ليسوا منا، نحن منهم بَراء

الثورة السورية: خواطر ومشاعر (17)

18 تموز 2011

ليسوا منا، نحن منهم بَراء

مجاهد مأمون ديرانية

أمسى المساءُ أمسِ على الناس في دمشق الكبرى، المدينة وضواحيها وبناتها الحافّات بها من القرى والبلدات، وهم على خمسة أقسام: فريق انشغلوا بدفن شهدائهم ومداواة جراحهم؛ أولئك هم أهلنا المكلومون في دوما وحرستا وزملكا والكسوة والقدم ونهر عيشة والميدان وبرزة وجوبر وركن الدين والقابون.

وفريق انطلقوا إلى أهليهم وأحبائهم يشاركونهم آلامهم ويواسونهم في مصابهم؛ أولئك هم كرام أهل الشام، الأخيار الشرفاء الذين ساروا في مواكب الشهداء واجتمعوا في سُرادقات العزاء.

وفريق كانوا في شغل عن ذلك بعصابة المجرمين التي اجتاحت مدينتهم واقتحمت بيوتهم، فاعتقلت أحرارهم وروّعت حرائرهم في حملة هولاكية شرسة فاجرة؛ أولئك هم أهلنا المصابون المصابرون في قطنا.

وفريق انصرفوا إلى الطبل والزمر والرقص والغناء، يحتفلون بعيد المجرم الأكبر ويباركون جرائمه؛ أولئك هم سَفَلة دمشق وسوريا وأنذالها الذين اجتمعوا في مسخرة التأييد في ساحة الأمويين.

ومَن بقي من الناس من أهل دمشق أحيَوا نهارهم لاهين وناموا ليلهم مطمئنّين، لا همّ لهم في عير ولا نفير.

فأما المصابون والمصابرون فهم أهل دمشق الذين تفاخر بهم الدنيا، قد غدت بفضلهم دمشقُ جسداً واحداً على قلب واحد، لا فرق بين حيّ من أحيائها وضاحية من الضواحي، ولا فضل لناحية على أخرى إلا بسابقة الثورة والجهاد.

وأما اللاهون النائمون فما زلنا نرجو لهم أن تستيقظ ضمائرهم من سُباتها وأن تنشط هِمَمهم من عِقالها، فيغالبوا خوفهم ويتعالوا على مصالحهم، ويصطفّوا مع إخوانهم في موكب الثورة، ويركبوا معهم مركب الكرامة والحرية.

وأما الراقصون على جراح المدينة فليسوا منها ولا هي منهم. لقد استجديتُ العذر في مرات سابقة للمشاركين في مساخر التأييد وافترضت فيهم حسن النية، قلت لنفسي: لعلهم بين مُكرَه على المشاركة ومخدوع، ولكنهم لا عذر لهم منذ اليوم.

ليس دمشقياً من يرقص ويمرح وفي دمشق جرحى لم تندمل جراحهم وشهداء لم تجفّ دماؤهم، برئت منكم دمشق يا أيها الراقصون. ليس سورياً من يهتف بحياة المجرم فيما ضحاياه في طول سوريا وعرضها تحت النار يتساقطون وإلى العذاب يُساقون، برئت منكم سوريا يا أيها الهاتفون. ليس عربياً من يلهو ويعبث غيرَ مُبال بالثكالى والأيامى واليتامى من إخوته في العروبة، برئت منكم العروبة يا أيها العابثون. ليس مسلماً من يسلو ويلهو وإخوانه في الدين يُقتَّلون، ثم يتخذ الطاغية وثناً يصلي له ويسجد، برئ الإسلام منكم يا أيها اللاهون الصابئون.

يا أيها الناس: دمشق لم تفقد بضعةً وعشرين بطلاً من أبنائها يوم الجمعة، أولئك الشهداء أحياءٌ في معيّة الرحمن. دمشق فقدت مئة ألف من سَفَلتها يوم الأحد في مسخرة التأييد، أولئك الموتى حقاً، الذين مات فيهم الشرف والضمير.

لن يضرّ سوريا أن تطرح عن نفسها مئة ألف خائن، ففيها ما يكفيها من ملايين الثائرين الأحرار والصادقين الأخيار.

هذا المنشور نشر في خواطر ومشاعر. حفظ الرابط الثابت.

5 ردود على ليسوا منا، نحن منهم بَراء

  1. السلام عليكم
    جزاك الله خيراً يا أستاذنا الكريم.. وتقبل الله أقوالكم وأعمالكم.. ولكم منّا نحن في الداخل السلام كل السلام، ونحب أن نزف إليكم البشرى الآتية:
    يقول سبحانه وتعالى: ((وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم)).. نعم لقد كان في مهرجان الراقصين على جراحنا هذا- كان فيه الخير كل الخير بفضل الله ونعمته؛ فوالله لقد انضم عدد كبير من الشباب إلى قافلة شباب الحرية والكرامة؛ بعد أن كان البعض منهم مؤيداً والآخر محايداً.. وأعلنوها من البارحة بأنهم لن يكلوا أو ييئسوا من التظاهر مهما كلفهم الأمر.
    فالحمد لله الذي خلّص بلدنا من مئة ألف خائن، وضمّ مئات الآلاف من الأحرار إلى ركب الملايين الثائرين.. وما النصر إلا من عند الله.. ولله الأمر من قبل ومن بعد
    والسلام.

  2. يقول ابن الشام الأصيل:

    لا فض فوك أيها الكاتب الكريم .. نعم كل ما ذكرته صحيح .. وأكثر منه أن هؤلاء المطبلين المزمرين لا خلاق لهم .. ولا أخلاق عندهم .. ولا مشاعر لديهم .. لقد تربينا نحن السوريون تربية أخلاقية رائعة فمن التعليمات التي كنا نتلقاها من أهلنا عندما كنا صغاراً مشاركة الجيران في الحي الواحد في مشاعرهم .. فكنا نلغي فرحاً .. لوجود عزاء في الحي .. نعم هكذا تربينا وهكذا نحن لأننا أصلاء .. أما الدخلاء عديمي الأخلاق والتربية والحس الوطني والإنساني فهم يرقصون فوق آلام وجراحات الآخرين .. فلا نامت أعين الجبناء .

  3. يقول نسيم الحرية:

    هؤلاء انشاء الله قلة من الناس وسوف يقل عددهم كل يوم …ولكن من سيبقى على هذه الحال هم الذين لا يفهمون ما معنى الحرية وما معنى الكرامة …ولم يسمعوا يوما بحقوق الإنسان ويعتقدون بأنهم إذا حصلوا على أكلهم فهم قد حصلوا على حقوقهم كاملة…ليس لديهم حلم أكثر من الأكل والنوم هذا جل ما يطلبونه …ولا يعنيهم ما يجري حولهم ……ونطمئنهم بأنهم لن يجوعوا بعد انتصار الثورة ..وبأننا سنستورد لهم أفضل الأعلاف . أعود وأقول بأن من أصفهم قلة قليلة …وأن أكثر الساكتين الأن سوف يهبوا وينتفضوا قريبا عندما سيدركون الواقع وتزول الغمامة من أمام أعينهم ….وسيرفضون بلا تردد وبكل شجاعة الإجرام الذي يحدث بحق شعبهم و أشقائهم

  4. تنبيه: ليسوا منا، نحن منهم بَراء . . بقلم: مجاهد مأمون ديرانية « مختارات من أحداث الثورة السورية

التعليقات

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s