الحظر الجوي أم الدفاع الجوي؟

رسائل الثورة السورية المباركة (54)

الثورة السورية: المرحلة الثانية (20)

25 تشرين الأول 2011

الحظر الجوي أم الدفاع الجوي؟

مجاهد مأمون ديرانية


في المقالة السابقة طالبت الجيش السوري الحر الباسل بمهمة عظيمة، وهو أهلٌ لها إن شاء الله، لأن ما رأيناه من ضباطه وجنوده إلى اليوم يدل على أنهم أشجع الشجعان، فإنهم يدركون تبعات قرارهم ويعلمون أنهم يتحولون إلى شهداء أحياء من لحظة انشقاقهم، ومع ذلك ينشقّون ويعلنون انشقاقهم على الملأ، حماهم الله. طالبتهم بهذه المهمة الجليلة النبيلة، حماية الثورة وجمهور الثورة السلمي، لكنْ ليس من الإنصاف أن يُكلَّفوا بها بلا مساعدة، والمساعدةُ علينا نحن أن نقدمها لهم، بل عليكم تقديمها أنتم يا ثوار وأحرار سوريا بالمقام الأول.

أولاً أعترف بأنني أقلّ بكثير من أن أتدخل في قرارات العسكريين المحترفين من قادة الجيش السوري الحر وضباطه الكبار؛ إنما أتجرأ فأقدم اقتراحاً، وبما أنني لا طريقَ لي إليهم لأقدّم لهم اقتراحي فإنني أنشره على الملأ، لعل بعض من يقرؤه يستطيع توصيله إليهم. أرجو أن تعتبروا -يا أيها العسكريون الشرفاء- ما أكتبه مجرد اقتراح من أخ محب حريص، وأن تدرسوه لعل الله ينفع به، فإذا اقتنعتم به فانقلوا قناعتكم إلى الشارع ليعلنَها ويطالبَ مجلسَه الوطني بالسعي إلى تحقيقها، وليضغط المجلسُ بعد ذلك على الدول الغربية لتمدّ جيشَنا الحرّ بما هو محتاجٌ إليه حتى ينجح في حماية المدنيين. أرأيتم كيف أن لكم دوراً في تقديم المساعدة يا ثوار سوريا الأحرار؟

*   *   *

الجيش بحاجة إلى السلاح والذخائر، وقد ناقشت ذلك بإيجاز في المقالة الماضية، وهو يحتاج إلى أرض يرتكز إليها (منطقة آمنة)، وهو ما ستناقشه المقالة القادمة بإذن الله، ويحتاج إلى حماية من القصف الجوي، وهو موضوع هذه المقالة.

الحماية المطلوبة يمكن الحصول عليها بواحد من طريقَين، أحدهما مُكلف وطريقه طويل، والثاني رخيص نسبياً وطريقه قصير. الأول هو “الحظر الجوي” الذي يطالب به الأكثرون، والثاني هو “الدفاع الجوي” الذي لم يتحدث عنه أحدٌ حتى الآن.

الحظر الجوي معناه منع الطيران فوق منطقة محددة جغرافياً، وغالباً يترافق مع تدمير كلي أو جزئي للدفاعات الأرضية، ويحتاج إلى قرار دولي لتطبيقه (وهو قرار ستعطله روسيا أو الصين كما عهدنا في الماضي)، كما أنه يستدعي تطيير دوريات دائمة من طائرات الاستطلاع والطائرات الحربية لتطبيقه بصورة فاعلة، فترتفع كلفته ارتفاعاً كبيراً. انظروا -على سبيل المثال- إلى تكلفة الحظر الجوي الذي طبقته أميركا وحلف الناتو في البوسنة (1993-1995) وفي كوسوفو (1999)، كلّف الأول 3,4 مليار دولار والثاني 2,3 مليار دولار.

وماذا عن الكفاءة؟ هل يُعتبَر “الحظر الجوي” وسيلة مضمونة لمنع الطيران؟ غالبية القراء سوف يستغربون من السؤال لأنهم يعتبرون الجواب تحصيل حاصل، لكنه ليس كذلك، فلم يحصل في الماضي أن نجح أي حظر نجاحاً تاماً. على سبيل المثال: في البوسنة سجّلت وثائق الأمم المتحدة أكثر من 500 خرق للحظر بين عامَي 1993 و1995.

البديل الأرخص والذي يمكن الوصول إليه بسرعة وبلا حاجة لقرار دولي هو تأمين أسلحة مناسبة للدفاع الجوي، أسلحة يمكن أن تحمينا من شرّ الطائرات المقاتلة، النفاثة والعمودية على السواء. إنه بديل جيد ورخيص نسبياً، وقد يكون أنسبَ كثيراً في الحالة السورية من الحظر الجوي الذي سيكلفنا المليارات ويحتاج إلى وقت طويل لتنفيذه بشكل فعال وإلى تجاوز عقبات دولية كثيرة، ليس أقلها الفيتو الروسي المشهور والمشهَر دائماً فوق رقابنا.

هل تذكرون الحرب الأفغانية؟ لقد نجح المجاهدون الأفغان في تحييد سلاح الطيران الروسي وحماية أنفسهم من الغارات الجوية بصواريخ “ستينغر” الأميركية المضادة للطائرات التي حصلوا على عدة مئات منها من الأميركيين. هذه الصواريخ تشبه قذائف “الآر بي جي” المشهورة وتُحمَل مثلها على الكتف، إلا أن تلك مضادةٌ للدروع ومداها الفاعل نحو نصف كيلومتر وهذه موجَّهةٌ ضد الطائرات ومداها الفاعل ثمانية كيلومترات، بالإضافة إلى الفرق في وزن الرأس المتفجر ونوعه وطريقة التوجيه.

نحن بحاجة إلى أي نوع من أنواع أنظمة الدفاع الجوي المحمولة (مانبادْس) (Manpads: Man Portable Air Defense Systems)؛ صواريخ ستينغر الأميركية مثلاً، أو مِسترال الفرنسية أو ستريلا الروسية، أو ما يشبهها.

قيمة الصاروخ الواحد من هذه الصواريخ هي نحو مئتَي ألف دولار. لو حصل جيشنا الحر على خمسمئة منها وأحسنَ توزيعَها واستخدامها فإنه سيحمي كل مناطق الثورة من الغارات الجوية المحتمَلة، وسوف تُنَفَّذ خطة الحماية بأيد وطنية مخلصة بكلفة لن تتجاوز مئة مليون دولار بدلاً من مليارات الدولارات.

*   *   *

كما قلت في أول المقالة: أنا أقترح فقط، والعسكريون المحترفون من قادة الجيش السوري الحر وضباطه الكبار أدرى بالمصلحة، فإذا اقتنعوا بهذه الفكرة فليطالب بها الشارعُ وليسعَ المجلسُ الوطني من أجل تطبيقها، وليبذل جهدَه -من خلال علاقاته واتصالاته- لتأمين صواريخ محمولة مضادة للطائرات وأنظمة رادار بسيطة، فإنها تتميز (1) بمرونة في التنقل والحركة، و(2) بكلفة متدنية نستطيع احتمالها، و(3) توفّر قدراً معقولاً من الحماية ضد الطائرات المقاتلة، و(4) يمكن الحصول عليها بسرعة هائلة مقارَنةً بالحظر الذي لا بد أن يمر عبر قنوات رسمية أممية طويلة قبل إقراره وتطبيقه (لو أنه أصلاً قُرِّر وطُبّق).

أما إذا رفض أحرار الجيش من العسكريين المحترفين الفكرة وأصرّوا على الحظر فلا قولَ لقائل بعد قولهم، وسوف أتبنى مطلبهم (رغم اقتناعي بأنه خيار مَفضول وأن خيار امتلاك أسلحة دفاع جوي هو الأفضل)، وسوف أدعو -أنا وغيري- المجلسَ الوطني إلى تبنّي ما يريدون وما يطلبون.

هذا المنشور نشر في رسائل الثورة. حفظ الرابط الثابت.

12 ردا على الحظر الجوي أم الدفاع الجوي؟

  1. وأنا أيضا لا أفهم بالأسلحة والأمور العسكرية، ولكن إذا لم تكف هذه الصواريخ فهذا طبيعي، فقد كان لدى الجيش الليبي المنشق والثوار اليبيين دفاعات جوية قبل تطبيق الحظر بشهر، وقد خففت كثيرا ولكنها لم تفلح في صد عدوان الطائرات القذافية المجرمة، فكيف في سوريا التي يقال أنها كانت سابقا لديها أكبر سلاح طيران في العالم العربي؟
    ثم ما الضير من اعتماد فكرتك السريعة ريثما تنتهي إجراءات الحظر الجوي الأممية والبيروقراطية؟ دعنا من الحديث عن التكلفة المادية، فأقل تكلفة بشرية بسبب تأخر الحماية هي أغلى من أكبر تكلفة مادية، وأظن أن الحظر الجوي لا تنطبق عليه قاعدة أنه يضر أكثر بالجيش السوري النظامي من المجندين الذي هو الأقل عداء للثورة.

    • يقول mujaheddira:

      فيما أعلم فإن إخواننا في ليبيا لم يملكوا صواريخ مضادة للطائرات بل فقط رشاشات مضادة للطائرات (م/ط)، وهي يمكن أن تحقق فائدة مع الطائرات العمودية البطيئة، غير أنها من أضعف وأسخف الأسلحة التي يمكن استعمالها للتصدي لطائرات مقاتلة تصل سرعتها إلى 3 ماك (3 أضعاف سرعة الصوت).
      الأمر المهم الآخر الذي يبدو أن أكثر دعاة الحظر ينسونه أو يتناسونه هو أن المجاهدين الليبيين عانوا معاناة هائلة من قصفهم بالمدفعية والصواريخ (غراد وسكَد)، واستُشهد منهم عدد لا يُحصى بسبب ذلك القصف وتم تدمير مدن كاملة -كالزاوية ومصراتة- دون أن يوفر لهم الحظر الجوي أي غطاء أو حماية منه.

      • “المجاهدين الليبيين عانوا معاناة هائلة من قصفهم بالمدفعية والصواريخ (غراد وسكَد)، واستُشهد منهم عدد لا يُحصى بسبب ذلك القصف وتم تدمير مدن كاملة -كالزاوية ومصراتة- دون أن يوفر لهم الحظر الجوي أي غطاء أو حماية منه.”

        هذا يعني أن الحظر الجوي أيضا لا يكقي لوحده، فكيف نطالب بما هو أقل منه، هل الصواريخ المضادة للطائرات ستحميهم من صواريخ غراد وسكود؟ نحتاج اقتراح لهذا الأمر.

        بالنسبة للتكاليف المادية، في عشارت المليارات من أموال بشار وعائلته مجمدة في البنوك الغربية، وهي أصلا رايحة علينا، فليش ما تستغل في عملية فعالة لحماية المدنيين، فمهما تكلف فلن تبلغ خمس تلك المليارات.

        ثم هل مثلا شن غارات نوعية للناتو على مواقع الفرقة الرابعة ومواقع فروع الأمن وغيرها من مناطق حساسة، هل هذا يؤدي إلى إيذاء الجيش السوري النظامي من المجندين؟ أم أنه يقضي على أحد أشد أعداء الثورة وأشدهم ولاء للمجرم بشار؟

  2. هذه الصواريخ مخصصة لاسقاط المروحيات و لا تستطيع اسقاط الطائرات النفاثة
    بالاضافة الى صعوبة احضارها و اخفائها
    حتى لو كلف الحظر الجوي 3 مليار فان الاموال تعوض و لا قيمة لها امام حياة الناس
    اما بالنسبة لتدمير اجزاء من القدرات العسكرية السورية فهو امر لابد منه سواء كان هناك حظر جوي ام لا
    باختصار مسألة الحظر الجوي لا خلاف على وجوبها من قبل العسكريين
    وعلى المجلس الوطني ان يستمع لقيادات الجيش السوري الحر والبدء بتنفيذها

    • يقول mujaheddira:

      تعليقي على السطر الأول فقط:
      الصاروخ الأميركي ستينغر أسقط طائرات ميغ 21 وميغ 23 في حالات موثقة ومؤكدة في أفغانستان، والصاروخ الروسي المشابه (سام 16) استعمله العراقيون في حرب الخليج وأسقطوا به طائرة إف 16 أميركية وطائرة تورنيدو بريطانية، واستعمله الصرب في البوسنة سنة 1995 وأسقطوا به طائرة ميراج 2000. أما سَلَفه الأقدم (سام 7) فقد استُعمل بكفاءة عالية في حرب فيتنام في أواخر الستينيات وأوائل السبعينيات، وحسب تقارير عسكرية روسية فقد أسقط 204 طائرات (عمودية ومقاتلة)، بل إن المجاهدين في فيتنام حصلوا على عدد من تلك الصواريخ القديمة واستطاعوا أن يُسقطوا بها 5 طائرات مقاتلة و42 طائرة عمودية روسية.
      ومن الحالات المثيرة لإصابات الصواريخ المحمولة على الكتف إسقاط قاذفة روسية إستراتيجية من طراز تو 22 بصاروخ غورم (بولندي الصنع) في حرب أوسيتيا الجنوبية قبل ثلاث سنوات.

      • هذه حالات نادرة تعتمد بشكل اساسي على قرب الطائرة و على السرعة التي تطير بها
        احيانا يمكنك اسقاط طائرة بمضاد طيران عادي او حتى بكلاشنكوف اذا كانت قريبة جدا

  3. تنبيه: الحظر الجوي أم الدفاع الجوي؟ | أحرار

  4. يقول سوري حر:

    اخي الكريم واضح ان النظام يعاني مشكلة عسكرية كبيرة
    و لا يستطيع تغطية اماكن كثيرة بالفرق الموالية له فقط
    و في نفس الوقت يخاف من تحريك الفرق الاخرى بشكل كبير خوفا من الانشقاقات
    و النظام يعلم ان فرض الحظر الجوي هو نهايته الحتمية
    و لذلك يجن جنونه لمجرد طرح الفكرة
    انا شخصيا اتوقع انهيارا كبيرا في قوات الاسد بمجرد فرض الحظر الجوي
    و ستحسم المعارك في غضون اسابيع قليلة
    اضف على ذلك ان الحظر الجوي سيقلل امد المعركة و يقلل الخراب و الدمار في البنية التحتية

  5. يقول حسان:

    أنا شخصياً أخاف جداً من فكرة الحظر الجوي لأسباب كثيرة تحتاج لمقال كامل، لكن لدي تساؤل: في ليبيا مع الحظر كان هناك جيش كامل من النظاميين والمتطوعين يقاتلون على الأرض، في حين أن الحال على الأرض في سوريا صعب ولا يزال التفوق العسكري البري للنظام لا يقارن بأي انشقاقات

  6. تنبيه: الحظر الجوي أم الدفاع الجوي؟ « مختارات من أحداث الثورة السورية

  7. يقول ضوء الفجر:

    الاهم الحظر الجوي ويجب ان ينفذ ولكن العاق الصين وروسيا ومن المهم الاعلام الى ان عندما يحصل الحظر سوف تصبح هناك انشقاقات هائلة وخاصة في الجوية والقناصة فيجب علينا الاصرار ع الحظر الجوي وباسرع وقت لان الشعب السوري يقتلللللللللللللل يا ايها الناس

  8. تنبيه: الحظر الجوي أم الدفاع الجوي؟

التعليقات

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s