اطرقوا باب السماء

الثورة السورية: عِبَر وفِكَر (18)

25/12/2011

اطرقوا بابَ السماء

مجاهد مأمون ديرانية

من المَشاهد المبكرة التي أدهشتني في هذه الثورة المباركة صورُ شهداء الثورة وهم يجودون بأنفسهم ويلفظون آخر أنفاسهم، وحولَهم إخوانُهم يلحّون عليهم لتكون كلمات الشهادة هي آخر ما يودّعون به الحياة. بعد ذلك صارت الجوامع هي قلاع الثورة، وصارت الشعارات الربّانية جزءاً لا يتجزأ من سمفونيتها، ثم صرنا نرى الناس حشوداً محتشدة في صفوف متراصة تؤدي الصلوات جماعات في ساحات الحرية في درعا وحمص وحماة وإدلب وغيرها… ولكننا رأينا أيضاً إلى جانب أولئك المصلين من وقف موقف المتفرج، ورأينا في بعض أفلام الثورة ثواراً استقبلوا مراسلة أجنبية في يوم من أيام رمضان وهم يشربون القهوة والشاي ويأكلون ويدخنون.

لم يدهشني أولئك الذين وقفوا بغير صلاة أو الذين جاهروا بالفطر في نهار رمضان، الآخرون هم الذين أدهشوني؛ من أين جاؤوا؟ ألم يلبث حزب البعث أولاً ثم عصابة الأسد ثانياً، ألم يلبثوا نصف قرن من الزمن وهم يحاربون الله ويجهدون لتقويض تديّن الناس ولصرف شعب سوريا المسلم عن الإسلام؟

ولكن لا، ليس للدهشة في مثل هذا المقام مكان. ما كان لعصابة طارئة على التاريخ أن تمسح تاريخ ألف عام ونصف ألف عام، ولا ينبغي لجماعة من مهازيل البشر أن يهزم مكرُها وعدَ الله ووعد رسول الله. لقد اصطفى الله مَن يحب من عباده لعمارة الشام التي يحب، كما قال نبينا وحبيبنا محمد عليه صلوات الله: “الشام صفوة الله عز وجل من بلاده وإليه يَحشر صفوتَه من عباده”.

الحمد لله الذي أبطل كيد الكائدين وردّ الأمة إلى الدين. إن قلبي ليفرح ويطمئن حين أرى الإيمان في وجوه الرجال إذا نظرت إلى وجوه الرجال، وحين أسمعه في الكلام الذي ينطقه ثوار الشام وأقرؤه في السطور التي يكتبون؛ اللهم لك الحمد. ويا أيها المؤمنون المجاهدون المرابطون في ساحات البطولات والمَكرمات في أرض الشام: لقد عدتم إلى الله فرفعكم الله على عدوه وعدوكم، فإنّ جند الله هم الأعلَون، وإنه ناصركم عما قريب بإذنه تعالى، فإن جنده هم المنصورون، فاعتصموا بالله وتوكلوا عليه، وضعوا فيه الأمل وأخلصوا له العمل، فإنه لا مُعينَ لكم سواه ولا ناصرَ إلاّه.

أما رأيتم كيف تخلى عنكم الآخرون وتباطؤوا عن نصرتكم؟ لقد خذلكم المجتمع الدولي فترككم لمصيركم، ولعله تمنى في سرّه أن لا يمر شهر إلا والنظام منتصر عليكم، لكن الله ربط على قلوبكم وثَبّت أقدامكم فصبرتم الشهرَ بعد الشهر حتى اضطَرَرتم أولئك القومَ إلى تغيير مواقفهم، وحتى انقلبوا على عدوكم من بعد ما ساعدوه، وهاجموه من بعد ما ساندوه، فإن يكونوا غيّروا موقفهم بأَخَرة فما صنعوا ذلك حباً بكم فإنهم لا يحبون، ولا شفقةً عليكم فإنهم لا يشفقون، وإنما هو تدبير الله لهذه الثورة المباركة، إنه قَدَر الله وأمر الله وفضل الله علينا، فله الحمد أولاً وله الحمد آخِراً.

ربما جاء الفرج على يد مراقبي جامعة العرب وربما سقط النظام بسبب تدخل خارجي، ولكن لا تظنوا أن هؤلاء أو أولئك هم مَن نصركم، فإنما هم أدواتٌ حرّكها الله وأسبابٌ سَبّبها ليدفع بها غيرَها من الأسباب، فإن الواحد فينا يمرض فيراجع الطبيب ويتناول الدواء، ويعلم أن الطبيب أداة تعالج بأمر الله وأن الشافي هو الله. ويحتاج الموظف فيراجع المدير ويطلب سلفة أو علاوة، ويعلم أن المدير أداة تنفق بأمر الله وأن الرازق هو الله. والشعب السوري يطالب العرب ويطالب تركيا ويطالب الغرب بالانتصار له الدفاع عنه، ولكنه يعلم أن قوى الأرض كلها  أدوات تتحرك بأمر الله وأن الناصر هو الله.

*   *   *

يا أيها المؤمنون: لقد عرفتم الوجهة فلا تضلّوا السبيل بعد اليوم. إنكم تدركون الآن أن النظام البائد لم يترك في سوريا خيراً إلا وقَلَبه شراً، فأراد أن يستبدل بحرّية الناس عبودية، وبعزتهم ذلة، وبغناهم فقراً، وبفضائلهم رذائل، وبهداهم ضلالاً، وبقربهم من الله بعداً عنه وجهلاً به… فإن أردتم أن تغلبوه فانقضوا خطته جملة، استرجعوا حريتكم التي سلب، واستعيدوا مالكم الذي نهب، وأحيوا من عِزّكم ما ذهب، وتمسكوا بالفضائل ومكارم الأخلاق، وعودوا إلى الله، فليس شيءٌ يغيظ النظام أكثرَ من عودتكم إلى الله.

يا أيها المؤمنون: إن استبطأتم النصر فاستجلبوه بالتوبة والاستغفار، واستعجلوه بالابتهال والدعاء. لقد كان السلف الصالح من هذه الأمة إذا حُبس عنهم قَطْر السماء لجؤوا إلى التوبة والاستغفار، التوبة الحقيقية التي يندم المرء فيها على ما اقترف من ذنب وينقطع عنه ويعزم العزيمةَ الصادقة على أنه لا يعود إليه، ثم يجتمعون في صعيد واحد فيصلّون صلاة الاستسقاء ويَدْعون بأخلص الدعاء، فلا ينصرفون من موقفهم حتى تجود عليهم بالبركات السماء ولا يعودون إلا خائضين في الماء.

إن الله الذي أجرى السحاب هو الله الذي هزم الأحزاب، وكما يأتي الدعاء بالقَطْر من السماء فكذلك يأتي بالنصر على الأعداء؛ فاجعلوا هذا الأسبوع أسبوع الدعاء، واجعلوا جمعتكم الآتية جمعةً تطرقون فيها باب السماء. دعوا عنكم في هذه الجمعة كل هتاف وكل نشيد إلا هتافاً ونشيداً تدعون به الله وتستعينون فيه بالله، اطرقوا الباب وألحّوا بالطرق، فلعلكم توافقون ساعة إجابة، ثم اصنعوا ذلك في الأسابيع الآتيات، فإني لأرجو أن يتنزّل النصر قريباً إن ألححتم بالدعاء وثابرتم على الطاعات وتمسكتم بالتوبة والاستغفار، فإنه ما طُرق باب السماء بمثل هذا الصدق وبكل ذلك الإلحاح إلاّ أوشك أن يُفتَح للطارقين بابُ السماء.

هذا المنشور نشر في عِبَر وفِكَر. حفظ الرابط الثابت.

12 ردا على اطرقوا باب السماء

  1. بوركت يا مجاهد ,,واتنما ان استطيع التواصل معك

    • حياك الله أخي الكريم. أرجو أن تتصل بي برسالة بريد، عنواني هو التالي
      mujahed@al-ajyal.com

      • يقول غير معروف:

        الحمد لله ونحمده على كل حال من أحوال هذه الدنيا الفانيه التي لاتدوم إلا لوجهه الكريم ، إما بعد يا اخوتي بالله تذكرو فاتح الشام خالد بن الوليد وابو عبيدة بن الجراح عندما فتحو الشام كان المسلمين في اعداد قلا ففي الفتح المبين اصبحو المسلمون يتراجعون فوقف سيف الله المسلول وقال للمسلمين من يبيع روحه لله فوقفت أمرئه وقالت لروم سوف نعلمكم كيفا كنا مع رسول لله هاكذا كانو المسلمين وعلى أيامهم لا كانت جامعة عربية ولا أمم الفسق والضلال وقال عز من قال واعتصمو بحبل لله جميعآ ولاتفرقو/وقال عز من قال أن الله لايحب الظالمين : وأنا من مدينة حمص ابن الوليد أبعرفون لماذا سميا خالد بسيف الله اعطاه رسول لله هاذ الألقب لأن الله اسله على رقاب المشركين أمثال بشار الأسد وجماعته وان كان بشار الأسد ادعا الربوبية فأن الواحد الأحد مازال فوق عباده وناظر إليهم نظرة رحمة وان كانت جماعة بشار تؤمن به فقد اختارو النار بأذن الواحد القهار وانا أذكركم يا أحباب رسول لله بأن في حمص أكثر من 400صحابي في مقبرة الكتيب وفي حمص خامس الخلفاء الراشدين وحفيد عمر بن الخطاب إلا وهو عمر بن عبد العزيز رضوان الله عليهم اجمعين وقال عز من قال أذا جاء نصر الله والفتح ورأيت الناس يدخلون في دين لله افواجا فسبح بحمد ربك واستغفره انه كان توابا صدق العلي القدير صدق من نصر سيد الأولين والآخرين صدق من نصر عبده وهزم الأحزاب وحده واعز جنده وحده لا آله قبله ولا بعده وان تظن نفسك يابشار الأسد بأنك انت الرب فخسئت والله ورب الكعبة ان النافع والضار هو اللـــــــــــــه وحده الذي لله ملك السموات والأرض والذي قادر على أن يئخذ اجل بشار الأسد بذبانه في انفه لودخلت ولاكن اذكر اخوتي بأن الله يمهل ولايهمل وان نصر الله قريب بأدنه تعالى الله عمى يشركون إلا ان العزة لله وحده الذي اذا قال لشيئ كن فيكون والذي قادر على ان ينتزع الحكم والملك هو الله العزيز الحكيم

  2. يقول hamza saeed:

    يالله مالنا غيرك يالله
    ولكن ليس لدينا عمل نتقرب به إلى الله سبحانه وتعالى سوى عبوديتنا له وفقرنا إليه …… نحتاج لدعاء الربانيين عسى الله يتوب علينا ويفرج همنا وغمنا وينصرنا على هذه العصابة المجرمة فإنه نعم المولى ونعم النصير
    من مناجاة ابن عطاء الله السكندري رحمه الله “” (إلـهي: كيف تكلني إلى نفسي ، وقد توكلت لي؟ وكيف أضام وأنت الناصر لي ؟ أم كيف أخيب وأنت الحفي بي؟ ها أنا أتوسل إليك بفقري إليك..
    إلـهي: كلما أخرسني لؤمي أنطقني كرمك؟ كلما أيستني أوصافي أطمعتني مننك..
    إلـهي: من كانت محاسنه مساوي ، فكيف لا تكون مساويه مساوي؟ من كانت حقائقه دعاوى ، فكيف لا تكون دعاويه دعاوى؟.. متى غبت حتى تحتاج إلى دليل يدل عليك؟ أو متى بعدت حتى تكون الآثار هي التي توصل إليك ؟!.. عميت عين لا تراك عليها رقيبا ، وخسرت صفقة عبد لم يجعل له من حبك نصيبا..
    إلـهي: هذا ذلي ظاهر بين يديك ، وهذا حالي لا يخفى عليك ، منك أطلب الوصول إليك ، وبك أستدل عليك , اهدني بنورك إليك ، وأقمني بصدق العبودية بين يديك..
    إلـهي: علّمني من علمك المخزون , وصنّي بسر اسمك المصون , بك أنتصر فانصرني ، وعليك أتوكل فلا تكلني ، وإياك أسأل فلا تخيّبني ، وفى فضلك أرغب فلا تحرمني ، ولجنابك أنتسب فلا تبعدني ، وببابك أقف فلا تطردني..
    إلـهي: تقدس رضاك أن تكون له علة منك ، فكيف تكون له علة مني ، أنت الغني بذاتك عن أن يصل إليك النفع ، فكيف لا تكون غنيا عني؟ أنت الذي أشرقت الأنوار في قلوب أوليائك حتى عرفوك ووجدوك ، وأنت الذي أزلت الأغيار عن قلوب أحبابك حتى لم يحبوا سواك ، و لم يلجئوا إلى غيرك , أنت المؤنس لهم حيث أوحشتهم العوامل وأنت الذي هديتهم حتى استبانت لهم المعالم . فإذا وجد من فقدك وما الذي فقد من وجدك؟ لقد خاب من رضي دونك بدلا ولقد خسر من بغى عنك متحولا..
    إلـهي كيف يرجى سواك ، وأنت ما قطعت الإحسان؟ وكيف يطلب من غيرك وأنت ما بدلت عادة الامتنان؟ يا من أذاق أحباءه حلاوة مؤانسته فقاموا بين يديه متملقين ، ويا من ألبس أولياءه ملابس هيبته فقاموا بعزته مستعزين أنت الذاكر من قبل الذاكرين ، وأنت البادئ بالإحسان من قبل توجه العابدين ، وأنت الجواد بالعطاء من قبل طلب الطالبين ، وأنت الوهاب ثم أنت لما وهبتنا من المستعرضين..
    إلـهي: اطلبني برحمتك حتى أصل إليك واجذبني بمنتك حتى أقبل عليك..
    إلـهي: إن رجائي لا ينقطع عنك وإن عصيتك كما أن خوفي لا يزاملني وإن أطعتك..
    إلـهي: قد دفعتني العوالم إليك وقد أوقفني علمي بكرمك عليك..
    إلـهي: كيف أخيب وأنت أملي؟ أم كيف أهان وعليك متكلي؟ يا من أحتجب في سرادقات عزه عن أن تدركه الأبصار يا من تجلى بكمال بهائه فتحققت عظمة الأسرار كيف وأنت الظاهر؟ أم كيف تغيب وأنت الرقيب الحاضر؟)
    “””

  3. تنبيه: اطرقوا بابَ السماء | المركز الإعلامي لدعم ثوار حمص

  4. يقول غير معروف:

    لا آله إلا الله والنعم بالله عز وجل وما النصر إلا من عندلله

  5. السلام عليكم ووحمة الله وبركاته
    إبتداءّ أخي مجاهد إني أحبك في الله.
    قبل قيام الثورة التونسية المباركة بأيام فقط أصدر الرئيس الهارب بن علي قانون البطاقات الممغنطة وصدر القرار بالجريدة الرسمية.( وعندي إيميل ~ صورة عن الجريدة وأن أحببت أزودك به إنشاء الله )
    بالإضافة لمناقشته البرلمان منع الأذان تحت ما أسموه التلوث الصوتي (ويمكنك مشاهدة الفيديو على اليونيوب بإسم= آذان الصلاة يزعج برلمانية تونسية= بتاريخ 18/12/2010) هذا دليل لايدع مجالاّ للشك بأنها ثورة ربانية ,ومع ذلك الاعلام مصر على أنها ثورة البوعزيزي رحمه الله ,
    وهذا أيضاّ ما قام به البرلمان المصري قبل تفجر الثورة بأيام مناقشة مسألة الآذان .
    أخي مجاهد أرجوا تسليط الضوء بشكل أكبر على هذه الزارية من الثورة ,
    لإن من أعطى الإشارة الاولى للثورة ونزع الخوف من قلوب إخواننا وأخواتنا لابد أنه سينصرها
    وانظر الى مدى الشجاعة التي وصلت لها حرائر سورية على الرابط الثاني, هذا فقط عند أول نسائم الحرية قبل أن يستنشقوها
    وجزاك الله كل خــير ,

    1 ~http://www.youtube.com/watch?v=RsWYYdBuHBA
    2~ http://www.youtube.com/watch?v=BCtgts1cSxs

  6. يقول الحرية للسوريين:

    لا إله إلا الله …والله لقد أبكيتنا فالله نسأل أن ينزل النصر على إخواننا وعلينا وأن يردنا جميعاً إلى دينه وطاعته رداً جميلا..

  7. يقول abo ammar:

    جزاك الله أخي مجاهد ونشد على يديك وسنحاول إن شاء الله أن تكون الجمعة القادمة في ثورتنا في المعنى الذي ذكرت وسوف أقترح التسمية: ياالله مالنا رب سواك

  8. تنبيه: اطرقوا بابَ السماء . . بقلم: مجاهد مأمون ديرانية « مختارات من أحداث الثورة السورية

  9. يقول محمد هشام حوا:

    جزاك الله خيرا اخ مجاهد ’وجعل الله جهادك هذا في ميزان حسناتك

  10. يقول Asaad Al-Asaad:

    من أجمل ما كتبتَ جزاك الله كل خير ..
    بهذه المعاني والإيمان بها يستمد أهل الشام صمودهم الأسطوري، أكثِر منها بارك الله فيك

التعليقات

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s