حماة تهزم النظام بالضربة القاضية

رسائل الثورة السورية المباركة (29)

الأحد 7 آب 2011

حماة تهزم النظام بالضربة القاضية

مجاهد مأمون ديرانية

أخيراً ثأرت حماة من نظام الأسد وعصابة الأسد، فبعد ثلاثين سنة من الانتظار جاء يوم القصاص. حماة كانت ضحيةَ النظام الأسدي الكبرى في ذلك اليوم البعيد، ولكن الفلك دَوّار وما أكثرَ ما يتبادل الناس الأدوار، وها قد ساق النظام اليومَ حملتَه الغادرة على حماة ليقتلها ويقتل معها ثورة سوريا بأسرها، فصارت حماة هي مَقتَل النظام وستصير قبر النظام.

قبل خمسة أيام نشرتُ الرسالة الثامنة والعشرين من رسائل الثورة (حماة: المعركة الفاصلة)، وقلت فيها إن النظام خطا خطوة متهورة جداً وجازف مجازفة كبيرة للغاية باقتحام حماة، وقلت إن الضررَ الذي يُتوقَّع أن يصيب النظام من هجومه على حماة أكبرُ بكثير من أي عدوان سابق على مدن سورية أخرى لاعتبارات تاريخية وسياسية ونفسية متشابكة على المستويين الداخلي والخارجي. فأما على المستوى الداخلي فإن حماة بقيت جرحاً في ذاكرة الأمة منذ تدميرها الأول على يد المجرمَين الكبيرين، وقلت إن الأحرار لن يقبلوا بأن تتكرر المأساة مرة ثانية وهم أحياء… ولم يفعلوا، فقد انفجرت سوريا منذ ذلك اليوم كما لم تكن من قبل.

وأما على المستوى الخارجي فقلت إن حماة صارت مشكلة دولية، وقلت: “لذلك أتوقع أن تحرّك حماة السطحَ الراكد فتصنع في أيام قليلة أثراً يقارب ما صنعته الثورة كلها في عشرين أسبوعاً من قبل”. وقلت: “لقد وضع النظامُ السوري -باقتحام حماة- النظامَ العالمي كله على المحك”، وأيضاً: “باستثناء إيران وحزب الله وحكومة المالكي العراقية أتوقع أن يكون الضغط على النظام محل إجماع عالمي، بتفاوت في حجم الضغط ودرجته بالطبع”.

*   *   *

لقد توقعت أن يحرك اقتحامُ حماة العالمَ وأن يدفع إلى تحرّك دولي ضاغط، ولكني كنت مخطئاً، فالعالم لم يتحرك حينما اجتاحت الدباباتُ حماةَ قبل أسبوع، بل يبدو الآن مؤكَّداً أن الاستعدادات بدأت قبل ذلك بأسابيع، ولم يكن العدوان على حماة إلا الزرّ الذي ضغطه النظام السوري ليحرك الأحداث العالمية.

راقبوا المسلسل: صدر الإعلان الرئاسي عن مجلس الأمن يوم الأربعاء، وبعده انهمرت المواقف العالمية والعربية مثل الشلال. هذا عرض موجز لتلك المواقف بالتسلسل الزمني:

(1) البيان الرئاسي الصادر عن مجلس الأمن: إدانة الخرق الواسع لحقوق الإنسان واستخدام القوة ضد المدنيين من قبل السلطات السورية، ومطالبة السلطات السورية بالاحترام الكامل لحقوق الإنسان والتصرف بموجب واجباتها وفق القانون الدولي، والتأكيد على أن المسؤولين عن العنف يجب أن يخضعوا للمحاسبة.

(2) المتحدث باسم البيت الابيض جاي كارني: بات من الواضح في سائر انحاء العالم أن أعمال الأسد تضع سوريا والمنطقة برمتها في طريق خطير جداً. سوريا ستكون أفضل من دون بشار الأسد، والكثير من الأشخاص في سوريا والعالم باتوا يخططون لمستقبل لا وجود للرئيس الأسد فيه.

(3) وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون: النظام السوري مسؤول عن مقتل أكثر من ألفَي شخص. واشنطن تعتبر أن الأسد فقد شرعيته لحكم الشعب السوري. الولايات المتحدة ستحض الأوربيين والعرب وسواهم على ممارسة قدر أكبر من الضغط على نظام الأسد لكي يوقف قمعه الدموي للمحتجين المطالبين بالديمقراطية.

(4) الرئيس الروسي ديمتري ميدفيديف: حثّ الرئيسَ السوري بشار الأسد على تنفيذ إصلاحات والتصالح مع معارضيه، وقال إنه يخاطر بمواجهة “مصير حزين” إذا لم يفعل ذلك.

(5) وزير الخارجية الألماني: مستقبل الأسد السياسي أصبح وراء ظهره.

(6) رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان: ما يحدث في سوريا ليس مسألة سياسة خارجية، بل مسألة داخلية بالنسبة لتركيا التي لن تقف متفرجة. على تركيا أن تصغي للأصوات القادمة من سوريا وأن تسمعها وتقوم بما يجب عليها تجاهها.

(7) مجلس التعاون الخليجي: دول مجلس التعاون تعرب عن قلقها لتدهور الأوضاع في سوريا وتدعو إلى الوقف الفوري لأعمال العنف.

(8) أمين الجامعة العربية نبيل العربي: دعا السلطات السورية إلى الوقف الفوري لجميع أعمال العنف والحملات الأمنية، معرباً عن قلقه المتزايد وانزعاجه الشديد من تدهور الأوضاع في حماة ودير الزور.

(9) جامعة الدول العربية: الجامعة العربية تطالب بوقف فوري للعنف ضد المدنيين في سوريا.

(10) الملك عبد الله بن عبد العزيز: إن ما يحدث في سوريا لا تقبل به المملكة العربية السعودية، واليوم تقف المملكة العربية السعودية تجاه مسؤوليتها التاريخية نحو أشقائها مطالبة بإيقاف آلة القتل وإراقة الدماء وتحكيم العقل قبل فوات الأوان.

(11) السعودية: المملكة تستدعي السفير السعودي في سوريا للتشاور.

(12) الكويت: استقالة سفير الكويت في سوريا قائلاً: أرفض مواصلة عملي كسفير في ظل ما يحدث في سوريا.

(13) الأردن: اعتبر وزير الخارجية الأردني ناصر جودة أن ما يجري في سوريا أمر مقلق ومؤسف ومحزن، داعياً إلى الحوار والإصلاحات من أجل الخروج من الأزمة.

(14) الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون: يحثّ الرئيس السوري على الكف فوراً عن استخدام القوة العسكرية ضد المدنيين.

(15) الفاتيكان: دعا البابا بنديكتوس السادس عشر إلى وضع حد للعنف في سوريا مناشداً المنظمات الدولية المساعدة على إنهاء إراقة الدماء.

(16) أعلن إصلاحيو إيران تضامنهم الكامل مع الشعب السوري المطالب بالديمقراطية، وقالوا إن الشعب الإيراني يقف إلى جانب شقيقه الشعب السوري للتخلص من الديكتاتور.

*   *   *

 قد كان الكل بانتظار هذه الغلطة الكبيرة، اقتحام حماة، وها قد ارتكبها النظام السوري أخيراً. لقد ارتكب الخطيئة الكبرى التي أوثقت الحبل حول رقبته المتهالكة وحكمت عليه بالإعدام. أخيراً انتقمت حماة من قاتلها!

يبدو جلياً أن أميركا قد جهزت المسرح بشكل جيد وأنها حرّكت كل المفاصل القابلة للحركة في الآلة الضخمة التي تستطيع تحريكها على مستوى العالم. لقد استكملوا مَدّ الغطاء لتحرك دولي واسع. من الواضح أن الحكم قد صدر على النظام بالإعدام، وبقي السؤال الكبير: كيف سيتم التنفيذ؟

العالم العربي والإسلامي راقب بصمت ما يجري في سوريا منذ مئة وخمسين يوماً، فلماذا هذه اليقظة المفاجئة الآن؟ قبل أسبوعين كان أمين الجامعة العربية في سوريا حيث أدلى منها بتصريح رفض فيه ما وصفه بالتدخل الأجنبي، كما أعرب عن ارتياحه لبرنامج الرئيس الأسد الإصلاحي! هل أتاه زائر في المنام أم نزل عليه الوحي والإلهام فبدا له فجأة ما لم يكن يدرك؟ الآن استيقظ وزير الخارجية الأردنية من سُباته ليفكر بالمشكلة السورية؟ أليس هو الجار القريب، الباب على الباب كما يقولون؟ الجامعة العربية ومجلس التعاون الخليجي… كل هؤلاء أين كانوا طوال مئة وخمسين يوماً خلت؟ أم أن هذه هي الترجمة العربية لجملة كلنتون الإنكليزية: “الولايات المتحدة ستحضّ العرب على ممارسة قدر أكبر من الضغوط”؟

وماذا عن الموقف السعودي؟ لا بد للذين يعرفون السياسة السعودية أن يلاحظوا فوراً أن هذه اللهجة غير مألوفة أبداً على مستوى السياسة الخارجية السعودية. ولماذا الملك؟ هذه سابقة غريبة وتدلّ على تجهيز كبير لعمل كبير. الخارجية هي المسؤولة عادة عن معالجة ملفات الدول الأخرى، ووزير الخارجية السعودي ليس وزيراً من الحجم العادي، فلماذا قفز الموقف السعودي من فوقه إلى الملك مباشرة؟ هل هي خطوة رمزية لقيادة موقف إسلامي على مستوى الدول، أم أنه تهيئةٌ لدور سعودي كبير في حل الأزمة؟

ثم انظروا إلى هذا الخبر: “مسيرات ضخمة تشهدها الرياض في شارع التحلية شارك فيها أبناء الجالية السورية تعبيراً عن سعادتهم بالخطاب”. ألا ترون هذا المشهد غريباً في المملكة التي لا تسمح بمثل هذه المَظاهر في أي مناسبة سياسية سوى احتفالات اليوم الوطني؟

*   *   *

هذا الحشد كبير جداً، والتحرك سريع جداً، وهو يدل على أمر كبير جداً في الطريق، أمر سوف يتكشف خلال أيام وليس خلال أسابيع، ربما خلال خمسة أيام إلى عشرة على الأكثر.

لقد أثار الأوربيون المعلّمَ من قبل فقرر مسح أوربا من الخريطة، ثم أثاره الأميركيون بتصريحاتهم عن “سوريا بعد الأسد” فأعلن أن سوريا بدأت بالتفكير في “أميركا بعد أوباما”. وهذه بثينة شعبان ترد على الأتراك اليوم: إذا كان وزير الخارجية التركي قادماً لنقل رسالة حازمة فإنه سيسمع كلاماً أكثر حزماً!

يبدو أن تركيا هي رأس الحربة في المشروع الدولي لحل الأزمة السورية، فماذا سيحمل وزير الخارجية التركية لدمشق؟ التكهنات كثيرة، ومنها طلب صريح من الأسد بالتنحّي الفوري. وماذا أيضاً؟ ما هي التصورات (السيناريوهات) المتوقعة؟ هل عثرتُ أخيراً على حل للّغز الذي فكرتُ فيه طويلاً: كيف خرج هيثم المالح من سوريا؟ ربما، وربما عثرت معه على أجوبة أخرى لألغاز عديدة كانت تتشكل في فضاء الأزمة السورية خلال الأسابيع الأخيرة.

سأناقش هذا كله في رسالة آتية، لعلي أرسلها في الغد أو غداةَ الغد بإذن الله.

هذا المنشور نشر في رسائل الثورة. حفظ الرابط الثابت.

10 ردود على حماة تهزم النظام بالضربة القاضية

  1. يقول غير معروف:

    تسلم هالانامل.. بس عندي تعليق بسيط على جملة.. انتقمت حماه من قاتلها.. حماه تريد ان تحيا مثل باقي المدن.. و ان يكون لمواطنيها نفس الحقوق.. و نفس الرفاهيات.. و هي لا تريد الانتقام اولا لانه محرم شرعا و جميع اهلها يؤمنون بذلك.. ثانيا اذا ارادت حماه الانتقام.. فإن ذلك لن يكون من الابن.. بل ممن قام بالعمل.. و قد مات و نجى في الدنيا بفعلته.. اما الان فيجب محاسبة رفعت الاسد الذي شن الحملة آنذاك.. و لا يزال طليثقا يتنعم بخيرات البلاد التي سلبها عنوة من اهل البلد!! اما الآن فإذا صح التعبير.. اصبح هناك جرح جيدي لحماه.. و هو الآن بيد الاخوين و كل من آزرهما ابتداء من ايران و انتهاء بكل شبيح و رجل أمن كتب جملة على جدرانها.. او قذف طلقة على احد نوافذها.. كلهم يجب أن ينالوا المحاسبة القانونية.. و لن يشفي غل اهل حماه أن يضيع دم و اموال مدينتها هذه المرة دون حساب دولي لهذه الحثالة داخل سوريا و لي خارجها!

  2. يقول عبد الحليم الحموي:

    السرعة في المهمات
    الأخ مجاهد لكتاباتك أثر واضح في الوعي الثوري للشباب وإنني أوافقك على ما كتبت فقد كان ومازال لحماه بعد إقليمي ودولي تجلى في الأحداث الأخيرة وتوقع هذا الكثيرون واستلهموه من الأحداث ومجرياتها وإن زلت قدم النظام ودخل حماه وتبعه الضغط الدولي نجد أن النظام أخذ يسارع الخطى في اقتحام المدن وفي كثرة الاعتقالات والتخريب وكأنه يريد أن ينتهي من مهمته قبل أن يزداد الضغط الدولي عليه ولكنه كعادته لم يفهم وإذا فهم فإنه لم يصدق بأن الشعب الثائر لن يركع ولن يلين حتى يزول النظام من الخارطة السورية وإلى الأبد بعون الله تعالى .

  3. يقول فراس عساف:

    نعم أصبت فأمريكا تحركت بعد أن تيقنت أن الأسد لن يسيطر على سوريا بعد اليوم… وأن سوريا اليوم هي سوريا الثورة, وتعلم جيدا أن الجيش السوري الذي يحمي حدود اسرائيل لن يستطيع القيام بواجبه لأنه اليوم يجوب كالافعى داخل سوريا من مدينة اخرى…
    المهم على المعارضة استيعاب مطامع امريكا واسرائيل وعدم لعب دور العصا. بل يجب التنسيق بينها ووضع سقف للتدخل الاجنبي في سوريا

  4. يقول أبو أيمن:

    الله يفتح عليك يا أخي مجاهد…رصد رائع للأحداث من المنظور السياسي…وماخفي أعظم

  5. اثلجت صورنا بكلامك هذا ….ولم تترك لنا ما نقوله …وفقك الله الى كل خير

  6. تنبيه: حماة تهزم النظام بالضربة القاضية | المُندسّة السورية

  7. يقول Murad Al-Tabbaa:

    بل وربما تسبقك الاحداث قبل كتابة مقالك التاليس…

  8. يقول سارة:

    مذحة حماه وصمة عار في تاريخ هذا الحزب المتوحش … وعلى الباغي تدور الدائر …ودعوات المظلومين والامهات لا تضيع

  9. يقول غير معروف:

    مقالة الأخ مجاهد لها رؤية وتحليل جيّدين وكذلك التعليقات فهي متناغمة مع المقالة وما أريد التأكيد عليه هو أن بشار وماهر لايقلّوا إجراما عن حافظ ورفعت؟؟لذلك يجب محاكمتهم عن السابق والحالي وما سيتبعه من أعمال إجرامية وعدم نسيان رفعت وعصابته وحتى حافظ في قبره يجب أن يصدر قرار بتجريمه؟؟فكلمة مجرم أقل وصف على من يقتل شعبه ويشكل جيشا من المأجورين لقتل العزّل والأطفال والنساء؟؟ ويجب أن ندين الجيش السوري الّذي لم يعترض على قتل الشعب وكأنه جيش من عالم آخر؟؟إنه لا يستحق أن يكون جيش سوريا ولا يستحق أن يكون حامي الديار بعد أن نهبها وخرّبها؟؟؟

  10. يقول yousef sukkar:

    حماه ستكون دبي سوريا . سنبنيكي بأيدينا لتكوني شوكة في قلب الاسد ومنارة الشجعان في العالم

التعليقات

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s