داعش بين الإصلاح والبغي والقتال

داعش بين الإصلاح والبغي والقتال

مجاهد ديرانية

-1-

كشفت المأساة المحزنة التي تعيشها سوريا منذ عدة أشهر عن قصور وضعف في قدرة الجسم الإسلامي على معالجة أمراضه، وقد كانت اختباراً حقيقياً للعلماء والدعاة، اختباراً فشل فيه الأكثرون ولم ينجح إلا قليل. قليلون فقط هم الذين حاولوا علاج المشكلة بالمنهج القرآني، أما الباقون فقد اقتصرت جهودهم على “حلول العرب” الشهيرة التي تقوم على المجاملة والمراضاة ومعالجة نتائج المشكلة وتجاهل أسبابها الحقيقية.

حتى هذه اللحظة، وبعدما بدأ “العلاج القرآني”، نجد من العلماء والدعاة من يحكم بمشاعره وعواطفه لا بشرع الله الواضح في كتاب الله، فيدعو الطرفين المتقاتلين إلى وقف الاقتتال وقفاً غيرَ مَبنيّ على أي أساس، ويطالب بقية المجاهدين باعتزال القتال وعدم الانتصار لأي من الفريقين. يقول الله تبارك وتعالى في كتابه الكريم {فقاتلوا التي تبغي} ويقول هؤلاء الناس: “لا تقاتلوا”، فأي الخطابَين أولى بالاستجابة، خطاب الخالق أم خطاب المخلوق؟

-2-

لو شاء الله أن لا يقتتل أهل القبلة بعضُهم مع بعض لكان، ولكنه شاء غيرَ ذلك لحكمة يعلمها، فقد سأل النبي صلى الله عليه وسلم ربَّه ثلاثاً، منها أن لا يجعل بأسَ المسلمين بينهم، فلم يُجِبْه إليها وقال: “إني إذا قضيتُ قضاء لم يُرَد”. فكتب عليهم ربهم أنهم يقتتلون وأنهم يبقَون -مع اقتتالهم- مؤمنين، فقال: {وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا}، فأثبت لهم الإيمان ولم ينفِه عنهم مع ما بينهم من قتال.

ولأن التنازع والاقتتال يكون بين أهل القبلة فقد علّم الله المسلمين كيف يتعاملون معه وكيف يعالجونه إذا وقع، واقتصر الحل على خطوتين اثنتين فحسب: الإصلاح والقتال، فعلِمْنا أن قتال مَن يرفض الصلح واجبٌ على جماعة المسلمين. وهذا يناقض ما يذهب إليه كثير من الدعاة والعلماء الذين يحاولون معالجة الأحداث الأخيرة فيمنعون القتال بالمطلق ويدعون كافة الأطراف إلى اعتزاله، وهم بتلك الدعوة يعطّلون آية في كتاب الله من حيث لا يشعرون، ويسعَون إلى حل ظاهري يُبقي على جذور المشكلة بلا حل، فتوشك أن تندلع النار من جديد.

مَن منا يحب أن يقاتل أحداً من المسلمين؟ بل مَن منّا يحب أن يرجم زانياً محصناً من المسلمين؟ حتى تطبيقُ الحدود صعبٌ على النفس، لذلك حثّ الله عليه ولم يترك للمؤمنين الخيار، وكذلك حكم قتال الفئة الباغية، ليس سهلاً تطبيقُه ولكنه واجبٌ على الجماعة لدرء شر أكبر بكثير، فقد علم الله أن حل الخلاف بين المسلمين المتقاتلين لا يكون إلا بتلك الطريقة، فأنزل بيانَها في آية تُتلى إلى يوم الدين.

-3-

هل الأمر بقتال الفئة الباغية على الوجوب أم على الاختيار؟ الثابت في كتاب الله أنه على الوجوب؛ قال ابن بطال في الشرح: “إذا ظهر البغي في إحدى الطائفتين لم يَحِلّ لمسلم أن يتخلّف عن قتال الباغية، لقوله تعالى: {فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله}، ولو أمسك المسلمون عن قتال أهل البغي لبطلت فريضة الله تعالى”.

وقال الطبري في التفسير: “لو كان الواجب في كل اختلاف يكون بين الفريقين الهرب منه ولزوم المنازل لما أُقيم حَق ولا أُبطل باطل، ولوَجد أهل النفاق والفجور سبيلاً إلى استحلال كل ما حرّم الله عليهم من أموال المسلمين وسبي نسائهم وسفك دمائهم، بأن يتحزبوا عليهم ويكفّ المسلمون أيديَهم عنهم، وذلك مخالف لقوله عليه السلام: خذوا على أيدي سفهائكم”.

عندما يقع بين فريقين من المؤمنين قتال يتوجب على جماعة المسلمين أن تحله -كما قرأنا آنفاً- بخطوتين اثنتين لا ثالثةَ لهما: الإصلاح فالقتال. الإصلاح الذي يردّ المَظالمَ ويقيم العدل، وهو يقتضي موافقة الطرفين على خطة الإصلاح ووقف القتال، فإذا رفض فريقٌ منهما الصلحَ فما الحل؟ قال تعالى: {فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله}، فأوجب القتال وحدّد نهايته بالفيء، فقال: “حتى تفيء”، و”حتى” عند النحاة حرف غاية.

أي أن القتال مطلوب حتى تتحقق الغاية منه وهي الفيء، أي الرجوع عن الخطأ والخضوع للحق. أما أن يصبح وقف القتال هدفاً مطلوباً بذاته فإنه عكس للأمر الرباني الذي شرعه على الوجوب وجعل له غاية لا يقف قبلها. فإذا تحقق الهدف، وفاءت الفئة الباغية إلى الحق ورضيت بالصلح والعدل، فلا يجوز أن يستمر القتال بعدها لا يوماً ولا ساعة ولا بعض ساعة.

-4-

قد تنشأ هنا شبهةٌ سببُها الأحاديثُ التي ورد فيها النهيُ عن القتال والوعيدُ الشديد لمن رفع من المسلمين سيفاً في وجه أخيه، وبما أن التعارض بين الحديث الصحيح والآية الصريحة في كتاب الله مستحيل فقد أوّل أهلُ العلم القتالَ الممنوع بما يكون على أمور الدنيا من مال وجاه ورئاسة وسلطان، ولا يدخل فيه وقف البغي وردّ العدوان. وإلا فأين نذهب بآية البغي التي ورد فيها الأمر بالقتال على الوجوب؟

قال القرطبي في “الجامع”: “في هذه الآية دليل على وجوب قتال الفئة الباغية المعلوم بغيُها على الإمام أو على أحد من المسلمين، ودليل على فساد قول مَن منع من قتال المؤمنين واحتجّ بقوله عليه السلام: “قتال المؤمن كفر”. ولو كان قتال المؤمن الباغي كفراً لكان الله تعالى قد أمر بالكفر، تعالى الله عن ذلك! قال القاضي أبو بكر بن العربي: هذه الآية أصل في قتال المسلمين والعمدة في حرب المتأوّلين، وعليها عوّل الصحابة وإليها لجأ الأعيان من أهل الملّة، وإياها عنى النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: تقتل عمّاراً الفئةُ الباغية”.

فإذا بغت جماعة في الشام على غيرها من الجماعات المجاهدة فإنّ وقوفَ الجماعات والفصائل الأخرى على الحياد واعتزالَ القتال لا يجوز، بل إنها مؤاخَذة إذا تركت الفئة المظلومة المَبغيّ عليها بلا نصرة. قال الشوكاني في “نيل الأوطار”: “اعلم أن قتال البغاة جائز إجماعاً، ولا يبعد أن يكون واجباً لقوله تعالى: {فقاتلوا التي تبغي}، وذهب جمهور الصحابة والتابعين إلى وجوب نصر الحق وقتال الباغين“.

وقال الإمام النووي في شرحه على صحيح مسلم: “اختلف العلماء في قتال الفتنة، فمنعتها طائفة، وقال معظم الصحابة والتابعين وعامة علماء الإسلام: يجب نصر المحق في الفتن والقيام معه بمقاتلة الباغين“. ثم قال: “وهذا هو الصحيح، وتتأول الأحاديث (أي الأحاديث الواردة في النهي عن اقتتال المسلمين) على مَن لم يظهر له الحق، ولو كان كما قال المانعون لظهر الفساد واستطال أهل البغي والمبطلون“.

-5-

قد يلتبس على المسلمين تحديد الفئة الباغية، فيقولون: وما أدرانا أي الطائفتين هي الباغية؟ والجواب في الآية نفسها. إن الآية واضحة في تعيين البغي بعد الصلح لا قبلَه، أمّا قبله فإن ما بين الفئتين هو الاقتتال؛ لاحظوا الترتيب: (1) وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا، (2) فأصلحوا بينهما، (3) فإن بغت إحداهما على الأخرى، (4) فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله.

ولنطبق هذه الآية بمراحلها الأربع على الأحداث الأخيرة في الشام. المرحلة الأولى تجاوزناها منذ وقت طويل، فقد وقع الاقتتال مراراً بين المجاهدين، ولا حاجةَ بنا إلى تأكيد أمر صار من المسلَّمات التي يعرفها الصغير والكبير في سوريا، وهو أن الاسم المتكرر في كل ما مضى من حالات اقتتال هو اسم تنظيم دولة العراق والشام (داعش)، أما الفريق المقابل فإنه يختلف بين مواجهة وأخرى، وفي هذه الإشارة غَناء عن كثير من الكلام.

بعد ذلك سعى بعض أهل الخير -من دعاة وعلماء- إلى الصلح وطالبوا الأطراف المتنازعة بالتحاكم إلى محكمة شرعية مستقلة محايدة، وكما صار معروفاً مشهوراً فقد وافق أحد الطرفين على الدعوة ورفضها الطرف الآخر وتنصّل منها بمبررات واهية، وكان الطرف الرافض في كل المرات هو داعش، فصارت هي الفئةَ الباغية الرافضة للتحكيم الشرعي والمصالحة، لا ينازع في هذه الحقيقة الساطعة ذو عقل وإنصاف.

-6-

إذا تنازعت فئتان واقتتلتا، ثم تدخّل بينهما أهل العلم وعرضوا مشروعاً للصلح، فاستجابت فئة وأبت الأخرى الاستجابة، فما العمل في هذه الحالة؟ هل أنزل الله تبارك وتعالى قرآنه على المسلمين ليلهوا به ويعبثوا بأحكامه أم ليمتثلوها ويحكموا بها؟ إن الخلاف بين المسلمين إذا تُرك وعولج بالمجاملات واسترضاء الظالم على حساب المظلوم فإنه يتحول إلى نار أكّالة تأكل الجماعة كلها، وأي تأخير في حسم الخلاف يزيد النار اضطراماً وصولاً إلى انفجار البركان لا قدّر الله، لذلك جاءت المراحل الأربع في القرآن معطوفاً بعضُها على بعض بالفاء، وهو حرف العطف الذي يفيد التعاقب السريع.

أي أن المطلوب من جماعة المسلمين إذا ما وقع بين فريقين منهم خلاف أن يبادروا إلى المصالحة على الفور، ولا ريب أن إجراءات المصالحة تستغرق بعض الوقت، ولكنه ينبغي أن يكون وقتاً قصيراً جداً، فإذا عاندت إحدى الفئتين وماطلت ورفضت الصلح فإنها تقاتَل على الفور لا على التراخي، قال: {فقاتلوا}.

لقد بدأت آخر محاولة للصلح (بعد محاولات فاشلة كثيرة سبقتها) بعد كارثة مسكنة الأخيرة، وطرح الشيخ يوسف الأحمد وفّقه الله مبادرة المصالحة في الثامن من صفر، قبل خمسة وعشرين يوماً، ولأن الوضع الخطير لا يحتمل المماطلة والتأخير فقد وضع له حدوداً زمنية قَدْرُها أربعةُ أيام، فمضت الأيام الأربعة وبعدها خمسُ أربعات مثلها، ولا من مجيب من طرف تنظيم دولة العراق والشام. ولم يكتف التنظيم بالإعراض عن المصالحة بل استمر في العدوان، فهاجم المزيد من المواقع والمدن واستولى على المزيد من المقرات والممتلكات واعتقل وقتل المزيد من الأبرياء.

-7-

بقيت مسألة بشأن تطبيق الحكم والشروع بالقتال، فقد ذهب الجمهور من أهل العلم إلى أن الذي يقاتل الفئةَ الباغية هو الإمام حصراً. وهذا أمر حق لا جدال فيه طالما وُجد الإمام، ولكن ما الحيلة إذا فُقِد الإمام؟ هل تترك جماعةُ المسلمين فئةً باغية لتأكل غيرَها وتستمر في العدوان إلى غايته؟ لا يقول بذلك عاقل. فوجب أن ينتقل الحق بتطبيق الحكم إلى جماعة المسلمين.

قال العلامة ابن عاشور في “التحرير والتنوير”: “الأمر في قوله تعالى {فقاتلوا التي تبغي} للوجوب، لأن ترك قتال الفئة الباغية يجرّ إلى استرسالها في البغي وإضاعة حقوق المَبغيّ عليها في الأنفس والأموال، والله لا يحب الفساد، ولأن ذلك يجرّئ غيرَها على أن تأتي مثل صنيعها، فمقاتلتها زجرٌ لغيرها. وهو وجوب كفاية، ويتعين بتعيين الإمام جيشاً يوجهه لقتالها، إذ لا يجوز أن يلي قتالَ البغاة إلا الأئمة والخلفاء”. ثم قال: “فإذا اختلّ أمر الإمامة فليتولّ قتالَ البُغاة السوادُ الأعظم من الأمة مع علمائها“.

أخيراً لا بد من تأكيد أن البغاة هم إخوان لنا مسلمون مثلنا، فلا يكون قتالهم كقتال الأعداء والكافرين. لا بدّ إذن من معرفة آداب وشروط قتال الفئة الباغية حتى لا يتجاوز أحدٌ من المقاتلين الحدود، وسوف يأتي تفصيل هذا الأمر المهم في المقالة الآتية إن شاء الله.

هذا المنشور نشر في داعشيات, رسائل الثورة. حفظ الرابط الثابت.

التعليقات

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s