اللهم كن معنا ولا تَكِلْنا إلى أنفسنا

اللهم كن معنا ولا تَكِلْنا إلى أنفسنا

مجاهد ديرانية

التقيت أمس برجل خرج من ريف اللاذقية قبل أيام، وهو أول مَن ألقاه من تلك المنطقة منذ الحملة الكبيرة التي شَنّها المجاهدون على قراها النصيرية في رمضان، فاهتممت بسؤاله عن الحملة وأسباب فشلها، لأن العاقل يهتم بالعِبَر ويبحث عنها لكيلا يقع في الخطأ مرتين.

أخبرني بجملة أسباب باتت معلومة لكل الناس: نقص الذخيرة وقلّة الرجال وضعف التنسيق بين الجماعات المقاتلة، والكثافة النيرانية الهائلة التي ردّ بها العدو، ولا سيما الطيران الحربي الذي فتك بالمجاهدين وأرغمهم على الانسحاب من المواقع التي فتحوها بعد صمود بطولي وخسائر جسيمة.

كل ذلك معروف، ولكنه أخبرني بشيء جديد. قال: إن الإنجازات العسكرية التي حققتها الحملة في الأيام الأولى كانت أكبرَ من توقعات وآمال المجاهدين بكثير، فقد حرّروا بضع عشرة قرية في أقل من يوم، واندفعوا يَطوون الأرض باتجاه معقل العدو الأكبر، وصارت الكلمة الأكثر تداولاً على الشفاه هي: “القرداحة”.

قال: هنا ظهر شيء جديد لم نألفه ولم نره في المنطقة التي قاتلنا وعشنا فيها خلال السنة الماضية وما قبلها. لقد صرتَ ترى في عيون المجاهدين وتسمع في أصواتهم ما لم يكن فيها: “العُجْب”. غَرّهم ظفرهم الكبير فكبروا في عيون أنفسهم وظنوا أنهم صنعوا ما صنعوا بحَوْلهم وقوتهم وبحسن التخطيط والتدبير. نسوا أنهم أدوات وأن الناصر على التحقيق هو الله، فأذاقهم الله ما أذاق أصحابَ رسول الله عليه صلاة الله وسلامه يوم حُنَين: {لقد نصركم الله في مواطنَ كثيرة، ويومَ حُنَين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تُغْنِ عنكم شيئاً}.

في أمثال تلك اللحظات العصيبة يعود المؤمن إلى الله؛ يسأل: لماذا أصابتني الهزيمة بعد نصر؟ فيأتيه الجواب الحاسم: {أوَلمّا أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثلَيها قلتم أنّى هذا؟ قل هو من عند أنفسكم}.

يأبى الله إلا أن يردّنا إليه. لم تكن نتيجة الحملة نقمة، بل نعمة، لأن خسارة معيّة الله أعظم من خسارة عشر قرى، ولأننا لو وكَلَنا اللهُ إلى أنفسنا لما قطعنا في معركتنا العصيبة مع النظام ربع الشوط الذي قطعناه ولا صمدنا عُشر الوقت الذي صمدناه. لا أفهم معيّة الله هنا بالمعنى الذي يفهمه دراويش الصوفية، بل إنني موقن بأن الثورة السورية التي وقف العالَمُ كله مع عدوها المجرم الظالم (وقد صارت هذه حقيقة واضحة لكل ذي بصيرة بعدما مضى زمن كانت فيه من الظنون) هذه الثورة ما كانت لتبقى إلى اليوم لولا أن وقف معها مَن هو أقوى من العالم كله، الله رب العالمين.

اللهمّ كُنْ معنا ولا تكِلْنا إلى أنفسنا، فإنّا ضَعَفة قلّة عالة، لا قوةَ لنا إلا من قوتك ولا قدرةَ لنا إلا من قدرتك ولا نصرَ نرجوه إلا منك، قد انقطعت من أهل الأرض آمالنا فلم يبق لنا أمل إلا فيك ويئسنا من الناس فانحصر رجاؤنا في رحمتك؛ اللهم اجبُرْ كسرنا وانصُرْ جمعنا، وأبدلنا بالهمّ فرجاً وأخرجنا من البلاء إلى العافية.

هذا المنشور نشر في خواطر ومشاعر. حفظ الرابط الثابت.

التعليقات

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s