صمتكم يقتلكم!

الثورة السورية: عِبَر وفِكَر (11)

6 آب 2011

صمتكم يقتلكم!

مجاهد مأمون ديرانية

أعترف ابتداءً بأنّي سرقت هذا العنوان، لست صاحبه ولا أنا مَن اخترعه، بل سمعته من أحد مصوّري مظاهرات جمعة “صمتكم يقتلنا”، ولا أدري أنَطق به سهواً أم قَصَدَ معناه، قد يكون هذا أو هذا، أما أنا فاستحسنته واستصوبته.

نعم، إنّ هذا لَحَقٌّ وإنه لَصدق؛ إنْ كنتم لنا بصمتكم قاتلين فإنكم لأنفسكم به أقتل، وإن كان لصمتكم ضحايا فإنكم أنتم أنفسكم على رأس ضحايا صمتكم.

هذا عالِمٌ ذائعُ الصيت يسحب من ورائه جمهوراً كوَّنَه في العدد الكبير من السنين، ظن أنه إنْ سكت فلم يمالئ الظالم -كما صنع غيره- فقد أبرأ ذمته. أما علم أن الصمت والجهر بالسوء في مثل هذا المقام أخوان شقيقان؟ أما علم أنه ليس ونحن -عامّةَ الناس- في حق الصمت سواء؟ نحن لم يؤخَذ علينا ما أُخذ عليه من ميثاق، فلو أنّا جنحنا إلى المسالمة واخترنا أهون الطريقين فلا مَلامة علينا، أما العالم فقد أخذ الله عليه الميثاق: أن يُبيّن الحق للناس، فإذا سكت عن البيان فقد خان الميثاق، وإذا صرّح بجزء من الحق وسكت عن بعض -رَغَباً أو رَهَباً- فقد خان الميثاق. إن الصمت في هذا المقام خيانة للنفس وخيانة للدين وخيانة للأمة.

يا أيها العلماء الذين صَمَتُّم في موقع يلزم فيه البيان: لقد قتلتم أنفسكم قبل أن تقتلونا، لا سامعَ لكم ولا تابعَ بعد اليوم.

وهذا من الذين يسمّون أنفسهم مثقفين. كان ينبغي عليه أن تدفعه ثقافته إلى الدفاع عن حقوق أمته، لكنه اكتفى بالصمت واعتصم به وظن أنه إن صمت فقد أنصف. أما علم أنه لا يصحّ منه الصمت ولا يُقبَل؟ أما علم أنه ليس ونحن -عامّةَ الناس- في حق الصمت سواء؟ نحن لم نمجّد القاتلَ في أي يوم ولا مجّدنا أباه المجرم من قبله، ولا دُرنا في فلك النظام دَوَران المغزل. أمَا وقد فعل هو ذلك ذاتَ يوم وكلَّ يوم فقد وجب أن يكشف عن الحقيقة التي يعرف، وأن يعلن تخلّيه عن الظالم ووقوفه مع المظلوم، هذا وحده هو الكفّارة عن نفاق السنين الماضيات وهو وحده الذي يوفي به المثقفون الدَّينَ لثقافتهم وأمتهم، أما الصمت فإنه خيانة للنفس وخيانة للثقافة وخيانة للأمة.

يا أيها المثقّفون الذين صَمَتُّم في موقع يلزم فيه البيان: لقد قتلتم أنفسكم قبل أن تقتلونا، لا قارئ لكم ولا مُتابعَ بعد اليوم.

وهذا من الذين يسميهم الناس فنانين، كان ينبغي عليه أن يدفعه فنُّه إلى حمل هَمّ أمته، لكنه آثر الصمت فلم يُسمَع له في هذه المعمعة صوت، وظن أنه أفلح. أما علم أنه لا يصح منه الصمت ولا يُقبل؟ أما علم أنه ليس ونحن -عامّةَ الناس- في حق الصمت سواء؟ نحن لم نسبّح بحمد الرئيس السفاح في يوم مضى ولا اشتغلنا مبيِّضين، نُصرّف طاقتَنا ونَصْرف وقتَنا في تبييض وجه النظام. أمَا وقد فعلتم أنتم ذلك فيما مضى فلا عذر لكم في السكوت اليوم، فاكسروا صمتكم وأسمعونا صوتكم وأعلنوا تخليكم عن المجرمين، اعترفوا أنكم غطيتم بطبقة من البياض الزائف وجهاً داكناً ممعناً في السواد. كفاكم صمتاً؛ إن الصمت خيانة للنفس وخيانة للفن وخيانة للأمة.

يا أيها الفنّانون الذين صَمَتُّم في موقع يلزم فيه البيان: لقد قتلتم أنفسكم قبل أن تقتلونا، لا جمهور لكم ولا محبين بعد اليوم.

أما أنتم يا عامّةَ الصامتين من راضين أو خائفين أو مستسلمين: إنكم ترتاحون اليوم بصمتكم وتختارون أدنى الطريقين إلى السلامة، لكنكم تخسرون الكثير. تخسرون الشرف، وتخسرون المروءة، وتخسرون الكرامة، وتخسرون احترامَكم لأنفسكم واحترام أولادكم لكم. إنكم تخسرون ما لا يعوَّض بالمال ولا حتى بالحياة.

يا أيها الصامتون: لقد قتلتم أنفسكم قبل أن تقتلونا؛ إنكم تقتلوننا اليوم بصمتكم، ولكنكم أصدرتم الحكم على أنفسكم بالموت كل يوم إلى آخر العمر، وكفى بهذا الموت المتكرر عقاباً لكم على جريمة الصمت.

أما أنت يا أمين الجامعة العربية ويا أمين منظمة المؤتمر الإسلامي، ويا قادة الدول العربية والدول الإسلامية، فما أدري كيف يمكن لصمتكم أن يقتلكم، فإن الموتى لا يموتون!

هذا المنشور نشر في عِبَر وفِكَر. حفظ الرابط الثابت.

4 ردود على صمتكم يقتلكم!

  1. ردة الحاكم من كتاب فقه الجهاد للشيخ القرضاوي
    وأخطر أنواع الردَّة: رِدَّة السلطان، أو رِدَّة الحاكم، الذي يُفترَض فيه أن يحرس عقيدة الأمة، ويقاوم الردَّة، ويطارد المرتدِّين، ولا يُبقي لهم من باقية في رحاب المجتمع المسلم، فإذا هو نفسه يقود الردَّة سرًّا وجهرا، وينشر الفسوق سافرا ومقنَّعا، ويحمي المرتدين، ويفتح لهم النوافذ والأبواب، ويمنحهم الأوسمة والألقاب، ويصبح الأمر كما قال المَثَل: (حاميها حراميها) … أو كما قال الشاعر العربي:
    وراعي الشاة يحمي الذئب عنها فكيف إذا الرعاة لها ذئاب؟!!
    نرى هذا الصنف من الحكام، مواليا لأعداء الله، معاديا لأولياء الله، مستهينا بالعقيدة، مستخفًّا بالشريعة، ومصادرها المعصومة من القرآن العزيز والحديث الشريف، غير موقِّر للأوامر والنواهي الإلهية والنبوية، مهينا لكلِّ مقدَّسات الأمة ورموزها، من الصحابة الأبرار، والآل الأطهار، والخلفاء الأخيار، والأئمة الأعلام، وأبطال الإسلام! وهؤلاء يعتبرون التمسُّك بفرائض الإسلام جريمة وتطرُّفًا، مثل الصلاة في المساجد للرجال، والحجاب (أي لبس الخمار) للنساء. حتى إن المرأة المحجَّبة لتُمنع من التعلُّم في المدارس والجامعات، ومن التوظيف في وظائف الحكومة والقطاع العام، ومن العلاج في المستشفيات العامة، حتى الولادة، تُمنع منها ما لم تخلع حجابها!
    ولا يكتفون بذلك، بل يعملون وَفق فلسفة (تجفيف المنابع) التي جاهروا بها، في التعليم والإعلام والثقافة، حتى لا تنشأ عقلية مسلمة، ولا نفسية مسلمة، ولا شخصية مسلمة[2].
    ولا يقفون عند هذا الحدِّ، بل يطاردون العلماء والمعلِّمين، والدعاة الحقيقيين للإسلام، ويغلقون الأبواب في وجه كلِّ دعوة أو حركة صادقة، تريد أن تجدِّد الدين، وتنهض بالدنيا على أساسه.
    والغريب أن بعض هذه الفئات – مع هذه الردَّة الظاهرة – تحرص على أن يبقى لها عنوان الإسلام، لتستغلَّه في هدم الإسلام، ومطاردة دعاته، ولتعاملهم الأمة على أنهم مسلمون، وهم يسخرون من الإسلام، ويقوِّضون بنيانه من الداخل، وبعضها تجتهد أن تتمسَّح بالدين، بتشجيع التديُّن الزائف، وتقريب ممثليه من الدجاجلة والمرتزقة، من المنافقين الذين يحرقون لها البخور، ممَّن يتزيون بزي مشايخ الدين، والدين منهم براء! ممَّن سمَّاهم الناس (علماء السلطة، وعملاء الشرطة)!
    وهنا يتعقد الموقف، فمَن الذي يقيم الحدَّ – حدَّ الردَّة – على هؤلاء؟ بل مَن الذي يفتي بكفرهم أولاً، وهو كفر بَوَاح كما سمَّاه الحديث الصحيح[3]؟ ومَن الذين يحكم بردَّتهم، وأجهزة الإفتاء الرسمي والقضاء الرسمي في أيديهم؟ ليس هناك إلا (الرأي العام) المسلم، والضمير الإسلامي العام، الذي يقوده الأحرار من العلماء والدعاة وأهل الفكر، والذي لا يلبث – إذا سُدَّت أمامه الأبواب وقُطِّعت دونه الأسباب – أن يتحوَّل إلى بركان ينفجر في وجوه الطغاة المرتدين. فليس من السهل أن يفرِّط المجتمع المسلم في هُويَّته، أو يتنازل عن عقيدته ورسالته، التي هي مبرِّر وجوده، وسرُّ بقائه.
    وقد جرَّب ذلك الاستعمار الغربي الفرنسي في الجزائر، والاستعمار الشرقي الروسي في الجمهوريات الإسلامية في آسيا، ورغم قساوة التجرِبة وطولها هنا وهناك، لم تستطع اجتثاث جذور الهُويَّة الإسلامية، والشخصية الإسلامية، وذهب الاستعمار والطغيان، وبقي الإسلام وبقي الشعب المسلم.
    غير أن الحرب التي شُنَّت على الإسلام ودعاته من بعض الحكَّام (الوطنيين)! العلمانيين والمتغرِّبين في بعض الأقطار العربية والإسلامية – بعد استقلالها – كانت أحدّ عداوة، وأشدّ ضراوة، وأعتى قساوة، من حرب المستعمرين[4].

    [1] – فقه الجهاد (1/187-189)، مكتبة وهبة، الطبعة الأولى 2009م،.
    [2]- هذا للأسف ما يحدث جهارا نهارا في بلد عربي مسلم عريق- أو هكذا يفترض – مثل تونس، وبلد إسلامي آخر، قاد الأمة الإسلامية لعدة قرون، هو تركيا. انظر: كتابنا (التطرف العلماني في مواجهة الإسلام) نموذج تركيا وتونس. صـ121 – 149 طبعة دار الشروق بالقاهرة.
    [3]- إشارة إلى حديث: دعانا النبي صلى الله عليه وسلم فبايعناه، فقال فيما أخذ علينا: “أن بايعنا على السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا وعسرنا ويسرنا وأثرة علينا وأن لا ننازع الأمر أهله إلا أن تروا كفرا بواحا…”، وهو متفق عليه: رواه البخاري في الفتن (7056)، ومسلم في الإمارة (1709)، كما رواه أحمد (22679)، عن عُبادة بن الصامت.
    [4]- انظر: رسالتنا (جريمة الردة وعقوبة المرتد) صـ68- 73 من رسائل ترشيد الصحوة الإسلامية. طبع مكتبة وهبة. القاهرة. وانظر: كتابنا (التطرف العلماني في مواجهة الإسلام) نموذج (تركيا وتونس) صـ111 – 148 طبعة دار الشروق.

  2. إنّهم يتمثّلون كلمة الحكيم: إذا كان الكلام من فضّة…….

  3. من الواضح تماماً أن النظام السوري مدعوم من كل الدول. منهم من يؤيده لأجل الحفاظ على أمن إسرائيل وهم: أمريكاوالغرب بصفة عامة . ومنهم خوفاً من أمريكا كبعض الدول العربية وجامعتهاالموقرة !. ومنهم لمصلحته الشخصية مثل إيران وحزب الله .أما تركيا فلها مشاكلها الداخليةوهي تعلم علم اليقين أن تدخلها في سوريا سيزيد من مشاكلها إذا فشلت الثورة لاسمح الله .مما سيؤدي لإنتقام سوريا منها من خلال دعمها للأكراد وتحريك العلويين في الجنوب التركي ..لذلك يجب على الشعب السوري ألاً يعّول على أحد ولا ينتظر أي مساعدة من أحد لأن كل هذه الإدانات والشجب والإنكار ماهي إلا مسكنات فقط للشعب ..ليس السوري وحده وإنما للشعب العربي كله ولرأي العام الغربي . لو أرادوا أن يفعلوا شيئاً لفعلوه لماذاالإنتظار؟! حتى يقضى على الشعب السوري ؟! ليس علينا إلا التوكل على الله اولاً ثم الإعتماد على النفس . لأنه مهما حاول الجميع مساعدة النظام لإطالة عمره فإنهم لن يستطيعوا الوقوف أمام إرادة الشعب وإصراره بإذن الله .المهم إستمرارالثورة مهما طال الزمن . هناك قول بأن من صنع نصف ثورة حفر قبره بيديه .فشل الثورة دمار للشعب السوري

    • يقول mujaheddira:

      صبر الشعب السوري وثباته العجيب هو الذي حرك المجتمع العربي والدولي للوقوف معه ضد النظام المجرم، هذا هو قدر الله، أن يضرب قوة بقوة غيرها: {ولولا دفع الله الناسَ بعضهم ببعض…}. على أية حال الأحداث دارت وكرة الثلج تدحرجت من أعلى الجبل ولن تقف حتى تبلغ قرارته، ولكنا لا نعرف كم من الوقت سيمضي في الدحرجة، هذا هو العنصر المجهول حالياً، أما نهاية النظام فنراها رأي العين بأمر الله.

التعليقات

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s