داعش والإعلام الأسود

داعش والإعلام الأسود

مجاهد ديرانية

كلما انتقد العارفون بداعش منهجَ داعش الأعوج وجرائمَها المنكَرة ردّ الأنصار والمدافعون بتلك الجملة الشهيرة: “لا تسمعوا عن الدولة واسمعوا منها”، وهي تشبه قول شبّيحة وعبيد الأسد: “لا تأخذوا الأخبار من إعلام الثوار، خذوها من إعلام النظام”. وما إعلامُ داعش بأصدقَ من إعلام النظام.

أرأيتم إلى المرابي الذي يُقرض ويقترض بالربا ثم يطيل لحيته ويقصّر ثوبه ولا تفارق السبحةُ يدَه فيظنه الجاهلون الغافلون أعبدَ العبّاد وأزهدَ الزهّاد؟ هذا مثال داعش، ترتكب الموبقات ثم تتجلبب بجلباب الدين لتخدع به المساكين الذين لا يعرفون الحقيقة.

وأنّى لهم أن يعرفوا أن “الإعلام الداعشي الأسود” قائمٌ على الظلم والكذب والخداع والتلفيق والفجور في الخصومة، وهم يرونه مستتراً بستار الجهاد ومموَّهاً براية التوحيد؟ تبّاً لمن يتخذ اسم الله وسيلةً لإيذاء المؤمنين ويأكل الحقوقَ ويظلم العباد باسم الدين.

*   *   *

إنّ إعلامَ داعش وتأثيرَه في جمهورها أشبهُ ما يكون بإعلام النظام السوري وتأثيره في الموالين؛ إعلام يقوم على الكذب والتدليس وحملات التشويه المنظمة، ولو أن دارساً للإعلام تفرغ لتجميع الأمثلة على ما ينشره تنظيم “دولة العراق والشام” من طامّات وأكاذيب لخرج ببحث يصلح أطروحةً ينال بها درجة الدكتوراه.

من أحدث الأمثلة على كذب الإعلام الداعشي تلك الإشاعة القذرة الخبيثة التي أشاعوها عن سَبْي مجاهدي الشام لنساء المهاجرين. لقد حارب مجاهدو الشام النصيريين سنتين فما تجرأ إعلامُ النظام ولا تجرأت صفحاتُ عبيده وشبّيحته على رميهم بمثل تلك الفرية لأنها أكبر من أن تصدَّق، ذلك لأن للشرَف عند السوريين مكانةً عظيمة لا يعرفها إلاّ مَن عرفهم، وإن الواحد منهم ليعتبر المرأة الغريبة الأجنبية أختاً واجبةَ الحماية والرعاية ولو لم يجمعها به نسب، ولقد توارث الرجال في سوريا جيلاً عن جيل عادةَ النكوص عن أبواب البيوت إذا طرقوها، لئلا تفتحها سيدةٌ فيلمحَها الطارقُ بلا قصد، ولسان حال واحدِهم يقول:

وأغضّ طَرْفي إن بدت لي جارتي   ***   حتى يواري جارتي مأواها

أبَعْدَ ذلك كله يمدّون أيديهم إلى نساء المهاجرين؟ أيصنع ذلك مَن عفّ عن نساء النصيريين؟ وَيْحَكم يا أيها الكذّابون! وما نساء المهاجرين؟ أليس ثلاثة أرباعهنّ من السوريات؟ مع العلم بأن المسلم لا فرقَ عنده بين سوريّة وغيرِ سورية ولا بين عربية وغير عربية، فكل مسلمة عنده هي الشرف والعِرض المَصون.

ثم شاء الله أن يفضح تلك الكذبة اللئيمة الخبيثة، فقد تعقّب بعضُ الأحرار طريقةَ انتشارها حتى اهتدوا إلى أصلها، ونشروا قصتها في تسجيل مصور بعنوان “قصة وسم #سبى_صحوات_الشام_لنساء_المهاجرين”، فابحثوا عنه وشاهدوه، فإنه شاهدٌ على طريقتهم في الكذب والتضليل:

ألّف أحدُ إعلامييهم الوسمَ المطلوب ونشَرَه في البداية على أنه شائعة لم تثبت، ورغم أنها شائعة إلا أن الوسم كان قد وُلد وتصدّر التغريدة. بعد ذلك داوم على نشر الوسم نفسه في تغريدات متتالية مع قصص خيالية وتعليقات متشككة غير قاطعة، ثم جرّد تغريداته اللاحقةَ من عبارات الظن والتشكيك وأبقى الوسم مع عبارات ملبِّسة توحي لقارئها بأن العنوان يشير إلى وقائع قاطعة. بعد ذلك تلقّف الوسم َفريقٌ من إعلاميي داعش المحترفين وبدؤوا بترويجه على أنه حقيقة مطلقة، مع إضافة اللعنات اللازمة لتكملة ديكور المسرح، حتى صارت الشائعةُ عند الآلاف من أنصار داعش حقيقةً غيرَ قابلة للنقض.

*   *   *

وهذا مثالٌ آخر يكشف طريقتهم في الخداع والتضليل. أرادوا أن يشوّهوا مصداقيةَ بعض أهم رُعاة الثورة السورية وداعميها من العلماء، الشيخ عدنان العرعور والشيخ شافي العجمي، وعلموا أن حمص من أهم رموز الثورة السورية وأن الأحياء المحاصَرة فيها صارت أيقونة للصبر والصمود، فصوّروا مقطعاً صغيراً زعموا أنه مظاهرة قام بها أهل حمص المحاصرة، ورفعوا فيها لوحة تتهم الشيخين بالفتنة والخيانة.

لقد كان بوسعهم أن يصوروا مهرجاناً حاشداً في الرقة أو في حلب أو غيرهما من المناطق التي يوجد لهم فيها أشياع ومقاتلون، ولكنهم ضحّوا بالحشود واكتفوا ببضعة عشر ممثلاً (لم يجدوا غيرهم) لتصوير تلك التمثيلية السخيفة لأنهم يتكئون على مكانة حمص العظيمة في الثورة، فهداهم خبثهم إلى استثارة مشاعر جمهور الثورة وتأليبه على الشيخين بتوجيه الاتهام إليهما من قلب الحصار الحمصي، رغم أنهما كلاهما من أكبر داعمي حمص ومن أهم أسباب صمود أحيائها المحاصَرة حتى اليوم، وأنا أشهد على ذلك وأقسم على شهادتي بالله.

لو لم أعلم بهذا لما شهدت، ولولا أن علمي علم يقين لما أقسمت، إلا أن مشكلة كل من الشيخين أنه يعمل بصمتٍ العملَ الذي يعمله ألفُ رجل بضجيج، فهما لايصوّران أفلاماً اسمُها “نوافذ على ملاحم البذل والعطاء” لعرض ما يقومان به من أعمال وإنجازات، أما داعش فإن الألف من رجالها يعملون بضجيج صاخب العملَ الذي يعمله رجلٌ واحد بهدوء، ثم تصدر عنه بياناتٌ تلائم عملَ ألف رجل.

عندما أشاهد منشوراتهم وصورهم وأفلامهم أجزم أنهم يملكون من الأعلام السود أكثر مما يملكون من البنادق، ذلك لأن التصوير الذي يحتاج إلى الأعلام أعظم شأناً عندهم من القتال الذي يحتاج إلى البنادق. قد يتهمني قومٌ بالمبالغة، والفَيْصَل بيننا والحكَم هو إصداراتهم. خذوا عشرة من الأفلام التي أصدروها لترويج إنجازاتهم ولن تجدوا فيها سوى بضع تفجيرات واقتحامات، والباقي خطب ومهرجانات واستعراضات وغزوات لتهديم الأضرحة.

فأين هذا من هذا يا أيّها المُفْترون في “دولة البغدادي”؟ ألا كنتم ساعدتم أهل حمص المحاصَرين كما صنع الشيخان قبل أن تتعبوا أنفسكم بتلك التمثيلية السمجة التي لم يفرح بها ولم يطبّل لها إلا الصمّ العُمْيُ من أتباع داعش وأنصارها المصفّقين؟

*   *   *

هذه أمثلة فحسب، وهي نقطة في بحر إعلام داعش اللجّي الأسود، وما إعلامها إلا نقطة في بحر بغيها وعدوانها على أهل الشام وثورة الشام وجهاد الشام، ولنا عودة مع “داعش: السجل الأسود” إن شاء الله.

هذا المنشور نشر في داعشيات, رسائل الثورة. حفظ الرابط الثابت.

التعليقات

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s