الهدنة وما بعدها

الهدنة وما بعدها

مجاهد ديرانية

-1-

قال لي بعض الإخوة منذ عدة أسابيع: ألا تكتب عن الهدنة؟ قلت: لن أفعل؛ إن قلمي لا يطاوعني، وإني لأخجل من نفسي قبل أن أخجل من الناس، فكيف أتقاعس عن نجدة المنكوبين ثم أتجاسر على لومهم، أنا الشبعان وهم الجائعون، أنا الآمن وهم الخائفون، أنا الطليق وهم المحاصَرون؟ ليس لَومُهم حقاً لي ولا هو مما يصنعه إنسان ذو مروءة، بل لا يقدر أن يصنعه إنسان، أي إنسان كان.

إن الهدنة خطأ فاحش، بل هي خطيئة في حق الثورة، والذين هادنوا يعرفون أنها كذلك أكثرَ مني ومن ألفٍ من أمثالي، ولأنهم يعرفون فإنهم لم يهادنوا بعد أسبوع من الحصار ولا بعد شهر ولا شهرين ولا ستة أشهر؛ لقد صبر بعضُهم سنةً وصبر بعضُهم سنتين، ولكن إلى متى يَسعهم الصبر؟

نعم، لقد خجلت من الكتابة في هذا الموضوع المؤلم، ثم مَرّت الأسابيع فلحقَت بالهدنة الأولى ثانيةٌ وثالثة ورابعة، حتى صارت الهُدَنُ شعارَ الوقت، فلم أستطع أن لا أكتب لأنني شعرت أن عدم الكتابة خيانة للمهادنين ولغير المهادنين، بل للثورة وللشعب السوري كله، فاستعنت بالله.

-2-

ابتداءً لا بد من كلمة حق: ليس المهادنون هم المَلومين. لقد صمد المحاصَرون طويلاً وصبروا صبراً عجيباً لا يقوى عليه إلاّ الأجلادُ المؤمنون. كان بوسعهم أن يستسلموا بعد شهر من الحصار، ولم يفعلوا، أو بعد شهرين وثلاثة، ولم يفعلوا، ولو أنهم رفعوا الراية البيضاء حينما سقط أول صَرْعى الجوع بينهم لما لامَهم أحد، وأيضاً لم يفعلوا.

فَنِيَ طعامهم حتى أكلوا حشيش الأرض، وحُرم مرضاهم من العلاج وأولادهم من التعليم، وعانَوا من انقطاع الماء والكهرباء فعاشوا أوقاتاً طويلة بلا ماء ولا كهرباء، وحُصروا في الرقعة الصغيرة من الأرض كما يُحصَر الطائر في القفص، ورغم ذلك كله لبثوا صامدين صابرين الشهرَ بعد الشهر بعد الشهر، يستصرخون فلا سامع ويستغيثون ولا مُغيث.

يا قارئ هذه المقالة: جرب أن تجوع يوماً. ليس جوعَ الصيام الذي يبدأ بوليمة قبل الفجر وينتهي بوليمة بعد الغروب، بل جوعَ الحرمان الذي يبدأ بكوب مَرَق وينتهي بكوب مرق بينهما العدد من الأيام. أو إن شئت فدع ذلك كله واترك الأكل يومين فحسب، ثم انظر أيَّ ألم تتألمه أحشاؤك وانظر ما يحل بجسمك من وَهْن وبعقلك من كلال. وإن أنت احتملت الجوع في أحشائك فماذا تصنع بقلبك الذي يتمزق حين يناشدك أطفالك أن تأتيهم برغيف خبز فلا تجد رغيف الخبز، وحين تسمع بكاء الرضيع، ثم تراه يذوي بين يديك يوماً بعد يوم حتى يعود كالعود الجاف تساقط عنه الورق وما زال يفقد نضارته حتى يبس وانقصف؟

تخيل أن يموت مريضك بين يديك لأنك لا تستطيع أن تحضر له الدواء، ويموت رضيعك أمام ناظريك لأنك لا تستطيع أن تحضر له الحليب، وبينك وبين الحليب والدواء مئة متر، بينك وبين الحليب والدواء جدارٌ من الحصار باطنُه جوعٌ ومرض وحرمان، وظاهِرُه عافيةٌ ورَفاهة وأمان.

-3-

لا يا سادة، لا نلوم المهادنين، إنما نلوم أنفسنا، فإننا نحن المَلومون. يُلام من نسي إخوانه وتركهم في الخوف والجوع الشهورَ الطوال، من كان يستطيع أن يدفع عنهم شيئاً من المعاناة بشيء من العطاء، ثم لم يفعل، من تعامى عن مأساتهم وهو يراها مصوَّرةً وتصَامَّ عن آهاتهم وهو يسمعها مسجَّلة، في مئات المقاطع التي استماتوا في تصويرها وتوصيلها لأنهم ما يزالون يأمُلون الخير في إخوانٍ لهم وراء الحصار.

ويُلام أصحاب الكتائب الذين تفرقوا شِيَعاً وطرائق لكل جماعة طريقة ولكل كتيبة أمير. ومن أين يأتي النصر إذا كان في منطقة طولها ميل وعرضها ميل مئة كتيبة ومئة أمير؟

ثم نلوم الفصائل المجاهدة الكبرى، وعلى رأسها الجبهة الإسلامية، لوم المحب للمحب والصديق للصديق. لقد منحكم الشعب السوري ثقته ودعمه، وإنّ أوجب واجباتكم أن تخففوا عنه الآلام. نعلم أننا نطلب أمراً صعباً، ولعلكم تقولون إنه مستحيل، ولكن الإرادة الصادقة والإدارة الحاذقة والاستعانة بالله تقهر المستحيل.

إن المحاصَرين ينتظرون من يساعدهم وينقذهم من الحصار، ولن تستطيع إنقاذَهم إلا قوة كبيرة منظمة تعتمد على خطة محكمة وموارد كافية. لقد استعمل المتحاربون سلاح الحصار منذ أقدم الأزمان، وهو أمر مكرور مشهور استفرغت الدراساتُ العسكرية الوسعَ في دراسته، فصار من المسلَّمات أن المحاصَرين لا يستطيعون فكّ الحصار إلا بواحدة من اثنتين: خيانة من العدو المحاصِر أو نجدة من صديق من خارج الحصار. ومهما يكن فك الحصار من خارجه صعباً فإنه أهون وأقل كلفة من استمراره حتى الاستسلام.

هذا مع العلم بأن أي هدنة من الهُدَن التي عقدت حتى الآن لم تصل إلى درجة الاستسلام، وغاية ما يمكن أن توصَف به هو أنها هُدَن مؤقتة بشروط محددة، وهي في أصلها غير ممنوعة شرعاً، ومن لجأ إليها مضطراً فلا يجوز الطعن في دينه ولا في إخلاصه أو وطنيته. ولو أننا تحرينا الوضع الميداني في المناطق المهادِنة فسوف نجد أن الجيش الحر لم يتخلّ عن سلاحه فيها وما يزال هو المسيطر على الأرض داخلها، كما أن النظام لم يفكّ الحصار عنها وإنما هو فتح فيه ثغرة سمح بمرور الأغذية عبرها بكميات محدودة، كما سمح للمدنيين بالتحرك على الجانبين، فكأنّ ما حصل ليس سوى “وقف مؤقت لإطلاق النار”.

-4-

لكي نفهم الهُدَن وندرك أخطارها ونستشرف ما وراءها يتوجب علينا أن نعرف جواب السؤال المهم: لماذا حرص النظام عليها وسعى إليها، وما يزال يسعى إليها حتى كتابة هذه السطور؟

يبدو أن سفاح سوريا الأكبر تأكد بصورة قاطعة أن المجتمع الدولي (بما فيه روسيا) قد اتفق على إخراجه من المعادلة تمهيداً لحلها حلاً سياسياً يُرضي كل الأطراف الإقليمية والدولية، وبما أنه مصرٌّ على البقاء فإن أمله الوحيد هو في الحل العسكري الذي سيقطع الطريقَ على المسار السياسي التفاوضي. لذلك بذل الوفدُ الحكومي المفاوض أقصى جهده لإجهاض مؤتمر جنيف، وقد فعل، وبدأت على الفور تهيئة المسرح الداخلي بالديكورات والرتوش اللازمة، فخرجت “المسيرات العفوية” في المناطق المحتلة في العاصمة وهي تحمل شعارات التأييد للرئيس و”تناشده” أن يترشح لولاية دستورية جديدة!

إذا كان الافتراض السابق صحيحاً فإن الحملة العسكرية الجديدة ستكون من أشرس وأعنف حروب النظام، وقد بدأت فعلاً بمعركة القلمون التي ستكون نتيجتُها حاسمةً للطرفين، كما أن النظام يوشك أن يفتح معركة أخرى كبيرة في حلب كما يبدو، وهذا هو التفسير الأظهر لاستهدافها المكثف ببراميل الموت والدمار خلال الأسابيع الأخيرة، فإن من المعروف أن الجيوش تلجأ إلى القصف المكثف بالطيارات والمدافع قبل الهجوم البري بالدروع والمشاة.

وبما أن النظام بات عاجزاً عن القتال في الجبهات كلها في وقت واحد فإنه مضطر إلى تجميد بعض الجبهات وتحييد بعض المناطق لكي يتفرغ للقتال في غيرها، وهذا يعني أن كل هدنة في أي منطقة هي خنجر في ظهر منطقة أخرى. ويمكنني أن أضيف: إن الهدنة التي تعقدها أي منطقة مع النظام هي خنجر معجَّل في ظهر منطقة غيرها، ولكنها أيضاً خنجر مؤجَّل في ظهرها هي نفسها، لأن النظام لن يُبقي أحداً في نهاية المطاف، وإنما هي أدوار، فاليوم يحيّد بعضاً ويأكل غيرهم، وغداً يأكل من كانوا محيَّدين.

-5-

إنها المعركة المصيرية بالنسبة للسفاح الأكبر، بشار الأسد، فهي الفيصل بين بقائه وفنائه، ولذلك فإنه سوف يمضي فيها إلى غايتها ولن يبالي بأن تحترق سوريا بالنار في سبيل نجاته وحياته. إنه يريد أن يحقق الانتصار على الأرض السورية كلها، ومن هنا تأتي أهمية معركة حلب ومعركة القلمون، ولكنه يعلم أيضاً أن المعركة الفاصلة والنهائية هي معركة دمشق، لذلك فإنه يديرها بدهاء وذكاء، يؤجلها لتكون اللقمة الأخيرة، وهذا هو سرّ المصالحات والمهادنات التي اجتاحت المناطق المحيطة بدمشق مؤخراً فتساقطت فيها كأحجار الدومينو.

كان عرض النظام في العام المنصرم هو “الجوع أو الركوع”، الآن صار الخيار هو: “الاستسلام والرضوخ للهدنة أو الموت والدمار بالبراميل”. اضطرت الأحياء والمناطق الأضعف إلى القَبول بالهدنة أو أنها في طريقها إلى الموافقة عليها، أما المناطق الأقوى والأقدر على الصمود فإنها ستتعرض لضغط متعاظم وقصف عنيف حتى تستسلم، وما يحصل في داريا منذ أسابيع نموذجٌ لما يمكن أن تتعرض له الأحياء والمناطق التي سترفض الهُدَنَ في الأيام القادمة.

من مصلحة الثورة أن تحاول استقراء الواقع ومعرفة هدف التسويات القادمة لكي تحاول تلافيها، وتلافيها يبدأ بنجدة أهاليها وفتح ثغرات في الحصار المفروض عليها. يبدو أن النظام يسعى إلى هدنتين جديدتين، واحدة في الجنوب والأخرى في الشرق، ويبدو أن هدف الشرق سيكون حرستا وهدف الجنوب سيكون حي التضامن، فقد خسر الحي عمقَه الجغرافي بهدنة ببيلا التي تحدّه من الشرق وهدنة مخيم اليرموك الذي يحده من الغرب، بالإضافة إلى خسارة السبينة (التي تحده من الجنوب) التي سقطت منذ عدة أشهر، أما في الشمال فتمتد مناطق تخضع حالياً لسيطرة النظام بالكامل، الميدان والشاغور ودف الشوك.

التسويات الأخيرة الخطيرة في الجنوب لم تترك خيارات لحي التضامن، فإما أن يقبل بالهدنة (التي لم نسمع عنها بعد، وربما كانت تُطبَخ في الخفاء في هذه الأثناء) أو سيتعرض للقصف والاجتياح، ولو أنه سقط -لا قدّر الله- فسوف ينفتح الطريق إلى آخر وأهم معاقل الثورة في الجنوب، الحجر الأسود، المنطقة التي تضخمت أعدادُ المقاتلين فيها خلال الأسابيع الأخيرة لأنها استقطبت أكثرَ الكتائب التي رفضت الهدنة في مناطق الجنوب المهادِنة، وهذا يعني أن معركة الحجر ستكون من أشرس معارك الجنوب وأكثرها كلفة في الخسائر العمرانية والبشرية لا قدّر الله.

-6-

على أن المعركة الأخطر والأكبر، وربما آخر ملاحم الثورة، هي معركة الغوطة الشرقية. لقد بدأ النظام بتأمين بوابة الغوطة بهدنتَي برزة والقابون، وليس مستبعَداً أن تلحق بهما جوبر قريباً، ويتزايد الضغط على حرستا التي باتت أخطرَ موقع مرشح لعقد هدنة جديدة حالياً، لأن تحييدها سيتيح للنظام إحكامَ السيطرة على المتحلق الشمالي ويمكّنه من عزل الغوطة عن القلمون، ومن ثَمّ سينفتح الطريق أمامه إلى عربين وزملكا ومسرابا وعين ترما، وإلى المنطقة الأهم والأخطر على الإطلاق: دوما.

إن الغوطة الشرقية هي معقل الثورة الأكبر في دمشق وأريافها، ودوما هي قصبة الغوطة الشرقية وعاصمتها وخزّانها العسكري والبشري، وسوف تكون هي الهدف الأساسي من حملة النظام الكبرى. غالباً لن يحاول النظام أن يعرض الهدنة على دوما لأنه يعلم أنها لن تهادن، ومن أجل ذلك فإنه سيُحكم الحصار عليها بالهُدَن والمصالحات التي سيعقدها حولها، وبعد ذلك سيكون الخيار الوحيد الذي يملكه لإخضاعها هو اجتياحها برياً، ولكنه لن يخاطر بحرب برية ستكون باهظة الكلفة إلاّ بعد تمهيد طويل بالقصف الجوي والمدفعي والصاروخي، فماذا يستطيع مجاهدو الغوطة أن يفعلوا؟

الثورة في سوريا لديها اليوم فرصة نادرة قد لا تتكرر في خمسين سنة قادمة أو مئة سنة: بضعة عشر ألفاً من المجاهدين في أفضل الجماعات المسلحة تننظيماً وتدريباً، في جيش الإسلام واتحاد أجناد الشام وبعض التجمعات المحلية الأخرى في الغوطة، لو أنهم انتظروا الفعل ليتصرّفوا بردّ الفعل فسوف يجرّهم العدو إلى معركته التي يريد والتي ستكون فُرَصهم فيها محدودة جداً. الحل هو عكس الترتيب: قيادة المعركة وإلجاء العدو إلى رَدّات الفعل. الحل هو فك الحصار في الشرق وتمديد الجبهة ونقل خطوط التماس في الغرب، باتجاه عمق العاصمة. مهما تكن الصعوبة والتضحيات في هذا التكتيك فإنه يبدو أهون بكثير وأقل كلفة من انتظار ألف برميل لا قَدّر الله.

-7-

أخيراً سوف يتساءل كثيرون: هل في هذا الشرّ خير؟ الجواب: نعم، يقول ربنا جلّ وتعالى: {أوَلمّا أصابتكم مصيبةٌ قلتم أنّى هذا؟ قل هو من عند أنفسكم}. ثم يقول: {وما أصابكم يوم التقى الجمعان فبإذن الله}. ففهمنا من الآيتين أن المصيبة التي أصابت المؤمنين كانت بسبب خطئهم الذي ارتكبوه، ولكنها كانت أيضاً بإذن الله (ولا يكون في الكون شيء إلا بإذنه). لماذا يا رب؟ قال: {وليعلم المؤمنين، وليعلم الذين نافقوا}.

لقد كشفت الهُدَن والمصالحات خفايا وبلايا وهتكت الاقنعة عن وجوه رجال كان الناس يحسبونهم على خير، ولسوف تستمر حتى تنقّي الثورةَ من الخبث ومن الضعف ومن التردد والشك واليأس وقلّة الثقة بالله. وليس هذا إجراء تجميلياً تحتاج الثورة السورية إليه اليوم، بل إنه علاج حيوي لا بد منه لأن الثورة تستعد لإقلاع جديد، توشك أن تولد مرة أخرى (وسوف نتحدث عن هذا الأمر المهم في كتابات قادمة إن شاء الله)، وفي مرحلة الإقلاع الجديد أو الولادة الثانية تحتاج الثورة إلى جسم قوي سليم معافى من العيوب.

إنني موقن أصدقَ اليقين وأعمقَه بأن الله لن يتخلى عن هذه الثورة المباركة وسوف يرعاها إلى آخر الطريق بإذنه تعالى، ولن تكون الهُدَن في نتيجتها النهائية إلا خيراً إن شاء الله، ولأنها كذلك فإنها لن تعيش طويلاً، أسابيعَ أو أشهراً، يرتاح فيها الناس ويلتقطون أنفاسهم ثم يستأنفون ثورتهم من جديد.

هذا المنشور نشر في رسائل الثورة. حفظ الرابط الثابت.

التعليقات

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s