من الحرية ولن يحتمل من النقد مقدار ذرة، ولا يمكن أن يخرج المتحاورون معه بشيء.

(3) أي مبادرة سياسية يقدمها النظام لحل الأزمة لن تكون إلا تحت المظلة الأمنية وضمن حدود ضيقة جداً، أهم شروطها أن لا تضحي بأي مقدار -ولو قليل- من سيطرة وسطوة الأجهزة الأمنية الحاكمة، ومن ثَم فلا أمل في أن تحقق أيُّ مبادرة من هذا النوع حلاً حقيقياً للأزمة.

(4) لم يَصْدق النظام في وعد قدّمه من قبلُ قط ولا جلس إلى طاولة حوار إلا وهو يطوي صدره على نية الغدر، وكل ما يسعى إليه من أي مبادرة مزعومة للحوار هو كسب الوقت وتسجيل مواقف سياسية أمام المجتمع الدولي الذي بدأ يضيق عليه الخناق.

*   *   *

الخلاصة: الخطأ الكبير الذي ارتكبه بعض المخدوعين بمبادرات النظام نشأ من تصور أن الجهة التي تفاوض وتتبرع بتقديم الحلول السياسية هي نفسها الجهة التي تقود المواجهة مع الثورة، ومن هنا جاء الخطأ الأكبر، فقد توقعوا أن تُحَلّ المشكلة إذا نجحت مبادرات الحوار المزعومة.

لا يا قوم، ليس الأمر كذلك. يجب أن تعلموا أن الحملة التي يشنها علينا النظام تمشي على سكّتين، سكة المفاوضات وسكة القمع؛ على الأولى يقود النظامُ قطارَ الحل السياسي الخادع، وعلى الثانية (وفي الوقت نفسه) يمشي قطارُ الحل الأمني الهادر الكاسح. إنهما سكتان متوازيتان يمشي عليهما القطاران معاً، ولكن المؤكد أن القطار السياسي يمشي على سكة مقطوعة، والقطار الأمني هو الوحيد بينهما الذي مدّ النظامُ سكّتَه إلى آخر الطريق!

يا أيها السادة المخدوعون بدعوة النظام إلى الحوار: لو أنكم كنتم تتعاملون مع نظام وُلد اليومَ ولم تعرفوا بعدُ هويته لعذرتكم، ولكنْ ما هذا النظام بابن اليوم، وإنّ له لَسجلاً طويلاً عريضاً يُثبت أنه لا يهادن ولا يسامح ولا يتنازل عن جبروته مقدار أنملة. لا أريد أن أستطرد في سرد الأمثلة (وهي ليست بالمئات، بل بالآلاف وآلاف الآلاف)، بل سأكتفي بمثالين تدليلاً على ما أقول، فأرجو أن تمنحوني من وقتكم الثمين بضع دقائق لأذكّركم بحادثتين:

الحادثة الأولى من داخل النظام، بل من أعلى مراتب حزب البعث الحاكم: في ربيع 2005 ظهر قائد الجيش الشعبي وعضو اللجنة المركزية لحزب البعث، محمد إبراهيم العلي، في مقابلة تلفزيونية دعا فيها إلى إجراء إصلاحات داخل الحزب، فأحالته القيادة القطرية لحزب البعث إلى التحقيق، وأصدر بشار الأسد مرسوماً بإعفائه من جميع مناصبه، وبعد تشكيل لجنة للتحقيق معه تقرر منعه من أي تصريح صحفي ووقف البرنامج الذي استضافه في التلفزيون السوري وإعفاء مراقبي البرنامج من مهامهم.

الحادثة الثانية من خارج النظام: في الحادي والثلاثين من آذار عام 1980 توقفت النقابات المهنية في سوريا (نقابات المحامين والأطباء والمهندسين والصيادلة وأطباء الأسنان والمهندسين الزراعيين) عن العمل ليوم واحد احتجاجاً على انتهاكات حقوق الإنسان في البلاد، فاعتقلت السلطات أعضاء مجالس تلك النقابات لمدة اثنتي عشرة سنة بلا تحقيق ولا قضاء، وقد مات عدد منهم تحت التعذيب.

إن عقلية النظام المتحجرة واستبداده المطلق وعجزه عن استيعاب الرأي الآخر لم تتغير كلها منذ أربعين عاماً، ولم تتغير أساليبه كذلك، الذي تغير هو فقط مستوى قوته ودرجة سيطرته على أوراق اللعبة، وفي اللحظة التي يستعيد فيها السيطرةَ الكاملة سوف يمارس أسلوبه المعتاد، وسوف ترون -يا مفاوضي دمشق اليوم- مصيرَ الذين غرّتهم وعودُ رئيس جديد بربيع جديد قبل أحد عشر عاماً، ثم ما لبث ربيعهم أن تحول إلى خريف… إذ سرعان ما ثبت أن الرئيس الجديد لم يحترم وعده بإطلاق الحريات، كما ثبت بعد ذلك أنه لم يحترم وعداً قط!

فبعد أربعة أشهر فقط صرّح وزير إعلامه (عدنان عمران) بأن الدعوة إلى المجتمع المدني هي استعمار جديد، ثم جاء تصريح وزير دفاعه مصطفى طلاس أكثرَ وضوحاً حين قال: لقد قمنا بحركة عسكرية ودفعنا دماءنا من أجل السلطة. السلطة تنبع من فوهة بندقية ونحن أصحابها، ولن نقبل بأن ينتزعها منا أحد!

وخلال الشهور القليلة التالية انتهى دعاة الربيع كلهم في السجون.

*   *   *

يا أيها السادة المخدوعون بدعوة النظام إلى الحوار: نحن لا نريد ولن نقبل بأن يدعو أيُّ إنسان إلى الحوار مع النظام أو مهادنة النظام؛ نحن لا نعترف بهذا النظام ولم يعد لنا سقف أدنى من إسقاط النظام ومحاكمة النظام، ونحن نصنّف أيَّ شخص يجلس مع النظام على طاولة حوار بأنه واحد من اثنين ولا ثالث لهما: مخدوع مغرَّر به أو عميل متآمر على الثورة.

أنتم لستم من الصنف الثاني، وأعيذكم أن تكونوا من الأول. أعلنوا براءتكم من النظام وانسحابكم من مبادرة الحوار إعلاناً عاماً يسمعه الجميع وتقرّ به عيون المَكْلومين في أنحاء سوريا. وليتذكر كل من يخدعه النظام فيمد إليه يده اليوم أو يفكر بمدّ يده إليه في أي يوم آت ما يلي:

(1) أنت بمشاركتك في الحوار تساعد النظام على تحقيق مآربه الخبيثة والالتفاف على الثورة.

(2) الجماهير قالت كلمتها، وهي لن تقف الثورةَ ولن تمنح النظامَ الوقتَ الذي سيستثمره للالتفاف عليها وخنقها.

(3) طريق الحوار مسدود، ومن ظن أنه سيخرج منه بخير للثورة فقد وَهِمَ الوهم الأكبر.

(4) الحوار محرقة وطنية لكل من يشارك فيه، فلا تضيع ماضيك المشرّف سعياً وراء سراب.

أيها السادة الأفاضل: أنتم اليوم تفاوضون النظام الحاكم في دمشق، وأنا لن أطلب منكم سماع رأيي ولا رأي غيري، بل سأطلب منكم الاحتكام إلى شِرعة النظام الذي تحاورونه وإلى قاعدة الحوار التي أعلنها رئيسه على منبر جامعة دمشق قبل أيام، قال: “لا حوار مع من يحمل السلاح”. وأنتم أعلم مني وأفهم: مَن مِن طرفَي النزاع هو الذي يحمل اليوم السلاح ويقتل به الأبرياء الشرفاء من أبناء الوطن؟

إننا نعلنها ونهتف بها بالصوت العالي ليسمعها الجميع: لا صوتَ اليوم يعلو على صوت الثورة، ولا مفاوضَ اليوم باسم الثورة غيرُ الرجال المنثورين في الشوارع، وهؤلاء لم يوافقوا على محاورة أي ممثل عن النظام غير الشرعي الذي قتل منهم إلى اليوم ألفين واعتقل وعذّب خمسين ألفاً من أشراف البلاد.

الثوار في الشوارع خاطبوا أقوى حاسّتين وأفضلَ جهازَي استقبال يملكهما إنسان، فهتفوا بملء الحناجر “الشعب يريد إسقاط النظام” ليسمعها الذين لا يبصرون، ثم كتبوها على يافطاتهم بالخط العريض ليقرأها الذين لا يسمعون. فيا أيها السادة الأفاضل: ألا تبصرون وتسمعون؟

هذا المنشور نشر في رسائل الثورة. حفظ الرابط الثابت.

رد واحد على محاولة لفهم سياسات النظام: سياسة الحوار والمفاوضات

  1. يقول سامي:

    مقال اكثر من رائع

التعليقات

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s