نعيش معاً أو معاً نموت

رسائل الثورة السورية المباركة (86)

11/3/2012

لا مجاملةَ بعد اليوم

الخلاصة: نعيش معاً أو معاً نموت

مجاهد مأمون ديرانية

هذه خامسةُ خمسِ مقالات كتبتها تحت العنوان الفرعي الذي ترونه في رأس المقالة (لا مجاملةَ بعد اليوم)، بدأتها وأنا أكثرُ قَبولاً وأوفرُ أصدقاء، وأنهيها اليوم وقد غضب مني وتفرق عني كثيرون. فأما الذي خسرته من قبول ومحبة فأرجو أن يعوّضني عنه الله، وأما أن يُفهَم ما كتبته على غير وجهه فهذا ما لا أرضاه، فأكون قد دفعت الثمن ولم أصل إلى النتيجة المبتغاة.

يا أيها السادة: أنا ما كتبت في هذه المقالات حرفاً لأهجو أحداً كما أني لم أكتب في غيرها حرفاً لأمدح أحداً، فإني لست هجّاءً ولست مدّاحاً، بل إن من عادتي -كلما قرأت ديواناً من دواوين الشعراء- أن أقفز من فوق بابَي المديح والهجاء، تماماً كما أقفز من فوق باب الفخر، لأن الفخر غرور والمديح رياء والهجاء سَفَه وقلة أدب، ثلاث صفات لا أحبها في نفسي ولا أحبها في الناس.

لقد خاطبت أهل دمشق وهم مني وأنا منهم، فكيف أهجوهم؟ أيهجو امرؤٌ نفسَه؟ إنما أستحثّ الصامتين والمترددين من أهل دمشق وأدعوهم إلى شرف الدنيا والآخرة، أما مَن يشارك من أهلها في الثورة بنفسه أو بماله أو بجهده ووقته فإنه لا يستحق إلا أعطر الذكر وأصدق الثناء، ولا سيما الذين يشاركون في مظاهرات وسط دمشق فيضعون أنفسهم في فم الأسد مختارين، أولئك أشجع من عرفت ولا يملك مثلي إلا أن يتيه بهم فخراً لو كان الفخر جائزاً في دين الثورة، ولكنْ سبق القول أنه لا فخر لأحد على أحد وأن الثورة ملك وحق للجميع سواء بسواء.

وخاطبت العلماء الصادقين، وهم سادتنا الذين يسلكون بنا مسالك الهدى ويقودون الأمة في الليالي الحالكات، وأعلم أنّ لبعضهم من المواقف العظيمة في هذه الثورة ما سوف ترويه صحائف التاريخ كما تروي مواقفَ من مضى من علماء الأمة الكبار، كعَلَمي دمشق العظيمين الكبيرين ابن تيميّة والعز بن عبد السلام. إنما نرجو أن يكون علماء دمشق كلهم من هذه البابَة وأن يتعاونوا في حمل مشعل النور الذي يحتاج إليه العامة ليبصروا الطريق، وأن يكون توجيههم للناس واضحاً لا لجلجةَ فيه ولا مواربة: وجوب الثورة حتى إسقاط النظام.

وخاطبت المجلس الوطني وأعلمُ أن فيه عاملين جادّين مخلصين وأعلم أنه السقف الذي نستظلّ به، هل ينقُض السقفَ على نفسه إلا سفيه؟ إنما نريد أن يكون المجلس في الهمة والفاعلية بمستوى همة وفاعلية الثورة الميدانية على الأرض، ونرجو أن يُصلح نفسه وأن يستبدل بغير الأكفاء أكفاء فاعلين. إن رجال الثورة وأعلامها فيهم فاضل وفيهم مفضول، فلئن كانت أزمنةُ الرخاء تقبل بتصدّر المفضول مع وجود الأفضل فإن أزمنة الشدة لا تقبل بديلاً بالأفضل، ولا يجوز أن يكون الشعب الذبيح حقلاً للتجارب ولا ميداناً لتطوير المواهب، ففي كل يوم جديد نخسر ألف مشرّد وألف معذّب ومئة شهيد.

يا أيها الإخوة: إن الثورة في خطر والخسائر كثيرة والمعنويات في تراجع، فإما أن ندفع المركب ونمضي إلى البر أو نغرق ونموت جميعاً. لقد أبحرَت سفينةُ الثورة منذ عام وصارت في وسط البحر؛ ربما كان الطريق طويلاً إلى ميناء الوصول ولكن الطريق الذي قطعته السفينة من يوم فارقت ميناءها الأول أيضاً طويل، وهي تعلم أنها لو وقفت وسط الموج الهائج فإن الغرق هو المصير، وإن عادت إلى مينائها الذي خرجت منه فإن ما ينتظرها هو النار والدمار، فلم يعد لها من خيار إلا الاستمرار.

ليس أحدٌ في هذه الثورة مستقلاً عن أحد، نحن في سفينة واحدة، فإما أن ننجو كلنا معاً ونصل إلى شاطئ الأمان أو تغرق سفينتنا ويبتلعنا اليَمُّ أجمعين.

*   *   *

إن ثورة سوريا لن تتم إلا بثورة دمشق، وأَولى الناس بدمشق هم علماؤها، فمن أجل ذلك خاطبت أهل دمشق وخاطبت علماء دمشق. والثورة تحتاج إلى المجلس الوطني ممثلاً لها وحاملاً لهمومها ومحققاً لمطالبها، فمن أجل ذلك خاطبت المجلس الوطني؛ فهي أثافيُّ ثلاثٌ تستند الثورة إليها ويعتمد انتصارها -بعد إذن الله وأمر الله- عليها، وأيّما أُثفيّة منها سقطت سقطت الثورة معها.

خاطبتهم فأغضبتهم فتغضبّوا؛ غضب مني بعض العلماء وعدد من أعضاء المجلس وكثير من الدمشقيين. لا تغضبوا يا أيها الكرام، إن كلماتي لا تضر ولا تنفع، إنما يضر وينفع العمل الذي ينبغي أن نعمله فلا نعمله أو ينبغي أن لا نعمله فنعمله، أنا وأنتم وأطراف الثورة أجمعون، لا أستثني نفسي بل أصدّر بها قائمةَ من يحتاج إلى النصيحة والنقد ومن يطلب من إخوانه الرأي والتوجيه.

أحد الفضلاء علّق على المقالات عاتباً فقال إنها تدخل في باب “وأقبل بعضهم على بعض يتلاومون”، والتلاوم يوغر الصدور ولا يفيد. هذا الأخ أرفع مني مقاماً في العلم والفضل، ولكني لا أوافقه في تفسيره، وإذا فَهِم عني هذا المعنى فلا بدّ أنني أسأت التعبير، فآخر ما أريده من كتابتي هو أن تتحول إلى ميدان تلاوم بين بعض أهل الثورة وبعض أهلها الآخرين. لسنا متلاومين يا أخي الفاضل وما ينبغي لنا أن نكون، بل نحن -إن شاء الله- متناصحون.

إن التلاوم المذكور في الآية هو حالة سلبية أعقبت الفشل، وما نحن فيه الآن حالة إيجابية تسبق الفشل وتحاول منعه. التلاوم السلبي المذموم ينشغل بالماضي ولا ينظر إلى المستقبل: لماذا بدأتم بالثورة؟ أليس قد عشنا من قبل في أمان؟… التلاوم السلبي المذموم هو جولات من التراشق الساخط: أنتم المخطئون لأنكم تسرعتم ولم تحسنوا التقدير. لا، بل أنتم الملومون لأنكم تقاعستم وترددتم. نحن، أنتم، أنتم، نحن… يتشاغلون بتبادل التهم واختلاق الأعذار والنارُ تلتهم الدار!

كل ذلك عبث لا يفيد. الصواب الذي يسعى إليه العقلاء هو النظر إلى المستقبل والبحث عن الحلول واستنهاض الهمم، وحتى لو كان استنهاضاً قاسياً فإنه يبقى مقبولاً ما دام خالياً من مآرب النفس وقائماً على الإخلاص وتحرّي الصواب.

*   *   *

يا أهل سوريا الكرام، يا أهل دمشق ويا أهل حلب، يا أيها العامة ويا أيها العلماء، يا أيها الثوار ويا أيها الساسة: ليس أحدٌ في أمان إذا فشلت الثورة -لا قدّر الله- وإذا بقي النظام. الكل في مركب الثورة واحد، ليس فريقٌ أَولى بالثورة وبالمشاركة بالثورة وبدعم الثورة من فريق، فالكل ناجٍ أو الكل غريق.

 ضعوا اليد في اليد ورُصّوا الصفوف إلى الصفوف، لا يتخلّفْ منكم أحدٌ ولا يتقاعَسْ عن نصرة الثورة أحد. إن طريقنا واحد ونهايتنا واحدة، فإما أن ننجح وننجو معاً أو نفشل معاً ومعاً نموت.

هذا المنشور نشر في رسائل الثورة. حفظ الرابط الثابت.

16 ردا على نعيش معاً أو معاً نموت

  1. يقول salaam2:

    اللهم إهد قوم فإنهم لا يعلمون !. لماذا العتب ونحن بأمس الحاجة لمن يشخص الداء ويصف الدواء . ياأمتي نحن جميعاُ مسؤولون عن خط سير ثورتنا ومسؤلون عن دماء أحرارنا وواجب على عقلائنا وحكمائنا أن يصدعوا بالحق ويبينوا ما يجب ان يكون , فلا تغرنكم العوام فإنها تستشف من نور الإيمان ومن تجارب الزمان , فوالله إن لم نسمع هذه الكلمات لكانت النقمة في تزايد والتخاذل في إرتفاع . وضعنا بحاجة إلى أقلام مخلصة توجه من حاد عن جادة الصواب من علماء وسياسيين . كلنا بشر وكلنا معرض للغفلة .

  2. أيدك الله
    نصرك الله
    حفظك الله
    سدد أمرك الله
    أدامك الله
    رعاك الله
    يا أستاذنا الفاضل
    أحبك في الله

  3. يقول abou fatimah:

    بارك الله فيك و وفقك
    امض يا شيخ و لا تلتفت إلى الذين يثبطون

  4. يقول حموي حر:

    بارك الله فيك ، الله لا يحرمنا من كتاباتك

  5. يقول صقر القرشي:

    جزاك الله خيراً..

  6. يقول محمد مكي:

    لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى بل نقول لك كما قال سلفنا وقادتنا الكرام لأكرم خلق الله سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم // إمض بنا بقلمك المستقيم وقلبك السليم وعقلك القويم فإننا نستنير بكتاباتك ونستضيء بها في ليالينا الحالكة المدلهمة وأسأل الله أن يجزيك عنا خيرا ولنا لقاء في سورية الحرة المحررة بعون الله تبارك وتعالى وبأمثالكم من الرجال الجبال الراسخات الشامخات فضيلة الاستاذ مجاهد وكما قالوا لكل رجل من اسمه نصيب فانت مجاهد ويكفيك فخرا وانت مأمون ويكفيك عزا

  7. يقول طارق باكر:

    أشعر أنك تجلدني .. وأن سيا طك تلسع ظهري المتيبس ، وأحاسيسي المتجمدة ، ومشاعري المتبلدة ، وعزيمتي الفاترة ..
    وأخشى أن أدمن لسع السياط !

  8. يقول سوري ومكتر:

    والله المعنويات عال العال والله قربت والنصر بعون الله قادم و عاشت سورية ويسقط بشار النعجة والله ينتقم منك ياماهر ويابشار ياابن انيسة التعيسة

  9. يقول ناقد محب:

    كلمة رائعة
    فيها أسلوب الطنطاوي رحمه الله

    فقط لي ملاحظة واحدة لغوية
    عندما قلت:
    (فإنه يبقى مقبولاً طالما كان خالياً من مآرب النفس وقائماً على الإخلاص وتحرّي الصواب).

    أظن استعمال (طالما) في هذا السياق خطأ
    لأن طالما معناها: كثيرا ما…

    وأظن الصواب استعمال (ما) المصدرية الظرفية،
    فتصير العبارة:
    (فإنه يبقى مقبولاً ما كان خالياً من مآرب النفس وقائماً على الإخلاص وتحرّي الصواب)
    أي: يبقى مقبولا مدةَ خلوه من مآرب النفس..
    أو
    (فإنه يبقى مقبولاً ما دام خالياً من مآرب النفس وقائماً على الإخلاص وتحرّي الصواب)
    مثل قوله تعالى:
    {وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا}

    والله أعلم

    • جزاك الله خيراً على التنبيه والتصحيح أيها الناقد المحب. العلماء الذين يميزون صحيح اللغة من سقيمها في هذه الأيام قليل، ويسرني أن يكون أحدهم من قراء مقالاتي ليتابع عثراتي ويقوّم لي أخطائي، فما أحوجني إلى الناقد البصير. صححتُ الخطأ في المقالة وبارك الله فيك.

  10. يقول hameed mb:

    صدقت أخي الفاضل نموت معا أو نعيش معاً.
    امض في بيان موقفك من الثورة السورية ولا تتوان في الصدع بالحق الذي تراه، فنحن بحاجة ماسة إلى المخلصين من أبناء الأمة في هذا المخاض العسير للثورة السورية ليقودوا دفة سفينة الثورة التي تتلاطمها الأمواج وسط البحر، وقد تعددت الآراء واختلفت الطروحات، ووقف الحليم حيران أمام الهول الذي نراه كل يوم في الأرض السورية.
    وأنا أنصحكم برأيي المتواضع أن تتجنب لوم الأشخاص المعروفين بصدق توجههم وبذلهم في مصلحة الأمة وإن بدا منهم تقصير أحيانا (مقالك عن النابلسي جانب الصواب والرجل لم يقصر)، (ومقالك في المجلس الوطني رائع، لأنك لم تذكر أحداً). ولا بأس بإرسال رسائل نصح واستفسار للربانيين من لعلماء بشكل شخصي، حتى لا نقع في اتهام أحد. الحق معك إذا قلت إن الأمر واضح لا يحتاج إلى تفسير، ولكن الوضع في دمشق مهول، وقد سمعتك في ملتقى أبناء دمشق تقول (الثائر في سورية بألف ثائر، والثائر في دمشق بعشرة آلاف) وهذا حق، وكذلك العلماء في ظل نظام دموي مجرم لا يكتفي بالقتل، ولكن يقتل السلالة بأكملها.

  11. يقول hamza saeed:

    نعيد ونكرر …..
    نحتاج أن نثق أكثر بنصر الله القادم لا محالة وإلا سيتحقق فينا قول الله تعالى ” ” مَن كَانَ يَظُنُّ أَن لَّن يَنصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاء ثُمَّ لِيَقْطَعْ فَلْيَنظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ ” “

  12. تنبيه: نعيش معاً أو معاً نموت . . بقلم مجاهد مأمون ديرانية « مختارات من أحداث الثورة السورية

  13. تنبيه: نعيش معاً أو معاً نموت . . بقلم مجاهد مأمون ديرانية « مختارات من أحداث الثورة السورية

  14. يقول غير معروف:

    سدد الله قلمك

التعليقات

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s