الحروب لا ينتصر فيها المتفرّقون

رسائل الثورة السورية المباركة (79)

28/1/2012

العمل المسلّح: الوَحدة أو إجهاض الثورة

(2) الحروب لا ينتصر فيها المتفرّقون

مجاهد مأمون ديرانية

يمكن لجماعات صغيرة أو مستقلة أن تخوض معارك وأن تنتصر فيها، أما الحروب فإن من بديهيات الإستراتيجية العسكرية أنها لا تنتصر فيها إلا الجيوشُ التي تجتمع في كيان واحد وتحت قيادة مركزية، سواء أكانت حروباً نظامية أم حروبَ عصابات. قبل أن نمضي في الموضوع يجب أن ندرك الفرق بين المعركة والحرب؛ وليس الفرق بينهما في تفاوت حجم القوات المشاركة بين كبير وصغير، بل في الاقتصار على جبهة واحدة أو الانتشار على جبهات متعددة.

مثلاً المؤرخون العسكريون يعتبرون نزول الحلفاء في نورمندي في السادس من حزيران عام 1944 “معركة” (أو حملة) مع أن عدد القوات التي تم إبرارها (إنزالها إلى البر) زاد على مليون جندي بمشاركة 12 ألف طائرة وسبعة آلاف سفينة. لقد كانت معركة من أكبر معارك التاريخ، ولكنها ليست حرباً، الحرب هي التي كانت تجري على الجبهات كلها -في فرنسا وبلجيكا وأوربا الشرقية وشمال إفريقيا وبورما والصين والمحيط الهادي- وكانت معركة نورمندي جزءاً منها، وإن يكن الجزء الأكبر.

إن المعركة تدور على جبهة واحدة أو ضمن منطقة محدودة، وتقتصر مهمة القوة المشاركة فيها على الظفَر والسيطرة على تلك المنطقة تحديداً، فتستثمر فيها كل ما تملكه من قوة وإمكانيات، أما الحرب فتدور على جبهات عديدة ويكون هدفها هزيمة العدو ودفعه إلى الاستسلام، ولا تبالي قيادتُها بخسارة بعض المعارك في سبيل الانتصار في الحرب كلها؛ لذلك يمكن أن تضحي ببعض المناطق في سبيل تخفيف الضغط عن الجبهة الرئيسية، كما صنع الروس في سيباستوبول في الحرب العالمية الثانية مثلاً، حيث ضحوا بالمدينة لإعاقة الهجوم الألماني على ستالينغراد، وقد تُعرّضُ القيادة بعضَ القوات للخطر لحماية القوة الرئيسية، كما صنع الأميركان عندما انسحبوا من لوزون -بعد ضرب الأسطول في خليج اللؤلؤ (بيرل هاربر)- وركزوا دفاعاتهم اليائسة في باتان لتأخير الاكتساح الياباني وقتاً يسمح بسحب القوة الأميركية الرئيسية من الفلبين، وقد اضطر الجنرال ماك آرثر للتضحية بحامية باتان المكوّنة من بضعة وسبعين ألف جندي لتأمين ذلك الانسحاب.

إن التخطيط للحرب يحتاج إلى قيادة موحدة لأن العدو يتحرك ضمن خطة واحدة على جميع جبهات القتال، ولا بد من مواجهته على الجبهات كلها بالطريقة ذاتها. لنأخذ حالة واقعية في ثورتنا المباركة: قبل عدة أشهر هاجم النظامُ مدينةَ الرستن فاستنفر الجيشُ الحر في المنطقة كتائبَه كلها للدفاع عنها، وبعد ذلك اقتحم النظام حي بابا عمرو في حمص فانشغلت قوات الجيش الحر في حمص بمعركة بابا عمرو، وفي وقت لاحق هاجم النظام القوريّة المجاهدة الصامدة (التي لم تستوفِ ما تستحقه من اهتمام وتغطية في إعلام الثورة حتى الآن)… وهكذا يحدد النظامُ مكانَ المعركة، والجنود الأحرار لا يصنعون سوى الدفاع عن المنطقة التي تتعرض للهجوم.

عندما ينقل جيش الاحتلال الأسدي المعركة من منطقة إلى أخرى فإنه يَضطر كتائبَ الجيش الحر المحلية إلى الانشغال في معارك متفرقة. وبما أن النظام فقد السيطرة الكاملة على وحداته العسكرية وصار الانشقاق هاجساً دائماً يؤرّقه فإنه يعتمد على تحريك القوات الموالية ونقلها باستمرار، كألوية الحرس الجمهوري والفرقة الرابعة وأفواج القوات الخاصة الطائفية التركيب والشديدة الولاء، ومن ثم فإنه لن يستطيع توجيه ضربات مؤثرة لكل المناطق في وقت واحد، وإنما هو يضربها على التوالي، واحدةً بعد واحدة.

في غياب القيادة الموحدة لكتائب الجيش الحر كان رد فعل تلك الكتائب متوقّعاً وطبيعياً، حيث قامت فقط بالدفاع عن المناطق التي تتعرض للهجوم، أما لو كانت كلها ضمن كيان موحد وقيادة واحدة فإن القيادة كانت ستحرك عدة جبهات في وقت واحد لشغل العدو وتشتيته، ففي حالة الهجوم على الرستن -على سبيل المثال- يمكن ترك حامية صغيرة للمشاغلة هناك وشن هجوم كبير على الكتائب الأسدية في حماة لتحريرها بالكامل، مع شن هجمات مركّزة وخاطفة في مناطق متفرقة من حوران وريف دمشق وريف حلب وإدلب مثلاً، على أن تكون العمليات كلها في الوقت نفسه لإرباك العدو وإجباره على إعادة توزيع قواته.

مثال آخر على ضرورة وجود القيادة الموحدة هو الحاجة الملحّة والقيمة الإستراتيجية لضرب خطوط إمداد قوات النظام. حتى الآن ما زال العدو قادراً على نقل قواته ونقل الإمدادات اللازمة لها بلا أي إزعاج يُذكَر، مع أن من بديهيات الحرب أن تُقطَّع قوات العدو إلى أوصال منفصلٍ بعضُها عن بعض وأن تُعطَّل خطوط إمداده لحرمانه من تعويض ما ينقص من الذخائر اللازمة للقتال، والوقود اللازم لسير المركبات، والغذاء اللازم لقدرة الأفراد على البقاء، أما بقاء خطوط الإمداد سليمة كما هي الآن فإنه يمنح قوات العدو قدرة على القتال إلى الأبد.

إلى الآن ما تزال الطرق الدولية في سوريا سليمة وآمنة، وكذلك أكثر الطرق الفرعية بين المحافظات، وأيضاً الشريان الواصل بين الموانئ الرئيسية وساحات الحرب، وكل ذلك يتيح للعدو نقل قواته بسرعة وسهولة ومدّها بما يساعدها على القتال، ويتيح له تلقّي المدد عن طريق البحر وتوزيعه على ساحات الحرب، وهي مشكلة ستُحَلّ حينما تكون العمليات العسكرية صادرة كلها عن جهة واحدة وضمن تخطيط مركزي، حيث ستوضَع خطط لتخريب تلك الخطوط وقطع الاتصال بين القطع العسكرية وشل قدرتها على الحركة جزئياً أو كلياً.

*   *   *

الخلاصة: عندما يتولى جيشٌ موحد المسؤوليةَ عن كافة الأعمال القتالية فإنه سيخوض ضد النظام حرباً واسعة شاملة بدلاً من معارك صغيرة متفرقة، حيث ستقوم قيادته العامة بالمهمات التالية:

(1) تحديد إستراتيجية المعركة ووضع خططها العامة، وتوزيع الخطط التكتيكية على المناطق لكي تنفّذها الوحداتُ المقاتلة الفرعية، حيث تنفذ كلُ وحدة في منطقتها ما يخصّها من خطة الحرب الإجمالية.

(2) توزيع القوات على المناطق المختلفة، ويمكن للقيادة أن تتخذ القرار اللازم بنقل بعض الوحدات من منطقة إلى أخرى (مع اعترافنا بصعوبة انتقال القوات في الظروف الراهنة).

(3) توزيع الموارد بما يتناسب وطبيعة المعركة، وهذه الموارد تشمل المال والسلاح والذخائر والأجهزة الطبية والأدوية والأطعمة والألبسة ووسائل النقل، مع أخذ أعداد المقاتلين ولزوم المعارك بعين الاعتبار.

(4) تشكيل الأسلحة الموحّدة التي تستفيد منها كافةُ الوحدات المقاتلة في المناطق، وهي أسلحة الإشارة والاتصالات، والتموين والنقل، والهندسة (المتفجرات والألغام)، بالإضافة إلى خدمات الاستخبارات والإعلام والتجنيد والتدريب.

(5) تطبيق قواعد الانضباط العسكري وحماية العمل العسكري من تسلل العصابات التي أطلق النظام سراحَ مجرميها من السجون حديثاً، وحمايته من اختراق أجهزة المخابرات، وهاتان النقطتان ستبحثهما بالتفصيل المقالتان الآتيتان إن شاء الله.

هذا المنشور نشر في رسائل الثورة. حفظ الرابط الثابت.

6 ردود على الحروب لا ينتصر فيها المتفرّقون

  1. يقول fadi:

    لك كل التحية اخ و استاذ مجاهد مأمون ديرانية فانت نعم المنصف و المناضل والسند لهذه الثورة فمقالاتك دائما اشعر بان الثورة السورية تعيش بداخلك ولذلك انت دائما حريص على انجاحها بمقالاتك و قلمك الرائع و مشاركاتك البناءة وخصوصا بهذا المقال المفيد جدا و المقال السابق المنصف بحق السيد خالد مشعل
    لك كل الاحترام و الحب

  2. يقول hamza saeed:

    ما شاء الله تبارك الله بارك الله بيمينك وقلمك …..
    فالمطلوب إذا جيش سوري حر موحد تحت قيادة منظمة والقيام بالعمليات في كل المناطق وبنفس الوقت لإرباك الجيش الاسدي الطائفي وإحداث الضرر الكبير في قواته …….

  3. يقول ثائر مسلم عربي سوري حر:

    السلام عليكم
    يا أستاذ مأمون، كما تعلم أن الجيش الأسدي يمتلك من الأسلحة الثقيلة ما هو كفيل بإبادة العناصر الموحدة من الجيش الحر فيما لو اجتمعت في مكان ما، وقامت بعمليات موحدة، أنا شخصياً لست ضد توحيد هذه الكتائب، ولا أظن أن هناك عاقل لا يؤيد فكرة التوحد، ولكن هذا الأمر في حالتنا هذه يحتاج لمنطقة عازلة وحظر جوي، وإذا أردنا مناقشة إمكانية الدعم الدولي لهذا الطرح، نلاحظ التلكؤ والخذلان العالمي… المقصود من كلامي هذا أن كثرة وانتشار الكتائب على الأرض السورية في وقتنا هذا وحتى هذه اللحظة، تحسب لصالح الثورة، خاصة أن العصابة الأسدية تعتمد على ألوية طائفية من الجيش تأخذها من مكان إلى آخر، وأما تجمع الكتائب في مكان واحد فهذا ليس في صالح الجيش الحر حتى هذه اللحظة، لأنه سيؤدي إلى تركيز جهود الألوية الطائفية الأسدية واستخدامها للطيران في إبادة هذا التجمع الموحد….. على كل الثوار في الداخل معنوياتهم عالية وهم يعلمون أن الله ناصرهم ومؤيدهم، وبأنه سبحانه سيهيئ لهم السبل الكفيلة بالقضاء على هؤلاء الطغاة المتجبرين….. والله متم نوره ولو كره الكافرون

    • لا بد أنك فهمتني خطأ، فالمقالة لا تتحدث أبداً عن تجميع الجيش كله في مكان واحد. في الحروب لا يجمعون الجيوش في بقع محددة بل ينشرونها على الجبهات، ولكنها تكون جيشاً واحداً ذا قيادة واحدة وتتحرك بتنسيق لتحقيق الهدف نفسه. هذا هو مغزى الوحدة وليس التجمع في بقعة محددة. هل قرأت النقاط الخمس في آخر المقالة؟

  4. تنبيه: العمل المسلّح: الوَحدة أو إجهاض الثورة . . بقلم: مجاهد مأمون ديرانية « مختارات من أحداث الثورة السورية

  5. يقول Ali alsawadi:

    بارك الله فيك يا أستاذنا الفاضل ….
    لكن الا ترى ان الجيش الحر من اسباب عدم وجود القيادة المركزية الفاعلة والقوية والمنظمة للدرجة التي اقترحتها في مقالك الجميل
    1- ان الأكثرية لأفراده اعمالهم إحتسلبية في سبيل الله وتطوعية مستقلة فردية وليس…..
    2- وان السبب الرئيسي كذلك عدم توحد المعارضة الخارجية وإخلاصها للوطن على الأقل بل إختراقها من مغرضين
    3- ولدرجة محاولة البعض لشراء موالاة الجيش الحر لصالح كتل سياسية على حساب آخرين من اجل الفوز لاحقا
    4- فالدعم المادي عندهم لايكون إلا بمكاسب سياسية شخصية للأسف
    ليس لها من دون الله كاشفة هو دبرها سبحانه وهو الذي سيحفظها ويرعاها برعايته…
    اللهم انصرهم ووحد كلمتهم

التعليقات

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s