سلامٌ عليكم يا أيها الغرباء

الثورة السورية: خواطر ومشاعر (54)

2/4/2012

سلامٌ عليكم يا أيها الغرباء

مجاهد مأمون ديرانية

عشت نصف قرن حافلاً بالثورات فلم أرَ ثورة خَلَتْ من أنصار، فهذه ثورةٌ في الشرق نصرها الغربُ وهذه ثورةٌ في الغرب نصرها الشرق، إلا ثورتَكم يا أهل سوريا، فإنها الثورة الغريبة في الثورات؛ الثورة التي تخلى عنها الشرق والغرب، وخذلها القريب والبعيد، وتنكّر لها العدو والصديق… ثورة الغرباء.

ثورة الغرباء في سوريا تخلّت عنها دول الغرب ودول الشرق، وخذلها قادة العرب وقادة المسلمين، ووقفت ضدّها الهيئاتُ والمنظمات الوطنية والثورية في طول العالم العربي وعرضه، وهي التي زعمت -زوراً- على الدوام أنها تدعم خيارات الشعوب وتدافع عن استقلالها وحريتها، وروّجت تلك الأكاذيب يوماً بعد يوم وعاماً بعد عام.

ثورة الغرباء في سوريا تخلى عنها محور الغرب ودول الغرب وحلفاء الغرب، وتخلى عنها محور الشرق ودول الشرق وحلفاء الشرق، ولم يحصل ذلك مع ثورة قبلها من الثورات. واجتمع على خذلانها ودَعْم عدوّها المجرم إسرائيلُ وأصدقاء إسرائيل وأعداء إسرائيل، وإيرانُ وأصدقاءُ إيران وأعداء إيران، ولم يحصل ذلك مع ثورة قبلها من الثورات.

ثورة الغرباء في سوريا ساوى العالَمُ الظالم فيها بين القاتل والمقتول وبين المجرم والضحية، بل إنه تجاوز المساواة إلى الانحياز الفاجر إلى الطرف المعتدي، فلم يقل للقاتل لِمَ قتلت قَتيلك، بل قال للمقتول لِمَ دافعت قاتلك؟! العالَم الظالم لم يجد غضاضة في مرور السفن أمام عينيه ملأى بالسلاح، مدداً للقاتل وتعويضاً عمّا أفرغه في أجسام خمسين ألف شهيد ومصاب من ذخيرة ورصاص، ولكنه يُغيظه أن تصل إلى أيدي الضحايا بندقيةُ صيد أو صندوقٌ من الذخيرة ومئةُ طلقة من الرصاص!

*   *   *

أمَا لقد لقيت ثورة الأحرار في سوريا من الخذلان ما لم تلقَه ثورةٌ قبلها لا في الشرق ولا في الغرب، ولا في الماضي ولا في الحاضر، ولو كان اعتمادهم على شرق أو غرب أو عرب أو عجم أو قريب أو بعيد لرفعوا الراية منذ دهر وسجدوا لطاغوت العصر في سوريا، ولكنهم لم يعتمدوا على أحد إلا على الله ولا يسجدون لأحد إلا لله. لقد حسموا الخيار ومضوا في الطريق غيرَ معتمدين إلا على الله القادر القهّار، هتفوا “الله معنا” فهو عنوان ثورتهم وهو الشعار، نِعْمَ العنوان ونعم الشعار لثورة الأبرار الأخيار الأحرار.

لقد اعتمدوا على الله وحده لمّا فقدوا المُعين واستنصروه حين فقدوا النصير، وصبروا صبر الجبال الراسيات وثبتوا ثباتاً عجيباً أذهل الدنيا، ومضوا في ثورتهم لا يضرهم آلافٌ يتساقطون بين أيدهم من الشهداء، ولا عشراتُ آلاف يُتخَطّفون من بينهم من الأسرى والمعتقَلين، ولن يزال أولئك الأبطال ثابتين لا يَهِنون ولا يضعفون -بإذن الله- حتى يأتيهم وعد الله، ولن يخلف الله الميعاد.

يا أيها الغرباء: إن تكن أبواب الأرض أُغلقت في وجوهكم فإن باب السماء مفتوح أبداً، ولئن خَذَلكم وتخلى عنكم الناسُ فإن معكم ربّ الناس، ولسوف يسخّر لكم -بإذنه تعالى- من عباده من يشاء حين يشاء. ألا لقد خاب من اتكل على الناس، ألا لقد أنجح وأفلح من اتكل على الله رب العالمين.

طوبى لكم بمعيّة رب العالمين، وسلامٌ عليكم يا أيها الغرباء.

هذا المنشور نشر في خواطر ومشاعر. حفظ الرابط الثابت.

8 ردود على سلامٌ عليكم يا أيها الغرباء

  1. يقول salaam2:

    ليت هذه المقالة تكون لافتة ترفرف في فضاء الله، كما رفرف في يوم علم سوريا شامخاً فوق ساعة حماه, ليقرأها العدو قبل الصديق.
    ثورتنا السورية : لقد أبكيت القلب والجوارح وأدميت المقل، مع إيماننا ويقيننا بأنك في عين الله ورعايته ولكن ظلم بني البشر يؤلم الروح المتصلة بخالق الأكوان
    جعل الله كل حرف تخطه تكفير سيئات ورفع درجات ومقامات لك ولجدك الغالي الشيخ الطنطاوي الذي خلد ذكره بالخير في الدارين حتى يرث الله الأرض ومن عليها.

  2. يقول غير معروف:

    بارك الله فيك …. فنحن بحاجه لهذه الجرعه من التفاؤل والامل …ولاامل الا بالله.

  3. يقول ali4dentist:

    أشعر بالخجل والعار لأني أنتمي إلى بلد طالما تشدق بأنه حامل راية الإسلام ويحوي داخل حدوده أشرف بقاع الأرض ومع ذلك لم يبد أي تحرك يذكر … يا أهل الشام قلتموها قبل الان وتقولونها الان ” ما لنا غيرك يا الله “

  4. يقول hameed mb:

    نجوى

    للشاعر السوري خير الدين بن محمود الزِّرِكلي
    قالها وهو منفي في مصر إبان الاحتلال الفرنسي

    الـعـيـنُ بعدَ فِراقِها الوطنا **** لا سـاكـناً ألِفـتْ ولا سكنا
    ريــانةٌ بـالـدمع أقلقَها **** أن لا تُـحِسَّ كَرًى ولا ..وَسَنا
    كـانت ترى في كُلِّ سانِحةٍ **** حُسْناً ، وباتتْ لا ترى حَسَنا
    والـقـلبُ لولا أنَّةٌ ..صَعِدَتْ **** أنـكـرتُهُ وَشَكَكْتُ فيه ..أنا
    لـيـتَ الذين أُحِبُّهمْ ..عَلِموا **** وَهُـمُ هُـنالِك ما لقيتُ ..هُنا
    مـا كـنتُ أَحسَبُني مُفارِقَهُمْ حـتَّـى تُفارقَ روحِي ..البدنا

    *** ***
    يـا مـوطناً عَبثَ الزمانُ ..بهِ **** مَن ذا الذي أغرى بك الزَّمنا؟
    قدْ كان لي بكَ عن سِواكَ غِنىً **** لا كـان لي بِسِواكَ عَنكَ غِنى
    مـا كـنـتَ إلا رَوْضَةً أُنُفاً **** كَرُمتْ وطابتْ مَغرِساً وَجَنى
    عَـطَفَوا عَليكَ فأوسَعُوكَ أذىً **** وهُـمُ يُـسَـمّونَ الأذى مِننا
    وَحَـنَوْا عليكَ فَجَرَّدوا قُضُباً **** مَـسْـنـونـةً وَتَقدَّموا ..بِقَنَا

    *** ***
    يـاطـائراً غَنّى على ..غُصُنٍ **** و ( النيلُ ) يَسقي ذلك الغُصُنا
    زدني وَهِجْ ما شِئْتَ مِن شَجَني **** إنْ كُنتَ مِثْلِي تَعرِفُ ..الشَّجَنا
    أَذْكَـرْتَـنـي ما لَستُ ناسِيَهُ **** وَلَـرُبَّ ذِكرى جَدَّدتْ حَزَنا
    أَذْكَـرْتَـني ( بَرَدى ) وَوادِيَهُ **** والـطـيـرَ آحـاداً بِهِ وثُنى
    وأحـبـةً أَسْرَرْتُ من كَلَفي **** وَهَـواي فيهم، لاعجاً كَمَنا
    كـمْ ذا أُغـالِـبُـهُ ..ويَغْلِبُني **** دَمْـعٌ إذا كَـفْـكَـفْتُهُ هَتَـنا
    لـي ذِكْـرَيـاتٌ في رُبوعِهِمُ **** هُـنَّ الـحـياةُ تألُّقاً وَسَـنا!

    *** ***

    إنّ الـغَـريـبَ مُعَذَّبٌ أبداً **** إن حَـلَّ لَـمْ يَنْعَم وإن ..ظَعَنا
    لـو مَـثَّـلوا لي موطني وَثَناً **** لَـهَـمَمْتُ أعبُدُ ذلك الوَثَـنا

    (لو) حرف امتناع لامتناع، وهذا ينفي ظاهر كلامه بأنه يعبد ذلك الوثن، فإنه لم يكن وثناً ولم يعبده يوماً.

  5. لكي الله وشعبك يا سوريا

  6. تنبيه: سلامٌ عليكم يا أيها الغرباء . . بقلم: مجاهد مأمون ديرانية « مختارات من أحداث الثورة السورية

التعليقات

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s