بعد المبادرة (1) النظام يوقع شهادة الوفاة

رسائل الثورة السورية المباركة (71)

22/12/2011

ماذا بعد التوقيع على المبادرة؟

(1 من 3)

النظام يوقع شهادة الوفاة

مجاهد مأمون ديرانية

السؤال الذي يوجهه منذ ثلاثة أيام كلُّ واحد من جمهور الثورة وأنصارها إلى كل واحد هو: هل سيكون توقيع النظام السوري على المبادرة في صالحه أم في صالح الثورة؟ مما تابعته خلال الأيام الماضية أجد أن الأكثرية اختاروا الجواب الثاني، وأنا منهم. أحمد الله على أن التفاؤل عاد إلى الناس وأن الأمل أشرق في القلوب بعد شهور من اليأس والإحباط، وأسأله -تبارك وتعالى- أن يكون توقيعُ النظام على المبادرة هو توقيعَه على شهادة وفاته.

لا بد أنكم قرأتم ما ذاع وانتشر على صفحات ومواقع الثورة منذ أيام، حيث يشبّه كثيرون فريقَ المراقبين الذي فرضته الجامعة العربية على النظام السوري بفريق المفتشين الذي فرضته الأمم المتحدة على النظام العراقي السابق، والذي كان هو البوابةَ التي دخل منها التحالف الغربي بحملته العسكرية وصولاً إلى إسقاط صدام حسين وإعدامه. هل بدا لكم هذا التشبيه مقنعاً؟ هو كذلك. لقد كانت فرق التفتيش هي فعلاً سبب سقوط نظام صدام، حتى إننا نستطيع القول بثقة إن مَن أوصل صدام إلى حبل المشنقة هما رولف إيكيوس ورتشارد بتلر، رئيسا فريق التفتيش، وليس الجنرال تومي فرانكس قائد القوات الأميركية في عملية الغزو. وكما صنعَت ذلك فرقُ التفتيش بصدام فالظاهر أنها سوف تصنع الأمر نفسه ببشار، على أننا نأمل أن لا يستغرق تنفيذ الخطة عندنا الوقتَ الطويل الذي استغرقه تنفيذُها في العراق، ونتمنى، بل نصرّ على أن يقوم بالجهد الرئيسي العسكري في العملية جيشُ سوريا الوطني الحر وليس أية قوة عسكرية أجنبية خارجية.

*   *   *

المعروف الآن أن إدارة الرئيس بوش اتخذت القرار بشنّ الحرب على نظام صدام حسين بمعزل عن النتائج التي يمكن أن يتوصل إليها فريق التفتيش الدولي، وأن ترتيبات الغزو النهائية كانت قد أُعِدّت وحُدّدت ساعةُ الصفر في الوقت الذي كانت فرق التفتيش تمارس أعمالها الروتينية داخل العراق، وعندما حان وقت الضربة صدرت الأوامر لأعضاء الفريق بالمغادرة وبدأت الحرب. يبدو أن إدارة أوباما استخرجت من الأدراج تلك الخطة وعزمت على تطبيقها في سوريا حرفياً تقريباً، هذا ما يقوله عدد من المراقبين والمحللين الذين يتابعون المشهد السوري عن كثب، وأنا مقتنع بما يقولون.

لاحظوا أن الجامعة العربية بذلت جهد المستميت لكي تحمل النظام السوري على التوقيع، وكأن هذا التوقيع سيقدم حلاً سحرياً للأزمة المستعصية. الثوار الذين يعانون من الضغط والذين يواجهون منذ أسابيع حملات النظام القمعية الفظيعة اعتبروا أن الفرص المتكررة التي تمنحها الجامعة للنظام كانت فقط لتمييع القضية وإضاعة الوقت، من أجل ذلك أطلقوا على جمعتهم الأخيرة اسم “الجامعة تقتلنا” ولقّبوها بجامعة المُهَل العربية. لكن هل كانت الجامعة تماطل لإضاعة الوقت فعلاً؟

لا يبدو ذلك، لأن الجامعة لا تتحرك تحركاً ذاتياً بل تتحرك على إيقاع الموقف الدولي، الغربي والأميركي تحديداً، وقد لاحظنا أن الإدارة الأميركية كانت تدفع الجامعة العربية طول الوقت باتجاه اعتماد المبادرة والحرص على إلزام النظام السوري بتوقيعها، ثم لاحظنا أن روسيا انضمت فجأة إلى المحور الغربي الذي يتبنى المبادرة ويدفع باتجاهها، حتى إن غالبية المحللين الذين تابعوا ملحمة الأسابيع الأخيرة يتفقون على أن الضغط الروسي المباشر هو الذي أجبر النظام السوري على التوقيع في نهاية المطاف، ولعلكم قرأتم ما أشيع عن الربط بين تغير الموقف الروسي والموافقة على انضمام روسيا إلى اتفاقية التجارة الحرة بعد ثماني عشرة سنة من الممانعة والمماطلة، أي أنها -باختصار- صفقة بيع وشراء، ولا يُستبعَد أن يكون هذا التحليل صحيحاً لأن الانقلاب الروسي ملفت للانتباه فعلاً.

مما يؤكد النظرية القائلة بأن المبادرة العربية هي فخ وشرَك وقع فيه النظام ولن يخرج منه حياً -قياساً على تجربة فرق التفتيش في العراق- أن الحكم على عمل فريق المراقبين قد صدر مسبقاً بالإدانة، فبدلاً من استقبال التوقيع على المبادرة العربية بالارتياح والتفاؤل والثناء على النظام السوري بادرت العواصمُ الغربية إلى التهديد والتشاؤم، في حركة استباقية ليس لها إلا تفسير ضمني واحد: “النظام السوري مخادع وغشاش لا يوثَق به ولا قيمةَ لتوقيعه، وإذن فلا مناص من ضربه وإسقاطه”!

لقد سمعنا على الفور الرأي الفرنسي على لسان المتحدث باسم وزارة الخارجية الفرنسية برنار فاليرو: “للأسد سجل من نقض العهود، وأعمال العنف تُظهر أنه ينبغي عدم إضاعة الوقت”. الولايات المتحدة أبدت فوراً تشككها في موافقة سوريا على المبادرة، وقالت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الأميركية فكتوريا نولاند: “أعطى النظام السوري وعوداً عديدة ثم أخلفها، لذلك فنحن لسنا مهتمين حقاً بالتوقيع على قصاصة ورق بقدر ما نريد خطوات لتنفيذ الالتزامات”. ثم سمعنا تقريباً الكلمات نفسها على لسان الناطق باسم الحكومة الألمانية شتيفن زايبرت: “نتوقع أن تصبح أقوال الحكومة السورية أفعالاً على الفور”، فيما نُقل عن وزير الخارجية الألماني غيدو فسترفيلي قوله: “سنحكم على سوريا فقط على أفعالها لا على أقوالها، أي البدء فوراً في تنفيذ اتفاقها مع الجامعة العربية”، بل إنه كان أكثر تحديداً عندما عدّد الخطوات المطلوبة من النظام: “يجب وقف العنف وسحب الجيش والإفراج عن المعتقلين السياسيين والسماح بممر إنساني”.

وماذا صنع النظام بنفسه خلال الأيام الثلاثة الماضية؟ باختصار: لقد جنى على نفسه وقدّم سبباً إضافياً لتلك الدول لتستعجل بتحويل ملف الأزمة إلى مجلس الأمن، ودفع إلى تدويل الأزمة بعمل أهوج يستحق عليه “وسام الغباء من الدرجة الأولى”؛ فبعد الموقف الدولي الذي اتسم بالحذر والبرود في استقبال التوقيع جاءت المجزرة الكبرى في جبل الزاوية لتؤكد للجميع أن الأمل معدوم في تخلي النظام السوري عن القمع وأنه لن يتخلى عن الحل الأمني أبداً، وعلى الفور صدر عن الخارجية الفرنسية شجبٌ شديد اللهجة واصفاً مَقتلة الثلاثاء بأنها “مجزرة لا سابق لها” وداعياً الأسرة الدولية “إلى القيام بكل ما يمكن لوقف دوامة القتل التي يدفع بشار الأسد شعبَه إليها يومياً”.

*   *    *

لكن لماذا وافق النظام على مبادرة الجامعة ووقّع عليها أخيراً بعد أسابيع من المماطلة والمراوغة؟ ألم يدرك أنها حبل سيلتفّ حول رقبته؟ بلى، أظن أنه يدرك، وأظن أنه لم يوقع إلا فراراً مما هو أسوأ. لقد أدرك النظام أخيراً أنه صار مكشوفَ الظهر حينما ضغطت عليه روسيا ضغطاً حقيقياً استمر لأكثر من أسبوعين، وحينما أعلنت روسيا -من تلقاء نفسها- عن مبادرة لتقديم مشروع قرار إلى مجلس الأمن يدين “استعمال القوة من طرفَي النزاع في سوريا” استقبل المجتمع الدولي تلك الخطوةَ بدهشة وارتياح، أما النظام السوري فقد استقبلها بفزع واعتبرها ناقوس خطر قُرع قرعاً يصمّ الآذان، ولم يستطع أن يتجاهل معانيه الخفية.

في الوقت نفسه بدت لهجة الجامعة العربية جادة كما لم تكن في حياتها قط، وزاد الأمرَ سوءاً ما أعلنه رئيس الوزراء ووزير الخارجية القطري يوم السبت الماضي، حينما قال بكلمات واضحة لا تقبل التأويل أن الأزمة في طريقها إلى التدويل ما لم يتجاوب النظام السوري سريعاً، قائلاً إن الجامعة العربية تعتزم الطلب من مجلس الأمن الدولي تبني مبادرتها الخاصة بسوريا، وقال حرفياً: “لقد استنفدنا كل السبل وسنبحث في اجتماعنا المقبل التوجه إلى مجلس الأمن. الاجتماع القادم سيكون حاسماً، وآمل أن توقع دمشق قبل ذلك على المبادرة العربية وإلاّ فلا حول ولا قوة إلا بالله”. وقد اعتبر المراقبون أن ذلك التصريح هو أقوى رسالة تحذير وُجّهت إلى النظام السوري منذ بداية الأزمة في سوريا.

ولعل الإنذار الأخير الكبير وصل إلى النظام السوري عبر تصريحات رئيس هيئة الأركان المشتركة الأمريكية الجنرال كارتن ديمبسي، التي قال فيها إن “كل الخيارات متاحة في التعامل مع الملف السوري، بما فيها الخيار العسكري”. لا شك أن تلك الكلمات المقتضبة زادت الأمر سوءاً وأقنعت النظام بأن تدويل الأزمة بات على الأبواب، ومن ثم فلم يعد أمامه أي خيار سوى الموافقة والتوقيع.

ولكن ما هي نتائج التوقيع، سواء على النظام أو على سائر أطراف الأزمة؟ الجواب يحتاج إلى تفصيل محلّه المقالة الآتية بإذن الله.

هذا المنشور نشر في رسائل الثورة. حفظ الرابط الثابت.

5 ردود على بعد المبادرة (1) النظام يوقع شهادة الوفاة

  1. يقول Asaad Al-Asaad:

    السلام عليكم أخي مجاهد،

    أخشى يا أخي مجاهد أن تفاؤلك هذه المرة (بالمبادرة وبنية جامعة الدول العربية) قد لا يبدو أنه في مكانه الصحيح. وأرجو أن أسمع رأيك في النقاط التالية:

    أولاً:
    بالنسبة للمقارنة بين بعثة مراقبي جامعة الدول العربية إلى سوريا وبين بعثة مراقبي الأمم المتحدة إلى العراق، لا أرى أي وجه للمقارنة هنا بين البعثتين للأسباب التالية:
    1- إن كان الهدف من البعثتين هو تهيئة الجو لضربة عسكرية قادمة فإن ضرورة ذلك كانت قائمة حقاً في العراق، لكنها غير مطلوبة في سوريا وغير لازمة. لقد أعطى النظام خلال فترات المهل والتمديد خلال الشهرين الماضيين كل الحوافز والدوافع للغرب والعرب لأن يقولوا إن هذا النظام قاتل ومماطل وكاذب ولا يقبل بمبادرتنا إذن لا بد من اللجوء إلى وسائل أخرى ومنها التدويل، ومع ذلك لم يفعلوا بل لقد سفكوا ماء وجههم وأنقصوا من مكانتهم جميعاً دون أدنى فائدة! فلو أن الغرب الذي يحرّك الجامعة العربية (كما تقول) كان حقاً يريد حجّةً لبدء عملية عسكرية فإن الحجج والدوافع كانت تتسابق إليه على مدى الشهرين الماضيين، ومع ذلك تجاهلها تماماً كما رأينا جميعاً.

    2- إن قلتَ أن روسيا والصين كانتا ستقفان في وجه أي قرار أممي للتدخل لذلك كان لا بد من مراقبين على الأرض ليزيدوا من مصداقية التقارير الإعلامية، أقول ولنفرض أن المراقبين أصدروا على رأس كل أسبوعٍ تقريراً قالوا فيه وأكدوا أن النظام لم يلتزم بالمبادرة العربية ولم يسحب قوات الأمن ولم يطلق سراح السجناء وما زال يقتل وووو إلخ. إلى متى سيستمرون في إصدار هذه التقارير الأسبوعية ؟ أتوقع أنهم سيستمرون في ذلك لعدة أسابيع تجري خلالها مفاوضات مبتذلة مع النظام على أمور تفصيلية تافهة كما رأينا خلال الشهرين الماضيين. ثم لنفرض أيضاً أن بعثة المراقبين قررت أخيراً أن تنهي عملها واقتنعت أن النظام كاذب مراوغ ضيّع وقتها، ورفعت الجامعة العربية الأمر إلى مجلس الأمن “لتبني المبادرة العربية” كما قال حمد بن جاسم! فهل تعتقد أن ذلك سيضمن أن روسيا والصين ستسمحان عندها بتمرير قرار التدخل من مجلس الأمن؟ بل إن السؤال الأهم هنا هو: هل حقاً روسيا والصين هما العقبتان أمام التدخل الدولي في سوريا؟! أي هل حقاً نعتقد أن الغرب ينتظر إذنهما حتى يتدخل عسكرياً (بمنطقة عازلة أو حظر جوي أو أي شكل من أشكال التدخل)؟!

    3- إن بعثة الأمم المتحدة التي ذهبت إلى العراق كانت مكوّنة من “خبراء” على أعلى المستويات في مجالات شتى، وكان بعضهم (إن لم يكن معظمهم) متعاملاً أصلاً مع الولايات المتحدة والغرب، ولم يكن في وارد قبول رشاوى أو تنظيم تقارير مزيفة، أو بالأحرى قد كانت مهمّة بعضهم تنظيم تقارير مزيّفة لصالح الولايات المتحدة والغرب!!. أما بعثة المراقبين المزعومين الذين لم تكلّف الجامعة نفسها عناء تقرير أسمائهم بعد (رغم أن إرسالهم كان مقرراً منذ حوالي شهرين!!!! مما يدلّك على مدى حماس الجامعة لهذه الخطوة!!) فلك أن تتوقع منها ما تريد. لك أن تتوقع أن يتواجد فيها مراقبون من العراق والجزائر ومصر والسودان وعمان (كلها دول مع النظام ويُظَنُّ أنها سترسل مندوبين ليطيلوا في عمر النظام ويصدروا تقارير كاذبة مزيّفة لصالحه). لك أيضاً أن تتوقع أن يقوم النظام بالكذب والاحتيال على هؤلاء المراقبين وبالتالي يصدر حتى الجيدون منهم تقارير يشوبها الكثير من الخطأ.

    4- الأمم المتحدة أرسلت من المراقبين عدداً يناسب طبيعة المهمة وحجمها. أما في حالة سوريا، فهل تعتقد أن 500 مراقب (إن كانوا 500 وأظن الرقم متفائلاً جداً) سيستطيعون تغطية مدن وقرى سوريا الساخنة فقط؟!!! ألا ترى في كل أمر البروتوكول استخفافاً بعقول المتابعين خاصةً مع كل التقارير الدامية الآتية من سوريا!!

    5- ظروف هذه البعثة لا تشبه ظروف البعثة إلى العراق لأن الجيش العراقي وقتّها كان ملتفّاً حول صدام واحتاج إلى إعداد طويل وإلى استنزاف اقتصادي وسياسي طويل الأمد، في حين أن الجيش السوري في حالتنا هذه مهلهل مشتت ضعيف واهن لن يستطيع الصمود أمام كتيبة واحدة من جيشٍ منظم أكثر من 24 ساعة على ما أعتقد ويعتقد كثير من الخبراء العسكريين أمثال العميد عقيل هاشم كما صرّح أكثر من مرة.

    إذن المقارنة بين البعثة الذاهبة إلى العراق وتلك المزمع إرسالها إلى سوريا غير وارد لا من ناحية الأسباب الداعية إليها، ولا من ناحية النتائج المتوقعة منها. فلا مقارنة بينهما إذن!

    ثانياً:
    على فرض أن المبادرة العربية هي حبلٌ يلتفّ حول عنق النظام، فإن موقف روسيا الأخير يناقض نفسه. فإن كان الروس يرون في المبادرة فخّاً يقع فيه النظام السوري فلماذا يدفعونه إلى توقيعها إن كانوا يريدون نجاته، وإن كانوا يريدون هلاكه فلماذا يدفعونه إلى توقيعها أيضاً ولا يرفعون يدهم عنه ببساطة في مجلس الأمن ويسمحون بتمرير قرار لإدانته والسماح بالتدخل لضربه!
    إذن الروس يرون في المبادرة فرصةً لنجاة النظام وإطالة عمره. هذا هو التفسير الوحيد للضغط الشديد الذي مارسوه على النظام (كما يبدو) حتى اضطر إلى التوقيع على المبادرة.

    ثالثاً:
    زيادةً في قوّة المبادرة العربية لمَ لمْ تقم الجامعة العربية بتدويل الأمر على كل الأحوال (على طريقة التدويل التي هدّد بها حمد بن جاسم)، وذلك بالطلب من الأمم المتحدة اعتماد المبادرة العربية؟! ألن يعطي ذلك المبادرة العربية قوة وهيبة أكثر؟ ألن يفسح ذلك الطريق أمام ما نظن أن الجامعة تخطط له أصلاً ألا وهو الإدانة؟! التفسير الوحيد الذي أملكه لهذا التناقض هو أن الجامعة لا تريد حقاً تدويل الأمر وتحاول احتواءه بطريقة مبتذلة يترفّع عنها حتى الهواة من السياسيين، ظانّةً أن إرسال المراقبين سيوقف القتل أو سيقلله وبالتالي سيقلل المظاهرات وستهدأ الثورة، أو ستدفع المعارضة للحوار مع النظام والاتفاق على حكومة مشتركة أو حل مشترك! أكاد أقرأ هذا الاعتباط والابتذال كلما خرج علينا نبيل العربي بتردده الواضح وتلعثمه الغريب ليقول بضع كلمات تسيء للجامعة ولمكانتها أكثر وأكثر. هو ببساطة لا يملك حلّاً، وفي نفس الوقت لا يريد أن يتدخل الآخرون لحلّ الأمر (هذا إن أحسنّا الظن به).

    رابعاً: لك في تصريح وزير الإعلام الأردني السابق (صالح القلّاب) – وهو مطلع على الشؤون الدبلوماسية حسبما تفضّلتَ في مقالةٍ سابقة – أن المبادرة العربية وتوقيع البروتوكول هو مضيعة للوقت وقد فات أوانها، كلَّ الدلالة في رؤية أحد أهم المتابعين للقضية السورية في المحيط الإقليمي لسوريا. فهل تظن أنه قد خفي عن هذا الوزير أن المبادرة هي مقدّمة لإدانة مقررة سابقاً ومقدمة لتدخل خارجي وشيك؟ّ!

    خامساً: لقد أتاح النظام الغبيّ للأتراك فرصةً ذهبيةً للتدخل وإنشاء منطقة عازلة دون الحاجة لمجلس أمن أو غيره. لقد قام بمجزرة بشعة في جبل الزاوية كان يمكن للأتراك أن يدخلوا ويحموا المنطقة بعد المجزرة ثم يظهروا للعالم حقيقة ما حدث ويكسبوا بذلك مصداقية كبيرة ودعماً حقيقياً ليستمروا بعد ذلك في إنشاء وإتمام المنطقة العازلة إن كانوا يريدون أن ينشئوها حقاً. فلماذا لم يفعلوا ذلك؟!
    وفي المقابل انظر إلى ردة فعلهم الشديدة تجاه قرار فرنسا الأخير بتجريم من ينكر المذابح التي أقرتها الدولة الفرنسية (ومنها مذبحة الأرمن)! لقد قاموا فوراً بسحب سفيرهم وقطع كل العلاقات مع فرنسا وإلغاء كل الاجتماعات التي كانت مقررة على كلّ الصُّعُد. لمَ لم تكن ردة فعلهم بهذه الحدّة تجاه النظام المجرم الذي يقوم حالياً بذبح الشعب السوري؟!! أم أن موضوع المجازر التي ترتكب بحق الشعب السوري الآن هو أقل أهميةً عند أردوغان من موضوع إنكار أو عدم إنكار مذبحة مزعومة مضى عليها أكثر من 80 عاماً؟!
    أرجو أن يكون ظني هنا خطأً وأن يكون أردوغان عند ظنِّنا به طوال الفترة الماضية.

    بعيداً عن التناقضات السابقة، إذا أردتُ التفاؤل وإحسان الظنّ بالجامعة فسأقول أنه قد يكون سبب إرسال بعثة المراقبين هو تخفيف القتل والضحايا في سوريا ريثما تنتهي التجهيزات الدولية لضربة عسكرية تقصم ظهر النظام. وإنني أحس ببعض النية الحسنة عندما أسمع تصريحات بعض منتسبي المجلس الوطني وتصريحات بعض المعارضين الذين رحّبوا بالمبادرة، فهل علموا شيئاً قد خفيَ عنّا ؟! لكنّي في افتراضي هذا أذهب مذهباً بعيداً في التفاؤل والظنّ الحسن بالجامعة، أرجو أن يصدُق.
    وإن أردنا التشاؤم فسنقول أن هدف الجامعة هو تعطيل عجلة المواقف الدولية قدر الإمكان، ظانّين جهلاً أن النظام قد يقدر على قمع الثورة خلال مهلة البروتوكول هذه! لكني حتى في هذه الحالة أقول: خابوا وخسروا، فشعبنا لم يقم بثورته وهو ينتظر منهم الكثير أصلاً، ودورهم (بل ودور الغرب كله) ينحصر في تقصير الطريق وتقليل الزمن اللازم للانتصار. لم يعد من الوارد عند أهل درعا أو ريف دمشق أو حمص أو حماه أو إدلب أو دير الزور (انظر ما أكثرهم)، أقول لم يعد من الوارد عندهم أبداً أن يتراجعوا عن ثورتهم إلى قيود أثقل من القيود التي كانوا فيها قبل 15 آذار.

    والأهم من كل هذا هو أن رب العالمين الذي قدّر لهذه الثورة أن تخرج من لا شيء تقريباً وتسير بـ لا شيء من الأسباب المادية المتوفرة ، وهو الكريم الذي أضلّ النظام في كل قراراته منذ بداية الثورة حتى الآن، ربنا أكرم من أن يسوق هذا الشعب المؤمن إلى هذه المرحلة ثم يتركه فريسةً لهذا النظام. ظننا بالله أنه هو من بدأ هذه الثورة وهو من قدّر لها الاستمرار بهذا الإصرار والتصاعد العجيب حقاً، وهو من قدّر لها الانتصار. هذا ظننا بالله وهو عند حسن ظن عباده به سبحانه وتعالى.

    • أتفق مع كثير مما تقوله، ولكن ايضا الموضوع أعلاه له وجهة نظر قوية.

    • ما شاء الله، جمعت فأوعيت. سأجيب عن نقاطك بنفس الترتيب:

      أولاً:
      1- كلامك غير دقيق في هذه النقطة، لأن العرب بدؤوا بالتحرك في آب الماضي (بإيعاز من الأميركيين بالطبع) واستمر الملف بالتحرك البطيء حتى وصل إلى مجلس الأمن، وهناك اصطدم بحائط الفيتو الروسي الصيني المزدوج. برأيك لماذا حرصت أميركا وحلفاؤها على إيصال الملف إلى مجلس الأمن؟ ليُصدر المجلس قراراً شفهياً بالإدانة؟ هل هذا هو ما سعوا إليه بعد الجهود الطويلة العريضة التي بذلوها؟ لو تأملتَ فسوف تجد أن توصيل الملف السوري إلى مجلس الأمن ليست له قيمة ما لم يترتب عليه قرار، والقرار أُحبط بسبب الروس والصينيين، وكل ما تراه أمامك خلال الشهرين الماضيين -من يوم تحرك مجلس التعاون الخليجي مروراً بإطلاق المبادرة العربية وصولاً إلى مشروع قرار روسيا الأخير- هذا كله هو رحلة جديدة حشد المجتمع الدولي من أجلها حملة جبارة، فهل صنعوا ذلك لتتشتت الجهود مرة أخرى؟ أو لمجرد الحصول على إدانة؟ القضية ليست في توفير “حجج” للتدخل العسكري بل المشكلة في “الغطاء”، وهو ما أرهق الجماعة الدولية واضطرها إلى السير في مسارات معوَجّة أو طويلة، ويبدو أنها اقتربت أخيراً من الوصول إلى الغاية والله أعلم.

      2- نعم، الهدف من مبادرة الجامعة ومن مهمة فريق المراقبين هو توصيل الملف إلى مجلس الأمن بهدف التدويل، والظاهر أن ما جرى وراء الكواليس خلال الأسابيع الماضية ضَمِنَ حياد روسيا والصين اللتين يتوقع أن تمتنعا عن التصويت لو عُرض أي قرار إدانة جديد. (يبدو أن روسيا والصين هما عقبتان حقيقيتان).

      3- هذا الذي تقوله وارد، وهو يزيد العبء على الثورة في الداخل وعلى المعارضة في الخارج كما قلت في إجابتي على سؤالك السابق. على أنني أتوقع أن يكون الأشخاص الرئيسيون مضمونين، ولا تنس أن رئيس اللجنة يملك أكثر مفاتيحها (وهو أمر مجرب في العراق، أيام أيكيوس وبتلر). الرجل الذي اختير لرئاسة لجنة المراقبين هو الفريق الركن محمد أحمد مصطفى الدابي، وهو سوداني، وقد ثارت ضجة بشأنه لأنه مطلوب للمحكمة الجنائية الدولية على خلفية أحداث دارفور، وهذا الأمر تحديداً سبّب قلقاً لدى عدد كبير من السوريين الذين خشوا أن يتعاطف مع النظام السوري من حيث إنهما يشتركان في المعاناة من الضغط الخارجي والإدانة الدولية. أنا قرأت تعليقات من هذا النوع وشعرت بالقلق نفسه، ثم جمعني قبل يومين لقاء مع أحد الإخوة الذين يمتازون ببعد النظر وسعة الاطلاع، فطرح فكرة عجيبة رأيت فيها وجاهة كبيرة، وهي التالية: لماذا لا يكون هذا الرجل تحديداً من اختيار الإدارة الأميركية، وأنه أُرسل في هذه المهمة ضمن صفقة ما، بحيث يقدم تقريراً يمكن الاعتماد عليه لتدويل الأزمة، مقابل العمل على إلغاء قرار المحكمة الجنائية الصادر بحقه؟ الفكرة غريبة لكنها جديرة بالتأمل، وسوف تبدي الأيام خطأها من صوابها.

      4- هذه النقطة يمكن تفسيرها على الوجهين. العدد قليل فعلاً وغير كاف، فإما أن الجماعة هازلون وليسوا حريصين على عمل حقيقي مثمر، أو أن نتيجة التفتيش غير مهمة لأن الخطوة التالية محسومة بغض النظر عن نتائج المراقبة.

      5- لم أفهم هذه النقطة تماماً. ما علاقة قوة الجيش أو ضعفه بعمل فريق المراقبة؟ مهمة هذا الفريق هي إعطاء المبرر فقط، أما طريقة التدخل وطريقة إسقاط النظام فالحديث عنها مختلف.

      ثانياً: لا تستطيع روسيا تغيير موقفها المعلن بدون مبررات، ونتيجة عمل لجنة المراقبين ستقدم هذه المبررات. ثم لا تنس أن في روسيا أكثر من قوة تتجاذب السياسة الخارجية وتحدد تساهل أو صرامة الموقف الروسي، بين مؤسسة الرئاسة ووزارة الخارجية والبرلمان الروسي، وعندما تتمخض مبادرة الجامعة العربية (التي اعترفت بها روسيا ودعمتها رسمياً) عن إدانة للنظام السوري فإن القوى الروسية الداعمة للتخلي عن النظام السوري سوف تتفوق على تلك المعارضة.

      ثالثاً: يبدو لي أن هذه الخطوة آتية، وغالباً ستساعد على الوصول إليها سياسةُ النظام الخاطئة في التعامل مع المبادرة ومع لجنة المراقبين. لا أظن أن دول الخليج والجامعة العربية والتحالف الغربي سيوافقون على إبقاء بشار الأسد في السلطة، يبدو أن الأمر صار محسوماً، وهم يعلمون أن الثورة لن تتوقف بمجرد تخفيف القتل بل إنها ستزداد اشتعالاً وانفجاراً عندما تتوفر حماية كافية للمدنيين.

      رابعاً: أنت تشير إلى مقالة القلاب التي نشرها يوم الخميس 15/12، أليس كذلك؟ لاحظ الفقرة قبل الأخيرة في المقالة، يقول فيها: “إذا لم يستطع الخيرون من الذين سيجتمعون يوم السبت المقبل الحفاظ على المبادرة العربية إزاء الأزمة السورية بصيغتها السابقة المقررة فإنه عليهم أن يتنحوا ويفتحوا الطريق أمام التدويل الذي لا بد منه… لقد بات واضحا ومؤكدا أن الحلول الترقيعية مع بشار الأسد ونظامه غير مجدية وأنه لا بد من أخذ هذا الملف إلى مجلس الأمن الدولي”. المقالة كتبها صالح القلاب على خلفية اللقاء الإيراني السعودي الذي قدم انطباعاً بدخول إيران على الخط كلاعب أساسي، ولكن يبدو أن تفسيره لذلك اللقاء لم يكن صحيحاً. ولاحظ أن ما طلبه القلاب هو الذي تحقق عملياً: “الحفاظ على المبادرة العربية إزاء الأزمة السورية بصيغتها السابقة المقررة”، هذا هو ما حصل تماماً (باستثناء التغيير الشكلي لكلمة واحدة من نص المبادرة، وهو أمر استغله المعلم لتسويق فطنته المزعومة بحيث استطاع أن “يغيّر” نص الاتفاقية لصالح سوريا كما يدّعي!)

      خامساً: لقد تساءلت التساؤل نفسه وفكرت كما فكرت أنت، واعتبرت أن تركيا فوّتت فرصة ذهبية كانت تستطيع استغلالها للتدخل بحجة حماية المدنيين المعرضين للإبادة الجماعية. ليس عندي جواب.

      أخيراً: صدقت، لن يتوقف هذا الشعب عن ثورته بإذن الله حتى يسقط النظام، وعلى العالم أن يدرك هذه الحقيقة (إن كان لم يدركها بعد) وأن يتصرف على ضوئها، وظننا بالله كبير وأملنا فيه عظيم، ولن يتخلى عنا بإذنه تعالى.

  2. تنبيه: بعد المبادرة (1) النظام يوقع شهادة الوفاة . . بقلم مجاهد مأمون ديرانية « مختارات من أحداث الثورة السورية

  3. يقول Asaad Al-Asaad:

    أفهم من كل ما سبق أنك ترى أن كل الأطراف الدولية مستعدة لقبول التدخل الدولي (بشكل من الأشكال) لإسقاط النظام أو على الأقل الوقوف على الحياد، ما عدا روسيا والصين (وهو ما ظهر في التصويت السابق على قرار الإدانة من بضعة أشهر). وأن هاتين الدولتين قد تم إرضاؤهما مؤخراً ببعض الصفقات على الأرجح بحيث يُضمن سكوتهما وامتناعهما عن التصويت. لكن المشكلة تكمن في إيجاد مبررات لهاتين الحكومتين لتغيير موقفهما علناً (بعد الموقف القاسي بالفيتو المزدوج الذي استعملوه ضد قرار الإدانة السابق). طيب ألم يقدم النظام الأحمق خلال الشهرين الكافيين (برفضه للمبادرة عدة مرات ومماطلته وتجاهله لكل المهل التي أعطيت له، والتقارير الإعلامية القاسية المدعومة بالصور) من المبررات ما يكفي لتعلن هاتان الدولتان تذمرهما من غباء النظام ومماطلته وإعلان تغيير سياستهما تجاهه؟ ألم يكن في تقرير لجنة حقوق الإنسان في الأمم المتحدة ما يكفي كمبرر لهاتين الدولتين لإعلان تبرؤهما من هذا الإجرام؟! ماذا سيضيف تقرير جديد من لجنة مراقبين للجامعة العربية على تقرير حقوق الإنسان؟!

    بالنسبة لرئيس بعثة المراقبين محمد أحمد مصطفى الدابي، بحثت في موقع المحكمة الجنائية الدولية ولم أجد اسماً له. هناك أسماء 5 سودانيين مطلوبين في قضية دارفور واسمه ليس بينهم وهذا رابط الموقع:
    http://www.icc-cpi.int/Menus/ICC/Situations+and+Cases/Situations/Situation+ICC+0205/
    وهذا رابط الصفحة التي تضم كل المطلوبين بما فيهم الليبيين والكينيين والسودانيين …
    http://www.icc-cpi.int/Menus/ICC/Situations+and+Cases/Cases/
    فيبدو أن النظام هو من أشاع هذا الخبر من أجل تثبيط معنويات الثوار وإيهامهم أن الجامعة متواطئة معه والله أعلم! وهو شيء مطمئن.

    ما عنيتُه في النقطة الخامسة أنه من ناحية المقارنة مع البعثة التي أرسلت إلى العراق والتي استغرقت وقتاً طويلاً ضُرِبَ أثناءَه حصار شديد على الاقتصاد أدى في النهاية إلى انهيار المؤسسة العسكرية تمهيداً للضربة العسكرية التي كان مخططاً لها مسبقاً، فكنت أقول أنه حتى من هذه الناحية لا يوجد وجه للمقارنة لأن الجيش السوري منهك تماماً ولا يحتاج إلى استنزاف أكثر من هذا الذي يحدث.

    في الحقيقة عندما تحدثت عن تصريح القلّاب، كنت أرمي إلى تصريحٍ له على شاشة الجزيرة بعد أن وقّع المقداد على البروتوكول رسمياً في القاهرة قال فيه القلاب ما معناه أنه على الجامعة أن ترفع الملف لمجلس الأمن وكفى، وأن المبادرة العربية بعد كل هذه المماطلة صارت مضيعة للوقت لا أكثر! أحاول الآن البحث عن هذه المقابلة لكني لم أجدها حتى الآن. وبالنسبة لمقالته التي ذكرتَها، فقد وجدتها منطقيةً جداً خصوصاً بعد الموقف المخزي لنبيل العربي بتوجهه إلى العراق ليستجدي سوريا قبول المبادرة! كيف يمكن لجلّادٍ أن يستجدي مجرماً أن يسمح له أن يلفّ الحبل حول عنقه! إن كان جلاداً حقاً ويستطيع إنزال الحكم القضائي بالمجرم فلن يستجديه أن يسمح له أن يفعل ذلك! وهذا مما يثير الشكوك أصلاً حول جدوى المبادرة، وأنها قد لا تعدو طريقةً لحفظ ماء وجه الدول العربية التي وجدت أنها قد تكون رفعت أصواتها أعلى مما تصل أيديها. ثم ما مصير العقوبات الاقتصادية التي عقدوا لأجلها اجتماعين؟! لم أسمع عن تعليق للطيران إلى سوريا أو قرارات تجميد أرصدة …إلخ مما أقرّوه في اجتماعاتهم! ألا يظهر ذلك أنهم يهزلون في كل ما قاموا به من اجتماعات لا أكثر؟!

    أخيراً لم أفهم الفرق بين “الحجج” و”الغطاء”

    جزاكم الله كل خير

التعليقات

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s