مصر: نقطة اللاعودة

مصر: نقطة اللاعودة

مجاهد ديرانية

حتى هذه اللحظة نستطيع أن نقول بثقة إن انقلابَ العسكر في مصر انقلابٌ فاشل. ليست هذه أمنيات وخيالات، بل هي الحقيقة، فليس اعتقال رئيس مصر الشرعي المنتخَب وحل البرلمان الذي ارتضته أغلبيةُ المصريين علامةً على النجاح؛ الانقلاب لن ينجح حتى يُحكم سيطرته على مصر ويُنهي الثورة الجديدة، ولكن هذا الهدف بعيد جداً، وهو يزداد بعداً باستمرار، فالثورة تزداد قوة وعنفواناً وانتشاراً كل ساعة، وقد أضل الله الانقلابيين فلا يزالون يرتكبون حماقة بعد حماقة، حماقات متتاليات هي كالزيت يُصَبّ على النار، فلا تزيدها إلا أُواراً وانتشاراً.

إن الطغاة يستوون جميعاً في الغباء الذي يسيطر على العقول والعمى الذي يختم على القلوب، فيكرر بعضُهم أخطاءَ بعض كالأنعام العَجْماوات التي لا تعقل، ثم ينتهون إلى ذات المصير. كما يحصل في كل الثورات بدأ المصريون الأحرار بمطالب واضحة محددة: عودة الرئيس المنتخب وإلغاء الإجراءات التعسفية التي اغتالت حرية المصريين وصادرت إرادتهم وحقهم في الاختيار. كان يمكن للانقلابيين التراجع في الوقت المناسب والخروج بأقل الخسائر، إلا أنهم لم يفعلوا، فانتقلت المطالبات من تنحّي الخونة الذين انقلبوا على الشرعية إلى محاكمة القتلة والمجرمين، وسوف تصل قريباً إلى المطالبة بإعدامهم وقطع كل طريق للتراجع وأنصاف الحلول، هذا هو المآل الذي تقترب الثورة المصرية منه بسرعة يوماً بعد يوم.

الثورة ما تزال في أولها، ولكنها تزداد انفجاراً بتسارع كبير، وسوف تبقى ما بقيت الجماهير مثابرة على المطالبة بحقها المشروع، وهي -بفضل الله- مثابرة مُصِرّة على استرجاع حقها الذي سطا عليه الانقلابيون المعتدون. إن الذين تابعوا ثورة مصر الجديدة من يومها الأول والذين شاهدوا الجموع العظيمة التي ملأت أرض مصر يوم الجمعة الأخير ثم يوم الإثنين واليوم، هؤلاء جميعاً يدركون أن أحرار مصر قد عبروا خط الرجعة ووصلوا إلى نقطة اللاعودة، وأنهم لن يتوقفوا بعد اليوم إلا في محطة الانتصار الكامل إن شاء الله.

*   *   *

مصر اليوم أمام خيارين: إما أن يتراجع الجيش عن الانقلاب ويَسقط مشروع سرقة الثورة ويعود الرئيس ومجلس الشعب اللذان انتخبهما الناس، أو تدخل مصر في معركة طويلة كالتي دخلتها الثورة السورية. لا يوجد حل ثالث فيما أرى، فإن الحركة الشعبية الهائلة أكبر من قدرة الانقلابيين على التحكم والسيطرة، وقد وصلت إلى نقطة لا تراجعَ فيها، تماماً كما وصل السوريون إلى نقطة غير قابلة للتراجع عندما بدأ نهر الدم بالجريان.

لقد نضجت ثورة مصر الجديدة وأبصرت الطريق بسرعة، فاليوم -ولمّا تمضِ على انفجارها ثلاثة أسابيع- أعلنت منصة الثورة في ميدان الحرية (رابعة العدوية) ثلاثة أصول كبرى:

(1) الإصرار على الهوية الإسلامية لمصر وثورة مصر. هذا هو الرد الصائب على الحرب العلمانية الصريحة التي يشنها الأعداء على مصر بلا خجل ولا مواربة. كفانا غفلة، آن لنا أن ندرك أن أعداء مصر لا يحاربون الإخوان بل يحاربون الإسلام، وأن إسقاط الانقلاب ينبغي أن يكون مطلباً للمسلمين كافة وليس مطلب حزب أو جماعة.

(2) الوقت الآن للثورة وليس للسياسة، فلا حوار ولا مفاوضات قبل عودة كل شيء إلى ما كان عليه قبل الانقلاب. وأنا أزيد رجاء من عندي: أيّما حوار في أي وقت وفي أي ظرف لا يكون إلا على المنصة وأمام الملايين، هذا هو الضمان الوحيد حتى لا تُخترَق الثورة ولا تؤكل ثيرانها فُرادى لا قدّر الله.

(3) التأكيد على اقتلاع نظام الطغيان من الجذور وعدم الاكتفاء بإسقاط الخونة الكبار. هذا الإجراء الحاسم هو الكفّارة الوحيدة المقبولة عن الخطيئة التي ارتكبتها الثورة الأولى، حينما طيّرت واحداً من رؤوس الحيّة الستة وأبقت خمسة رؤوس؛ ذهب الرئيس المخلوع وبقيت أجهزته الأمنية والإعلامية والاقتصادية والقضائية والعسكرية، فخرج النظام من الباب ليعود بعد ذلك من الشبّاك.

بارك الله فيكم يا أحرار مصر؛ اليوم عرفتم الطريق وبدأتم فيه المسير، فلن تضلوه بعد اليوم بإذن الله.

هذا المنشور نشر في مصر وثورة مصر. حفظ الرابط الثابت.

5 ردود على مصر: نقطة اللاعودة

  1. يقول محمد داود:

    كل ما تقوله كان بيد محمد مرسي لكنه اختار منذ البداية أن يقسم على المحافظة على الدستور الذي كان المجلس العسكري قد أضاف إليه إعلانا دستوريا مكملا، وأقسم هذا القسم عدة مرات، منها قسم أمام المحكمة الدستورية. هذا الفعل هو ما أنهى الثورة تماما. لا يمكن أن يتصرف رئيس بعد ذلك إلا وفقا للدستور الذي أقسم على المحافظة عليه إلا إذا كان كاذبا في قسمه بالله العظيم.
    اختار محمد مرسي أن يضع قائدين من المجلس العسكري ضمن مستشاريه وأعطاهما قلادتي النيل وكان يصر أنه يستشيرهما، فإما أنه كان كذلك فيكون مشاركا لهما في جرائمهما في الفترة الانتقالية الأولى، أو أنه كاذب والمؤمن لا يكذب.
    ولما اكتشف أنه لا يمكن القضاء على الفساد إلا بالثورة التي وأدها منذ توليه الحكم أراد أن يكون ثوريا فانتهك الدستور وأضاف لنفسه ولمجلس الشورى صلاحيات جديدة دون استفتاء الشعب، فلم يكن ثوريا وقت الثورة ولا منقادا للقانون بعد أن أقسم على المحافظة عليه.
    من وقف ضد الثوار ومع العسكر كان هم الإخوان ومؤيدوهم في مجلس الشعب، ومن وقف أمام الثوار ومع الشرطة بعد مجزرة بورسعيد هو محمد مرسي الذي شكرهم واعتبرهم قلب الثورة. فهل يعتذر الإخوان عن وقوفهم ضد الثوار عندما كانوا يريدون إخراج العسكر من الحكم فتظاهروا ضدهم في جمعة سماها الإخوان جمعة الوقيعة؟ هل تعرف أن العسكر لم يقرروا الخروج من الحكم في عام 2012 إلا بعد أن سقط مئات الثوار في ميادين مصر؟ فماذا كان جزاء هؤلاء الثوار في عهد محمد مرسي؟
    هل لديكم أي مقالة تتحدث عن إجرام العسكر وتنتقد محمد مرسي على شكره لهم ووقوفه معهم كما هي مقالاتكم التي تتحدث عن جرائم العسكر اليوم وتنتقد وقوف الحكومة الانتقالية معهم؟ وهل لديكم أي مقالة تنتقد مواقف محمد مرسي خاصة من روسيا والصين وإيران؟ لو كان رد الإخوان ومؤيديهم في مصر وخارج مصر على انتهاكات العسكر وعلى انتهاكات الإخوان مثل ردودهم اليوم على جرائم العسكر لما وصلنا إلى هذا اليوم. وها قد أصابت دعوات المظلومين من وقف مع العسكر.
    فشل الانقلاب العسكري هو في صالح مصر، وهذا ما سيتحقق عندما تصر الحكومة الانتقالية على كشف حقائق كل الجرائم التي حدثت منذ 25 يناير، وإذا لم تفعل فستتحرك كل فئات الشعب لإسقاطها كما أسقطت كل من سبقها، فالثوار الحقيقيون لا يهمهم من في الحكم بل يهمهم ما يحصل فعلا، والثوار الحقيقيون تجدهم في الدفاع عن كل المظلومين وضد كل الظالمين، لا فرق بين من هو قريب من أفكارهم أو من هو بعيد عنها، والثوار الحقيقيون ما زالوا ضد المحاكمات العسكرية للمدنيين، وضد كل انتهاكات العسكر والشرطة، وضد كل من برر هذه الانتهاكات خلال عامين ونصف، والثوار الحقيقيون هم الذين يريدون تحقيق العدالة الانتقالية وتطهير وزارة الداخلية ولا يقبلون بالمساومات مع المجرمين.
    أما من كان يمدح العسكر والشرطة فقد تعرف في هذه الفترة عليهما فإن لم يعتذر عن وقوفه معهما ضد الثوار فقد لاقى جزاء من جنس عمله، وإن اعتذر فلا بد أن يطالب بمحاكمة محمد مرسي الذي شكرهما ومدحهما رغم كل جرائمهما قبل عهده وفي عهده بدل أن يطالب بعودته.
    إذا أردت أخي الكريم أن تكون مع الحق فقف مع الحق ضد كل الظالمين حتى لو كانوا يظلمون غيرك، قف مع الحق حتى لو لم يبق غيرك، قف ضد كل حاكم يظلم الشعوب ويسرق أموالهم بغير حق حتى لو أعان الثوار والمناضلين بفتات منها؛ فالحق أحق أن يتبع. أما المواقف التي يقفها بعض من يطالب بعودة محمد مرسي لرئاسة مصر ثم يمدح أيا من حكام الدول التي هنأت عدلي منصور بالرئاسة فهي مواقف مخزية، فمن يطالب بعودة محمد مرسي عليه أن يطالبه إذا أراد العودة أن يعتذر عن كل جرائمه السابقة، وأن يقطع العلاقات مع هذه الحكومات وهؤلاء الحكام، وأن يسارع بإعادة كل المصريين الموجودين في بلاد الظلم والطغيان هذه إلى بلادهم، وليطالبه بإعدام كل قادة الانقلاب ومعهم شيخ الأزهر وكل من شارك في الحكومة الانتقالية بتهمة الخيانة العظمى، خاصة إذا كان هذا المطالب يعتبر هذا الانقلاب ذبحا للإسلام، وهو بالتأكيد لن يتصالح مع من ذبح الإسلام.
    رب بما أنعمت علي فلن أكون ظهيرا للمجرمين، ولن أجادل عن أي مجرم حتى لو كان أقل المجرمين سوءا.

    • أخي الفاضل، لو أنك تابعت ما كتبتُه عن مصر خلال الأسابيع الثلاثة الماضية وقرأته بتمعن فسوف تتأكد أنني لا أدافع عن مرسي ولا عن جماعته. ليس هذا شأني، إنما أقف ضد الانقلاب وضد حكم العسكر، فمهما ارتكبت حكومة مدنية من أخطاء وتجاوزات فإنها قابلة للإصلاح أو التبديل في دورة انتخابية تالية، أما الحكومة العسكرية فلا رجاء في إصلاحها ولا تبديلها، لذلك وجب أن يقف المصريون كلهم اليوم صفاً واحداً لإنهاء هذه الكارثة، وبعد ذلك يعالجون ما لدى حكوماتهم من أخطاء وتجاوزات.

      أما ما تفضلت بوصفه من “مواقف يقفها بعض من يطالب بعودة محمد مرسي لرئاسة مصر ثم يمدح أياً من حكام الدول التي هنأت عدلي منصور بالرئاسة” فهي ليست فقط مواقف مخزية كما تفضلت، بل هي مشاركة في الجريمة. إن الموقف من الظلم والاستبداد شرعي مبدئي لا يقبل المساومة، وكل من يمدح الظلمة والمستبدين شريك لهم في الظلم والاستبداد.

      • يقول محمد داود:

        ألا ترى أنه حتى “يقف المصريون كلهم اليوم صفاً واحداً لإنهاء هذه الكارثة” فإن عليهم أن يقفوا ضد الإخوان الذين كانوا مع حكم العسكر رغم جرائمه العديدة؟ لا فرق بين العسكر والإخوان فانظر كيف مدحوا العسكر وبرروا جرائمهم وكما قلت “كل من يمدح الظلمة والمستبدين شريك لهم في الظلم والاستبداد”، هذا هو موقفي تماما من أي مسؤول أو عالم يمدح أوباما أو بوتين أو نتنياهو أو عبد الله آل سعود أو حمد آل خليفة أو بشار الأسد أو غيرهم. ولذلك لن “يعود الرئيس ومجلس الشعب” اللذين “انتخبهما الناس” لأنهما وقفا- إلا عدة أفراد في مجلس الشعب- مع الظلم والاستبداد.
        وهذا ما أتمنى أن يفهمه المعتصمون عند مسجد رابعة العدوية رحمها الله، وأن يطالبوا هم أيضا بمحاكمة قيادات العسكر والإخوان بدلا من المطالبة بعودة رئيس انتهك الدستور فاستحق العزل.
        والله المستعان.

        • الاستنتاج غير صحيح. على أهل مصر وأحرارها جميعاً أن يقفوا صفاً واحداً لإنهاء الانقلاب والعودة إلى الحياة المدنية الدستورية، وبعد ذلك يعالجون ما كان وما يمكن أن يكون من أخطاء الحكومة -رئيساً ووزراء- بالأدوات القانونية المستقلة، فمن يستحق العقوبة يعاقَب ومن يستحق التكريم يكرَّم، أما الوقوف ضد الانقلاب وضد الحكومة الشرعية معاً فإنه موقف غريب سيمنح القوة للانقلابيين ويمكنهم من الاستمرار في مخططهم الخبيث.

  2. يقول غير معروف:

    أحسنت

التعليقات

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s