يا من تهجون حلب: لا تساعدوا عدوَّكم على أنفسكم

الثورة السورية: عِبَر وفِكَر (7)

12 تموز 2011

إلى من يَهْجون حلب:

لا تساعدوا عدوَّكم على أنفسكم

مجاهد مأمون ديرانية

منذ الأيام الأولى للثورة وأنا أقرأ تعليقات سلبية تعرّض ببعض المدن وأهلها. في الأسبوع الأول ضمّت قائمةُ الهجاء دمشقَ وحلب وحماة، وما لبثت حماة أن انفجر فيها البركان فانقلب الهجاء إلى ثناء، ثم ازدادت مشاركة دمشق في الثورة أسبوعاً بعد أسبوع فكفّ عنها العاتبون، وبقيتُ إلى اليوم أقرأ تعليقات مشحونة بهجاء حلب.

أنا لست من حلب ولا أعرفها ولم أزرها في حياتي قط، ولكني أحببت أن أقول كلمة الحق، فليحتملها مني الناقمون منكم على حلب والناقدون: اسمحوا لي أن أقول لكم إنكم مخطئون يا أيها الغيورون على الثورة، وإنكم لا تخدمون ثورتكم بهذا السلوك بل تخدمون عدوَّكم من حيث لا تشعرون.

هذه ثورة أمة، ثورة شعب كامل رفض الاستبداد والاستعباد، فلا ينبغي للثورة أن توزع الناس على قوائم المدن والمناطق والطوائف والأعراق، بل فقط على أساس مواقفهم من الثورة والنظام. عندئذ سنقول إن فلاناً من الناس ثائر حر شريف اصطفّ مع ثورة الأحرار الكرام، وإن فلاناً مجرم عبد ذليل اصطفّ مع نظام الخيانة والإجرام، أي أننا سنصدر الحكم على فلان وعلى فلان، أما أبو فلان وأم فلان وزوجه وبنوه وعائلته وعشيرته فلا شأن لنا بهم، وإنما يدخل الواحد منهم إلى إحدى القائمتين: الشرف أو العار، بعمله وبما تكسب يداه.

نحن نعلم -مثلاً- أن كثيراً من مجرمي النظام وعملائه من حوران، لكنهم لن يضروا أهل حوران الكرام الأشراف ولن يُلحقوا العار لا بالعائلات التي ينتسبون إليها ولا بالمدن التي وُلدوا فيها وخرجوا منها، إنما عارهم على أنفسهم، أما حوران فسوف تبقى جوهرةَ الثورة ودُرّتها، وسيبقى عامّة أهلها في صدر صفحات الشرف والكرامة في سجل الثورة السورية العظيمة.

الأمر نفسه ينطبق على كل مدينة وقرية وناحية في سوريا، فإنها لا تخلو أمة من الأمم ولا جماعة من الجماعات من المجرمين والانتهازيين والسّفَلَة وضعاف النفوس، وبعد انتصار الثورة (القريب بإذن الله) سيكون الحساب للأشخاص لا للعشائر ولا للطوائف ولا للمدن والمناطق؛ هذه قاعدة من أهم قواعد الدين والأخلاق: “لا تَزِر وازرة وِزْرَ أخرى”، و”كل نفس بما كسبت رهينة”. أما النظام المجرم الذي يحكم سوريا فله قاعدة أخرى، فإذا أجرم -بميزانه الظالم- رجلٌ من عائلة فالعائلة كلها تصبح عرضة للرهن والملاحقة، وإذا أساءت -برأيه الأعوج- جماعةٌ من مدينة فالمدينة كلها تستحق العقاب! حَذارِ أن نكون مثله! ونحن نصبح مثله حينما نعمّم الحكم ونأخذ بجريرة المجرم (أو عصابة المجرمين) المدينةَ من المدن أو الطائفةَ من الطوائف أو العشيرةَ من العشائر.

لذلك قلنا من قبل ولن نزال نقول: معركتنا هي معركة مع مجرمي النظام ومع عبيد النظام من أي فئة أو طائفة أو منطقة كانوا، ولن نسمح لأحد أن يجرّنا إلى استعداء الأبرياء والشرفاء من أي فريق. والآن: هل يمكن أن يظن عاقل أن حلب بطولها وعرضها ليس فيها آلاف -على الأقل- من الشرفاء الأحرار الذين اختاروا لأنفسهم طريق الثورة وركبوا مركبها؟ الجواب: لا يمكن تصوّر أمر كهذا. ألا تخرج في حلب أصلاً مظاهرات؟ بلى، بل إنها تزداد اتساعاً وعنفواناً أسبوعاً بعد أسبوع. حسناً، عندما يهجو أحدكم أهلَ حلب جملة واحدة، ألا يهجو معهم أولئك الأحرار الثائرين؟

نحن نعلم أن في حلب كثيرين ممن رضوا بالسكوت ولاءً للنظام، أو خوفاً من شرّه، أو تغليباً للمصلحة، أو لغير ذلك من الأسباب، المهم أنهم كثيرون. ونعلم أن في حلب جيشاً من عبيد النظام من عصابات بعض العشائر والعائلات الذين باعوا للنظام أرواحهم وضمائرهم وانقلبوا على بنيهم وأهليهم، وهؤلاء أيضاً كثيرون. وسط هؤلاء وأولئك قامت ثُلّة من الأبطال الشجعان تهتف أن لا للسكوت ولا للظلم ولا للاستعباد والاستبداد، ونزلت إلى الميدان تحارب على الجبهتين: النظام المجرم بشبّيحته وأجهزته الأمنية القمعية، وجمهور الساكتين المستسلمين من أهل المدينة. أولئك خياركم يا ثوار سوريا، ليس لأنكم أقل منهم وطنية، بل كلكم في الوطنية والشهامة والرجولة سواء، ولكن لأنهم يَلقَون من العنت ما لا يكاد يلقاه ثوار سوريا كافة.

في حمص وحماة يواجه المتظاهرون النار والأمن، ولكنهم يلتقون عشرةَ آلاف متظاهر مع بضع مئات من عناصر الأمن. حتى درعا التي تظاهر أهلها كلهم تقريباً في أيام الاستقلال الأولى (هكذا أسمّي الشهر الذي سبق اجتياح درعا بالجيش والدبابات) درعا احتلتها كتائب الاحتلال الأسدية التي وصل عدد عناصرها إلى عدة آلاف… أي بمعدل عنصر أمن لكل عشرين من السكان أو عشرة في أعلى التقديرات. بالمقابل أنظرُ إلى مظاهرات حلب في سيف الدولة وصلاح الدين والصاخور والشعار وغيرها من المناطق فأجد أن المئة من المتظاهرين والمئتين يواجههم ألفٌ من الأمن والشبيحة المسلحين بما هو أسوأ من المسدسات والرشاشات: العِصِيّ الحديدية والكهربائية والسلاح الأبيض… وما أهونَ الموتَ برصاصة في الجبين أو العنق مقارَنةً بالموت ضرباً بالعصي والهراوات وتشريطاً بالسكاكين والشفرات!

إنهم قلّة يخرجون إلى المظاهرات في عين الخطر، وسط بحر من الجبناء المتخاذلين والأعداء المستأسدين، فلا تَزيدوا همهم وتنثروا على جراحهم الملح بكلمات حِداد شِداد يا عباد الله. لا تخوِّنوا مدينة بجريرة بعض أهلها، ولا يكُنْ بعضُكم عوناً للنظام الظالم على بعض، بل ليضع الصادقون المخلصون أيديهم في أيدي إخوانهم في حلب وفي غير حلب، حتى نعبر معاً الطريق الصعب إلى الحرية بأقل الخسائر بإذن الله.

أما أنتم -يا ثوار حلب الأبطال- فأدعو الله أن يثبّتكم في وجه عدوكم وأن يثيبكم على صبركم ويعقبكم نصراً مؤزراً، ولا أملك مع الدعاء إلا الرأي، فإن كان يفيدكم فها هو بين أيديكم في المقالة الآتية.

هذا المنشور نشر في عِبَر وفِكَر. حفظ الرابط الثابت.

8 ردود على يا من تهجون حلب: لا تساعدوا عدوَّكم على أنفسكم

  1. يقول Hussam Odet:

    من لم تحركه الدماء لا بارك الله فيه وليبقى يعيش عيش العبيد

  2. لك اش بدك ياني اقول …….
    ابوس جنق وشك على هالمقالة …
    لك دبحتني بسكينة متلمة …
    قسما بالله اول مرة بحس انو حدا صنفنا برا الخونة والشبيحة ووووو ..
    انا واحد من الناس اللي بصلي بجامع امنة بسيف الدولة , كل جمعة ..
    والله العظيم يعني يمكن نحن 100 واحد , وفي مقابيلنا 500 من الشبيحة والامن والشرطة والجيش ماعدا اهل الحارة نفسهم اللي بيمسكونا..
    وفوق هاد كلو , عم يستنونا ادام الجامع , لحتى نسلّم ويارب يمسكوا العصي لك حتى قبل ما نهتف …
    يعني ياريت عم نلحق نهتف كلمتين تلاتة .. ما منحس غير اشتغل القتل والضرب وياريت بشي هين .. لك اصغر سلاح سيف ,

  3. يقول غير معروف:

    هذا هو عين الصواب. في الأمس كنت أشاهد مقطع فيديو مسجل من تلفزيون الدنيا. كانوا يمدحون حلب و أهل حلب و قد جاءوا من كل فج عميق ليتجمهروا و يمدحوا حلب و أهلاها و ليجعلوا منهم الوطنية بعينها في محاولة لاستمالة أهل الشهباء إلى الثورة المضادة التي تشهدها البلاد. خسئوا و خابوا في تحقيق ذلك إن شاء الله, و لكن الشاهد هنا أنهم يستميلون أهل الشهباء في الوقت الذي يهجوهم فيه من يحسبون على التورة الوطنية وما ذلك إلا محاولة منهم لزيادة الفجوة بين الشهباء و الثورة العارمة الاْتية إن شاء الله. علينا أن نتعقل و نفكر قبل أن نهجوا أو نقذح في ما قد يترتب على هكذا فعل. جزاكم الله خيرا أخي على هذا المقال الصائب.

  4. يقول Joffrey:

    لافض فوك. هي معركة اعلام واستمالة لامعركة سلاح

  5. يقول zafert kamal:

    جزاك الله خيرا وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال من كان يؤمن بالله واليوم الاخر فليقل خيرا اوليصمت .

  6. السلام على أهلنا المجاهد بالسلم وليس بالحربة ورحمة الله وبركاته
    كلام الأستاذ مجاهد فيه من الصواب الكثير ولكن أود التأكيد على أن “الشعب الحلبي” الأبي والمعروف برباطت جأشه وعناده وفدائيته لابد له من أن ينتفض في كل يوم وساعة ويكون قدوة لباقي المدن السورية وحتى العربية – فالكثرة تغلب الشجاعة – ولو أراد هذا الشعب الخروج بنية صادقة وعزم مجاهد سيتغلب بقوة الله على كثرة الغوغائيين من أزلام السلطة الجبناء وأبواقها العبيد.
    فأنا أشعر بأن مدينة الشهباء كالنسر بكبر حجمه وقوته ولكن أشعر بمدينة أبي الفداء بالعقاب مع صغر حجمه هو أقوى وأشجع من باقي الطيور الجارحة – وأتمنى لهذا النسر أن ينتفض من سباته ويحلق ويغطي سماء وأرض الوطن بالكبرياء والشهامة.
    فما على الشارع “الحلبي” إلا التنسيق فيما بينه وبالطريقة التقليدية (غير الألكترونية المراقبة) وليتعامل مع النظام وكأنه في الثمانينات من القرن الماضي وينظم صفه ليخرج بساعة واحدة بكل الحارات والأزقة والشوارع ولتقوم النسوة الحلبيات النشميات ومن شرفات منازلهم بدعم هذا الحراك السلمي من خلال الهتاف والتشجيع لشباب الثروة ورمي رجال السلطة بما تجود به أنفسهن من بقايا طعام والأثاث وحتى الماء المغلي حتى يخاف ويتشتت رتل هؤلاء الجبناء من الشبيحة ويواجهون الشعب من الأرض (الشارع) والسماء (غضب الرب والعباد من شرفات وأسطح العمائر) وبقوة الله وعونه ستتغير الكفة لصالح هذا الشعب المسالم “ليس للأبد طبعاً” وتنتصر الثورة النزيه هذه على الظلم والطغيان ولا يكون لحلب وأهلها سطر في مجلد الثورة فيها إهانة أو خذلان أو حتى نسيان.
    بارك الله بالأخوة المجاهدين والمناضلين بكل بقاع سوريا الحبية والوطن العربي الأبي
    والسلام عليكم ورحمة الله
    عقاب حلب – بو عبدالله

  7. يقول قلب محروق:

    كلام رائع يا استاذ مجاهد الله يحفظك ويكرمك..كلام زينة العقل ..والله متنا من هالحكي…والاصعب من كل شي انو هالحكي ما بيوصل للمؤيدين بس بيحرقنا..

التعليقات

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s