سوريا أم فلسطين؟

الثورة السورية: خواطر ومشاعر (64)

17/8/2012

سوريا أم فلسطين؟

مجاهد ديرانية

يأخذ علينا بعض الناس استغراقَنا بدعم الثورة في سوريا واستنفارَ الأمة لدعمها، ويقولون: هل نسيتم فلسطين؟ لماذا لا تصنعون لها مثل ما تصنعون لسوريا؟ أم أن سوريا أثمن من فلسطين؟

أكثر الذين يقولون المقالة السابقة مخلصون صادقون غيورون وقليل منهم كاذبون مُغْرضون، ليس لهم هَمّ سوى تخذيل الثورة السورية وبيع الأوهام على حساب فلسطين وأهل فلسطين الكرام. هؤلاء لا تبالوهم ولا تشغلوا بهم أنفسكم، أما الأوّلون الصادقون فيستحقون توضيحاً يزيل اللبس ويُذهب العتب من القلوب.

لقد أثبت المسلمون على الدوام أنهم أمة واحدة، وإن أُخُوّتهم ووحدة حالهم وهمّهم لَتظهر جليّة واضحة كلما نزلت ببعضهم نازلة، فتراهم ينهضون نهضة الجسد الواحد ويتعاطفون ويقدمون ويبذلون. أما فلسطين فإنهم قد ندبوا أنفسهم لنصرتها منذ كَرَثتها كارثةُ العدوان اليهودي الأثيم وما يزالون  إلى اليوم، فهي في القلب أبداً وهي في المقدمة على الدوام. لكن النار في فلسطين هادئة أو كامنة، فهي تثور حيناً وتخبو في غالب الأحيان، فإذا ما اشتعلت هاج المسلمون في أدنى الأرض وأقصاها وتفجرت عواطفهم وتسعّر غضبهم ولم يبالوا بشيء سوى الانتصار لها والفزعة لأهلها، وإذا خبت سكنوا وانتظروا البركان الآتي ليثوروا متى ثار.

وهذا شأن المسلمين مع كل نازلة تنزل بأي من إخوانهم أينما كانوا. ألا ترون أن الصينيين يحتلون تركستان منذ قرن ولا تُذكَر حتى كادت تُنسى؟ فما هي إلا أن تعرض المسلمون هناك إلى العدوان حتى اضطربت الأمة في طول العالم الإسلامي وعرضه، وعادت مأساة المسلمين التركستانيين حية طرية كأنما احتلها الصينيون والروس بالأمس القريب. وانظروا إلى انفعال المسلمين في هذه الأيام بمأساة إخوانهم الروهنجيين في أركان. وهل نسيتم ما صنعنا يوم عدا العدو على غزة الصامدة قبل أربع سنين؟ لم يبقَ أحد ممن أعرف إلا استنفر نفسه وأهله وترك دنياه وتحول إلى آلة تتحرك من أجل فلسطين، استنهاضاً للهمم وجمعاً للمال ونشراً للدعاية واستغراقاً في الدعاء، حتى كشف الله الغمّة عنها ورد الأعداء خاسئين خاسرين.

إن سوريا وفلسطين شريكتان في المعاناة، إلا أن واحدتهما أشد معاناة من الأخرى. فلسطين تعاني من الاحتلال وسوريا تعاني من الاحتلال؛ سقطت فلسطين قبل أربع وستين سنة وسقطت سوريا قبل تسع وأربعين سنة، أما السؤال عن الاحتلالين أيهما أكثر إجراماً وعن الشعبين أيهما أعظم معاناة فجوابه متروك لذكاء الأذكياء. فلما سكت السوريون وسكنوا لم يُطلَب الانتصار لهم من أحد، ولبث الأمر كذلك ما لبثوا هم ساكنين ساكتين، حتى إذا ثاروا أخيراً على العدو الذي يحتل بلدهم وأعلنوا النفير تغيّرت الحال، فوجبت النصرة وحق الجهاد؛ لا أقول بالنفس فإن في سوريا من الرجال ما يكفي للنزال، وإنما بالمال، فقد عزّ المال في أيدي السوريين وقَلّ حتى كادت ثورتهم تُؤتى من نقص المال لا من نقص الرجال.

يا ذاكرين فلسطين اليوم: اعلموا أنّا معكم لها ذاكرون وأنها الهَمّ الكبير لنا وللمسلمين أجمعين، ولكن اعلموا أن الحرب مع الباطل جولات وأن الجولة الحالية هي المعركة على أرض الشام، واعلموا أن عصائب الحق تخوض المعركة هناك بالنيابة عن الأمة وعن المسلمين أجمعين، فإن تنتصر هذه العصائب انفتح الطريق إلى بغداد والقدس وتحررت العراق وتحررت فلسطين، وإلاّ تفعل -لا قدّر الله- فلن ينفتح الطريق إليهما في العدد العديد من السنين.

يا أيها المسلمون: انصروا اليوم سوريا تنصروا -على الأثر- العراقَ وتنصروا فلسطين.

هذا المنشور نشر في خواطر ومشاعر. حفظ الرابط الثابت.

3 ردود على سوريا أم فلسطين؟

  1. يقول bkurabi:

    طول عمرهم، السورييون مستغرَقون بفلسطين ولاداعي للمزايدة في ذلك فهو واجب من جهات مختلفة، بل أكثر من ذلك يُضربون ويُقمعون وتسلب حريتهم وكرامتهم وهم ساكتون بحجية فلسطين وكيلا يتعطل التحرير أو تتوقف المعارك، فلا صوت يعلو على صوت المعركة.
    الحمد لله الذي لايحمد على مكروه سواه، أن لا أحداً ممن يقولون هل نسيتم فلسطين، وذلك خلال العقود السابقة من الظلم والقمع والقهر والتجويع، أظهر امتلاك بقية من رحمة أو لحسة من إنسانية، ترحّم بها ورقّ قلبه علينا وترأّف بضعفنا ولو بالنصيحة لهذا النظام أن يصلح من حاله ولو قليلاً، ولكنهم كانوا أقبح من النظام بسكوتهم، بل بهم كان يستقوي على السوريين ومازال، وما موقف الإسلاميين الأردنيين والمصريين ومعهم حماس- وكل له تعذّراته- خفي على أحد بحجج المقاومة والممانعة والتي هي وجه آخر لحجج النظام اللعين، ولكن الثورة السورية بفضل الله قلبت الطاولة على الجميع. بالمختصر، ولا واحد منهم رحم السوريين بنصيحة يسديها للنظام يبصّره بالعواقب والمصير، ولكنهم كانوا ساكتين عليه رغم كل البطش والظلم القائم على السوريين لأنهم غير معنيين بنا بل سكارى بمخدرات من شعارات كان يطنطن لهم بها النظام، حتى بات حال السوريين يصعب على الكافر كما يقال والقائلون اليوم هل نسيتم فلسطين، في غيابات أفيون الصمود والممانعة معه غارقون.
    ومع ذلك عندما قامت الثورة السورية كانت واضحة فصيحة في مطالبها: حرية وكرامة. فلم تكن اعتراضاً على دعم مقاومة محلية أو خارجية من مثل حماس وحزب الله أو على نية قائمة وعزم لتحرير فلسطين، ولا على اعتراضاً على تحالفات خارجية مع إيران مثلاً، بمعنى أن مطالبها كانت داخلية بحتة. وإنما بعد أشهر، اتضح الموقف الإيراني وحزب الله معه بدعمه للنظام بالسلاح والعتاد والقنّاصين ضد ثورة شعبه، فهتف الناس ضد إيران وحزب الله لأنهم يساعدون النظام على قتل شعبه. يعني أن الناس هتفت ضدهم لهذا السبب لاغيره.
    السورييون بملايينهم أخذ النظام من أعمارهم ما أخذ ليس أقل من نصف قرن بحجة فلسطين وهم لأجلها صابرون ومحتسبون، وحتى بات حالهم حالاً يصعب على الكافر ولم يصعب على من يسأل هل نسيتم فلسطين، وانفجر بركانهم، والقتل فيهم بالمئات يومياً، رجع إلينا مقاومونا وممانعونا من جماعة هل نسيتم فلسطين، عن حسن نية أو سوئها لافرق، يريدون لنا أن نبقى في عهدة نظام سيسجل التاريخ أن الشام ماعرفت أشد إجراماً منه. السورييون مانسوا ولن ينسوا لأن ضمائرهم بالحق عامرة، وقلوبهم بالإيمان ممتلئة. ولكن لمن يسأل: هل نسيتم فلسطين؟ أسأل: ماذا فعل لك السورييون خلال كل هالعقود الماضية؟ وبماذا بادل إحسانهم ومساعدتهم ونصرتهم وعونهم؟ بالله عليك..يامن تسأل..! كفّ عنّا ورعك البارد واتركنا بحالنا ومصيبتنا مع هالنظام الذي أثبت أنه أشد وأنكى من اليهود على السوريين. لاتريدون نصرتنا..؟ حسناً..، لاتريدون مساعدتنا.. حسناً، لاتقدرون على النصح والوقوف في وجه جبّار عتلّ زنيم.. حسناً، فأنتم معذرون..!! ولكن نسألكم بالله: كفّوا عنّا ورعكم وامنحونا سكوتكم، ولا تستخفوا بدمائنا وتركبوها مطايا رخيصة.

  2. يقول bkurabi:

    أرجو إلحاق التالي بتعقيبي السابق لو تكرمتم:
    لمن يسأل: هل نسيتم فلسطين، أدعوه لسماع ماقال رجل نوّر الله بصره وبصيرته: إن تحرير المسجد الأقصى يبدأ من تحرير المسجد الأموي..وإن تحرير القدس يبدأ من تحرير دمشق.. وإن تحرير فلسطين يبدأ من تحرير سوريا…”
    من كلمة الشيخ رائد صلاح في مؤتمر علماء الأمة لنصرة الشعب السوري في استانبول.
    ومنذ يومين وبمناسبة يوم إيران العالمي من أجل القدس قال الشيخ رائد صلاح نفسه:
    كل يوم هو يوم للقدس، ولا نعترف بأيام يحتفل بها هؤلاء القتلة المجرمون.
    تجتمعون على قتل إخواننا في سوريا وتنافقون بحبكم للقدس ؟
    والله ان القدس بريئة من هذه الاشكال، والله ان القدس لا تتشرف بهذه الاشكال.
    بدرالدين حسن قربي

  3. تنبيه: سوريا أم فلسطين؟ . . بقلم: مجاهد ديرانية « مختارات من الثورة السورية

التعليقات

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s