هَوْناً يا عباد الله

هَوْناً يا عباد الله

مجاهد ديرانية

في يوم بعيد، قبل وقت طويل، خرج رجلٌ من بلده ضعيفاً طريداً يسعى في إثْره الطالبون. واشتد عليه الطلب فتوارى في شَقّ في رأس الجبل، لكنّ طالبيه وصلوا إلى حيث توارى وأوشكوا أن يكشفوه. وكان معه صاحب، فكأن صاحبه أشفق عليه منهم، فسكّن الرجلُ المؤمن رُوعَه وثبّته بخطاب الواثق بربه؛ قال: لا تحزن، إن الله معنا.

لم تكن تلك الكلمات المؤمنة المطمئنة نهايةَ رحلة المعاناة والتضحيات، لقد كانت بدايتها فحسب. كانت الرحلة شاقة طويلة، مَرّت فيها أوقاتٌ عصيبة بلغت فيها القلوبُ الحناجر، وأوقاتٌ اقترب فيها الناس من اليأس، ولكنها لم تنقضِ غيرُ سنوات حتى عاد الرجل الطريد إلى بلده فاتحاً مظفراً، وحتى خفقت راياتُ جيوشه في أنحاء جزيرة العرب، ثم امتد نور رسالته حتى أضاء ما بين طنجة والصين.

صلى عليك الله يا رسول الله، لقد علمتنا معنى الثقة بالله ومعنى التوكل عليه واليقين بنصره، فهلاّ وعينا الدرس وهلاّ قبسنا منك الثقة والتوكل واليقين؟

*   *   *

فيمَ اليأس وفيمَ الإحباط يا عباد الله؟ ما الذي اختلف بين الأمس واليوم أو بين صباح هذا اليوم والمساء؟ كنا وحدَنا وبقينا وحدنا، وكان الكل علينا وبقي الكل علينا، وكان أملنا بربنا واعتمادنا على مولانا وبقي أملنا بربنا واعتمادنا على مولانا. إنما هي ريح الخريف هَبّتْ لتسقط أوراق الشجر الذابلة، وقد سقطت وذَرَتْها الريح.

إنْ نلتفت وراءنا اليوم فلن نرى أسوأ من الذي رآه أصحاب موسى إذ يسعَون إلى البحر عُزْلاً ضَعْفَى وعدوهم يسعى وراءهم مدججاً بالعتاد والسلاح، فارتاع القوم وقالوا: إنّا لمُدرَكون. قال النبي الواثق بالله: كلا، إن معيَ ربي سَيَهدين. فأنجاه الله ومن معه أجمعين، وأغرق جيش الأعداء فلم ينجُ منهم أحد، لم تَنجُ إلا جثة الطاغية لتكون عبرة للظالمين وعلامةً على قدرة الله إلى آخر الزمان.

*   *   *

إنه اختبار. من ظن أن الناصر هو هذه الدولة من دول الأرض أو تلك فقد خاب ظنه وهو الليلةَ من القانطين، ومن علم أن قُوى الأرض أدواتٌ يحركها الله وأنه هو الناصر على التحقيق فلن يخيب أمله ولن تهتزّ ثقته بالنصر، لأنه يعلم أن الله إذا صرف عنا أداة سخّر لنا غيرَها، وأنه لا يختار لنا إلا الخير. ولعل من حكمته ورحمته بنا أن لا يضيّع جهادنا الطويل فيُنضج ثمرتَه على أيدي الخصوم والأعداء.

هذا الاختبار يقول لنا: لقد كانت يد القدرة الإلهية معكم -يا أهل سوريا- من يوم حطمتم الصنم وهتفتم “هي لله”، وسوف تبقى معكم وتقودكم إلى آخر الطريق. فلا تضلّوا السبيل، ولا تعلّقوا بغير الله القلوب، ولسوف ينصركم الله -ولو بعد حين- كما نصر رسوله وأولياءه بعد حين. يومئذ يفرح المؤمنون.

هذا المنشور نشر في خواطر ومشاعر. حفظ الرابط الثابت.

رد واحد على هَوْناً يا عباد الله

  1. يقول Nabil Hawara:

    جزاك الله خيراً أخي ومعلمي الأستاذ مأمون
    كلما ضاقت علينا وشعرنا بالخذلان والتآمر تأتي أنت لتواسينا وتشد ون أزرنا ونكون بحالة كحالة عمر رضي الله عنه عندما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وقرأ أبو بكر الأئمة قال: كأني لم أسمعها
    تأتي انت لتذكرنا ناهلاً من بحر القرآن الذي لاينضب مقتبساً من سنة العدنان وسيرته ، ابق واستمر في تزويدنا زادك الله من فضله وجزاك الله خيراً

التعليقات

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s