لكيلا يحكمَنا دكتاتورٌ جديد

الثورة السورية: خواطر ومشاعر (40)

2/1/2012

لكيلا يحكمَنا دكتاتورٌ جديد

مجاهد مأمون ديرانية

يا أيها الأحرار، يا ثوار سوريا العظماء: لقد خضتم في بحار الدماء وقدمتم القوافلَ الطويلةَ من الشهداء بسبب داء واحد هو من أفتك وأسوأ الأدواء: داء الاستبداد. فأعلنوها على كل منبر وارفعوا بها الصوت عالياً حتى يسمعَه كل قريب ويسمعه كل بعيد: لا استبداد بعد اليوم، لا طغيان بعد اليوم، نموت ولا نسمح أن يحكمنا طاغيةٌ مستبدّ بعد اليوم.

إن الاستبداد داء يبدأ صغيراً ككل داء، فإذا أدركتم المستبِدّ صغيراً غلبتموه، وإذا تركتموه حتى يكبر أوشك أن يُعجِز أمة كاملة من الأمم ذوات الملايين، وانظروا إلى سوريا، ففي سوريا الدليل.

إن الشجرة العملاقة منشؤها بذرة لا تكاد تَبين، ثم هي نبتة صغيرة طريّة الساق يقتلعها الطفل الصغير لو جذبها من الأرض طفلٌ صغير، فإذا تُركت استحالت شجرةً عملاقة تمتدّ جذورُها في الأرض وتضرب أغصانُها في السماء، فيستعصي قلعُها حتى على العصابة من الأشداء الأقوياء.

وإن لكل مرض علامة، فارقبوا علامتين هما من أظهر وأدلّ العلامات التي تكشف مَن أصابه داء الاستبداد: انفراداً بالرأي وتشبثاً بالرئاسة. فإنه لا يتفرّد برأيه ويفرضه على سواه إلا مُستَبِدّ، ولا يتشبث بالكرسيّ ويحرص على السلطان إلا مُستَبِدّ.

ألا أن السلطة هي مصيدة الأشرار ومفسدة الأخيار، فأما الأوّلون فيتهافتون عليها تهافت الفراش على النور لأنهم يجدون فيها السبيل إلى إشباع رغبات الاستبداد الكامنة في نفوسهم، وهؤلاء شرّ مَحضٌ لا يصلح له إلا القلع والخلع والإبعاد. وأما الآخرون فيقعون ضحية المنصب، يبدؤون أخياراً طيّبين، ثم ما يزالون يَكبُرون في عيون أنفسهم لكبر المنصب ولإكبار الناس لهم حتى تفسد نفوسهم، ولا حل لهذه العلّة إلا بتداول السلطة وتبادل الأدوار بين رئيس ومرؤوس.

يا أيها الناس: سأقص عليكم قصة قصيرة، فاسمعوها ولا تقولوا ليس هذا وقت قصص، فإن ربنا -تبارك وتعالى- قصّ علينا أحسن القصص ثم عقّب فقال: {لقد كان في قصصهم عبرة}، لمن يا ربنا؟ قال: {لأولي الألباب}. ما أحوجَنا إلى أن نكون من أولي الألباب!

في يوم من الأيام سطت عصابةٌ من المغامرين على الجيش وعلى الحكم في بلد من البلاد، وكان من بينهم دكتاتور صغير لم يلتفت إليه في أول الأمر أحد، ثم بدت عليه علامات الاستبداد المبكّرة فاستكان القوم ولم يَقْدِروا الكارثةَ حقّ قدرها، وسكتوا وسكت الناس جميعاً، وما زال ذلك الدكتاتور يَكبُر وهم يصغرون، حتى جاء يوم ابتلعهم فيه جميعاً ولم يبقَ إلا هو، ثم بلع البلد ومَن فيها من والد وولد، ثم نَسَل نَسْلاً مثله في الطغيان والاستبداد وملّكهم ما مَلَك، فلما انتبه الناس أخيراً وأرادوا أن يتحرروا من أسر الطغيان لم يبلغوا غايتهم بأقلّ من عشرة آلاف شهيد ومئة ألف معذّب ومصاب، وبصراع طويل مرير عانى منه الملايين. هل أخبركم باسم هذا البلد أم تعرفون الجواب؟

يا أيها العقلاء: اقلعوا نبتة الاستبداد الطرية قبل أن تنمو وتصبح شجرة عملاقة؛ لا تسمحوا لمُستبد صغير أن يكبر بعد اليوم.

هذا المنشور نشر في خواطر ومشاعر. حفظ الرابط الثابت.

9 ردود على لكيلا يحكمَنا دكتاتورٌ جديد

  1. أصبت أخي الكريم، كان بعيد انقلاب الثامن من آذار، بل حتى أثناء الانقلاب نفسه فرصة سهلة جدا ليقوم طفل باقتلاع هذا المجرم لعنة الله على روحه وذريته وعصابته وحزبه ومن يدور في فلكه من أحزاب وشخصيات مؤيدة أو معارضة منافقة.

  2. يقول علي:

    اي شكل من اشكال الاشتراكية والشيوعية القميئة المتخلفة او الطائفية المقرفة سيرفضه الشعب السوري

  3. مشكور أستاذ مجاهد يوما بعد يوم تثبت طريقة تفكيرك و محاكماتك العقلية المتجلية في سيولة قلمك عن مفكر محترم يستحق التقدير \ ابوالنور الحلبي

  4. يقول عدنان الصوص:

    ما اروع مقالتك يا ديرانية،،، مذكرا اخي ،،، ان من الاستبداد من ينطق بكلمة الله هذه الايام، ويدغدغ عواطفنا بالشعارات الرنانة الموافقة في اصلها لا في كيفها لشريعة الله، فها هي ايران تلك الدولة الرافضية لا زالت ترفع رايات وشعارات طالما تاقت انفسنا الى مثلها، وهي لا زالت من اشد الدول استبدادا لنا،،، وتذكر معي ان كل من خدع بها او بسوريا ، صار فينا (مشروع استبدادي) مستقبلي، ينفرد بالرأي وبالسلطة، متى اصطادها، هل اضرب لك مثلا ام أنك أدركتها يا صديقي.

  5. يقول hamza saeed:

    يا كاتبنا قد أصبت عين الحقيقة …… ولنسمي الأشياء بمسمياته ولنتخلى عن أخفاء مشاعرنا وأرائنا وراء المصطلحات والكنايات لأن سورية تمر بمرحلة حرجة تبني فيها شخصيتها الاستقلالية بعيدا عن الاستبداد والطغبان …..
    وليعلم برهان غليون ومن لف لفه أن هناك أكثر من 30 مليون سوري يراقب تحركاته وتصريحاته ….. ولن نسمح لأحد لا ولا لغيره أن يعرقل مسيرة الحرية في سورية مسيرة التحرر من عقود الظلام والطغيان والاستبداد ……
    وإذا كان برهان متفق مع برنامج هيئة التنسيق فليذهب وينضم إلى الهيئة ولن يتوسل أحد إليه للبقاء …..

  6. يوشك النصر ان يتنزل علينا كالمطر والغيث …………….مقال قيم ورائع شكرا يا اخ مجاهد

  7. تنبيه: لكيلا يحكمَنا دكتاتورٌ جديد . . بقلم مجاهد مأمون ديرانية « مختارات من أحداث الثورة السورية

  8. تنبيه: لكي لا يحكمَنا دكتاتورٌ جديد . . بقلم مجاهد مأمون ديرانية « مختارات من أحداث الثورة السورية

  9. يقول أبو ياسين:

    سلمك الله أخي مجاهد وبارك فيك وفي قلمك ورحم جدّك..
    شعب سوريا بإذن الله صاحٍ متيقظ ما دام فيه مثلكم، وهو في معظمه مؤمن وكما قال نبينا صلى الله عليه وسلم : (لا يُلدغ مؤمن من جُحر مرّتين) أو كما قال صلى الله عليه وسلم.

التعليقات

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s