علي الطنطاوي: كلمات في الثورة (22)

كلمات في الثورة_19

-22-

إن الذي ينفقه الأغنياء على الترف والسرف يكفي لتعليم كل ولد في البلدة وإطعام كل جائع وإسعاف كل فقير. إن عرساً واحداً من أعراس الموسرين الكبار تكفي نفقاته لإطعام عشر عائلات شهراً كاملاً، وما يُنفَق على أكاليل الزهر في الجنائز وطاقات الورد في الأفراح يفتح كل سنة مستشفى مجانياً للفقراء، وما يُنفَق في الولائم والحفلات وما يُصرَف في الملاهي والموبقات يكفي لسد حاجة كل محتاج.

وأنا لا أقول: دعوا هذا كله؛ فإنكم لن تفعلوا، ولكن اجعلوا من أموالكم نصيباً لهؤلاء المعذَّبين في الأرض. زكّوا عن أموالكم فإنكم لا تدرون هل تدوم لكم أو تذهب عنكم.

وهل أخذ أحدٌ على الدهر عهداً أن لا تَحُول عنه الحال وأن لا يذهب من يده المال؟ ومَن الذي جعل لولد الغني الحق في أن يبقى أبداً سيداً، يُعطى ما يطلب وينال ما يريد، وكتب على ولد الفقير الفقرَ والشقاء أبداً؟ ومَن يثق بأنّ ولده لن يحتاج غداً إلى ولد الفقير، يسأله ويرجو رِفده؟ وإذا وثقتم ببقاء المال، فهل تثقون ببقاء الصحة؟ أتأمنون الأمراض والنوازل والنكبات؟

فاستنزِلوا رحمة الله بالبذل، وادفعوا عنكم المصائب بالصدقات.

وأنا لا أخاطب أرباب الآلاف المؤلفة فقط، بل أخاطب القرّاء جميعاً. إن الناس درجات؛ أمَا تفرح إن أعطاك صاحب الملايين ألف ليرة؟ فأعطِ أنت المُعدَم عشرَ ليرات. إن الليرات العشر له كالألف لك، والألف عند المليونير كالعشر عندك. والثوب القديم الذي تطرحه قد يكون ثوبَ العيد عند ناس آخرين، فلماذا لا تسرّهم بشيء لا يضرك ولا تحس بفقده؟

ولو أن كل امرئ يعطي من هو أفقر منه لما بقي في الدنيا محتاج. فيا أيها القراء، أسألكم بالله: لا تدَعوا كلمتي تذهب في الهواء، فإني والله ما أردت إلا الخير لكم.

من حديث النفس: جواب على كتاب (1959)

هذا المنشور نشر في علي الطنطاوي: كلمات في الثورة. حفظ الرابط الثابت.

التعليقات

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s