ثورة مصر: لا للسلاح

ثورة مصر: لا للسلاح

مجاهد ديرانية

ارتكب المجرمون المجزرة، وعلى الفور انتشرت في طول الإنترنت وعرضه حُمّى الدعوة إلى حمل السلاح، يقولون: فشلت الانتخابات، وفشلت الاعتصامات، ولم يبقَ إلا السلاح!

ليس بعد يا أحرار مصر، ليس بعد! إن دروس التاريخ لا تهمس في آذان الناس ولكنها تصرخ صراخاً يشقق الجبال، فمن أصغى ووعى نجا، ومن أعرض وكرر أخطاء السالفين ندم حيث لا ينفع الندم. لقد مَرّ زمان لم نهتدِ فيه إلى أدوات المقاومة السلمية ولم نعرف قوة الجماهير، لم نعرف إلا قوة السلاح، فلجأنا إليه مضطرين، جرّبناه في الجزائر في ظروف تشبه الظروف التي تمر بها مصرُ اليوم، فما أورثَنا إلا دماراً ودماء وكوارث طامّات، ثم لم يوصلنا إلى شيء.

تقول دروس التاريخ إن استعجال حمل السلاح يحرق الثورة ويفرّق عنها أكثرَ جمهورها، أما السلمية فإنها تجمع وتؤلف، لأن الثورة المسلحة حركة انتقائية لا يستطيع حمل أعبائها إلا القلة القليلة من الناس، أما الثورة السلمية فإنها تسع الجميع، فمن شاء خرج بمظاهرة ومن شاء اعتصم مع المتعصمين، وربما اقتصر على كلمة يقولها أو كلمة يكتبها، وقد يساهم بإضراب أو مقاطعة أو عصيان… ويجتمع الواحد مع الواحد حتى يغدو جيش الحق ملايين. ثم إن الثمن الذي يدفعه الشعب في حالة الثورة المسلحة كبير كبير، والعرب تقول في أمثالها إن الكَيّ آخرُ العلاج لا أوّله، فإن العاقل لا يلجأ إلى الحل الأصعب إلا بعد أن يستنفد كل البدائل والخيارات.

لقد ثبت إخوانكم السوريون على سلميتهم لأكثر من نصف عام، حتى لم يبقَ إلى المثابرة عليها سبيل لأن نظام الاحتلال المجرم في سوريا فتح أبواب الفناء التي كادت تنهي الثورة كلها، بالاغتيال والاعتقال والتعذيب والاغتصاب والملاحقة والتشريد. وإن عقلاء الثورة السورية كلهم ليُجمعون اليوم (أو يكادون يُجمعون) على أن السلمية التي بدأت بها الثورة وصبرت عليها نصفَ عام هي التي وسّعت جمهورها ونشرت حراكها، وأنه لولا السلمية لما عاشت الثورة ولاستطاع النظام القضاء عليها في أسابيع معدودة أو في أشهر قليلة.

*   *   *

يا أحرار مصر: اعلموا أن الثورة ليست اعتصامات ولا مظاهرات، إنما هذه صور للتعبير عن الثورة. الثورة في حقيقتها هي إرادةُ التغيير والإصرارُ عليه والتضحية في سبيله، الثورة تستقر أولاً فكرةً في عقول الناس ثم تفيض مشاعرَ وانفعالات في النفوس، فإذا استقرت قناعةً في العقل وانفعالاً في النفس عبّرت عنها الجوارح بالعمل: بالاعتصام والتظاهر والهتاف والكتابة والإضراب والعصيان… فما من باب يُغلق إلا وستجدون أبواباً سواه تستطيعون فتحها، فإذا أُغلقت الأبواب جميعاً ذات يوم ولم يبقَ من سبيل إلا السلاح فلن يلومكم على حمله يومئذ أحد، ولن تندموا بعدئذ لأنكم حملتموه، لأنكم ستقفون في ذلك اليوم على مفترقٍ ليس فيه إلا طريقان: العسكرة أو الاستسلام، ولن يطالبكم بالاستسلام إلا عميل أو أحمق أو جبان.

لم تنتهِ المعركة يا أحرار مصر، بل هي لمّا تكد تبدأ، إنما انتهت الجولة الأولى، ولم تخسروها، بل لقد ربحتموها بجدارة: صبرتم على الصعاب وثبتّم ثبات الجبال، وها قد ذهب الشهداء إلى ربهم فائزين مكرَّمين، وبقي مَن بقي وراءهم ليكملوا الطريق.

اليوم بدأت الجولة الثانية، وهي الاختبار الحقيقي لقوتكم وصبركم يا أيها الأحرار. دونكم الشوارع والساحات والميادين: إنْ فَضّوا اليوم اعتصاماً فابدؤوا من الغد بغيره، وإن أغلقوا دونكم الساحات فلن يستطيعوا إغلاق الشوارع، اخرجوا إلى الشوارع بالمظاهرات وأسمعوا العالم هتافات الغضب والرفض والصمود والإصرار، وإن في مصر من الشوارع ما يتسع للملايين. وإذا لم يُجْدِ ذلك كله فعليكم بالسلاح الأخير الخطير الذي عجزنا عن استعماله في سوريا للأسف الشديد: العصيان المدني، ولو أنكم أحسنتم استعماله فسوف يزلزل الأرض تحت أقدام الظالمين.

لقد كانت رابعة والنهضة ميادين للثورة والاعتصام، واليومَ مصرُ كلها أرضُ ثورة ومصر كلها ميدانُ اعتصام.

هذا المنشور نشر في مصر وثورة مصر. حفظ الرابط الثابت.

5 ردود على ثورة مصر: لا للسلاح

  1. يقول محب الشام:

    جزاك الله خيرا

    اخي الحبيب ان اول واخر طموح عند الامريكان وعملاهم هو اشعال حرب اهليه في مصر تا كل الاخضر واليابس وبعد ذلك سوف تزحف دويلة اسرائيل الى سيناء وتحتلها بالكامل بدعوى تكاثر الخلايا الارهابية فيها
    انا اجزم ان قيادات في الجيش المصري يخونون مصر وشعبها
    احداث مصر جميعها مفتعله من الخارج وارجو طرح مواضيع مكثفه تحذر من حمل السلاح
    خصوصا ان طبيعه مصر مختلفه تماما عن اي بلد حيث ان الشعب قادر على المظاهرات والاعتصامات دون ان تقدر الحكومه على منعه
    اما بخصوص سوريا الحبيبة اهم شي هو وحده الصف واتحاد الكتائب تحت قيادة واحده منتخبه مع تاسيس مجلس عسكري يضم جميع القياديين
    والعلماء والخبراء مع قراءة خطط النظام وطريقة تفكيره وهي واضحه وضوح الشمس
    وهي على النحو التالي
    1- النظام يريد حصر المعارك في المناطق السنية ومنعها من التمدد الى الساحل
    2-يريد تحويل الصراع من صراع سني نصيري الى صراع عربي كردي

  2. يقول إبراهيم الرافعي:

    لو أضفت إليها شيئا آخر أراه أهم من السلمية وهو لا للاستقواء بأي حاكم ظالم ولا بأي دولة ما زالت تتعاون مع الصهاينة أو مع أصدقائهم الأمريكان بل أعتقد أنه يجب أن ترد مساعداته التي يمن بها على الثورات حتى لو جاع الأحرار
    وهو ما أوقع الثورة السورية في فخ قطر والسعودية وأمريكا …
    وبالفعل عندما تحتاج إلى السلاح ستحتاج اليوم حتما إلى أحد الظالمين لكن عندما تقرر الصمود سلميا فستكون صادقا وأنت تقول ما لنا غيرك يا الله
    كفى تبريرا للتعاون مع الشياطين الذين يقتلون غيرنا اليوم وسيقتلوننا غدا

  3. يقول Nabil Hawara:

    شكرًا أستاذي الأستاذ الفاضل مأمون ، فإنك تتكلم بعين الحقيقة فأنا من سوريه ونعاني من خذلان الحكومات العربيه والأجنبية وتبين أن شعاراتهم واهيه بل بالعكس يريدون تقويض الثورة بكل استطاعتهم ولكن (يكيدون كيدا وأكيد كيدا فمهل الكافرين أمهلهم رويدا ) (وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال ) ( فلا تحسبن الله غافلاً عما يعمل الظالمون )
    وعلينا بالصبر والتوكل على الله ولا نستعجل الثمره ولا نجزع على الشهداء ( ولكن ليبلو بعضكم ببعض والذين قتلوا في سبيل الله فلن يضل أعمالهم )

  4. يقول غير معروف:

    اعجبني تعليق الاخ الحبيب ابراهيم الرافعي
    كلامه صحيح جدا لكن في سوريا فأن الوضع مختلف السلميه بدأت واستمرت لمدة تسعة شهور
    رغم محاولات الخارج عسكرتها منذ البداية كي يمنح النظام ذريعه المواجهة و القتل الثوار بحجة الارهاب والقاعده
    في سوريا لافايدة من السلميه والعصيان المدني مع نظام النظام النصيري هذا النظام اسقاطة لايكون الا من خلال السلاح والقوة
    واكبر مثال العراق هناك اعتصامات سلمية دون فايده ومن يراهن على انشقاق رجال الجيش الاسدي فهو واهم لم ينشقوقوا والدماء الى الركب فكيف ينشقون والاحتجاجات سلمية ؟؟؟
    والعصيان المدني لن يؤدي الى نتيجه لانهم لن يعيرونه اي اهتمام تدمير البلد بالكامل وتخريبها لم يعيرونه اهتمام فكيف يعيرون العصيان المدني
    اخي لاتندم على شي كنت فاعله والله العظيم انك فعلت الصواب عندما حملت السلاح
    والخطاء الوحيد الذي وقعت فيه هو خوضك للمعارك داخل المحافظات السنيه كان بودي لو تخوظها في الحتفظات النصيرية كي تحرق قلوب الاعداء

  5. كثير ممن ينفر من خيار السلاح يتحجج بفشل تجربة الجزائر، وننس بذلك نجاح تجارب أخرى، سواء أكانت في التاريخ المعاصر كالتجربة الأفغانية والشيشانية أو في التاريخ القديم كعصر الخلافة أو عصر الحروب الصليبية.
    نعم، ممكن أن نتعلم من أخطاء التجربة الجزائرية لا أن نلغي خيار السلاح بالكلية، من ذلك: التخاطب مع العامة وتوصيل دعوتنا إليهم، وكشف زور المرتدين، والتخطيط للمراحل المقبلة، وتنظيم وتوحيد الصفوف، ومحاسبة المقسرين ومعاقبة الخونة، والأهم أن نخلص أعمالنا لله وشرعه.

التعليقات

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s