بوركتِ يا غوطة دمشق، بوركتَ يا ريف دمشق

الثورة السورية: خواطر ومشاعر (42)

15/1/2012

بوركتِ يا غوطة دمشق،

بوركتَ يا ريف دمشق

مجاهد مأمون ديرانية

هذه كلمة تأخرتُ في كتابتها كثيراً، فقد كان ينبغي أن أكتبها على رأس عشرة أيام من أيام الثورة المباركة، ولم أفعل، ثم وجبَت كتابتُها في كل يوم منذ ذلك اليوم، ولكن الأيام مرّت ولم أكتبها، ربما لأنني خشيت أن أظهر فيها متحيزاً إلى أهلي الأقربين، أو أن يُفلت مني القلمُ فأملأ الصحائف بالمديح والإطراء.

لا ريب أن كل سوري حرّ شريف من أدنى سوريا إلى أقصاها هو الأخ القريب والصديق الحبيب، لكنّ القرابات درجات والصداقات طبقات. لقد قرّبت هذه الثورةُ المباركة إلى قلبي الأهلَ الكرام في حوران بجميع مدنها وقراها، وفي اللاذقية وجاراتها وإدلب وأخواتها، وفي حمص وحماة وحلب وأريافها، والحسكة والرقة من القامشلي إلى الطبقة، والجزيرة من الدير إلى البوكمال، لكنْ يبقى الهوى والذكريات في دمشق وغوطتها وريفها… ومَن ذا يُلام في هواه وذكريات طفولته وصباه؟

لئن كان جدي الأعلى ميدانياً فإن الجدة ديرانية، فالأصل بين داريّا والميدان، ولئن سكن جدي القريب في المهاجرين فقد سكن أخوه في دوما، فالماضي القريب بين دوما ودمشق، ولئن أمضيت أكثر أيام صباي الجميلة في دمشق فقد أمضيت بعضاً من أقدمها وأحبّها إلى قلبي في مضايا… فبين هاتيك الربوع تتناثر صور الذكريات القديمة التي حملتُها من مواضي الأيام، وفيها تجتمع صور المكرمات والأمجاد الجديدة التي تحفل بها هذه الأيام.

لقد ركبَت هذه البقاع العظيمة الكريمة قطارَ الثورة في جمعة الثورة الثانية، “جمعة العزّة” في الخامس والعشرين من آذار، ثم لم تترجل منه في أي يوم منذ ذلك اليوم. في ذلك اليوم انضمّت إلى الثورة داريا والمعضمية ودوما وسقبا وكفربطنا والتل والكسوة ومضايا والزبداني، وفي ذلك اليوم قدمت الزبداني شهيداً وقدمت معضمية الشام ثلاثة شهداء، فكانوا أول شهداء دمشق وكانوا رأسَ قافلة طويلة من الشهداء ما يزالون يرتقون منها إلى المعالي منذ ذلك اليوم.

*   *   *

لقد كانت الغوطة -مُذ كانت- مسرحاً من مسارح الجمال ومطرحاً من مطارح الجلال، وكذلك عرفتُها منذ عرفتها، فإذا هي اليوم منبع من منابع الرجال ومصنع من مصانع الأبطال.

كم مرةً ضرب النظامُ المجرم دوما وأخواتها الشقيقات في غوطة دمشق، حرستا وسقبا وزملكا وكفربطنا وعربين وحمورية وجسرين، ثم لا هي تلين ولا هي تستكين، ولكنها أبداً بركان متفجر بنيران الثورة والغضب؟ كم مرةً ضرب الكسوةَ والتل والزبداني ومضايا والهامة وقدسيا؟ كم سقط فيها من الشهداء وكم اعتُقل فيها من الأبرياء، فهل زادتها الضربات إلا إقداماً وهل زادتها إلا عزيمة وإصراراً؟

كم مرةً ضُربت الضمير وقارة وكناكر وقطنا وعرطوز، ثم ما تزال تتوالد فيها أجيال للثورة من وراء أجيال؟ وداريا والمعضمية، أما شنّ عليهما نظام الاحتلال الحملةَ بعد الحملة من التنكيل والاعتقال حتى كاد لا يبقى فيهما رجال، فثَمّ خرجت الحرائرُ من الخدور وفارقن الدور إلى ساحات النّزال والسّجال، فكُنّ في الخلقة نساء وفي عجائب الأفعال أخوات الرجال؟

لقد أريتم الدنيا -يا أبطال غوطة دمشق ويا أبطال ريف دمشق- معنى البطولة والرجولة، وأظهرتم من الثبات والبسالة والنجدة وصدق البأس ما أذهل أرباب الشكيمة والإقدام.

بوركتِ يا أيتها الغوطة الأبيّة الكَمِيّة، بوركتَ يا ريف دمشق الأشمّ الأكرم. هنيئاً للثورة بكما، وما أسعدَ دمشقَ وما أعظم حظها إذ تحيط بها هذه البقاع الماجدات كما تحيط عقود اللآلئ برقاب الحسان الفاتنات. هذه البقاع الحافّات بدمشق هي اليوم حلقة العز والإباء والسّناء، وهي في الغد القريب حلقة الموت والفناء والجزاء، فإنها هي التي ستلتفّ على عنق النظام حتى تُزهق روحَه الخبيثة -بإذن الله- في يوم آتٍ من الأيام.

هذا المنشور نشر في خواطر ومشاعر. حفظ الرابط الثابت.

16 ردا على بوركتِ يا غوطة دمشق، بوركتَ يا ريف دمشق

  1. يقول أحلام النصر:

    مقالة رائعة كغيرها من مقالاتكم المعبرة ، جزاكم الله خيراً أستاذي الفاضل .
    وبإذن الله القادم أجمل ؛ لأن دمشق عاصمة العواصم وجنة الدنيا تأبى أن تركع لغير الله ، وتأنف من الخضوع في نير الاستعباد الآثم ، وستلقن في المجرم بشار طغاةَ الأرض أجمعين دروس العزة والإباء ؛ ليفهموا أي بلد هو سوريا وأي شعب هو شعب سوريا الأبي ، وبالله التوفيق .

  2. يقول Syrian LongShadow:

    أنا أحتج أستاذ مجاهد نسيت برزة, برزة تم ضمّها الى المدينة مؤخرا في الحمسينيات, ولكنها قطعة من الغوطة الشرقية وجزء لا يتجزأ
    ولم يسبقها في الفضل من مناطق الغوطة المباركة الشريفة إلا من خرج في الخامس والعشرين من آذار, وكنت أرى وقتها وأنا أحد أبنائها الوجوه المحتقنة التي لا ترضى الذل ولا المهانة وعلى عادة أهل الغوطة ودمهم الحامي خرجت تقول كلمتها في الأول من الشهر الرابع شهر نيسان الأسبوع الثاني للثورة, فلم نسيتها!!!!!

    أنا أحتج وبشدة,

    طبعا لست إلا مبتسما وأنا أكتب هذه الكلمات التي أعرف مسبقا أنها لن تكون سوى مزحة بسيطة ومداعبة لطيفة لك سيدي

    • قرأت ما كتبت وأنا أبتسم، وقبلت عتب المُحِبّ.

      برزة والقابون -أيها العزيز- درّتان من درر الثورة، وإنما تركت ذكرهما في هذه المقالة لأنهما من أحياء دمشق لا من مناطق الغوطة بالعرف الحالي، وسوف يأتي ذكرهما في مقالة قادمة أرجو أن لا يتأخر نشرها بعنوان “ثورة دمشق”، ولهما مني فيها وعلى الدوام أطيب الذكر وأعظم الشكر.

      أنا أمشي في هذا التقسيم مع العرف السائد، ولكن إن شئتَ رأيي فإن كل ما اتصل بدمشق هو من دمشق، وبهذا الاعتبار أرى أن الغوطة كلها جزء من دمشق، أعني الغوطة الشرقية، ومثلها الامتداد الغربي والجنوبي باتجاه الكسوة من هنا والمعضمية من هناك، وهذا الاعتبار ليس غريباً لأننا نقول منذ زمن إن الميدان جزء من دمشق مع أنه كان حياً خارج دمشق قبل مئة سنة، والمزة نقرأ عنها في كتب التاريخ أنها قرية في ظاهر دمشق، فهل يناقش أحدٌ اليومَ في أن المزة والميدان جزء من دمشق؟ وهذا المعنى سأعيد طرحه في المقالة التي أشرت إليها أعلاه (ثورة دمشق) لأنني أراه شديد الأهمية في سبيل القضاء على الروح الطبقية التي تنتشر -للأسف- بين بعض أبناء دمشق، وهم ليسوا كثيرين بحمد الله، فتراهم يقسّمون أهلها إلى شامي أصلي وغير أصلي، إلى آخر هذه الترّهات التي ينبغي أن نتخلص منها ضمن ما ينبغي أن نتخلص منه من إرث أسدي بعثي مشؤوم.

      • يقول Syrian LongShadow:

        أشكر لك سيدي جميل فضلك وردك وتبيان القضية, وما قلت ما قلت إلا لاستكشاف المزيد مما تفضلت به,
        جزاك الله كل خير, وبارك الله بك, ونفعنا بعلمك سيدي.

  3. يقول من أهل السنّة و الجماعة:

    بارك الله بك يا أخ مجاهد و بجدّك الشيخ العلّامة رحمه الله. لقد أثلجت قلبنا بهذا الكلام الطيّب الذي ذكّرنا بدمشق الحبيبة و غوطتها المباركة. و لا يسعنا إلا تذكّر كلام رسول الله عليه أفضل الصلاة و السلام عندما نهى عن العصبية و القبلية و المناطقية و قال كلمته: دعوها فإنها منتنة. لذلك نتمنى عليك نُصحَ إخوتنا الدمشقيين عندما يقولون: هذا من داخل السور و هذا من خارجه !!! أن يتذكروا سنّة رسول الله عليه و على آله و أصحابه أفضل الصلاة و السلام.

  4. يقول طارق باكر:

    يا طـائرَ الشّــــوقِ عجِّــــــــلْ كي نُناجيها = ونســــألَ الرّكبَ عـن شَــــــــامٍ وأهليها
    ونُرسُـــــــــــــلَ الـرّوحَ بالآمـــالِ نُنْعِشُها = قــد كادتِ الروحُ طُـــولُ الهَجــرِ يُسليها
    سلّــم على الشّــــام إخــــوانِ الوفا نَفَروا = وامْـــــــرُرْ مساجدَها ، قـبّــــل حـواريها
    قبّـــــل ميادينَها ، وحـيّ كِسْـــــــــــــوَتها = وقبّــــلِ التّــــــــــــــلّ والأركانَ واسقيها
    حـيّ الكنَـــــــــاكرَ حي الغُوطَـــة انتفضت = وأهـلَ دومـــا على عهــــدٍ مضــوا فيها

  5. يقول ليلاس:

    جزاك الله خيرا أخ مجاهد . لطالما تغنى جدك الأديب الأريب علي الطنطاوي رحمه الله بدمشق وغوطتها وقاسيونها وربوتها ، فكان من يقرأ وصفه التصويري الجميل يتمنى أن يرى دمشق بعيني الكاتب . فعلى عهد حكامنا الطغاة الفاسدين المفسدين . دمروا كل ما استطاعوا تدميره من روعة بلادنا . ونحن ان شاء الله سنعيد لها تارة أخرى جمالها و ماءها ونقاءها وقبل هذا وذاك . سنعيد أخلاقها وطهر أبنائها وسلامة عقيدتها . على الله توكلنا ،هو حسبنا ونعم الوكيل.

  6. يقول ashiaei:

    ولا ننسى للدمشقيين المقيمين في الأرياف فضل مشاركاتهم في حراك الريف وأيضاً مساهمة أبناء الريف في نقل الحراك إلى داخل دمشق
    بوركت أخي مجاهد

  7. يقول Strongly Syrian:

    الله يسامحك يا أستاذ مجاهد على هالمقالة، دمشق تمشي في عروقي وكادت عروقي تنفجر لما استحضرت مقالتك صور الحبيبة دمشق، سقى الله تلك الأيام، في ركن الدين حصن أحفاد صلاح الدين على سفوح قاسيون مع الصالحية والشيخ محي الدين حيث جامع النابلسي، مرورا بالعفيف حتى نصل إلى المهاجرين العظيمة حيث أدراجها العالية القاسية وكأنها تربينا منذ صغرنا بصرامة لنكون رجالا، ذكريات الربوة الخضراء ومدينتي الزبداني ومضايا اللتين خدع حسنهما عصابة الأسد فظنوا أنهم قادرون عليهما، حتى صعقهم صمود أهلهما، يا الله ما أجمل دمشق! جمال ريفها الأخضر يصحبه جلال أسود يتوعد نظام الأسد ويعد العدة لدفنه عما قريب بإذن الله تعالى
    كنت قد أخذت إذنك بنشر مقالتك “إنها مصارعكم” وسمحت لي بنشر مقالاتك كلها، وهذه المقالة سأنشرها إن شاء الله، عسى أن تلحق المدينة ركب ريفها وضواحيها والله ولي ذلك والقادر عليه

  8. يقول حمصي1:

    إذا صح أن نسمي ريف حمص الشمالي غوطة حمص فقد جارت أختها غوطة دمشق في نصرة الثورة بل إبقاء جذوتها مشتعلة

  9. يقول غير معروف:

    له يا أستاذ مأمون : ولو وين المليحة وزبدين ودير العصافير والنشابية وحتيتة التركمان والبلالية والعبادة كمل على حران العواميد ؟

    • حقك عليّ وحق إخوتنا الكرام الأبطال في المليحة وزبدين ودير العصافير والنشابية وحتيتة التركمان والبلالية والعبادة وحران العواميد، بارك الله فيك وفيهم أجمعين.
      ملاحظة: أنا مجاهد ومأمون هو أبي.

  10. يقول غير معروف:

    السلام عليكم لاتنسوا اهل حزرما

التعليقات

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s