الحماية من الاختراق

رسائل الثورة السورية المباركة (81)

1/2/2012

العمل المسلّح: الوَحدة أو إجهاض الثورة

(4) الحماية من الاختراق

مجاهد مأمون ديرانية

ثالث ما يهدد العمل العسكري من أخطار -لو بقي مفرّقاً- هو إمكانية الاختراق. والاختراق الذي نَحْذره ونخشاه نوعان: اختراق الأجهزة الأمنية، واختراق العصابات الإجرامية.

الاختراق الأول يمكن أن تقوم به المخابرات السورية لزرع جماعات مسلحة وهمية من صنع النظام، والنظامُ خبير في هذا النوع من الألاعيب وقد استعملها سابقاً بنجاح كبير، ففي أيام الثورة المسلحة في الثمانينيات نجح في اختراق تنظيم الطليعة المقاتلة، واستطاع استدراج عدد كبير من عناصر وقادة الطليعة (بما فيهم قائد التنظيم عدنان عقلة رحمه الله) استدرجهم ليعبروا الحدود الشمالية في عملية وهمية كبيرة كانت -في حقيقتها- مصيدة محكمة، وقُبض عليهم جميعاً ليستشهدوا بعد ذلك في تدمر. وقبل تلك الحادثة استغل النظام اختراقَه للطليعة لتدبير مجزرة حماة، وذلك عبر استدراج مسلّحيها إلى إعلان الجهاد والاشتباك مع سرايا الدفاع التي كانت تترقب الإشارة، وحينها بدأت المجزرة التي انتهت بدمار ثلث المدينة واستشهاد عشرات الآلاف من كرام أبنائها، عليهم رحمة الله.

بعد ذلك بربع قرن اخترقت مخابرات النظام مشروعَ الجهاد الذي بدأ بحشد المجاهدين للحرب في العراق بعد الغزو الأميركي، وفي تلك المرّة زرعت أحدَ عملائها ليقوم بدور التجنيد والقيادة والتوجيه، وهو محمود قول أغاسي المشهور بأبي القعقاع. وقد نجح الرجل في الإيقاع بمئات المجاهدين وفي إجهاض المشروع الجهادي المذكور، حتى مقتله أواخر عام 2007 على يد بعض المجاهدين الذين نجحوا في كشفه، ولكن متأخرين للأسف الشديد.

هاتان هما أشهر حالات الاختراق التي يعرفها الناس، ولو أردنا التعميم فيمكننا القول إن المخابرات السورية لم تترك أي تنظيم مسلح أو غير مسلح دون اختراقه، بما في ذلك جميع التنظيمات الفلسطينية وغيرها من التنظيمات اليسارية والقومية والناصرية والبعثية العراقية، وقد أصبح معروفاً اليوم -بعدما كشفت عنه الستارَ مصادرُ أميركية- أن النظام السوري زوّد الولايات المتحدة بعد أحداث الحادي عشر من أيلول بتفصيلات مذهلة عن جميع التنظيمات الإسلامية، المسلحة وغير المسلحة والسورية وغير السورية، وهي مساعدة عظيمة كوفئ عليها النظام بإنقاذه من المحكمة الدولية وبمزيد من الدعم والتأييد العلني والخفيّ الذي استمر خلال السنوات التالية.

*   *   *

الاختراق الخطير الآخر الذي يُخشى منه على العمل المسلح هو اختراق المجرمين والقَتَلة وقطّاع الطرق الذين لا يخلو منهم مجتمع ولا تخلو أمة من أمثالهم، والذين أطلق النظام سراحَ كثير منهم من السجون مؤخراً ليعيثوا في البلاد الفساد. هؤلاء سيجدون فرصة عظيمة في حالة الفوضى الأمنية التي ترافق انتشار العمل المسلح، وسوف يبرزون كجماعات مستقلة تخلط بين مقاتلة النظام وسلب المدنيين أو السطو على ممتلكاتهم، وليس لهم علاقة بالثورة ولا بأهدافها، إنما يعملون لمصالحهم ولمكاسبهم الشخصية.

نحن نعلم أن كثيرين من مطارَدي النظام السابقين انحازوا إلى الثورة بالكامل، كالمهربين الذين كانوا يهربون البضائع عبر الحدود اللبنانية أو التركية مثلاً، وربما أيضاً بعض زكرتية عصابات أحياء المدن وأريافها، ولكن هؤلاء قوم صالحون بالأصل، وإنما اضطَرتهم ظروفُ معيشتهم إلى التهريب أو إلى الاصطدام مع سلطة النظام فصاروا مطارَدين ومطلوبين، وهم مكسب للثورة بشرط أن ينضبطوا بقوانينها ويتخلّقوا بأخلاقها (وقد ناقشت هذه المسألة في المقالة السابقة: “أخلاق السلاح قبل حمل السلاح”).

ليس هؤلاء من نخشى اختراقهم للعمل المسلح في ظل الفوضى والتعددية، إنما هم المجرمون الحقيقيون الذين لا خلاق لهم ولا ضمير ولا وازع، والذين ليس لهم أصلاً ولاء للأمة ولا للوطن، وقد كان كثير منهم في السجون بتهم القتل والسطو وترويج المخدرات وغيرها من الجنايات، ثم أصدر رئيس عصابة الإجرام “عفواً” رئاسياً عنهم وأطلقهم على الناس، فإما أن يعملوا معه ويكونوا في عِداد شبّيحته، أو ينطلقوا ليفسدوا في الأرض ويكدّروا على أهل الثورة ثورتهم ويسيئوا إلى سمعتها بارتكاب الجرائم الموبقات ونسبتها إلى المجاهدين الصادقين من حَمَلة السلاح.

*   *   *

إن الخطر الذي نخشاه ونحذّر منه ليس وهماً أو خاطراً في الخيال بل هو خطر حقيقي على الأرض، فقد بدأت تنتشر -في بعض المناطق التي انحسرت عنها سيطرة النظام- جماعاتٌ مسلحة لا يعرف أحدٌ أصلَها وفصلها، تمارس أعمال سلب ونهب وتفرض على السكان الضرائب والإتاوات.

ذلك من نوع الاختراق الثاني، أما النوع الأول فلا بد أن النظام يعمل عليه في الخفاء، وربما كان من ثمراته التسجيلُ الذي انتشر قبل عدة أسابيع معلناً عن ولادة “جبهة النصرة لأهل الشام” بقيادة “الفاتح أبي محمد الجولاني حفظه الله، المسؤول العام لجبهة النصرة” (كما جاء في التسجيل). ربما كانت تلك التسجيلات تمثيلية من تمثيليات المخابرات السورية هدفها الإيقاع ببعض المتحمسين من الثوار، فإننا لم نعهد أن تختفي كتائب الجيش الحر وراء مسمّيات غامضة ولا أن يتخذ قادتها لأنفسهم تلك الأسماء الوهمية، وكيف يصنعون وهم يقودون الحرب على الأرض ويعلمون الناس التضحية والفداء؟

إن الوقاية من نوعَي الاختراقَين السابقين لا تكاد تتحقق إلا بوحدة العمل العسكري، ففي تلك الحالة فقط سوف يُعرف كل عنصر غريب يحمل السلاح وليس من أهل السلاح الشرعيين، فإما أن يكون صالحاً مخلصاً ولكنه لم يجد الطريق إلى الجيش الحر ليعمل معه، فهذا يُدَلّ على الطريق ويُضَمّ إلى الفريق، وإما أن يكون عنصراً غريباً شريراً مدسوساً من النظام أو مجرماً انتهازياً يسعى في الشر والفساد، وعندئذ سيُكشَف أمره ويُتجنَّب شره ويُقصى عن العمل المسلح.

ذلك على مستوى كل منطقة من المناطق، أما على مستوى الثورة كلها فإن القيادة العامة للجيش الحر -التي تقود العمل العسكري- سوف تكون على اتصال مع العمل الميداني في المناطق المختلفة، وستعرف على الفور بأي محاولة اختراق كبيرة وتعمّم التحذير منها خوفاً من سقوط الأبرياء في مصيدتها ووقايةً للثورة من خطرها.

*   *   *

لقد بذلت جهدي في ثلاث مقالات لأقنعكم بضرورة توحيد العمل العسكري في كيان واحد وتحت قيادة واحدة، فإذا اقتنعتم فابدؤوا بالتوحيد على الفور ولا تتأخروا، فإن كل يوم يمضي يزيد هذه المهمة الصعبة صعوبةً ويزيد الجهد اللازم لتنفيذها. وربما تقولون: كيف يكون التوحيد؟ الجواب في المقالة الآتية، وهي الخامسة والأخيرة من مقالات “العمل المسلّح: الوَحدة أو إجهاض الثورة”.

هذا المنشور نشر في رسائل الثورة. حفظ الرابط الثابت.

6 ردود على الحماية من الاختراق

  1. يقول hamza saeed:

    جزاك الله على هذه المقالة الرائعة ….
    نطالب من الأحياء الكبيرة والتي تتضمن مجموعة شوارع أن يقوموا بعمل لجان شعبية موثوقة بشبابها المعروف بالنزاهة من هذه الاحياء وخصوصا الاحياء التي انحسرت يد النظام البائد عنها ….. أن يقوموا بالدفاع عن تلك الاحياء والمراقبة الدورية وهذا مما يخفف عمليات الاختراق التي تقوم بها عصابات الاسد الفاشية ومن عمل تحت أمرتهم من المجرمين ……
    عاشت سورية حرة أبية وعاش شعبها العظيم وما توفيقنا إلا بالله العلي العظيم

  2. أستاذنا الفاضل:
    لك من كل سوري حر جزيل الشكر على جهادك بالقلم والكلمة وهو جهاد لا يقل عن جهاد إخواننا في ميادين النزال في الشام.

    لي ملاحظة على قولك عن محمود قول أغاسي ابو القعقاع:
    (حتى مقتله أواخر عام 2007 على يد بعض المجاهدين الذين نجحوا في كشفه، ولكن متأخرين للأسف الشديد).

    فهذا غير صحيح، والمدعو أبو القعقاع كان زميلي في كلية الشريعة بجامعة دمشقن وهو كان متعاون مع المخابرات بمعرفة جميع الطلاب والزملاء ويكتب التقارير، وكان عضو اللجنة الحزبية الطلابية، وهو صوفي خرافي… ولكنه متفوق جدا باللغة العربية والخطابة…
    وحين خدم العسكرية تعرف عليه آصف شوكت فأعجب به وبطلاقة لسانه فرعاه واعتنى به حتى يكون عميل للنظام
    ثم أيام أحداث العراق فوجأنا به صار خطيب مشهور يحمس ويدعو للجهاد وصار سلفي وهابي اطلق لحيته…
    والغريب أن سيدياته صارت تباع أمام المساجد في دمشق… من ذاك الوقت عرفت أنه سيعمل عمل عظيم لصالح النظام المجرم…

    وللأسف غرر بآلاف الشباب وكنت أحذر منه ولا احد يستجيب خصوصا زملاؤنا من إدلب غرر بآلاف من إدلب وقراها وارسلهم للعراق
    وكل من عاد منهم سالما قبض عليه فورا وسجن..

    ثم حصلت منه أمور فضحته شيء فشيء…
    من ذلك أنه دعا لمساعدة حركة حماس علنا لدعم أهل غزة وقام بحملة تبرعات قوية جمع فيها مبلغ 80 مليون ليرة واعلن عن ذلك…
    ثم أخبرني أخ ثقة على صلة قوية بخالد مشعل ، ان مشعل اتصل به وشكره على جهوده في الجمع ثم سأله عن المبلغ متى سيرسله؟
    فقال له: أرسلته إلى حماس في غزة!!!
    فقال له لم نستلم شيء مع من أرسلته؟ فقال : بطريقتي الخاصة!!
    قال له: أنا رئيس مكتب حماس وأعلم انه لم يصل شيء! أعطنا المبلغ… فاصر انه ارسله
    ولم يرسل شئ حقيقة!!!

    ثم انفضح أمره في العراق وأخرج المجاهدون وتنظيم القاعدة بيان طويل في فضحه وكشفه والتحذير منه!!
    ثم انخفى حسه فترة ثم خرج في صورة جديدة وقد خفف لحيته جدا.. وصار يلبس طقم وكرافة..
    واسس مركز إسلامي دعوي للوسطية والحوار الحضاري..
    وبعد أن فاحت رائحته المنتنة..

    صفته أجهزة المخابرات
    جاء عنصر امن وقتله أمام الناس وهو خارج من خطبة الجمعة..

    وليسوا المجاهدين الذين قتلوه
    وهذا أمر أكيد جدا!!

    لأنه احترقت اوراقه وانكشف أمره!
    ولم يعد منه فائدة للنظام…

    • أخي الكريم ابن الشام العدية
      لا تتصور كم فرحت بتعقيبك وتصحيحك، فأنا أبحث دائماً عن الحقائق وأجتهد في بناء معلوماتي بشكل منهجي لكي أستفيد منها بشكل منهجي، وقد لاحظت الاضطراب الكبير الذي أحاط بحادثة مقتل أبي القعقاع وقرأت مقالات تذكر الاحتمال الذي تفضلتَ بذكره ومقالات أكثر ترجّح الرواية التي ذكرتها في مقالتي (ولذلك اعتمدتها)، وهذه أول مرة أسمع من شاهد مطّلع كان على صلة مباشرة بالحدث، فلك الشكر على المعلومات القيّمة التي كتبتها، وأتمنى أن يقرأها كل قراء الموقع أيضاً. حفظك الله.

  3. يقول Ali alsawadi:

    أخي وأستاذنا الفاضل مجاهد / قرأت مقالك وهو والله في غاية الأهمية… وياليت وحدة الصف عامة تحصل والصف المسلح خاصة وما ذلك على الله بعزيز ولكن المراقب للواقع ليس بوسعه إلا ان يقول ليس لها من دون الله كاشفة …….
    وأما عن مقولتك (( ومن أمثلته تسجيلٌ انتشر قبل عدة أسابيع في مواقع الثورة معلناً عن ولادة “جبهة النصرة لأهل الشام” بقيادة “الفاتح أبي محمد الجولاني حفظه الله، المسؤول العام لجبهة النصرة” )) فأنا سمعت عنهم وقرأت رأيك في هذه المقالة ولي تحفظ على ما سمعته انا عنهم وما قلته انت عنهم …لكن اعلم ان القاعدة (المفهوم) اللتي انا تريحني خلال معا يشتي لأيام هذه الثورة هي :

    ” ” ان هذه الثورة ربانية بتدبير إلهي ليس لأحد فضل ولا منة فيها, لذا سيحفظها الله ويسيرها للهدف ويفضح فيها كل مماري ومداهن ومنافق وكافر وعدو لله وللشعب السوري المخلص ” ”

    <>

    ارجوا ان لا يفهم من كلامي ان نتواكل ولا نعمل كلا بل قد يكون احد اسباب تأخير النصر عدم المشاركة من الكل بهذه الثورة فالواجب على الكل ان يعمل بكل إخلاص وتفاني وما اعطي من قوة لإنجاح هذه الثورة وانتصار اهل الحق على اهل الباطل والظلم والبغي
    لذا من المستحيل فيما أرى ان تجمع كلمة الأمة في عمل مثل هذا سواء عسكري او سياسي او إصلاحي او تربوي لأمة غيبت عن القيادة والخلافة الربانية الحقة والعدل قريبا من قرن من الزمان

    اللهم وحد كلمة المسلمين واجمع صفوفهم ويسر لهم قائدا صالحا مصلحا ربانيا يجمع كلمتهم على الحق ويوحد صفوفهم ويعلن الجهاد
    انك ياربنا على كل شيء قدير

  4. يقول غير معروف:

    شكرا لك على التعقيب والتوضيح .. مرة أخرى يجب أن نعيش الحرية ونتعامل معها بأمانة وندافع عنها حتى النهاية

التعليقات

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s