ابتزازُ الثوّار جريمةٌ لا تُغتفَر

الثورة السورية: عِبَر وفِكَر (27)

20/2/2012

ابتزازُ الثوّار جريمةٌ لا تُغتفَر

مجاهد مأمون ديرانية

لو أن شقيقين خرجا إلى البحر في قارب فماج البحر وهاج حتى قذف بأحدهما إلى الماء، وفي يد أخيه طوقُ نجاة، فراح الأخ يستغيث بأخيه ويرجوه أن يقذف إليه الطوق، فأبى أخوه وقال: لا أقذفه حتى تتعهد أن تطلّق امرأتك لأتزوجها من بعدك. أو لو كانا شريكين فقال الذي في يده الطوق للذي يكافح الموج ويدافع الغرق: لا أرسل لك الطوق حتى تتنازل لي عن حصتك من الشركة. ماذا تقولون في ذلك الفعل وماذا تقولون في فاعله؟

هذا الفعل القذر هو الابتزاز، ولا يصنعه في مثل هذا الموقف -فضلاً عن عداه- إلا خسيسٌ لا يعرف النخوة ولا يملك ذرّة من ضمير.

إن في الناس من يفعل ذلك مع ثوار سوريا المجاهدين المصابرين الذين يكافحون خطراً هو أشد من بحر هائج الموج، هو وحش جبّار مجرم قد سلّط على الناس آلةَ الفتك والقتل والتنكيل والتعذيب؛ أولئك هم الغرقى يكافحون في سبيل الحياة والنجاة، وأما المبتزّون الذين قبضوا عنهم يد النصرة وحبسوا عنهم طوق النجاة فنوعان: دول تملك القوة وتستطيع أن تُنهي المأساة لو أرادت أن تنهي المأساة، ولكنها لا تزال تماطل وتمدّ للمجرمين المُدَد، في العلن نسمع كلامها المعسول وفي الخفاء تبتزّ وتُملي الشروط، تريد أن تحقق مآربها وتضمن مصالحها غيرَ عابئة بمحنة شعب يعاني من القتل والتدمير.

لعنة الله على تلك الدول وعلى ساسة تلك الدول الذين لم يروا في بلداننا وفي شعوبنا -اليوم وفي مواضي الأيام- سوى مَزارع يُجنَى زرعها وتُحلَب ماشيتها! لن ننسى أنهم كانوا شركاء في القتل والتدمير يوم كانوا شركاء في المماطلة والتأخير، ولكنهم ليسوا أسوأ الفريقين. يا ويحَ أسوأ الفريقين من غضبة الشعب، فإن ظلم القريب أشد على النفس وأبلغُ أسىً من ظلم البعيد.

شر الفريقين رجال منا، مساعدتهم لنا واجبةٌ عليهم لا مِنّةَ لهم بها علينا، ولقد كان ينبغي أن يكونوا في الميدان يتلقون الرصاص مع الناس، يموتون مع من يموت ويُصابون مع من يُصاب ويُعتقلون مع من يُعتقل، ولكنهم عاشوا بعيداً فنجوا من الموت والجرح والاعتقال، فماذا بقي عليهم ليقدموه إلى المكلومين من أهل الثورة سوى المال؟ أمَا إنهم لم قدّموا شطر مالهم لما عُدّ شطر مالهم كثيراً في سبيل الثورة، ولكنهم ربما قدموا الفُتات ولا شيء سوى الفتات، وربما لم يُخرجوا من جيوبهم قرشاً ولكنهم جمعوا من أهل الخير الأموال. إنهم سُعاة لا فضل لهم إلا فضل التوصيل، ما هم أهل المال ولا حق لهم في التحكم فيه، ومع ذلك يَبتزّون به الناس!

أهلنا في مناطق الثورة في سوريا يدفعون الجوع بالخبز اليابس ويتّقون البرد بحرق أكوام القمامة، والمجاهدون في كتائب الجيش الحر يعيشون كفافاً ويقاتلون العدو بأقل القليل من السلاح والعتاد؛ هؤلاء وأولئك يحتاجون إلى كل قرش ليستمروا في الحياة حتى تبلغ الثورة غايتها بإذن الله وبعون الله، المال لهم هو الطوق الذي ينقذ الغريق من الغرق، والذي يحمل الطوق ويمسك المال هو الشقيق في الدم وهو الشريك في الثورة، ولو أنه يملك أقل قَدْر من النخوة والشهامة لقذف بنفسه في اليمّ ولم يقذف الطوق فقط، لكنه يأبى حتى أن يقذف الطوق… إنه لا يمد يده بالمال حتى يبتزّ المحتاج إلى المال، فيسلبه الكرامة أو يشترط عليه الولاء لفرد من الأفراد أو لحزب من الأحزاب!

*   *   *

أرجو أن لا يكون الذين وصفتهم في هذه المقالة كثيرين، بل أجزم أنهم قلّة، ولكنهم -على قلّتهم- عارٌ على الثورة وعار على سوريا وعار على الإنسان، إن جريمتهم لا تُغتفَر. ربما حصلوا اليوم على بعض المكاسب، ولكن حسابهم الآتي عسير.

الغريق الذي يكاد يبتلعه اليَمّ الهادر لا يملك الخيار، إنه مضطر إلى الموافقة على أي شرط ومضطر إلى الخضوع لأي ابتزاز، ولكن احذروا يا أيها المبتزّون: ربما قبّلَ المضطرُ اليومَ اليدَ التي تمتدّ إليه بالمساعدة المشروطة، ولكنه قد يقطعها غداً بعد انحسار العاصفة.

هذا المنشور نشر في عِبَر وفِكَر. حفظ الرابط الثابت.

10 ردود على ابتزازُ الثوّار جريمةٌ لا تُغتفَر

  1. اللهم اجعلنا من المجاهدين بأموالهم وأنفسهم في سبيلك..

  2. يقول salaam2:

    لاحول ولا قوة إلا بالله . أبها الغريق أرنو إلى رب السماء وقل ياالله واهجم على القريب لتقتلع الطوق الذي هو حق شرعي لك . لا ترضخ لضغوطهم لأنك شريف تحمل أمانة السماء . قاتلكم الله يامن تخونون امانة الله , هل تأمنون مكر ربكم ؟ ,إن مكره أليم صاعق. يارب: سوريا وثوارها في رعايتك لاتكلهم إلى لئيم يارب , إنه دينك أنصر المنافحين عنه .

  3. بالنسبة للدول الغربية فهي ليست إخوة لنا ولا شركاء معنا في شركة، من الأفضل لنا تقديم أي ثمن مناسب لهم على البقاء تحت هذا النظام لأنه سيكون أشد قتلا وقمعا إذا فشلت الثورة لا سمح الله، ومهما تكن شروط هذه الدول فهي لا تصل معشار الذلة التي كنا نعيش فيها تحت حكم هذا النظام المجرم.
    لا تقولوا لا يوجد في سوريا نفط، إنه يذهب إلى جيوب النظام، فندفع منه فاتورة خدمات دول الناتو.

  4. يقول Farqa Loz:

    قصة لمن القى السمع يرويها والد احد الاطفال الشهداء يقول:
    جلست ذات يوم خلف الكمبيوتر اتأمل صورة الطفل الشهيد حمزة الخطيب فنظر ولدي ذو الخمس سنوات الى الصورة و سألني من هذا ؟؟
    فاجبته هو الشهيد حمزة الخطيب
    فقال لي واين هو ؟؟؟؟
    فاجبته في الجنة …ان شاء الله
    … … … فقال لي و ما هي الجنة ؟؟؟؟ …… فحدثته عن الجنة
    فقال لي اريد ان اذهب الى الجنة !!!!!
    لم ادي ما اقول له لكنني مسحي على رأسه و قلت له في نفسي و الابتسامة على وجهي ( بعيد الشر عنك يا روحي )
    يومها مرت المظاهرة من اما بيتي و هم يهتفون ( عالجنة رايحين شهداء بالملايين ) فلم يكن من ابني الا ان لبس حذاءه و ناداني و قال هيا يا ابي الى الجنة
    لم اشأ يومها الا ان البي رغبته فخرجنا في المظاهرة و هتفنا سوية ….. و اثناء عودتنا الى البيت …. قال لى لماذا لم نذهب الى الجنة …. نظرت اليه ولم اجبه ثم كرر السؤال عدة مرات و اخذ يشدني و يقول لي هيا اريد الذهاب الى الجنة …. فما كان مني الا ان اقول له في المرة القادمة ان شاء الله ( قلت له هذا فقط لاسكته و يقبل الذهاب الى البيت )
    وفي يوم الجمعة مرت المظاهرة من امام منزلنا و بنفس الشعار فهرع ابني و لبس ثيابه و قال هل تريد ان تذهب معي الى الجنة ؟؟؟ فضحكت يومها ثم لبست ثيابي و خرجنا نهتف عالجنة رايحيين شهداء بالملايين و انا احمله على كتفي
    فما ارتفع يومها فوق صوتنا الا صوت الرصاص الغادر الذي اصاب جسد طفلي
    بكى طفلي كثيرا من شدة الالم و الخوف ثم لمم دموعه و صراخه من شدة الالم و قال لي …. يا ابي متى نذهب الى الجنة …. فبكيت كثير و بكى معي الاطباء الذين حاولو اسعافه وبكى جميع الموجودين في مكان الاسعاف الميداني ….. حاول المسعفون ان ينقذو حياته لكن دون جدوى
    وقبل ان يغيب عن وعيه قال لي و هو يبكي ( بابا بس روّق خدني عالجنة )
    اومأت له بعيوني الدامعة بنعم و لم استطع الكلام
    ثم غط في غيبوبته مع كل المحاولات من الاطباء لانقاذ حياته
    و بعد لحظات نظر الي الطبيب و قال لي ( صدق الله فصدقه الله )
    فقلت : حسبي الله و نعم الوكيل
    ومنذ ذلك اليوم لم اترك مظاهرة الا و شاركت فيها
    والى هذا اليوم لم اذهب الى الجنة !!!
    حمص العدية غفر الله لك
    نعم صدق فصدقه الله
    رايحين عالجنة رايحين**شهداء بالملايين
    وابشر يارسول الله لن نخذلك ان شاء الله وستقر عينك يوم الحشر بكثرة شهداء الاسلام وستفخر بنا
    ابشر فلن نخذل الدين ابدا

  5. يقول حسان الجاجه:

    أخي مجاهد
    اقبلها مني قبلة فوق رأسك وبين عينيك
    لا أملك تعليقا على مقالتك غير هذا
    فجزاك الله خيرا

  6. يقول عبد الرحمن:

    للأسف والله يا أستاذ مجاهد أن بعض من يقوم بهذا الابتزاز هم من الجماعات الإسلامية وللأسف الشديد، والله العظيم شي مخزي ومحزن في آن واحد!

    كنا نسمع عن قصص الابتزاز هذه في أحداث الثمانينات لكننا كنا نكذبها، كانوا يقولون لنا أن هناك من يجمع الملايين باسم المنكوبين في الداخل ثم يقولون لهم لن نسلمكم الأموال حتى تعطونا البيعة للجماعة، وجمعوا باسم الأحداث مئات الملايين ولم يوصلوها للداخل لأن الطليعة رفضت أن تعطيهم البيعة، لكننا الآن نرى نفس القضية تتكرر!
    فلا أدري هل ورثوا روح النذالة عبر الأجيال؟

    نعم إنهم يتاجرون بشكل رخيص ومزري وللأسف يزعمون أنهم جماعة إسلامية! ألا شاهت الأخلاق وشاهت الجماعة التتي تتعامل بهذه الدناءة، والله إنكم ستخسرون بهذا الاستغلال الدنيء، ولن ينسى لكم الأحرار هذه النذالة في المستقبل!
    عذرا أستاذي فقد صببتَ جام غضبك على الدول وألمحت للأفراد وأردت من الجماعة أن تفهم دون تلميح ولكن الوضع لا يطاق والله، وسأبقي على اسمهم دون تصريح حتى لا أحرجك وأضطرك لمسح تعليقي..
    يا أستاذي هل تصل الدناءة أن يتم التضييق على من لم ينضم لهذه الجماعة من غيرهم في الميدان؟

    يا أستاذي والله العظيم مهزلة هذا الواقع المرير، الناس تقتل وتذبح وتحتاج لليرة وهم يساومون على الانتماءات، بل ويحاربون من يعمل خارج مظلتهم من الإسلاميين يعني لم يكتفوا بحبس أموالهم بل يريدون التضييق على غيرهم!

    يريدون أن يعوضوا غيابهم منذ الثمانينات بهذه المتاجرة، والله لن تنفعكم وثقوا تماما أن الأرواح المتحررة تأبى الانضواء بهذا الشكل الرخيص، واعلموا أنهم حين يرضون بأن يعطوكم كلمة الانضواء لحاجتهم للمال الذي في أيديكم فإنهم سيعتبرونها كلمة مكره لا تلزمهم!

    أقول لكم اتقوا الله، روح الانتماء لا تأتي بهذه الطرق، سيحاسبكم الله عن كل قرش تحبسونه بسبب هذه الحزبية البغيضة، ولو علم المتبرعون بمسالككم المعوجة لما أعطوكم قرشا!

    أستاذي أرجو توجيه رسالة لشبابهم لأن الأمل فيهم لا في الكهول الذين هرموا على مثل هذه الأدبيات!

    وأرجو توجيه رسالة واضحة لشباب الداخل أن يقبلوا الشروط والإملاءات اليوم وأن ينسوها غدا!

    • نبهني قولك: “صببتَ جام غضبك على الدول وألمحتَ للأفراد” إلى أنني ربما أسأت التعبير، لأنني لم أنشئ المقالة للحديث عن الدول، تلك أمرها معروف مفضوح، إنما كتبتها للآخرين الذين هم منا والذين نصرتهم لنا واجبة عليهم ولا منّة لهم بها، وفي الحالتين لم أصرّح بأسماء، لا الدول ولا الأفراد، لكن الغضب الحقيقي هو قطعاً على أولئك الناس وليس على الدول، وأرجو أن تصل الرسالة إلى أصحابها كائناً من يكونون.

    • طيب… سمعنا كثيرا من مثل هذا الكلام، فهل من أحد قادر على التأكيد بأنه صحيح؟ هل فعلا حصل مثل هذا؟

  7. يقول Ali alsawadi:

    بارك الله فيك يا أستاذنا الفاضل
    والله أنت إسم على مسمى بقلمك وتوضيحك للحقائق
    ما قلته عن الإبتزاز عين الصواب ونحن لا يهمنا الإبتزاز من عدونا ولكن من إخواننا الذين نتوقع منهم صلاح وخير
    ولا املك إلا ان اقول بوركت وبورك قلمك في قول الحق

  8. تنبيه: ابتزازُ الثوّار جريمةٌ لا تُغتفَر . . بقلم: مجاهد مأمون ديرانية « مختارات من أحداث الثورة السورية

التعليقات

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s