الطريق إلى الحرب

رسائل الثورة السورية المباركة (62)

19/11/2011

الطريق إلى الحرب

مجاهد مأمون ديرانية

سألني بعض الأصدقاء: هل أنت واثق أن حرباً يمكن أن تبدأ في سوريا؟

يا أصدقائي: الحرب بدأت فعلاً، فالبداية الحقيقية لأي حرب لا تكون في الميدان، إنها تبدأ قراراً يُصدره السّاسة وفكرةً في عقول القادة وخططاً على الورق، ويبدو أننا قد تجاوزنا الآن ذلك كله وبتنا في مرحلة تجييش الجيوش وإطلاق النفير.

يا أيها السادة: عندما يجتمع الأقطابُ الكبار لبحث “مستقبل سوريا بعد الأسد” فإننا ندرك أن الأمر انتهى بالفعل وأننا نعيش في الوقت بدل الضائع من المباراة. أما سمعتم عن اجتماع باريس المُزمَع عقده لبحث “مستقبل سوريا”؟ إنهم يبحثون الآن “الخطوات المقبلة للتعامل مع التطورات في سوريا، ورسم تصورات لمستقبلها بعد سقوط نظام الرئيس السوري بشار الأسد”.

ماذا يعني هذا سوى أن حكم الأسد في طريقه للزوال إلى الأبد بإذن الله الواحد الأحد؟

قبل أيام دعا ملك الأردن عبد الله الثاني -خلال لقائه مع رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون- إلى تشكيل “لجنة اتصال” لحل الأزمة السورية. اللجنة سوف تجتمع في باريس بحضور أميركي وبريطاني وفرنسي وتركي وعربي (من السعودية وقطر والإمارات والأردن)، وقد أُعلن بشكل مفاجئ أن رئيس المجلس الوطني سوف يشارك في الاجتماع، وهذه العلامة الأخيرة وحدها تكفي دليلاً على أن المجتمع الدولي قد أصدر الحكم على النظام بالإعدام!

بعد ذلك وفي لقاء مع عدد من الصحف البريطانية طرح دبلوماسي أردني كبير فكرةَ تأسيس لجنة الاتصال بقيادة بريطانية فرنسية -على غرار النموذج الليبي- وذلك من أجل إنشاء منطقة عازلة وتطبيق حظر جوي والعمل على إسقاط بشار الأسد. مرة أخرى نرى المؤشر بوضوح: إنهم يشقّون الطريق الذي ستمشي عليه الحملة الدولية لإسقاط النظام، وهو تقريباً الطريق نفسه الذي مشوا عليه في ليبيا.

اليوم قرأنا ما يفيد بأن الاجتماع التحضيري للّجنة قد عُقد فعلاً في باريس أمس، وشارك فيه مندوبون عن فرنسا وبريطانيا وألمانيا وتركيا والولايات المتحدة وعدد من الدول العربية. خبر انعقاد هذا المؤتمر يبدو شبهَ مؤكد رغم أن فرنسا حرصت على إبقائه بعيداً عن الأضواء ولم تعلّق عليه رسمياً، وقد تحدثت عنه مصادرُ دبلوماسية أجنبية في باريس قائلةً إنه يُعتبَر تمهيداً لإنشاء “مجموعة اتصال” بشأن سوريا تضم الدول المعنية والراغبة في العمل معاً.

*   *   *

قبل أيام طار وزير الخارجية الفرنسي ألان جوبيه إلى تركيا حيث التقى بالقادة الأتراك الكبار: رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء ووزير الخارجية، بالإضافة إلى أعضاء في لجنة الشؤون الخارجية في البرلمان التركي. هذا الخبر هو أهم الأخبار التي حملها الأثير بعد خبر إعلان المبادرة العربية قبل سبعة عشر يوماً، فهو يدل على أن التحالف الدولي صار في المراحل الأخيرة من عملية تشكيله وأنه بات قريباً من الإطلاق على الأرض.

نحن نعرف الجفوة بين تركيا وفرنسا والتي تسبب بها موقف فرنسا من انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوربي، ذلك الموقف الرافض الذي أعاد ساركوزي تأكيده قبل ستة أسابيع فقط خلال زيارته إلى أرمينيا، ومع ذلك يذهب وزير الخارجية الفرنسي بنفسه إلى تركيا ويحرص على الالتقاء بكل المسؤولين الكبار واحداً واحداً، ثم يصرّح بأن فرنسا “عازمة على العمل بشكل وثيق مع تركيا من أجل تصعيد الضغوط على النظام السوري”، وفي الوقت نفسه تتحدث التقارير الواردة من العاصمة الفرنسية عن “دور تركي أساسي ومتعاظم تلاحظه باريس لتحقيق أهداف الحملة الدولية على النظام السوري، يساوي أو ربما يفوق الدور العربي”.

بعد الزيارة طالب الوزير الفرنسي بتشديد العقوبات على سوريا، ودعا وزير الخارجية التركي إلى تصعيد الضغوط على سوريا لوقف نزيف الدم، قائلاً: “لا يمكن أن نقف مكتوفي الأيدي أمام المذابح التي تُرتكَب بحق الشعب السوري”. وقبل ذلك بقليل كانت فرنسا هي الدولة الأوربية الأولى التي تعلن أن النظام السوري فقد شرعيته وأن عليه الرحيل.

وهكذا نرى أن معالم التحالف الدولي قد بدت أكثر وضوحاً الآن، حيث نشعر بالدور المحوري لتركيا فيما نلاحظ أن فرنسا تقود الحملة الرسمية ضد الأسد، تماماً كما فعلت في الحملة على القذافي قبل شهور. لماذا؟ هل هي فعلاً صاحبة الدور الأكبر؟

الجواب الأقرب هو: لا، الدور الأكبر تلعبه الولايات المتحدة. الظاهر على السطح أن التحرك بدأ عربياً بشرارة خليجية، ولكن من الواضح أن القوة الدافعة والتأثير الحقيقي جاءا من تركيا وفرنسا وبريطانيا والولايات المتحدة، ولا نبتعد عن الحقيقة كثيراً إنْ قلنا إنّ الولايات المتحدة هي صاحبة الوزن الأكبر في المواجهة، وهي التي يُتوقَّع أن تلعب الدور الرئيسي من وراء الكواليس. أما لماذا من وراء الكواليس فلأسباب أميركية محلية بحتة، مراعاةً للمزاج الأميركي العام الذي يضغط باتجاه الانسحاب من مشكلات العالم والتوقف عن توريط الولايات المتحدة في حروب ونزاعات خارجية، ولذلك تحاول الإدارة الأميركية -ما استطاعت- أن تبدو بعيدة عن التورط المباشر في المشكلات الدولية. لكنها ليست كذلك في الحقيقة، وما ليبيا إلا نموذج على هذا، حيث حرصت إدارة أوباما على إخفاء الدور الأميركي الضخم في الحملة وتركت فرنسا وبريطانيا وإيطاليا لتتصدر الظهور الإعلامي، مع أن أكثر من أربعة أخماس الصواريخ التي أُطلقت على ليبيا كانت أميركية، وأكثر من نصف الغارات الجوية كانت أميركية، وتسعة أعشار عمليات الاستطلاع والتجسس نفذتها طائرات وأقمار صناعية أميركية.

إذن فإن الولايات المتحدة تختبئ خلف فرنسا لاعتبارات أميركية خاصة، وقد وجدَت إدارةُ أوباما في وزير الخارجية الفرنسي القدير الشخصَ المناسب لقيادة الحملة الدولية، بعدما أثبت نجاحه في الحملة السابقة على ليبيا. ومَن أفضلُ لقيادة الحملة الدولية من هذا السياسي المخضرم الذي كان رئيساً للوزراء في عهد الرئيس جاك شيراك، ثم وزيراً للخارجية في عهد الرئيس فرانسوا ميتران، ثم صار وزيراً للدفاع في عهد الرئيس ساركوزي قبل تعيينه وزيراً للخارجية خلفاً للوزيرة الخائبة ميشال آليو ماري؟

لقد كان توليه وزارة الخارجية منعطفاً في الحرب الليبية، حيث نجح بكفاءة عالية في حشد المجتمع الدولي وإقناع أعضاء مجلس الأمن لاستصدار القرار رقم 1973 الذي نصّ على فرض منطقة حظر الطيران الليبية وحماية المدنيين، والذي كان -فعلياً- بداية النهاية للقذافي البائد، وكان جوبيه هو وزير الخارجية الوحيد الذي ذهب إلى مقر مجلس الأمن وقاد الضغوط على الدول الأعضاء لتمرير القرار. يبدو أن الوزير القدير يستعدّ لِلَعب دور مشابه في الأزمة السورية.

*   *   *

لقد صار التحالف الدولي جاهزاً للعمل، وهو مكوَّن من نفس الأطراف التي أدارت الأزمة الليبية (أوربياً وأميركياً وعربياً) مع دخول لاعب جديد مهم: تركيا.

لاعتبارات الجوار والمصالح المتداخلة ستكون تركيا هي أهم المشاركين الميدانيين، وغالباً سترون أن الجزء الأكبر من الحملة سيتم انطلاقاً من الأراضي التركية واعتماداً على القوات التركية وبتحريك ودعم من القيادة التركية. منذ عدة شهور وأنا أكرر أن تركيا ستكون “رأس الحربة” في أي مشروع لحل المشكلة السورية، وقد لقيت بسبب تكرار هذا الرأي كثيراً من التهكّم والسخرية نظراً للمواقف المتباطئة للأتراك ولقلة تصريحاتهم العلنية، وها قد اقترب اليوم الذي يصدق في تركيا حدسي بإذن الله.

حسناً، القراءة الدقيقة للأحداث تُنْبئنا -إذن- بأن كرة الثلج تتدحرج متسارعة باتجاه إسقاط نظام الأسد أخيراً، والحقيقة أنّ تدحرجها لا علاقة له لا بمهلة الأيام الثلاثة (التي ستنتهي بعد ست ساعات من كتابتي لهذه الكلمات) ولا بردّ فعل النظام السوري على المهلة. كل ذلك ليس أكثر من تبادل الكرة بأقدام لاعبي الفريق الفائز انتظاراً لسماع الصافرة. لقد انتهى إعداد المسرح، ولم يبقَ إلا ضغط الزر لإطلاق الحملة.

ما تزال أمامنا قضايا كثيرة بحاجة إلى توضيح: ما هي احتمالات المناطق الآمنة؟ ما هي احتمالات الضربات الجوية؟ ما هي احتمالات الرد السوري؟ ما هي حدود المشاركة العربية؟ ما هو دور الجيش السوري الحر؟ ما هو مصير الثورة السلمية وما هو دور جماهير الثورة على الأرض السورية؟ سوف أناقش هذه النقاط (وغيرها) تباعاً في المقالات الآتية إن شاء الله.

هذا المنشور نشر في رسائل الثورة. حفظ الرابط الثابت.

15 ردا على الطريق إلى الحرب

  1. يقول نزار:

    السلام عليكم
    استاذي الغالي اتابع مقالاتك أول بأول و أولي اهمية للمقالات ا لتحليلية كثيرا والتي اعطيتها اسم رسائل الثورة المباركة ..
    بصراحة انا اود منك ذكر مصادر الاخبار حتى نستطيع تتبع الاخبار قبل ان تكتب مقالاتك هذه …
    بصراحة منذ الرسالتين الماضيتين اي بعد عودة الضغوط وتحركي الماء الراكد في قضيتنا احسست ان هناك مصادر للأخبار لا علم لي بها ..
    فأنت تسوق اخبار لا اسمع بها الا من خلالك فلو تكرمت علينا ووضعت مصادر اخبارك لكي نستطيع تتعب الاخبار بشكل مجدي
    ولك جزييل الشكر

    • يقول مجاهد مأمون ديرانية:

      الأخبار التي أعتمد عليها هي الأخبار المنشورة المتداوَلة في وسائل الإعلام التقليدية (الجرائد والمحطات) وفي الإنترنت، فإذا أردتَ متابعة أي موضوع والوصول إلى مصدره فابحث في محرك البحث (غوغل) وسوف تصل إليه من جهات كثيرة. مع ذلك إذا فشلت في الوصول إلى أي خبر مما أشير إليه في كتاباتي فاسألني عنه هنا وسوف أدلك على مصدره فوراً، وهذا أسهل من الإشارة إلى مصدر كل خبر في المقالة نفسها لأن هذا سوف يطولها ويزعج كثيراً من القراء.

  2. يقول ناصر الناصر:

    الله يعطيكم العافية.. ولكن لماذا هذا الاهتمام من الغرب؟ “لسواد عيوننا”؟؟؟؟

    • يقول مجاهد مأمون ديرانية:

      أخونا ناصر يعلق تعليقات نافعة بين وقت وآخر، وهو هنا لا يسأل بل يلخص لنا -بصيغة السؤال- حقيقة الموقف الغربي من سوريا.

  3. وماذا عن إسرائيل ، أتعتقد با أستاذ مجاهد أن إسرائيل خارج المعادلة أم أن حرباً عالمية إقليمية ستنشب في المنطقة وتبقى إسرائيل خارج قوس

    وهل ستقف إيران مكتوفة الأيدي وهي ترى مثل هذه التحركات ، أم أن أحداً لا يقرأ هذه الأحداث سياسياً ودبلوماسياً

    وهل العراق الذي تسيطر عليه إيران حالياً والذي تنسحب القوات الأمريكية منه الآن وستحتاج لشهرين حتى تسحب كامل جنودها وعتادها ، هل سيبقى بمنأى من الأحداث وقد سمعنا أن مئة حافلة محملة برجال الصدر قد عبرت الحدود السورية الأسبوع الماضي

    وهل سيقف حزب الله مكتوف الأيدي وأين منظومة الصواريخ السورية التي اعترف تقرير للمخابرات الأمريكية أنها قادرة على حرق كامل إسرائيل .

    تبعد قطر أقل من 50 كيلو متر عن السواحل الإيرانية وفيها قاعدة السيلية الجوية التي تمت قيادة احتلال العراق منها
    كما تبعد الإمارات مسافة قصيرة جداً عن مضيق هرمز والساحل الإيراني ، أما الكويت فحدودها البرية والبحرية مع إيران والعراق كافية
    ولديك قاعدة الظهران الأمريكية ومناطق تكرير البترول والآبار النفطية في المنطقة الشرقية من السعودية والتي لن تكون بمنآى عن الهجمات والصواريخ الإيرانية ، أضف إلى ذلك إمكانية تحريك إيران للشيعة في هذه المناطق ليثيروا لدولهم المتاعب مالم نتحدث عن خلايا نائمة على غرار الخلية البحرينية التي قبض عليها مؤخراً وكانت تنوي استهداف سفارات والجسر بين البحرين والسعودية ومصالح أخرى.

    ولديك القوات البحرية الأمريكية في الخليج والتي لن تكون بمنأى عن هجمات إيرانية ، وقد سبق للبارجة كول أن تعرضت لهجوم على سواحل اليمن أدى لإعطابها ، فهل الولايات المتحدة مستعدة لقبول خسائر من هذا النوع لحاملات طائرات أو بوارج حربية
    هل دول الخليج قادرة على المغامرة بدعم عمل ضد سورية دون أن تخشى نقمة وغضب الإيرانيين على أراضيها أو عبر الحدود

    هل ستذهب ثلاثين سنة من العلاقات الوثيقة والتحالف الاستراتيجي بين سورية وإيران سدى
    هل سيقف الروس مكتوفي الأيدي وليس أمام سفنهم وبوارجهم الحربية سوى ميناء طرطوس ليتزودوا منه بالوقود أثناء وجودهم بالبحر المتوسط وإلا فإن عليهم العودة إلى ميناء أوديسا في البحر الأسود للتزود بالوقود ، وماذا عن القاعدة العسكرية الروسية في طرطوس وصفقات السلاح التي لم تتوقف حتى الآن رغم كل العقوبات المفروضة (راجع مقال روبرت فيسك)

    وأخيراً خلال الأربع الأشهر القادمة والتي تفصلنا عن الحرب ، هل ستبقى منطقة اليورو ثابتة من النكسات الاقتصادية وهل ستبقى فرنسا وألمانيا وبريطانيا على نفس الزخم في قيادة هذه الحملة أم أنها ستضطر للالتفات لشارعها الداخلي لتعالج الأزمات الاقتصادية الخطيرة التي تواجهها
    وماذا عن مواعيد الانتخابات وتغيرالحكومات في الدول المشار إليها خلال المرحلة القادمة وهل ستبقى قادرة على التركيز على الشأن السوري وتغفل الشأن الداخل والانتخابي (فرنسا مثلاً )

    ختاماً أقول لا تتمنوا لقاء العدو فإذا لقيتموه فإن الجنة تحت ظلال السيوف (لست متأكداً إن كان حديثاً نبوياً أم لا )

    • يقول احمد:

      احسنت يا اخي أبو عبدالله انا اتوقع (وكتبت ذلك سابقا) ان العلاقات الايرانية الأمريكية في حالة من التوتر حاليا و بشكل فعلي و ليس تمثيلي و الدعم الأمريكي لتركيا يسبب الكثير من القلق لأيران ولا يخفى عليكم طبيعة العلاقات الايرانية التركية. ايران اذا لم تحصل على صفقة تضمن مصالحها التي عملت عليها خلال ال30 سنة الماضية فأنها ستقف ضد ازالة حكم ال الأسد في سوريا والله اعلم لاي درجة هي مستعدة لتقف في وجه امريكا التي بدات بتغير استراتجيتها في المنطقة. اوباما على ما اذكر قال ان النظام في سوريا سيسقط في شهر 3 /2012 و المؤتمر الذي عقد بباريس لدراسة الوضع بع بشار يؤكد ان امريكا و الكثير من الدول الاوربية ( وبالتأكيد من بعدهم الدول العربية) لم تعد تريد نظام بشار الأسد كما ان وزير الدفاع الأسرائيلي اعلن ان بشار سينتهي مثل القذافي وهي بالنسبه لي اقوى اشاره الى نهاية هذه العصابة ولكن السؤال الصعب هو كيف و ما هو ثمن ذلك ؟ الدول الأوربية الان تحت وضع اقتصادي سيء و هي لا تريد ان تلزم نفسها بزيادة في المصاريف الا اذا كان العائد اكبر فهل بقي في سوريا ما يغطي قيمة التدخل الأوربي ؟ الموضوع اضعب مما يظن البعض لا اريد الأطاله شكرا لك و للجميع

      • يقول مجاهد مأمون ديرانية:

        إيران ليست مرشَّحة للتدخل المباشر للدفاع عن نظام الأسد. نعم، هي ستضغط وتستمر بالضغط وسوف تدعم بما تستطيع (الدعم السياسي والإعلامي والعسكري والتقني والمالي، وربما الدعم البشري أيضاً) ولكنها لن تخوض حرباً من أجل سوريا، لا سيما وأنها تُشاغَل حالياً بالمشكلة النووية وأن الضغط الدولي يزداد عليها مع اقتراب الانتخابات الداخلية التي ستكون كابوساً مريعاً للقيادة الإيرانية، ولا تستغرب لو قلت لك: إن الغرب الذي انتهى من ليبيا ثم التفت إلى سوريا يريد أن ينتهي من سوريا قريباً ليلتفت إلى إيران، فافتحوا العيون على إيران من آخر شباط القادم (غالباً لن يكون نظام الأسد حياً عندها) وترقبوا ثورة شعبية إيرانية سيتعلم ثوّارها الكثير من ثوار سوريا ومن ربيع العرب، والله تعالى أعلم.

        الدول الأوربية لا تحمل همّ المصاريف لأن الفاتورة يدفعها طرف ثالث، ألم يحصل هذا في المرات السابقة؟! إنها تستفيد من الحرب لأنها تبيع السلاح الذي يُستعمَل فيها وتقبض ثمن كل ما تقدمه، سواء طلعات جوية أو أسلحة استُعملت في الحرب أو خبرات واستشارات… صدقني إنها تكسب وتستفيد!

    • يقول مجاهد مأمون ديرانية:

      (1) إسرائيل طرف رئيسي في المعادلة ولا يمكن أن تتحرك أميركا بعيداً عن مصالحها، لأن الدفاع عن إسرائيل من الثوابت الكبرى في السياسة الأميركية والذي لم تتخلّ عنه الإداراتُ الأميركية المتعاقبة خلال 66 سنة حكمَ فيها 12 رئيساً مختلفاً. لا نعرف حالياً أي شيء محدد عما دار وراء الكواليس، سواء بين الإدارة الأميركية وإسرائيل أو بين الإدارة والدول العربية أو مع المعارضة السورية نفسها، ولكن نستطيع أن ندرك بالحدس أن أميركا لم تتحرك إلا ضمن مصالح إسرائيل، أو ربما من أجل مصالح إسرائيل.

      (2) الدور الإيراني لن يكون ذا شأن بإذن الله لأن إيران ستنسحب ولن تحارب تحالفاً دولياً من أجل نظام الأسد، فالإيرانيون مشغولون بمشكلاتهم الخاصة، الملف النووي حالياً والانتخابات القادمة بعد عدة أشهر، وغالباً لن يزيد رد فعلهم إلا قليلاً على ما رأيناه منهم حينما دخلت قوات درع الجزيرة إلى البحرين وأجهضت خطة أنفقت إيران في تنفيذها عشرين عاماً.

      (3) النظام العراقي الحاكم (حكومة المالكي وتحالف المليشيات الشيعية) لن يتخلى عن نظام الأسد بسهولة، سوف يدعمه بما يستطيع لكنه لن يخوض حرباً من أجله، ومن ثم فإن موقف النظام العراقي لن يختلف كثيراً عن موقف إيران والله أعلم. مليشيات القتل الصدرية يمكن أن تشارك أكثر -مثلها مثل مليشيات حزب الله اللبناني- وقد تزيد الأمورَ صعوبةً على الأرض من الناحية التكتيكية ولكنها أقل بكثير من أن تؤثر في الميزان الإستراتيجي أو أن تغير مسار الأحداث.

      (4) سأتحدث في مقالة قادمة -بإذن الله- عن الصورايخ السورية وعن رد الفعل المتوقع من النظام في حالة استهدافه بضربات مباشرة. الآن أقول باختصار: القوة الصاروخية التي يملكها النظام السوري وحليفه اللبناني لا تستطيع أن تغير النتيجة النهائية للتدخل الدولي، ولن تؤثر كثيراً على قرار الحرب.

      (5) تحريك الخلايا الشيعية النائمة في السعودية ودول الخليج متوقع جداً بل يكاد يكون مؤكداً، وفي الحقيقة فإن أجهزة الاستخبارات (والمخابرات) الخليجية والعربية ستكون في قمة الغباء لو لم تحسب حسابها مسبقاً، وهي ليست في قمة الغباء قطعاً بل هي واعية تماماً، ولا بد أن يكون الاستعداد الأمني قد سبق المواقف السياسية المعلَنة بمراحل، لذلك لم يكن عشوائياً أن تُكتشف الخلايا الإرهابية فور تحركها، في السعودية وقطر والبحرين والكويت، أكبرها الخلية التي تفضلتَ بالإشارة إليها لكنها ليست الوحيدة التي اكتشفت حتى الآن ولن تكون الأخيرة.

      (6) الخوف من التدخل الإيراني مبالَغ فيه، وكما قلت سابقاً فإن إيران مشغولة بمشكلاتها حالياً ولن تخوض حرباً ولن تطلق أي صاروخ على أحد من أجل نظام الأسد الساقط، وحتى لو حصل شيء من ذلك فإن خطر الصورايخ محدود جداً بسبب أنظمة الدفاع الجوي التي سأتحدث عنها في المقالة بعد الآتية بإذن الله.

      (7) نعم، النظام السوري ما زال يحصل على السلاح من روسيا (ومن روسيا البيضاء وكوريا أيضاً، بالإضافة إلى إيران بالطبع) وروسيا تحتاج إلى القاعدة البحرية في طرطوس، ولكن هذا كله ليس سبباً كافياً لتورط نفسها في حرب ضد تحالف دولي. الروس لا يورطون أنفسهم في حروب من أجل دول بعيدة، وقد سبق وأن تخلوا عن كوبا قديماً وسحبوا صواريخهم عندما ووجهوا بحرب محتملة وتخلوا من قريب عن صربيا بسهولة بالغة وتركوها لقمة طرية في فم الناتو.

      (8) أوربا والانتخابات والأزمة الاقتصادية: لماذا افترضتَ أن أربعة شهور تفصلنا عن الحرب؟ يبدو أن الأمور أسرع من ذلك، وغالباً سيتم الحسم قبل تبدل الحكومات الحالية (في فرنسا وغير فرنسا)، كما أن الحرب ستكون مفيدة لاقتصاديات تلك الدول وليس العكس. دائماً في التاريخ كانت الحروب منعشة للاقتصاد، ولا تنسَ أن الحملة على سوريا حملة مموَّلة خارجياً، أي أن الأوربيين سيستفيدون مادياً وليس العكس.

      (9) سلمت يداك وبارك الله فيك على الاستشهاد بالحديث، فهو أفضل ما يمكن أن يُقال في هذا المقام. الحديث أخرجه البخاري عن عبد الله بن أبي أوفى رضي الله عنه، قال: انتظر رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض أيامه التي لقي فيها العدوّ حتى مالت الشمس، ثم قام في الناس فقال: أيها الناس، لا تتمنوا لقاء العدو وسلوا الله العافية، فإذا لقيتموهم فاصبروا، واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف. ثم قال: اللهم منزل الكتاب ومجري السحاب وهازم الأحزاب، اهزمهم وانصرنا عليهم.

  4. يقول احمد:

    يا شيخ لماذا تغفل الدور الأيراني ودور حزب الشيطان في الحرب المقبلة فتخرج دورهما من المعادلة و ما قولك في اعلان دوله علوية مستقلة؟

    • يقول مجاهد مأمون ديرانية:

      لم أغفل الدور الإيراني، ولكنه لن يكون دوراً حاسماً بإذن الله لأن إيران ستنسحب ولن تحارب تحالفاً دولياً من أجل نظام الأسد، فالإيرانيون مشغولون بمشكلاتهم الخاصة، الملف النووي حالياً والانتخابات القادمة بعد عدة أشهر، وغالباً لن يزيد رد فعلهم إلا قليلاً على ما رأيناه منهم حينما دخلت قوات درع الجزيرة إلى البحرين وأجهضت خطة أنفقت إيران في رسمها وتنفيذها عشرين عاماً.

      الدولة العلوية المستقلة احتمال وارد ولكن ليس بنسبة تزيد عن واحد أو اثنين بالمئة. النظام يبدو متشبّثاً بالدولة السورية كاملة وأظن أن معركته الكبرى ستكون للدفاع عن العاصمة وأن قواته الضاربة ستكون فيها، أما جبال العلويين وقراهم في منطقة الساحل فسوف تكون شأناً خاصاً بهم لأن النظام لن يستطيع تفريغ نفسه وتشتيت قوته لدعمهم، وإذا نشبت حربٌ كان الجيش السوري الحر هو الطرف الرئيسي فيها مدعوماً بتركيا والغرب فإن علويي الساحل لن يستطيعوا الصمود طويلاً. الذي أخشاه هو الفترة الانتقالية التي يمكن أن تشهد بعض المذابح والتطهير العرقي لا سمح الله، وهو أمر لا أحب أن أفكر فيه ولا أن أكتب عنه، ولا أجد له حلاً إلا الدعاء وسرعة الحسم فيما لو حصل، أرجو الله أن لا يحصل وأدعو لأهلنا هناك بأن يحفظهم الحفيظ بحفظه بإذنه تعالى.

  5. بالنسبة لوضع تركيا فهو يظل فيه بعض الغموض والتردد، ومع ذلك فهو لا يمكن الإستغناء عنه، مشكلة الدور التركي أن له أهداف تركية لكنها مخترقة نسبيا بأهداف إيرانية من نوع ما، كما أن الدور التركي يشوبه هدف محاولة إيصال الإخوان المسلمين للحكم في سوريا، ومع كل ذلك فهذا الدور لا يمكن رفضه في هذه الظروف المعقدة ومع هذا النظام الفاجر، ولكن يجب دائما الإنتباه إليها.

    • يقول مجاهد مأمون ديرانية:

      الجملة التي تفضلت بها عن اختراق الأهداف التركية بأهداف إيرانية فيها نظر، فالسياسة التركية خلال العقد الماضي دعمت حل المشكلات وإنشاء علاقات جيدة مع الجيران، ولكنها لا تصل إلى درجة اختلاط السياسات واختراق الأهداف. ربما تتقاطع بعض المصالح، نعم، لكن هذا ليس مؤشراً على اختراق السياسات والأهداف التركية من قبل الإيرانيين.

      فكرة سعي تركيا لإيصال الإخوان المسلمين إلى الحكم في سوريا بعيدة جداً جداً عن الواقع، ورغم أن تركيا تدعم الاتجاه الإسلامي في المعارضة (وليس الإخوان تحديداً) أكثرَ من غيره فإن إستراتيجيتها في حل الأزمة السورية متسقة مع الإستراتيجية الأميركية والأوربية، ومن ثم فلا يتوقع أن تحاول إيصال الإخوان أو غيرهم إلى الحكم. النقطة الأهم هي أن الوصول إلى الحكم أمر مختلف عن تشكيل مجلس سياسي للمعارضة في المنفى، الحكم سيصل إليه مَن يصل عبر صناديق الاقتراع في حياة نيابية نزيهة بإذن الله، ليكن الإخوان أو غيرهم، المهم أن لا يكون حكماً استبدادياً ولا عسكرياً ولا استعمارياً.

  6. تنبيه: الطريق إلى الحرب . . بقلم: مجاهد مأمون ديرانية « مختارات من أحداث الثورة السورية

  7. يقول احمد:

    شكرا لردودك يا شيخ ومحبتك تزيد بحبنا للشيخ الطنطاوي المطبوع في ذاكرتي منذ كنت صغيرا و هو يسأل( انتهى الوقت؟!!! طيب عم يقولوا انتهى الوقت والسلام عليكم ورحمة الله) في التلفزة السعودية

التعليقات

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s