علي الطنطاوي: كلمات في الثورة (16)

 

إنّ مَن يسمع صوت قطة في الشارع تموء من الألم لا يستطيع أن ينام، ومن يدقّ جاره بالمطرقة على جداره لا يستطيع أن ينام. فكيف ننام وأصوات المشرَّدين الهائمين من الأطفال والعجائز، من النساء والضعفاء، تملأ آذاننا؟ أتنامون على أصوات الاستغاثة من حلوق إخوانكم وأخواتكم، على أصوات المدافع والصواريخ يصبّها عليهم أعداؤهم وأعداؤكم؟

هل تستطيعون أن تأكلوا وتشربوا وتضحكوا وتمزحوا، “وإخوانكم هناك في الشام يذبّح أبناءهم مَن هم شرٌّ من اليهود”؟ يؤذون نساءهم، ينسفون منازلهم، يسرقون أرضهم… كاللص يدخل عليك في الظلام دارك فيحتلّ جانباً منها فيدعوك إلى التفاوض. أفيفاوض ربّ الدار الحرامي؟ إذن فعلى العقل وعلى العدل السلام.

كم من أمهات هناك ثاكلات وبنات مهتّكات، وبيوت مخرَّبات ودموع مسفوحات، وأعزّة كرام ذلّوا وأغنياء احتاجوا، شُرّدوا وسكنوا بعد القصور الخيام، وصاروا بعد البذل والعطاء محتاجين إلى القوت وإلى الغطاء… فإن لم تدافعوا عنهم بالسلاح ولم تبذلوا من أجلهم الأرواح فجودوا بالأموال، فإن الجود بالأموال نوع من الجهاد.

الذكريات ج8 ح226 (1987)

ملاحظة: الكلمة الأصلية عن فلسطين، وفيها: “هل تستطيعون أن تأكلوا وتشربوا وتضحكوا وتمزحوا “وإخوانكم هناك في فلسطين يذبّح أبناءهم “اليهودُ”… وقد غيّرت ما بين الأقواس فصارت الكلمة كأنما قيلت في حالنا اليوم.
هذا المنشور نشر في علي الطنطاوي: كلمات في الثورة. حفظ الرابط الثابت.

التعليقات

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s