خبروني: ما هي العدالة؟

رسائل الثورة السورية المباركة (111)

5/8/2012

خبّروني: ما هي العدالة؟

مجاهد ديرانية

كتبت فيما مضى محذّراً من الانتقام العشوائي ورجوت إخواني المجاهدين أن لا يقتلوا بريئاً بمذنب، حتى لو كان ابنَ المجرم أو أخاه أو أباه، فانتقد قومٌ رقّةَ قلبي وقالوا: بل سنُبيدهم أجمعين. وكتبت مؤخراً مدافعاً عن الذين نفّذوا في مجرمي عصابة برّي في حلب حكمَ الله فانتقد قوم قسوة قلبي وقالوا: لا يصحّ القصاص خارج القانون. فكيف كان قلبي رقيقاً مرة وقاسياً أخرى، وهو هو ما تغيّر ولا تبدل؟

ما العدالة يا قوم؟ خبروني فقد حيرتموني. أمّا أنا فتعريفي للعدالة هو الاقتصاص من المجرم بنوع جريمته إذا ثبتت جريمته، وهذا هو ما أفهمه من قوله تبارك وتعالى -وهو أحكم الحاكمين-: {فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم}، وقوله: {فإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به}، وقوله: {النفس بالنفس والعين بالعين والأنف بالأنف والأذُن بالأذن والجروح قصاص}.

فأما الذين اتهموني برقة القلب فلن أرد اليوم عليهم ولم أنشئ هذه المقالة من أجلهم، يكفيني ما كتبته سابقاً وما نقلته ذات مرة عن القرطبي في تفسيره الكبير “الجامع لأحكام القرآن”، قال: “من ظلمك فخذ حقك منه بقدر مظلمتك، لا تتعدّ إلى أبويه ولا إلى ابنه أو قريبه”. الذين يحتاجون إلى الجواب اليوم هم الآخرون، الذين انتقدوا دفاعي عن قاتلي المجرمين. ماذا تريدون أن يفعلوا بهم؟ هل يتركونهم ليقتلوا الناس وينشروا في الأرض الفساد؟ هل يحبسونهم حتى يُعرَضوا على محكمة فيصدر القاضي الحكم لهم أو عليهم؟ وأين يحبسونهم وما في يد الجيش الحر أرض دائمة ولا حُبوس ولا معتقلات. ثم هل يحتاج أولئك المجرمون إلى محاكمة وهل تحتاج جرائمهم إلى إثبات؟

ألا تعرفون “المعلوم بالضرورة”؟ إنه ما لا يختلف عليه اثنان من العقلاء. فمن المعلوم من الدين بالضرورة أن الصيام واجب في نهار رمضان، ومن المعلوم من الرياضيات بالضرورة أن المربع ينقسم إلى مستطيلين، ومن المعلوم من الجغرافيا (أو الطوبوغرافيا) بالضرورة أن الجبال أعلى من الوديان، ومن المعلوم من السياسة بالضرورة أن السياسيين كذابون ومنافقون… ومن المعلوم لشرفاء حلب بالضرورة أن زينو برّي مجرم قاتل أفّاك. هل تحتاج شمس النهار إلى برهان؟ فإذا قام الدليل وعُلم الجرم عِلْمَ يقين فما المانع من القصاص؟ جرم بجرم ومثل بمثل؟ أليس هذا هو حكم الشرع والعقل والفطرة والقانون؟

*   *   *

{فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم}؛ قال القرطبي في التفسير: “لا خلاف بين العلماء أن هذه الآية أصل في المماثلة في القصاص، فمن قَتل بشيء قُتل بمثل ما قتل به”. حتى لو قتل القاتل بالنار قُتل بالنار، فقد ذهب الجمهور إلى أن القاتل بالنار يُقتل بها لعموم الآية، وإن خالفت قوله عليه الصلاة والسلام: “لا يعذّب بالنار إلا رب النار”. وماذا لو كانت أداة الجريمة من المحرّمات الشرعية؟ ذهب الجمهور إلى أنه لا يُقتَصّ من المجرم بنوع جريمته إن كانت فسقاً، كالقتل باللواط وإسقاء الخمر، وخالفهم الشافعية فقالوا: بل يُقتل بذلك، فيُتّخَذ عود على تلك الصفة ويُطعن به في دبره حتى يموت، ويُسقى عن الخمر ماءً حتى يموت. وقال ابن العربي (وهو من فقهاء المالكية الكبار): “الصحيح من أقوال علمائنا أن المماثلة واجبة، فإذا قطع (أي المجرم) يدَه (أي يد الضحية) ورجله وفقأ عينه قَصْدَ التعذيب فُعِل به ذلك”.

لقد وَهِمَ قوم من المسلمين ومن جمهور الثورة في المُثلة فانتقدوا ما صنعه مجاهدو حلب بأكابر مجرميها، ولقد جاروا على إخوانهم وأخطؤوا في الانتقاد، فإن المُثْلة الممنوعة هي ما يكون في غير القصاص، أما القصاص فيُجزى المثل بالمثل، قال أبو حنيفة وأصحاب الشافعي: إذا جرح أو قطع الأذن أو اليد ثم قتل فُعل به ذلك، لأن الله تعالى قال: {وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين والأنف بالأنف والأذُن بالأذن}، فيُؤخَذ منه ما أخذ ويُفعل به كما فعل. وقال المالكية: إن قصد به المُثلة فُعل به مثله، وإن كان ذلك في أثناء مضاربته ومدافعته (أي لم يقصد المُثلة) قُتل بالسيف. وروى القرطبي عن جمهور علماء الأمة: العين بالعين: تُؤخَذ العين اليمنى بالعين اليمنى والعين اليسرى باليسرى وتؤخذ الضرس بالضرس والثَّنِيّة بالثنيّة (الثنايا هي أسنان المقدمة، وهي أربع، اثنتان فوق واثنتان تحت). وثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه أقاد من سنّ وقال: “كتاب الله القصاص”.

*   *   *

فما لكم يا قوم؟ ما الذي أغضبكم فيما فعله الأحرار الأخيار بالخبثاء الأشرار؟ لَعمري لقد بالغوا في الرقة، ولو أنهم تحرّوا العدالة لاستلّوا ألسنتَهم من أفواههم وأصابعَهم من أكفّهم، ولسلخوا جلودهم عن لحومهم وأطعموهم للكلاب وهم أحياء.

ولعلكم ستدبّجون المقالات غداً عن فلم الثورة الأكبر: “نهاية الوحش الشرير”؟ إذن فجهزوها منذ اليوم لتنشروها في الغد أو غداة الغد، فإن الأحرار قد عزموا على الثأر وأعدوا له العدة، وإنّا آلينا عليهم أن يصوروا الفلم وأن ينشروه على عين العالم، فلقد كفرنا بعدل العالم ونفضنا منه أيادينا منذ حين؛ منذ أدار لنا الظهرَ أدرنا له الظهر، ومنذ عَمِي فلم يرَ جراحنا قررنا أن نتعامى عنه فلا نراه، ومنذ صمّ فلم يسمع استغاثاتنا قررنا أن نتصامّ عنه فلا نسمعه، وحين تبلّد إحساسه ورضي بموتنا منحناه شهادة الوفاة. فإنْ يغضب اليومَ لنَشْرنا صورَ القصاص من قاتلينا فليغضب، فما يضرّنا غضب جِيَف ماتت وشبعت موتاً منذ دهر طويل.

أما المجرم الكبير فلا تطلبوا على جرائمه الدليل، فإنه يحمل وزر كل جريمة اجتُرحت بحق الوطن وأهل الوطن، فما قُتل بريء إلا ودمه معلق برقبته، ولا عُذّب حرّ ولا انتُهكت حرّة إلا هو عنهما مسؤول، ولا كان دمار البلاد ولا محنة العباد إلا بسببه وبرأيه وبأمره، فلا تطالبوا الثوار غداً بالصبر إذا صار بين أيديهم ولا تنتقدوا فعلهم به مهما يكن ما يفعلون، فإنهم لو قطّعوه شرائح ومكعبات أو فرموه فرماً ناعماً بمفارم الكبّة لما اقتصّوا منه عُشر معشار القصاص الذي يستحقه، ولولا أننا علمنا أن جزاءه الحقيقي سيناله بعد الموت لما طابت أنفسنا بأن نَمُنّ عليه بنعمة الموت ولأصررنا أن يلبث في العذاب إلى الأبد الأبعد.

نعم، لقد دأبت ثورتنا العادلة العظيمة على المطالبة بالقصاص من المجرمين في إطار القانون، وإنها حاكمت السفاح محاكمة عادلة فوجدته مذنباً في مئة ألف جريمة، وأصدرت عليه الحكم بالإعدام مئة ألف مرة، أهونها برصاصتين في العينين وأبشعها متروك لخيال أهل الخيال. وبقيت مسألة صغيرة: أي الوسائل سيختار الثوار لتنفيذ الحكم وتخليص الدنيا من بشار؟ هذه نتركها لحكم الميدان؛ السابق يختار، ومهما يكن الأسلوب فإنا به راضون ولمنفّذيه شاكرون، ويومئذ يفرح المؤمنون.

هذا المنشور نشر في رسائل الثورة. حفظ الرابط الثابت.

4 ردود على خبروني: ما هي العدالة؟

  1. كلامك كله صح استاذنا لكنك غفلت شغلة مهمة
    أنا من الناس اللي ما سألت كتير بقتل بري و اعوانه بس من الناس اللي بيطالبوا بعدم القتل عند التمكن من المجرم إلا بعد صدور حكم من شخص مؤهل. ليش مو مين ما كان فيه يساوي هالشي؟ لأنه يا شيخ مجاهد حتى لو كان الشخص معروف بقتله و مثبتة عليه جرائم الدنيا فما بيحق لأي واحد ينفذ فيه حكم القصاص إلا ليتأكد قاض أو حاكم أو أي ولي أمر إنه المجرم هاد وقفنا أذاه تماماً و استخلصنا منه كل شي ممكن يرجع للناس حقوقها.
    يعني مثلاً وقت ما انقتل القذافي (على فكرة أنا فرحت يومها بموته مشان ما حدا يفكرني منحبكجي للقذافي)، كنت بأفضل بما إنه انمسك و صار بين إيدينا ، ليش ما نمسكه و نلعن أفطاسه بالتحقيق و نعرف شبكة الفلول اللي ما انمسكت تبع ابنه و رئيس مخابراته و غيرهم و وين ممكن في معتقلات مخفية و فيها ناس علقانة و وين في نااس انخطفت و وين حساباته البنكية و مع أي مخابرات أجنبية عم تشتغل معه بالأرض ضد الثوار و شو مخبص بالبلد بشغلات الله أعلم فيها ممكن نتفادى أذاها. يعني يا شيخ مجاهد، لما ينمسك واحد كبير بالدولة مو متل لما ينمسك واحد شبيح كلب ما بيسوى فرنك. هالزلمة الكبير مطلوب حياً أكتر من ميتاً. لأنه المعلومات اللي ممكن ناخدها منهن ربما لا تقل فائدة و قيمة عن أفعاله الاجرامية اللي ساواها. و بعد ما هالقاضي أو ولي الأمر يتأكد إنه هالزلمة ما صار له فائدة (قاض أو رجل حكيم مو جندي أو شب صغير متحمس مو عرفان قيمة اللي مسكه و ما عنده هالنظرة الشاملة لمصالح شعب و دولة و عم بيفكر بس بدافع انتقام شخصي الله يعينه) ، بعد هيك، بنقدر نقتله يا سيدي بأي طريقة غير مأسوف عليه.
    أما فتح الباب هيك للناس بالقتل بعد ما نأسرأو نتمكن من العدو لإنه هاد الزلمة و الله معروف بالقتل، رح تصير الدنيا شوربة و رح تضيع من إيدينا فرص عظيمة لإنقاذ أرواح ناس تانية بريئة.
    هلأ في نقطة مهمة ذكرتها حضرتك بالمقال يمكن تكون عائق، و هي وين بدهم يحبسوهم للأسرى لبين ما يجي هالقاضي أو الحاكم مشان يقضي إنه هاد الزلمة أخدنا منه كل شي وهلأ فينا نقتله؟ هون ممكن نتناقش ونقارب الموضوع من هي الزاوية و ندور لها على حل. بس موهيك بكل بساطة من دون ما نبذل أي جهد بتوفير حل للمسألة، بنروح نفلت الحبل عالجرار. لإنه ما بأظن إنه شغلة أسرو اخفاء كم شخص مهم تكون صعبة الاحتفاظ فيهم لهالدرجة عالكتائب و السرايا. (عمليةأسر الإيرانيين في قلب دمشق واخفائهم و عملية خطف أفراد من حزب الله كمثال)
    يا ريت أستاذنا ، إذا عجبتك وجهة نظري، إنه تضيف هالنقطة بشي مقال من مقالاتك أو شي بوست لإنه كلامك و تعبيرك أحسن مني و بيوصل لشريحة أكبر. و إذا في أي ملاحظة على كلامي يا ليت تناقشني مشان نستفيد.
    و الله يسامحني عالتقصير و يغفر لي اذا كنت غلطت و ينصرنا عالقوم الظالمين.
    تحياتي لقلمك الشجاع.

    • أصبت وأجدت ولم تقل إلا الحق، هذا الكلام متوازن ويأخذ بالحسبان المصلحةَ الحقيقية للناس ولا يستجيب لشعارات فارغة لا قيمة لها، ولعل الثورة لا تغفل عنه بإذن الله، فقد لاحظتُ أنهم عندما يأسرون أي شخص فإنهم يحققون معه أولاً، وفي بعض الحالات أخلوا سبيل الأسرى لأنهم لم يجدوا أدلة تدينهم، وفي حالات أخرى (وهي الأكثر فيما يبدو) قتلوا الأسرى بعد التحقيق معه واستخلاص ما عندهم من معلومات.

      أما القذافي والأسد وأمثالهما من أكابر المجرمين فلا ينطبق عليهم ما تفضلت بذكره، فهم يُصدرون الأوامر العامة ولا يعرفون التفاصيل، ومن ثم فليس في ادّخارهم كبير نفع للثورة. والأمر الأهم هو أن الدنيا كلها تصحو فجأة على نداء الإنسانية الزائفة ويبدأ الضغط من أجل محاكمة عادلة لهم، وتمضي الأيام ويضيع الحق بين الجلسات والشهود والدفاعات الفارغة والمطمطة القانونية المعروفة… وانظر إلى مبارك كيف عاش في قصر طبي ولم ينقصه شيء، قارنه بالقذافي الذي ارتاحت الدنيا من شره على الفور. وقارن هلاك تشاوشسكو المعجل بطاغية الصرب المسؤول عن مقتل مئات الآلاف من مسلمي البوسنة، ميلوشيفيتش: لقد أمضى خمس سنوات متنقلاً بين السجن والمحكمة والمستشفى حتى نفق أخيراً في مركز الاعتقال الذي هو جنة بالنسبة لكثير من الفقراء والمحرومين في هذه الدنيا.

      ما أسوأ تأخير العدالة في حق أكابر المجرمين الذين لا خلاف على جرائمهم ولا شك فيها، أما الصغار والحواشي وأعوان الأعوان الذين يختلط حالهم فلا بد من خضوعهم لمحاكمات قانونية عادلة ولا يصحّ التسرع بالحكم عليهم، إلا أن يكونوا محاربين يسقطون في الأسر أثناء الحرب، فإنهم يُقتلون على الفور. هذا الحكم ينطبق على عناصر الأمن والمخابرات، وعلى من يقاتل من عناصر الجيش (وليس من يعيش في الثكنات ولا يشارك في القتل)، كما ينطبق على الغزاة من إيرانيين وعراقيين ولبنانيين ممن تعرف ويعرف الناس، وهو ينطبق أيضاً على العواينية الذين يثبت تجسسهم لصالح النظام. والله تعالى أعلم.

  2. يقول wisam:

    همسة لإخواني-الذين أعتبرهم خيراً مني-مجاهدي الشام: لا تنشروا صور قتلكم الشبيحة أو التعامل الحاد مع المقبوض عليهم، فقد يوحي برسالة تُفهم خطئا .

    الشيخ محمد العريفي

  3. يقول kollshi17:

    بارك الله فيكم و جزاكم الله 1000 خيرا

التعليقات

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s