الأمّة على باب عصر جديد (1)

الأمّة على باب عصر جديد (1)

الزلزال العربي

مجاهد ديرانية

 

-1-

يوشك الزلزال أن يضرب المنطقة العربية كلها في بضع سنين؛ لن ينجو منه أي بلد، فإن العلامات لا تحتمل التأويل. قد لا يلاحظ المراقبون الذين ينظرون إلى السطح الكثير، لكن الزلازل لا تتكون فوق الأرض، إنها تتكون ببطء في باطن الأرض، فتتراكم قُوى ومؤثراتٌ جيولوجية على مدى سنوات أو عقود ثم تنتهي بحركة مفاجئة مدمّرة على سطحها. إن الزلزالَ انفجارٌ مباغت لطاقة كبيرة استغرقت الأرضُ فترة طويلة لتخزينها في باطنها، وكذلك زلازل الشعوب.

 

لم ينجح الجيولوجيون حتى الآن في التنبؤ الدقيق بمكان وزمان الضربة قبل وقوعها، ولكنهم يستطيعون أن يحددوا -بقَدْر لا بأس به من الدقة- درجة الخطر في هذه المنطقة أو تلك خلال عقد من السنين. كذلك لا يستطيع علماء الاجتماع أن يحددوا لحظة انفجار شعب من الشعوب، ولكنهم يستطيعون أن يقدّروا درجة الخطر بقياس تسارع التحولات الاجتماعية والفكرية، ويمكنني أن أقول بثقة: إن الانفجار العربي الشامل أقرب بكثير مما يتوقعه كثيرون.

 

-2-

لقد انفجرت عدة ثورات في العالم العربي قبل ثلاث سنوات، وكان المتوقع أن ينتشر المد الزلزالي ليشمل بلداناً أخرى، حتى إن الدكتور حاكم المطيري نشر في تلك الأيام إحدى روائعه: “بالدور يا عرب، بالدور”، ولكن الحركة الثورية توقفت فجأة في سوريا فلم تتجاوزها إلى غيرها، وها هي اليوم تنعكس بثورة مضادة في مصر. ماذا حصل؟

 

لقد وقفت في وجه الثورة السورية قوى عالمية وإقليمية كثيرة وخططت لإفشالها بكل الوسائل الممكنة، ولو كان الثمنُ تدميرَ سوريا كلها وإفناء نصف سكانها. كان المفروض أن تموت الثورة السورية وأن تكون درساً لكل أحرار العرب، درساً يهتف صارخاً مهدّداً: “هذا هو مصير الشعوب التي تتحدى الأنظمة القوية”. عندي خبر مؤسف لكل الذين راهنوا على ذلك. لقد كانت الثورة السورية درساً للعرب، بل للعالم كله، ولكنه لم يكن الدرس الذي أراده أعداؤها، بل كان النقيض تماماً: لقد صارت هذه الثورة المباركة مصدراً للدفع والإلهام، وقريباً ستدخل إلى مناهج التاريخ في كبرى جامعات العالم كمثال لثورة شعب لا يُقهَر.

 

نعم، الشعوب المستضعَفة لم تروّعها المأساة السورية، بل قالت ببساطة: إذا استطاع السوريون كسر شوكة نظام يصنَّف من أسوأ خمسة أنظمة في العالم المعاصر فلا بد أننا قادرون على أن نحذو حذوه وأن نصنع ما صنع. لم يفهم الطغاة حتى الآن أن الشعوب الأبيّة تصبر على الضيم يوماً من الدهر ولكنها لا تصبر عليه أبدَ الدهر، وأن الشعوب إذا تفجر غضبها فلن تقف في وجهها قوة في الدنيا، وأن الشعوب تبقى والأنظمة الحاكمة تزول.

 

-3-

لقد تفجرت ثورات العرب قبل ثلاث سنين، وكان ينبغي على الأنظمة أن تدرك أن الأرض بدأت تتزلزل وأن ثورات الشعوب لن تتوقف عند الحدود الجغرافية. إن الزلزال يمشي تحت الأرض فلا يعرف الحدودَ المصطنَعة فوقها، وكذلك زلزال العرب. إنها أمة واحدة يوحدها الدين وتجمعها اللغة، أمة واحدة ذات هموم واحدة وآمال واحدة، فما حرّك شعباً هنا سيحرك الشعب الآخر هناك.

 

أمران لم تعد الشعوب قابلة للمساومة فيهما: الحرية والدين، فأي اعتداء على أي منهما يفجّر الغضب ويزلزل الأرض. الظلم والاستبداد والفساد وأكل الحقوق واستلاب الأموال ومحاصرة الحريات والاعتقال والتعذيب… كل واحدة من تلك السيئات تناقض الحرية. ومحاربة الإسلام وهدم الأخلاق والتضييق على المتدينين والتحالف مع أعداء الأمة خطيئات تصادم الدين.

 

-4-

الزلزال قادم لا محالة، وسوف يضرب أرض العرب كلها لا محالة، ولكنه سيتقدم ويتأخر بحسب سياسات الدول ومعالجتها لأسباب الغضب. عندما بدأت الثورات توقعتُ أن تعقل الأنظمة وتغلّب الحكمة فتعمل على امتصاص الغضب ومنح الجماهير حداً أدنى من الحرية. بعض الدول صنعت ذلك، كالمغرب على سبيل المثال، فأخّرت الانفجار. وفي الأردن خرجت المظاهرات بحماية الدرك الذين وزعوا قوارير الماء على المتظاهرين، ولو وزعوا الرصاص الحيّ بدلاً من قوارير الماء لكان الحال اليوم غيرَ الحال. لقد بقي السبب الأصلي الذي أخرج المظاهرات موجوداً -وهو الفساد واستغلال المال العام والانبطاح المُهين في الحضن الأميركي- إلا أن الثورة فقدت كثيراً من زخمها بسبب حسن السياسة، فتأخر انفجارها الكبير إلى حين، ولكنه لن يتأخر إلى الأبد لأن نار الظلم والفساد لا يطفئها إلا ماء العدل والحرية.

 

في مصر نشاهد العكس تماماً، فقد أعلن العسكر الحرب على الشعب ولجؤوا إلى سياسة الإرهاب والتخويف، فهم يستعجلون الانفجار ويدفعون إليه بكل الطيش وقلّة الحكمة اللذين يمكن اجتماعهما في الدنيا. لقد اختاروا الحل الأمني العسكري كما صنع النظام السوري من قبل، وهو أسوأ حل يمكن أن يخطر بالبال لأن الإرادة الشعبية لا تقهرها القوة أبداً، بل إنها لا تزيد الشعب إلا إصراراً وقوة، فكلما سقط شهيد نبت محلّه ألف ثائر جديد. إن الثورة الكبرى توشك أن تبدأ في مصر عمّا قريب، وسوف تكون ثورة حقيقية صعبة طويلة، وسوف يندم كل من أيّد العسكر وساعدهم على انقلابهم -بالعمل أو بالصمت- في وقت لا ينفع فيه الندم.

 

-5-

الطريق الوحيد لتجنب الزلزال في أي بلد هو المصالحة الفورية مع الشعب ومنحه حريته التي يريد. ليس الحرية العشوائية التي تدمر الحياة الاجتماعية وتعتدي على القيم والمقدسات، بل الحرية المنضبطة التي تُشعر الناس بأنهم أحرار كرام لا أذلة ولا عبيد. حرية التعبير والتفكير والكتابة والاجتماع والمشاركة السياسية والترشح والانتخاب، الحرية التي تمنع تكميم الأفواه والتوقيف العشوائي والاعتقال التعسفي والتعذيب والإهانة والانتقاص من كرامة الإنسان. لقد تغيرت الأنفس ولم يعد الناس يصبرون على الظلم والاستبداد، وأيُّما نظام يستمر في الظلم ويصرّ على الاستبداد فإنه يدفع شعبه إلى الانفجار.

 

إن النظام القوي لا يبالي بظلم الناس، يقول: ها قد ظلمنا واعتقلنا وعذبنا وقتلنا ولم نرَ لكل ذلك أثراً . لا يا سادة، ثقوا أن الظلم يقصّر أعمار الدول ويعجّل بسقوط الأنظمة. لا أقول هذا من باب المواعظ العاطفية بل أقرره حقيقة علمية اجتماعية. إن كل ظلم يترك أثراً ولو ضئيلاً من المرارة والغضب في نفوس بعض الناس، وهذه الآثار التي لا تدركها العين لدقّتها تتراكم مع الوقت فتصنع تيارَ غضب، والتيار تكبّره الأيام ولا تصغّره فيغدو نهراً عريضاً دفّاقاً جارفاً، وذات يوم يحدث الانفجار.

 

إن كل دعوة يدعوها مظلوم على ظالميه هي لعنة معلقة بين الأرض والسماء، لن تبارح موضعها حتى يزول الظالم وينتصف المظلوم، ولو أدرك الظالمون ذلك ما ظلم أحدٌ في هذه الدنيا أحداً، ولكنهم لا يعقلون.

 

(وللحديث صلة تأتي في المقالات الآتية بإذن الله)

هذا المنشور نشر في مصر وثورة مصر, علي الطنطاوي: كلمات في الثورة. حفظ الرابط الثابت.

رد واحد على الأمّة على باب عصر جديد (1)

  1. يقول Nabil:

    مازلنا نستفيد ونتغذى ونشحن ايمانيا من أبينا وعالمنا الشيخ علي رحمه الله فإنا نحبه ونعتبره قدوة لنا في العلم والإيمان والجهاد
    كما أننا لاننسى أبو الثورة ومغذيها وداعمها الاستاذ الفاضل الي نحسبه مخلصاً ومؤمنا بنصر الله إذ يتخطفنا الناس فلكم منا جزيل الشكر
    أعتذر عن تأخيري في الر د والتعليق الأن استطعت أن أبدأ بالكتابة فقد خرجت من سوريا بعد أن أمضيت عشرين عاماً في السجن وثمانية عشر عاما خارجه مكتوما على أنفاسي إنا لله وإنا إليه راجعون
    والسلام

التعليقات

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s