الامتحان التركي

رسائل الثورة السورية المباركة (114)

7/10/2012

الامتحان التركي

مجاهد ديرانية

لا أعلم كم يبلغ الذين خاب أملهم من الرد التركي المتواضع على الحادثة الأخيرة. ربما كانوا ملايين، وهم يرون أن تركيا رسبت في الامتحان. لقد كانوا يَرجون أن يردّ الأتراك بإعلان الحرب، ولو فعلوا لفرح كثيرون، وقليلون سيملؤون الدنيا صراخاً ويحذّرون من الاستعمار التركي الجديد.

نقول للآخرين: بيننا وبينكم كتاب الله الذي يقول: {إنّ هذه أمتكم أمّة واحدة}؛ فنحن وسائر المسلمين أمة لا يميز بعضَنا عن بعض لسان ولا مكان، ولقد بَلَونا الترك فرأيناهم أرحم ألفَ مرة من قوم ينطقون باللسان العربي ويسمّون أنفسهم سوريين، فلا تخوّفونا من عودة حكم “بني عثمان” ولكن خوّفونا من بقاء حكم “بني أسد”. ولئن تكن سوريا في أيامها الآتية تحت مظلة عريضة تركية مسلمة -تحجب عنها لظى الشمس وتقيها بَلّ المطر- خيرٌ لها من أن تكون تحت مظلة إيرانية أو روسية أو أميركية أو أوربية.

أما الفرحون بالحرب فقد لا يفرحون بها لو أدركوا جزءاً خفيّاً من الحكاية.

إن تركيا “تُدفَع” إلى الحرب دفعاً حثيثاً منذ شهور، وقد مرّت مناسبات عدة كان ينبغي أن تنفجر فيها الحرب فعلاً: تجاوزات على الحدود، واختطاف صحفيين أتراك، وضرب شاحنات تركية، وقصف مخيمات اللاجئين، وعمليات حزب العمال الكردستاني، وإسقاط الطيارة التركية في البحر، ثم هذا العدوان الأخير. كل واحدة من تلك الحوادث كانت شرارة كافية لإشعال الفتيل، ولكن الأتراك أصرّوا على عدم الرد. لماذا؟ هل لأنهم ضعفاء أو جبناء؟ لا يصحّ هذا الاحتمال، فالجيش التركي من أقوى الجيوش في العالم، وأي انتصار يحققه سيرفع شعبية أردوغان وحزبه إلى مستويات خيالية.

إذا لم يكونوا ضعفاء ولا جبناء، فهل يمكن أن يكونوا حكماء؟ لِمَ لا؟ ربما كان هذا هو الجواب الصحيح.

*   *   *

يمكننا النظر إلى الأحداث الجارية في سوريا اليوم عبر واحد من ثلاثة مناظير: منظار قصير المدى، يراقب الحوادث مراقبة يومية فيرى معاناة أهل سوريا وما يصيبهم من مصائب. ومنظار متوسط المدى يراقبها بالشهور فيتخيّل مصير سوريا ونتيجة الثورة، ومنظار طويل المدى يراقبها بالسنوات فيستشرف مستقبل الأمة كلها.

لو حصرنا أبصارنا في الحوادث اليومية فلا مناص من أن يصيبنا الأسى والإحباط مما نشاهده من قتل وعذاب ودمار. لو مددنا البصر فشاهدنا مكاسب الثورة وإنجازاتها التي تنجزها شهراً بعد شهر فسوف يرتدّ إلينا الأمل والتفاؤل، وسرعان ما سندرك أن الثورة تقترب من غايتها اقتراباً ثابتاً مطّرداً وأنها لا بدّ واصلةٌ إلى نصرها الكامل إن شاء الله. ولو أننا فتحنا أعيننا جيداً على المشهد الكبير وأحسنّا الرؤية والتفسير والتعليل فسوف نستبشر بنهار جديد يوشك أن يطلع على الأمة بعدما سَرْبَلها الليل الطويل.

ربما شغلتنا ثورتنا عن ملاحظة ما يجري حولنا في المنطقة. ولكنّا -على أية حال- لن نرى كل شيء ولو بالغنا في الانتباه، فإن ما يراه الناس هو الأقل الذي يعلو السطح، والأكثر يبقى تحته فلا يُرى، ولكنْ تُرى نتائجه وآثاره بعد حين. إنني أحس أننا نعيش أياماً لها ما بعدها. أرى علامات تقول إن حلفاً سنّياً كبيراً يولد تحت أعيننا في هذه الساعات الحاسمة من عمر الزمن، حلفاً ستكون تركيا هي عموده الفقري بقوتها البشرية والاقتصادية والعسكرية العظيمة، وسوف يضم أكثر من مئة وستين مليون إنسان ويملك موارد اقتصادية تجعله القوةَ الاقتصادية الثانية عشرة في العالم. أرجو أنّ الأمة مقبلة على خير كبير، في العراق وفي بلاد الشام بشكل خاص وفي المنطقة كلها على العموم.

هل يمكن قطع الطريق على ذلك المشروع العظيم؟ نعم. كيف؟ بالحرب.

*   *   *

إن الحروب المعاصرة تدمر الدول المتحاربة وتستهلك قُواها ومواردها، وهي تسلية القوى العظمى التي تسيطر على العالم والوسيلةُ التي تتوسل بها إلى إضعاف الأمم الصغيرة واستنزافها. أميركا بارعة في هذه اللعبة، ويبدو أنها فُتنت بها بعدما شاهدت نتيجتها السحرية في الحربين العالميتين. غداةَ الحرب الأولى كانت دول أوربا تملك أكثر الدنيا، كل دولة منها تستعبد من البشر عشرة أضعاف سكانها أو عشرين، وتحتل من الأرض عشرين ضعف مساحتها أو ثلاثين أو خمسين، فلما اقتتلت دمّر بعضُها بعضاً وذهبت قوتها وفقدت كل ما تملك، ثم خرجت من تحت الأرض قوةٌ جديدة سيطرت على الأرض: الولايات المتحدة الأميركية.

في آخر السبعينيات كانت الجارتان اللدودتان، إيران والعراق، قوتين إقليميتين كبيرتين. بعد ثماني سنوات من الحرب عادت جيوش البلدين إلى الخطوط التي كانت عليها يوم بدأت الحرب. لقد أكلت الحرب قوة البلدين ومواردهما وأهلكت مليون نَفْس دون أية مكاسب حقيقية على الأرض. هل يفكر أحدٌ في تفجير حرب إقليمية جديدة في المنطقة نفسها، تكون تركيا طرفاً فيها هذه المرة؟ يبدو أن هذه الفرضية قريبة جداً من الصواب.

في الثاني من آب الماضي نشر صالح القلاب مقالة عنوانها “الحرب الإقليمية قد تشتعل في أي لحظة”، تتبّع فيها مؤشرات الاحتقان والتصعيد التي “تدل على أن الحرب الإقليمية أصبحت بحكم المؤكدة، ما لم تقع معجزة لتنفيس ذلك الاحتقان” كما قال. وأنا أقول: إن الأطراف المعنية بذلك التصعيد هي إيران وتركيا والنظام السوري وحكومة المالكي في العراق وحكومة كردستان العراق وحزب العمال الكردستاني. من بين تلك القوى كلها يبدو أن الأتراك هم الذين “سحبوا الفتيل” وأخّروا اشتعال الحرب، وما زالوا يؤخرون.

ماذا لو تفجرت في المنطقة حرب إقليمية كانت تركيا أحدَ طرفيها وإيران وحلفاؤها الطرف الآخر؟ لا أحد يستطيع الجزم بالنتائج، ولكنّ مقارنة القُوى ترجّح ترجيحاً كبيراً أن تنتصر تركيا في الحرب، على أنه سيكون نصراً مكلفاً جداً. سوف تضعف تركيا اقتصادياً وعسكرياً، وسوف تخسر الأمة قوة كبيرة وجزءاً مهماً من التحالف السنّي المأمول، وسوف تفقد سوريا الدعم التركي الحالي (وهو دعم مستمر وكبير) لأن الحرب ستأكل موارد تركيا وطاقتها فتشغلها عن رعاية الثورة ودعمها.

لقد بلغ الاستهتار والإسفاف بإيران وحلفها الشرير أنهم ما عادوا يبالون بالكشف عن نياتهم وأعمالهم الدنيئة، ولعل السبب هو أنهم وصلوا إلى المرحلة التي يرمي فيها الخصم بآخر أوراقه حينما يعرف أنه على شفا الخسارة المحققة، فلن تسوء الأمور أكثر مما هي سيئة. الطرف الآخر ما يزال متماسكاً ويرى أن أوراقه كلها ما تزال في يده، وهو لا يرى ما يدعوه إلى كشفها وحرق الخيارات والبدائل. لو كان هذا التصور (السيناريو) صحيحاً فإن التحالف السنّي الجديد لن يسمح بأن يُستدرَج إلى مواجهة قد تزيد خسائرُها على أرباحها. باختصار: ستحذر تركيا من الوقوع في فخ الاستنزاف الذي يبدو أن الطرف الآخر قد وقع فيه بالفعل، بل يبدو أنه بات غارقاً فيه إلى العنق.

قبل عدة أسابيع سمعت من أخ مطّلع أثق به (وهو عضو من أعضاء المجلس الوطني) سمعت معلومات تؤكد أن أميركا اختارت للثورة السورية الاستمرار إلى أجل قد يطول، وهذا يفسر القرار الأميركي الذي يمنع وصول السلاح النوعي إلى أيدي الثوار. السبب في هذا القرار هو رغبة الإدارة الأميركية في استنزاف جميع الأطراف: النظام السوري حتى يضعف ويتهاوى، والثورة حتى يسهل تطويعها وتركيعها بما يوافق المصلحة الأميركية فتُضطر إلى قبول “الحل الأميركي”، وإيران التي وجد الأميركان أن استنزافها في سوريا أسهل من ضربها ضربة مكلفة.

ألا يؤكد الانهيار الأخير في العملة الإيرانية (وهو مؤشر على تهاوي الاقتصاد الإيراني) هذه النظرية؟ بلى، إلى حد بعيد. إن إيران تتآكل. الثورة السورية لم تأكل النظام السوري وحدَه، إنها تلتهم معه حزب الله في لبنان وحكومة المالكي في العراق. أولئك الثلاثة سوف يحترقون إلى درجة الفناء الكامل بإذن الله، أما إيران فأرجو أنها لن تخرج بأقل من حروق من الدرجة الأولى ستعاني من آثارها العددَ الكبير من السنين.

*   *   *

يا أيها الأحرار: إن أعداءنا وأعداء تركيا يدفعون تركيا إلى هاوية بعيدة القرار، فلا تعتبوا على الجار التركي ولا تملؤوا صفحاتكم بعبارات الذم والتقريع والاحتقار. لا ريب أن مشاهدة العربدة التي يقوم بها النظام السوري مع حلفائه الكبار أمر مخيّب لآمال الثوار، ولكنْ وسّعوا مجال الإبصار ولا تحصروا النظر بهذه الحوادث اليومية الصغار؛ انظروا إلى ثورة سوريا العظيمة كيف تنتزع الانتصار من قلب الإعصار، انظروا إلى مشروع التمدد الشيعي في العالم الإسلامي كيف يذوي وتأكله النار. إن الأيام حُبالى وإنها توشك أن تضع حملها. الأمة إلى خير، سوريا إلى خير بأمر الله الواحد القهار.

هذا المنشور نشر في رسائل الثورة. حفظ الرابط الثابت.

15 ردا على الامتحان التركي

  1. يقول غير معروف:

    سلمت سيدي وأمتع الله بكم………….

  2. يقول mahmod:

    المقال قوي ومتوازن لكنه مفرط في جانب واحد هو منح العصمة للأتراك في سياسيتهم، وكأن المطلوب منهم إما الحرب أو السلم وليس خيارا ثالثا، يلزم ثوار سورية سلاحا نوعيا وأمريكا تمنع ذلك، طيب الحل الثاني الذي يعجل النصر “حسب تصوري” بذل جهود في توحيد صفوف الثوار “جهود تركية تناسب حجمها” فالشتات الذي يعانيه الثوار وتجمعاتهم وصل إلى حد فاق قدرتهم على حله وإنما يحتاج إلى دولة وليس مجرد وجهاء فقط

    • جزاك الله خيراً، لقد ضربت على الوتر الحساس وأحسنت التشخيص، فإن الفرقة أشد ضرراً علينا من نقص السلاح. ولكن لماذا علقت هذه المهمة الجليلة برقية تركيا؟ هذا واجبنا أيها الأخ الكريم، واجب عقلاء الأمة وعلمائها ووجهائها، وأخشى أننا كلنا مقصرون فيه… غفر الله لنا.

  3. يقول fuad:

    المقاله جميله لكن لو لم يرد فيها اسم صالح القلاب . الحرب تكلم عنها كل من يكتب في الصحف و ليست من ابداع العبقري النابغه القلاب . و لربما نحن بحاجه الى نظره اكثر شموليه قليلا لنرجع الى القرآن ليكون حاكمنا , فالقرآن يرسم لنا ان عدونا هو اليهود و ليس الشيعه قد نجتمع يوما ما معهم على لا اله الا الله محمد رسول الله . و لا ننسى ان ايران الوجه الآخر للسعوديه, بزوال السعوديه لن تبقى ايران باذن الله . نحن مع الحق مع العدل مع لا اله الا الله محمد رسول الله . لنذكر انفسنا بأنفسنا .

    • أخي الفاضل: أنا أحب أن أنسب الكلام لقائله من باب الأمانة العلمية. ورغم أن الرجل لم يحتكر المعلومة ذاتها فإنه عرضها بكلمات أفادتني في المقالة، وبما أنني استفدت منها بنَصّها فكان من الأمانة أن أنسبها إليه. عموماً أنا لا أرى انتقاصاً لنفسي أن أعتمد على غيري وأنقل منه وأعزو إليه ما أنقله (كائناً من كان) ولا أرى ضرراً في اقتباس المفيد سواء أكان مما يكتبه العدو أو الصديق.

      أحترم وجهة نظرك في ترتيب العداوات وأخالفك فيها، فإني أجد أن الشيعة أشد ضرراً على الأمة من اليهود، لان اليهود عدو مكشوف نقاتله فنخرجه من أرضنا، وأولئك عدو متلبس إذا دخل أرضاً من أرض المسلمين كاد لا يتركها أبداً.

      ما علاقة السعودية بإيران؟ لم أفهم هذا الجزء من اللغز.

  4. يقول MrFriday:

    كلام صحيح 1000% وليت الجميع يفهمها هكذا وكفانا جعجعه عل الفاضي

  5. يقول د. عبد الله الحريري:

    أحسنت أحسن الله إليك

  6. يقول غير معروف:

    مقال رائع يطمئن قلوبنا

  7. يقول زاهر طلب:

    ما تتفضل به ينطبق على الجيش التركي لو كان وحيدا، ولكن عضو في حلف الناتو القوي القادر بحسب موازين القوى على أن يدافع عن تركيا جيدا ضد إيران، وبالتالي، هنا ربما تنتفي حجة تورط تركيا، وقد يكون السبب هو “تحيز” تركي جزئي لصالح محور المقاومة الساقط. أليس هذا أيضا ممكنا؟

  8. يقول دردشة عراقنا:

    كلآم وآقعي وصريح الثورة عبآرة عن حرية للشعب السوري وكل الشعوب العربية لماذا الدول الغربية حصلت على حريتهآ من قرون طويلة والشعب العربي للأن يبحث عن الحرية .. منصورة يآسوريآ بعون آلله .

    تحيآتي لكَ مدونه جميلة جداَ

    بالتوفيق .

  9. يقول زاهر طلب:

    وهذا المقال ربما فيه شاهد آخر على علاقة وثيقة بين تركيا ورسيا:

    “وتراهن تركيا على روسيا بأن لا يؤثر توتر الوضع بينها وبين سوريا على العلاقات بينهما، فالدولتان لا تريدان أن تتعرض الاتفاقات التجارية الثنائية للخطر، بما في ذلك عقد المليار دولار الذي منحته تركيا لشركة روسية العام الماضي لبناء مفاعل نووي، وعقود بمليارات الدولارات لبناء خطوط أنابيب عدة لنقل الغاز الطبيعي من روسيا وآسيا الوسطى إلى أوروبا عبر تركيا.”
    http://www.aawsat.com/leader.asp?section=3&article=700315&issueno=12378

  10. تنبيه: الزلزال السوري

  11. يقول علي العسيري:

    مقال جيد بارك الله فيك
    ولكنه يهمل بعض المحاور اﻻساسية في المشهد السياسي بالمنطقة كتطلع تركيا للممارسة الدور القيادي في المنطقة سواءً تحت ايدلوجية الخﻻفة اﻻسﻻمية او غير ذلك ، و كذلك التقارب السني الشيعي في مسألة الحرب على داعش حيث ان السعودية وسائر دول المنطقة يرون بان التنظيمات اﻻسﻻمية الجهادية تحتل الأولوية في القائمة وليس الخصم الشيعي، ثم موقف القوى العظمى من كل هذا.

  12. يقول غير معروف:

    احــــــــــــــــســــــــــــــــــــــنـــــــــــــــــــت

التعليقات

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s